روائع من التاريخ الإسلامي: 37 قصة قصيرة فيها عبرة وحكمة
في دروب التاريخ الإسلامي، تتناثر جواهر الحكم ومواقف الرجال التي لا يطويها النسيان. نضع بين أيديكم في هذا المقال مجموعة مختارة من القصص والمواقف المؤثرة للصحابة والتابعين والصالحين، تحمل في طياتها دروساً في الفطنة، والورع، والذكاء، وحسن الخلق.
فطنة أبي بكر الصديق في الهجرة
على دروب الصحراء، وفي رحلة الهجرة التي كانت قريش تسعى لإجهاضها، انطلق الركب المبارك؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه. كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتطي دابته، وأبو بكر رديفه، وقد أحاطت بهما عناية الله وحفظه.
كان أبو بكر رضي الله عنه -بحكم رحلاته التجارية الكثيرة إلى الشام- معروفاً لدى القبائل التي يمر بها، فما كان يمر بقوم أو يلتقي بركب في تلك الفيافي إلا ويميزه بعضهم، فيسألونه بلهجة المتعجب: "من هذا الرجل الذي يتقدمك يا أبا بكر؟".
هنا تتجلى فطنة الصديق وحكمته وذكاؤه في إبعاد الشبهة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت العصيب؛ فقد كان يعلم أن كل كلمة قد تكشف السر وتعرض صاحبه للخطر، فما وجد جواباً أبلغ ولا أحكم من قوله موارياً عن الحقيقة الظاهرة، لكنه صادق في معناه البعيد: "هذا هادٍ يهديني السبيل".
يقصد الصديق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هادٍ إلى طريق الخير والإيمان، ويقصد السامع أنها دلالة الطريق في السفر، فيطمئن القوم ويمضي أبو بكر في ركبه مُسلِّماً نبيه بأفصح جواب وأحكمه. فسلام على الصديق وفطنته وصدقه.
بكاء أبي بكر وفهمه لإشارة النبي
وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه يخطب فيهم خطبة الوداع، أو خطبة حملت نذير الرحيل. كان حديثه كأنه قطرات ندى تبلل الأرواح وتوقظ القلوب، ثم تفجر لسان النبوة بالقول الصادق: "إن الله خيّر عبداً بين الدنيا وما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله".
كان الصحابة الكرام يستمعون في سكينة ووقار، يظنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم عن أحد الأنبياء الماضيين أو عن رجل صالح أدركته ساعته. لكنهم لاحظوا مشهداً عجيباً؛ فقد كان إلى جانبه صاحبه ووزيره أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وفجأة فاضت عيناه بالدمع الغزير وبكى بكاءً حاراً متواصلاً حتى تعجب القوم من حوله.
نظر بعضهم إلى بعض، وتساءلوا في همس: "ما بال أبي بكر يبكي؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن عبد خُيّر بين متاع زائل وبين لقاء خالقه، فلماذا هذا التأثر المفرط وهذا البكاء الذي هز ضلوعه؟".
لقد كان هذا المشهد سراً لم يدركه أحد من الصحابة إلا أبو بكر وحده؛ لقد أدرك الصديق بفطنته الشفافة التي لم تُحجب بغفلة ولا وهم، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يحدث عن أحد آخر، بل كان يخبرهم عن نفسه الشريفة، وأن "عبد الله" الذي خُيّر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، وأن وقت انتقاله إلى الرفيق الأعلى قد اقترب، وأنه اختار ما عند الله ورضوانه.
لقد كان أبو بكر أعلمهم وأفقههم بمراد النبي صلى الله عليه وسلم وبمعاني كلامه التي تحمل الإشارة قبل العبارة، فلم يكن بكاؤه بكاء ضعف، بل كان بكاء الفهم العميق والقلب المتصل والمحب الذي علم أن ساعات الوصال قد أوشكت على الانتهاء. فسلام على الصديق الذي أحب فأدرك، وفهم فبكى.
عمر بن الخطاب وحيلة الثوب المعيب
قَدِمت على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقمشة وحُلل نفيسة جلبت من اليمن، وكانت قسماً من المال العام الذي يجب توزيعه على المسلمين. وقد كان عمر رضي الله عنه شديد الحرص والتدقيق في إدارة هذا المال، فلا يدع شاردة ولا واردة إلا وضعها في موضعها المناسب وأعطاها مستحقها.
شرع الفاروق في قسمة هذه الحلل بين أصحابها، وبينما هو يقلب الأقمشة وقعت عينه على حلة واحدة قد خالطها بعض الرداءة والعيوب، لم تكن بجودة أخواتها. تأملها عمر في حيرة، وقال في نفسه: "كيف أصنع بهذه؟ إنني إذا أعطيتها أحداً من سادة القوم ردها عليّ لما فيها من العيب الظاهر". وهو لا يريد أن تُهدر هذه الحلة، فكيف يتخلص منها ويردها إلى نفع المسلمين دون أن يظلم أحداً؟
هنا تجلت حكمة الإدارة النادرة التي كانت صفة الفاروق. لقد طوى تلك الحلة الرديئة ووضعها تحت مجلسه وأخرج طرفاً منها لتكون بارزة في مرمى النظر، ثم وضع الحلل الجيدة أمامه وأخذ يقسمها على الناس.
وفي تلك الأثناء دخل الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه -حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم- فرآه على تلك الحالة، وشاءت الفطرة الإنسانية أن تنجذب عين الزبير إلى طرف تلك الحلة المخبأة تحت مجلس عمر، فأخذ يسأل بفضول مُلح: "يا أمير المؤمنين، ما هذه الحلة؟". حاول عمر أن يصرفه عنها، فقال له: "دع هذه عنك، فإنك لا ترضاها".
لكن الزبير ازداد إصراراً وتعجباً، فما زال يلح قائلاً: "ما هي؟ ما شأنها؟ أعطنيها". عندئذ رأى عمر الفرصة سانحة للتخلص منها، ولكي يقطع على الزبير طريق الاعتراض أو الرد، اشترط عليه شرطاً قاطعاً: "سأعطيك إياها، لكن بشرط أن تقبلها ولا تردها عليّ أبداً".
لم يتردد الزبير في إبرام البيع والشراء، فقال: "بلى قد رضيتها وتوثقت بعهدك". عندها رمى بها عمر إليه، فلما أخذ الزبير الحلة ونظر إليها مقلباً إياها إذا هي رديئة حقاً، ففزع وقال: "لا أريدها يا أمير المؤمنين، إنها ليست كما ظننت".
فابتسم عمر ابتسامة الحاكم الحكيم الذي نفذ مراده وقال له بحزم: "هيهات، لقد فرغت منها، فاجعلها في ثيابك"، وأجازها عليه وأبى أن يقبلها منه بعد ذلك التوثق. هكذا ضمن الفاروق ألا يضيع من مال المسلمين شيء، وأن تستهلك كل الأجزاء حتى المعيبة منها بطريقة تليق بحكمة أمير المؤمنين وفطنته الإدارية.
إيثار جرير بن عبد الله ورسالة عمر في النية
لقد كانت أياماً عصيبة، فالأخبار تتواتر عن عظمة مُلك الفرس وقوتهم وشدة بأس جندهم، لهذا كان القوم يتهيبون خوض المعارك في أرض العراق المليئة بالأعاجم والجند المدرب. في هذه الظروف التفت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي، وهو يعلم في جرير الشجاعة والقيادة الحكيمة، فقال له مقولة القائد الملهم: "سِر بقومك فما غلبت عليه غداً فلك ربعه".
كانت هذه العطية "الربع" هي الجُعل أو الترغيب الذي أراد به عمر أن يشجع جريراً وقومه على الإقدام وكسر حاجز التخوف من قتال الأعاجم. مضى جرير وقومه بخطى الواثق المطمئن، غابوا في عمق المعارك الطاحنة حتى نصرهم الله نصراً مؤزراً في موقعة جلولاء العظيمة، وعادوا محملين بالغنائم الوفيرة التي أغار بها المسلمون على خزانة الفرس.
فلما جُمعت الغنائم ادعى جرير حقه في الربع الذي وعده به أمير المؤمنين. كتب القائد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى عمر يستفتيه في الأمر: "فهل يُعطى جرير الربع كاملاً كما وعده به الفاروق؟".
هنا سطر عمر بن الخطاب بكلماته أفصح بيان في فقه النية وتصحيح المقاصد، فكتب إلى سعد يقر بوعده لجرير قائلاً: "صدق جرير، قد قلت ذلك له"، ثم أتبعها بكلام القائد الذي يحرر القلوب من شوائب الدنيا: "فإن شاء أن يكون قاتل هو وقومه على جُعل -أي مقابل دنيوي- فأعطوه جعله، وإن يكن إنما قاتل لله ولرسوله ولدينه وحسبه، فهو رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم".
وصل الكتاب إلى سعد، دعا جريراً وأخبره بما كتب به أمير المؤمنين. كان كلام عمر نوراً كاشفاً أضاء قلب جرير، وأيقظ فيه عظمة الغاية، فلما أدرك جرير أن الأمر قد أصبح بين الدنيا وبين الآخرة، نطق بلسان المؤمن المؤثر الذي يزكي جهاده لله، قال: "صدق أمير المؤمنين، لا حاجة لي به، بل أنا رجل من المسلمين، لي ما لهم، وعلي ما عليهم".
هكذا أثر عمر بكلمته الحكيمة في نفس جرير فرفعت نيته، وفاز بصدق القتال لله تعالى. فسلام على الفاروق الذي فهم سر الجهاد، وسلام على جرير الذي أدرك روعة مقام الإيثار.
دهاء علي بن أبي طالب في كشف مكر الوديعة
في زمن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه جرت حادثة عجيبة، كشفت عن دهاء بعض الناس وحاجة القضاء إلى البصيرة النافذة والفطنة المضيئة.
لقد اتفق رجلان من قريش على مكر وتظاهرا بالثقة والإيداع، فأتيا امرأة وأودعا عندها 100 دينار، واشترطا عليها شرطاً بيناً صارماً: "لا تدفعي هذه الدنانير إلى واحد منا دون صاحبه، حتى نجتمع نحن الاثنان"، ثم انصرفا. وتركت المرأة المال عندها أمانة في عنقها.
لبث الأمر على حاله حولاً كاملاً، ثم عاد أحدهما إليها مدعياً كذباً وادعاء باطلاً: "إن صاحبي قد مات، فادفعي إليّ الدنانير، فقد أصبح المال لي". لكن المرأة كانت حافظة لعهدها، فأبت وامتنعت بقوة وقالت: "كلا، لقد اشترطتما عليّ ألا أدفعهما إلا إذا اجتمعتما، ولست بدافعتها إليك وحدك".
هنا بدأ الماكر يثقل عليها ويستعين بأهلها وجيرانها ليلحوا عليها بالدفع ويقنعوها بأن موت الشريك قد أسقط الشرط، فلم يزالوا بها حتى خارت عزيمتها وغلبتها المشورة، فدفعت إليه الدنانير.
وبعد عام آخر جاء الرجل الثاني -وهو الذي كان شريكاً في المكر- ووقف أمامها بكل برود يطلب ماله: "ادفعي إليّ الدنانير التي استودعتك إياها". فزعت المرأة وقالت له ما حدث، وأن صاحبه جاء وزعم موته فدفعتها إليه، فما كان من الماكر إلا أن اختصمها ورفع الأمر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
رأى عمر في ظاهر القول أن المرأة قد قصرت وأخلت بالشرط، فأراد أن يقضي عليها برد الدنانير، لكن المرأة استغاثت بفطنة وقالت: "أنشدك الله ألا تقضي بيننا حتى تستشير".
عرف عمر فقه علي رضي الله عنه في القضاء، فرفع الخصومة إليه. نظر علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الأمر وتأمل في قسوة الشرط وغرابة موقف الرجلين، فأدرك على الفور بنور بصيرته أنهما قد مكرا بها، وأنهما متفقان على هذه الحيلة لكي يستوليا على المال دون أن يتمكنا من رده أو الاعتراف بالاتفاق.
فالتفت إلى الرجل الذي جاء يختصم وقال له بلهجة الواثق المطمئن: "أليس قد قلتما لها لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه؟". قال الرجل: "بلى". فقال له علي قوله الفاصل الذي أسقط المكر في حفرته: "إذن فإن مالك عندنا محفوظ، فاذهب الآن وجِئ بصاحبك الذي اشترطت مجيئه حتى ندفع الدنانير إليكما معاً".
فبُهت الرجل، وانكشف أمره، ووقعت حيلته في شباك حكمته، وعادت المرأة بريئة من تهمة الإخلال بالأمانة. فسلام على علي قاضي الإسلام الذي لم تخادع بصيرته حيلة، ولم يضل فقهه مكر ماكر.
أدب عبد الله بن عمر وحياؤه في مجلس النبي
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس يوماً بين أصحابه الكرام يعلمهم، وينشط عقولهم، ويربي فيهم سرعة البديهة والفهم العميق للمعاني. وفي تلك الجلسة المباركة طرح عليهم سؤالاً عظيماً يربط فيه بين جمال الخلق وحقيقة الإيمان، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المؤمن، فحدثوني ما هي؟".
سكت القوم وهم يتفكرون، وأخذت عقولهم تسبح في شجر البوادي والأودية يتخيلون الأشجار الضخمة ذات الخضرة الدائمة، لكنهم لم يهتدوا إلى المقصود. كان في القوم شاب صغير السن يجلس في سكون، إنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ذلك الصحابي الجليل الذي نشأ في رحاب النبوة وامتلك ذهناً متوقداً.
يقول عبد الله عن نفسه: "فوقع في نفسي أنها النخلة". نعم هي النخلة الشامخة التي كلها خير وبركة، وظلها ومنظرها وجذعها وثمرها، وهي لا ينقضي نفعها ولا يسقط ورقها إلا لينبت غيره، فحالها كحال المسلم الذي لا ينقطع خيره أبداً.
لقد أدرك الفتى الإجابة بفطرته الذكية، لكنه استحيى أن يتكلم، فقد كان بين كبار الصحابة كأبي بكر وعمر، فكيف يتكلم الغلام ويسكت الشيوخ؟ طال الصمت، ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكشف لهم السر, فقال عليه الصلاة والسلام: "هي النخلة". فتنفس عبد الله الصعداء وعلم أن فطنته كانت في محلها، لكنه ظل صامتاً يحترم الكبير ويوقر مجلس النبوة.
لما انفض المجلس ذكر عبد الله الأمر لوالده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال له: "إن الجواب قد وقع في نفسي، لكنني استحييت من القول". هنا تتجلى فرحة الأب بفطنة ابنه وتأسفه على صمته، فقال عمر بكلمته الذهبية التي تفيض حباً وفخراً: "لأن تكون قلت هي النخلة، أحب إليّ من كذا وكذا".
إن عمر لم يفرح بالإجابة فقط، بل فرح بذكاء ابنه الذي نال السبق في فهم مراد النبي صلى الله عليه وسلم، وعلم أن النبوغ قد أشرق في نسله. ولو أن عبد الله تكلم لكان مدح النبي صلى الله عليه وسلم له وسام شرف يفوق كل متاع الدنيا. فسلام على تلك الشجرة المباركة، وسلام على تلك الفطنة المستحية.
ذكاء القاضي إياس بن معاوية (قصة المشط)
لقد كان إياس بن معاوية رحمه الله علماً في القضاء وفصل الخصومات، لم يدركه أحد من أقرانه في الفطنة وذكاء القلب حتى أصبح مضرباً للأمثال. لقد أضاءت عدالته الساحات، وشهد له الشعر قبل التاريخ، وإياه عنى الشاعر أبو تمام حين قال: "إقدام عمرو في سماحة حاتم... في حلم أحنف في ذكاء إياسِ".
وفي يوم من أيام قضائه تحاكم إليه رجلان، وفي عين كل منهما لجة من الحجج والادعاءات، والعدل يقتضي الإنصات والتفحص. تقدم أحد الرجلين يروي قصته، فقال: "يا أيها القاضي، إنني نزلت إلى النهر لأستحم، وكانت لي قطيفة خضراء جديدة نفيسة وضعتها على جانب النهر. فجاء هذا الرجل وعليه قطيفة حمراء بالية عتيقة، وضعها إلى جانب قطيفتي ثم نزل الماء. ولما قضينا حاجتنا من الاستحمام وخرجنا، سبقني هذا الرجل المدعي وأخذ قطيفتي الخضراء بدلاً من قطيفته الحمراء".
سأل القاضي إياس الرجل المدعي بالباطل، فأنكر، وادعى أن القطيفة الخضراء هي ملكه الأصلي. وهنا وقع القاضي إياس في مأزق الإثبات، فسأل: "ألكما بينة أو شهود يشهدون على القطيفة أو حادثة السرقة؟"، فقال: "لا بينة لنا، فالأمر كان خالياً من الشاهد".
توقف إياس هنيهة وأعمل عقله الفذ وفطنته التي لم يسبقه إليها أحد. لقد علم أن البينات قد تضيع، لكن طبيعة الأشياء لا تكذب. فأمر بإحضار مشط على الفور. وحين جاء المشط أمر أن يمشط به رأس الرجل المدعي بالباطل (الذي أخذ القطيفة الخضراء) ورأس الرجل صاحب الحق.
فلما مُشط رأس الرجل صاحب القطيفة الحمراء البالية لم يخرج منه شيء، ولما مُشط رأس الرجل المدعي بالباطل، خرج من بين أسنان المشط خيوط الصوف الأخضر! وهي خيوط دقيقة كانت قد علقت بشعره عندما ارتدى القطيفة الخضراء الجديدة التي لم تسقط خيوطها كالقطيفة العتيقة.
وهكذا أثبت ذلك المشط الصغير ما عجزت عنه البينات والشهود، وبذلك انكشف المكر وتبين الظلم. فأمر القاضي إياس بإرجاع القطيفة الخضراء إلى صاحبها، وأخذ على يد السارق. فسلام على فطنة القاضي الذي جعل الجماد شاهداً، وسلام على عقل لم يغلب بالدهاء والمكر.
عشر وصايا ذهبية للزواج السعيد
عشر وصايا من والد لولده المقبل على الزواج:
"أي بني، إنك لن تنال السعادة في بيتك إلا بعشر خصال تمنحها لزوجك، فاحفظها عني واحرص عليها:
- أما الأولى والثانية: فإن النساء يحببن الدلال ويحببن التصريح بالحب، فلا تبخل على زوجتك بذلك، فإن بخلت جعلت بينك وبينها حجاباً من الجفوة ونقصاً في المودة.
- وأما الثالثة: فإن النساء يكرهن الرجل الشديد الحازم في كل أمر، ويستخدمن الرجل الضعيف اللين في كل أمر؛ فاجعل لكل صفة مكانها، فإنه أدعى للحب وأجلب للطمأنينة.
- وأما الرابعة: فإن النساء يحببن من الزوج ما يحب الزوج منهن من طيب الكلام وحسن المنظر ونظافة الثياب وطيب الرائحة، فكن في كل أحوالك كذلك.
- أما الخامسة: فإن البيت مملكة الأنثى، وفيه تشعر أنها متربعة على عرشها، وأنها سيدة فيه. فإياك أن تهدم هذه المملكة التي تعيشها، وإياك أن تحاول أن تزيحها عن عرشها هذا، فإنك إن فعلت نازعتها مُلكها، وليس لملك أشد عداوة ممن ينازعه ملكه وإن أظهر له غير ذلك.
- أما السادسة: فإن المرأة تحب أن تكسب زوجها ولا تخسر أهلها، فإياك أن تجعل نفسك مع أهلها في ميزان واحد؛ أنت أو هم! فهي وإن اختارتك على أهلها، فإنها ستبقى في كمد ينتقل عدواه إلى حياتك اليومية.
- والسابعة: إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وهذا سر الجمال فيها وسر الجذب إليها، وليس هذا عيباً فيها، "فالحاجب زينه العوج". فلا تحمل عليها إن هي أخطأت حملة لا هوادة فيها تحاول تقويم المعوج فتكسرها وكسرها طلاقها، ولا تتركها إن هي أخطأت حتى يزداد اعوجاجها وتتقوقع على نفسها فلا تلين لك بعد ذلك ولا تسمع إليك، ولكن كن دائماً معها بين بين.
- أما الثامنة: فإن معظم النساء يا بني جُبلن على كفر العشير وجحود المعروف، فإن أحسنت لإحداهن دهراً ثم أسأت إليها مرة قالت: "ما وجدت منك خيراً قط". فلا يحملنك هذا الخلق على أن تكرهها وتنفر منها، فإنك إن كرهت منها هذا الخلق رضيت منها غيره.
- أما التاسعة: فإن المرأة يا بني تمر بحالات من الضعف الجسدي والتعب النفسي، حتى إن الله سبحانه وتعالى أسقط عنها مجموعة من الفرائض التي افترضها في هذه الحالات (كالصلاة والصيام) حتى تعود صحتها ويعتدل مزاجها؛ فكن معها في هذه الأحوال ربانياً كما خفف الله سبحانه وتعالى عنها فرائضه، أن تخفف عنها مطالبك وأوامرك.
- أما العاشرة: فاعلم يا بني أن المرأة أسيرة عندك، فارحم أسرها وتجاوز عن ضعفها، تكن لك خير متاع وخير شريك. والسلام."
عبد الله بن مسعود وتوبة المغني "زاذان"
من روائع القصص في حياة الصالحين، رُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه مر ذات يوم في موضع من نواحي الكوفة، فإذا فتيان فساق قد اجتمعوا يشربون، وفيهم مغن يقال له "زاذان" يضرب ويغني، وكان له صوت حسن.
فلما سمع ذلك عبد الله قال: "ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله"، وجعل الرداء على رأسه ومضى. فسمع زاذان قوله، فقال: "من كان هذا؟". قالوا: "عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال: "وأي شيء قال؟". قالوا: "إنه قال ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله تعالى".
فقام من فوره وضرب بالعود على الأرض فكسره، ثم أسرع فأدركه وجعل المنديل في عنق نفسه، وجعل يبكي بين يدي عبد الله بن مسعود. فاعتنقه عبد الله بن مسعود وجعل يبكي كل واحد منهما، ثم قال عبد الله: "كيف لا أحب من قد أحبه الله عز وجل فتاب إلى الله عز وجل من ذنوبه". ولازم من فوره عبد الله بن مسعود حتى تعلم القرآن، وأخذ حظاً وافراً من العلم حتى صار إماماً، وروى عن عبد الله بن مسعود وسلمان وغيرهما.
تعريفات ابن المبارك للناس والملوك
قال ابن المبارك: سألت سفيان الثوري: من الناس؟ قال: العلماء. قلت: من الأشراف؟ قال: المتقون. قلت: من الملوك؟ قال: الزهاد. قلت: فمن الغوغاء؟ قال: القصاص الذين يستأكلون أموال الناس بالكلام. قلت: من السفلة؟ قال: الظلمة.
عزة العلم: الإمام مالك والرشيد
وجّه الرشيد إلى مالك بن أنس ليأتيه فيحدثه، فقال مالك: "إن العلم يُؤتى". فصار الرشيد إلى منزله، فاستند معه إلى الجدار، فقال: "يا أمير المؤمنين، من إجلال الله إجلال العلم". فقام وجلس بين يديه. وبعث إلى سفيان بن عيينة فأتاه وقعد بين يديه وحدث.
فقال الرشيد بعد ذلك: "يا مالك، تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وتواضع لنا علم سفيان فلم ننتفع به". وأراد أن يسمع منه "الموطأ" مع ابنيه، فاستخلى المجلس، فقال مالك: "إن العلم إذا مُنع منه العام لم ينتفع به الخاصة"، فأذن للناس، فدخلوا.
الإيثار العظيم في معركة اليرموك
انطلق حذيفة العدوي يوم موقعة اليرموك إلى ميدان المعركة -وقد احتدم القتال بين المسلمين والمشركين- تلبية لنداء ابن عمه الذي بعث في طلبه بعد أن سقط جريحاً في الميدان. وحمل حذيفة معه بعض الماء، إذ لا يحتاج المقاتل الجريح إلا إلى الماء أولاً ليعالج جفاف حلقه ويرطب لسانه.
أخذ حذيفة يبحث عن ابن عمه حتى وجده وقد نزف أكثر دمه وتدهور حاله، وعلت البسمة وجه الجريح المقاتل وقد وجد ابن عمه، وقبل أن يصب حذيفة الماء في فم ابن عمه، سمعا أنين جريح آخر بجوارهما وهو هشام بن العاص، فأشار ابن عمه إلى حذيفة أن ينطلق بالماء إلى هشام، مقدماً أخاه على نفسه.
فانطلق حذيفة إلى هشام، وقبل أن يسقيه سمعا أنيناً ثالثاً، فأشار هشام إلى حذيفة أن يسقي الثالث، فلما وصل إليه وجده قد مات، فعاد إلى هشام فوجده قد مات، فعاد إلى ابن عمه فوجده قد مات. رحمهم الله جميعاً، ماتوا ولم يشربوا، لكنهم رووا الأرض بدمائهم، ورووا التاريخ بإيثارهم.
أدب العلماء: أبو العالية وابن عباس
دخل أبو العالية على ابن عباس فأقعده معه على السرير وأقعد رجالاً من قريش تحته، فرأى سوء نظرهم إليه وحموضة وجوههم، فقال: "ما لكم تنظرون إليّ نظر الشحيح إلى الغريم المفلس؟ هكذا الأدب؛ يُشرف الصغير على الكبير، ويرفع المملوك على المولى، ويُقعد العبيد على الأسِرّة".
الصفقة الرابحة: حكيم بن حزام
باع حكيم بن حزام داره من معاوية بـ 600 ألف دينار، فقيل له: "غبنك معاوية". فقال: "والله ما أخذتها في الجاهلية إلا بزِقّ خمر. أشهدكم أنها في سبيل الله، فانظروا من المغبون؟".
المسيح عيسى ورد الإساءة بالإحسان
يُروى أن عيسى عليه السلام مر ببعض الخلق فشتموه، ثم مر بآخرين فشتموه، فكلما قالوا شراً قال خيراً. فقال له رجل من الحواريين: "كلما زادوك شراً زدتهم خيراً، كأنك إنما تغريهم بنفسك وتحثهم على شتمك!". فقال: "كل إنسان يعطي مما عنده".
عبد الله بن مرزوق وجمرة الدنيا
روى أبو سعيد بإسناد له أن عبد الله بن مرزوق كان مع المهدي في دنيا واسعة، فشرب ذات يوم على لهو وسماع، فلم يصل الظهر والعصر والمغرب. وفي كل ذلك تنبهه جارية حظية عنده. فلما جاز وقت العشاء، جاءت الجارية بجمرة فوضعتها على رجله فانزعج منها وقال: "ما هذا؟!". قالت: "جمرة من نار الدنيا، فكيف تصنع بنار الآخرة؟".
فبكى بكاءً شديداً، ثم قام إلى الصلاة، ووقع في نفسه مما قالت الجارية، فلم ير شيئاً ينجيه إلا مفارقة ما هو فيه من مال، فأعتق الجواري وتحلل من معامليه وتصدق بما بقي، حتى صار يبيع البقل، وتبعته على ذلك الجارية.
فدل عليه سفيان بن عيينة وفضيل بن عياض، فوجد تحت رأسه لبنة وليس تحته شيء، فقال له سفيان: "إنه لم يدع أحد لله شيئاً إلا عوضه الله منه بدلاً، فما عوضك مما تركت له؟". قال: "عوضني الرضا بما أنا فيه".
زين العابدين ومفهوم النسب الحقيقي
قال طاووس: رأيت رجلاً يصلي في المسجد الحرام تحت الميزاب ويدعو ويبكي في دعائه، فتبعته حين فرغ من الصلاة فإذا هو علي بن الحسين رضي الله عنهما. فقلت: "يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيتك على حالة كذا وكذا، ولك ثلاثة أرجو أن تؤمنك من الخوف: أحدها أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانية شفاعة جدك، والثالثة رحمة الله تعالى".
فقال: "يا طاووس، أما أني ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يؤمنني، وقد سمعت قول الله عز وجل: (فلا أنساب بينهم يومئذ). وأما شفاعة جدي فلا تؤمنني لأن الله تعالى يقول: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى). وأما رحمة الله فإن الله عز وجل يقول: (إن رحمة الله قريب من المحسنين)، ولا أعلم أني محسن".
الحسين بن علي وتحية الجارية
دخلت على الحسين بن علي رضي الله عنهما جارية في يدها طاقة ريحان فحيته بها، فقال لها: "أنت حرة لوجه الله تعالى". قال أنس: فقلت له: "تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟!". فقال: "كذا أدبنا الله عز وجل إذ قال: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها)".
حلم الأحنف بن قيس
وقف رجل عليه مقطعات على الأحنف بن قيس يسبه -وكان عمرو بن الأهتم جعل له 1000 درهم على أن يسفه الأحنف- وجعل لا يألو أن يسبه سباً يغضب، والأحنف مطرق صامت لا يكلمه.
فلما رآه لا يكلمه أقبل الرجل يعض إبهامه ويقول: "يا سوءتاه! والله ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه". قال الأحنف: "ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه".
إحسان محمد بن واسع لكلب
مر محمد بن واسع بعبد عند حائط يحفظه وبين يديه كلب، يأكل لقمة ويطعمه لقمة. فقال له: "إنك تضر بنفسك". فقال: "يا شيخ، عينه بحذاء عيني، أستحي أن آكل ولا أطعمه". فاستحسن ذلك منه، فاشتراه، واشترى الحائط وأعتقه ووهبه له. فقال: "إن كان هذا لي، فهو في سبيل الله". فاستعظم ذلك منه، فقال: "يجود هو وأبخل أنا؟! لا يكون هذا أبداً".
حبيب أبو محمد وصفقة الآخرة
كان سبب إقبال "حبيب أبو محمد" على الآجلة وانتقاله عن العاجلة حضوره مجلس الحسن البصري، فوقعت موعظته في قلبه، فخرج عما كان يتصرف فيه ثقة بالله ومكتفياً بضمانه، فاشترى نفسه من الله، فتصدق بـ 40 ألف درهم في 4 دفعات.
تصدق بـ 10 آلاف درهم في أول النهار، فقال: "يا رب، قد اشتريت نفسي منك بهذا". ثم أتبعها بـ 10 آلاف أخرى، فقال: "هذه شكراً لما وفقتني له". ثم أخرج 10 آلاف أخرى فقال: "يا رب إن لم تقبل مني الأولى والثانية، فاقبل مني هذه". ثم تصدق بعشرة آلاف أخرى، فقال: "يا رب إن قبلت مني الثالثة، فهذه شكراً لها".
أدب سعيد بن سلم مع الشيخ
رُوي أن شيخاً أتى سعيد بن سلم وكلمه في حاجة وماشاه، فوضع زج عصاه التي يتوكأ عليها على رجل سعيد حتى أدماها، فوالله ما تأوه لذلك ولا نهاه. فلما فارقه قيل له: "كيف صبرت منه على هذا؟ ولم لم تنبهه إلى أن يبعد عصاه؟". قال: "خفت أن يعلم جنايته، فينقطع عن ذكر حاجته".
عفو الوالي والخباز
الوليد بن عتبة، والي المدينة، كان وجهه ورقة مصحف، فوالله ما ترك عانياً إلا فكه ولا غريماً إلا أدى عنه، ينظر إلينا بعين أرق من الماء ويكلمنا بكلام أحلى من الجنى. ولقد شهدت منه مشهداً لا أنساه أبداً؛ تغدينا عنده فأقبل الخباز بصحفة، فعثر بوسادة وانتثرت الصحفة من يده، فوالله ما ردها إلا ذقنه وصار ما فيها في حجره، ومثل الغلام ما فيه من الروح إلا ما يقيم رجله من الخوف.
فقام فدخل فغير ثيابه، ثم أقبل تبرق أسارير وجهه، فأقبل على الخباز فقال: "يا بائس، ما أرانا إلا قد روعناك، أنت وأولادك أحرار لوجه الله تعالى".
كرم الوليد بن عتبة
ويروى عن الوليد بن عتبة أن الحسن والحسين رضي الله عنهما قالا له يوماً: "إنك قد أسرفت في بذل المال". فقال: "بأبي أنتما، إن الله عز وجل عودني أن يسبغ عليّ، وعودته أن أسبغ على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فتنقطع عني المادة".
مسلمة بن عبد الملك وجلساء الأدب
كان مسلمة بن عبد الملك إذا كثر عليه أصحاب الحوائج وخشي الضجر، أمر أن يحضر ندماؤه من أهل الأدب، فتذاكروا مكارم الأخلاق في الناس وجميل طرائقهم ومروءاتهم، فيطرب ويهيج ثم يقول: "ائذنوا لأصحاب الحوائج"، فلا يدخل عليه أحد إلا قضى حاجته.
الإيثار حتى الموت
لما ولي عبد الملك بن مروان جفى عبد الله (والي معزول) ورقت حاله، فراح يوماً إلى الجمعة، وجاءه سائل فقال له: "إن كان يقنعك أحد قميصي هذين فخذه مني". فقال: "نعم". فقال: "اللهم إنك عودتني عادة جريت عليها، فإن كان ذلك قد انقطع فاقبضني إليك". فتوفي في الجمعة الأخرى.
تواضع المهتدي في الصلاة
قيل: كان المهتدي يصلي الصلوات كلها في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها. فأقيمت الصلاة يوماً، فقال أعرابي: "يا أمير المؤمنين، لست على طهر وقد رغبت إلى الله تعالى في الصلاة خلفك، فمُر هؤلاء أن ينتظروني". قال: "انتظروه رحمكم الله". ودخل المحراب فوقف إلى أن أقبل وقيل له قد جاء الرجل، فكبر ودخل في صلاته. فعجب الناس من سماحة أخلاقه.
إنصاف المأمون في الظل
قال يحيى بن أكثم: ماشيت المأمون في بستانه ويده في يدي، فكان في الظل وأنا في الشمس. فلما بلغنا ما أردنا ورجعنا، صرت أنا في الفيء (الظل) وصار هو في الشمس، فدرت أنا إلى الشمس، فقال: "لا، ليس هذا بإنصاف؛ كما كنت أنا في الفيء ذاهباً، فكن أنت في الفيء راجعاً".
شعيب بن حرب وسوء الخلق
أراد شعيب بن حرب أن يتزوج امرأة، فقال لها: "إني سيء الخلق". فقالت: "أسوأ خلقاً منك من يحوجك إلى أن تكون سيء الخلق".
صاحب النقب المجهول
حاصر مسلمة بن عبد الملك حصناً، فندب الناس إلى نقب منه، فما دخله أحد، فجاء رجل من عرض الجيش فدخله ففتح الله عليهم. فنادى مسلمة: "أين صاحب النقب؟". فما جاءه أحد، فنادى: "إني قد أمرت الآذن -أي الحاجب- بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه بالله إلا جاء".
فجاء رجل فقال: "استأذن لي على الأمير"، فقال له: "أنت صاحب النقب؟". فقال: "أنا أخبركم عنه". فأتى مسلمة فأخبره فأذن له. فقال الرجل: "إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً: ألا تسودوا -أي تكتبوا- اسمه في صحيفة إلى الخليفة، ولا تأمروا له بشيء، ولا تسألوه ممن هو". قال مسلمة: "فذاك له". فقال الرجل: "أنا هو". فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا قال: "اللهم اجعلني مع صاحب النقب".
كيف الزمان عليك؟
قال الشعبي: مر رجل من مراد على أويس القرني، فقال: "كيف أصبحت؟". فقال: "أصبحت أحمد الله". قال: "كيف الزمان عليك؟". قال: "كيف الزمان على رجل إن أصبح ظن أنه لا يمسي، وإن أمسى ظن أنه لا يصبح؟ فمبشر بالجنة أو مبشر بالنار. يا أخا مراد، إن الموت وذكره لم يترك لمؤمن فرحاً، وإن علمه بحقوق الله لم يترك في ماله فضة ولا ذهباً، وإنا لنرجو من الله السلامة".
حلم داود بن علي
كان داود بن علي بن عبد الله بن العباس أديباً عاقلاً جميلاً كريماً فقيهاً عالماً. وكان بينه وبين رجل من آل أبي معيط كلام في دولة بني أمية، فقدم داود العراق على خالد بن عبد الله القسري، فلقيه المعيطي في بعض الطرق، فأخذ بلجام بغلته، ثم أسمعه ما يكره، وداود منصت له حتى قضى كلامه. فقال له داود: "فرغت من كلامك؟". قال: "نعم". قال: "أما لو كان خيراً ما سبقتني إليه".
عزة طاووس بن كيسان
جاء ابن لسليمان بن عبد الملك حتى جلس إلى جنب طاووس بن كيسان، فلم يلتفت إليه طاووس ولم يعره اهتمامه. فقيل له: "جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه!". فقال: "أردت والله أن يعلم أن لله عباداً يزهدون فيما في يديه".
ليلة زفاف صلة بن أشيم
زُفّت معاذة إلى صلة بن أشيم، فبات ليلة زفافه يتهجد. فقيل له، فقال: "أدخلت بيتاً فذكرت النار -يعني الحمام-، ثم أدخلت بيتاً فذكرت الجنة -يعني بيت العروس-، فما زال فكري فيهما والله حتى أصبحت".
مجمع التيمي والعمل المردود
حاك مجمع التيمي ثوباً قد تنوق فيه وأتقنه غاية الإتقان، فباعه، فرد عليه بعيب. فبكى، فقال له المشتري: "لا تبكِ، فقد رضيت به". فقال: "ما أبكاني والله إلا أني قد تأنقت فيه غاية الإتقان، فإذا به يرد إليّ بالعيب، فأخاف أن يرد عليّ عملي الذي عملته في أربعين سنة. والله أعلم كيف كان عملي وحاله".
كرم عبد الله بن جعفر
كان عبد الله بن جعفر من الجود بالمكان المشهور المعلوم، وله فيه أخبار يكاد سامعها ينكرها لبعدها عن المعهود. وكان معاوية يعطيه 1000 ألف درهم كل سنة، فيفرقها في الناس ولا تراه إلا وعليه دين. ولما مات معاوية وفد على يزيد، فقال له: "كم كان أمير المؤمنين معاوية يعطيك؟". قال: "كان رحمه الله تعالى يعطيني 1000 ألف".
قال يزيد: "قد زدناك لترحمك عليه 1000 ألف". قال: "بأبي أنت وأمي"، قال: "ولهذه ألف ألف". فقيل ليزيد: "أعطيت هذا المال العظيم رجلاً واحداً من المسلمين؟!". فقال: "والله ما أعطيته إلا لجميع أهل المدينة". ثم وكل به من صحبه وهو لا يعلم لينظر ما يفعل في هذا المال، فلما وصل المدينة تفرق جميع المال حتى احتاج بعد شهر إلى دين.
صدقة السر عند زين العابدين
يُروى أن علي بن الحسين رضي الله عنهما كان يأتي ابن عم له بالليل متنكراً، فيناوله شيئاً من الدنانير، فيقول: "لكن علي بن الحسين لا يصلني، فلا جزاه الله خيراً"، فيسمع ذلك ويحتمله ويصبر عليه ولا يعرفه بنفسه. فلما مات علي بن الحسين رضي الله عنهما، فقد حاجته، فحينئذ أدرك أنه هو الذي كان يصله ويعطيه، فجاء إلى قبره وجثا على ركبتيه وجعل يبكي عليه.
خاتمة المقال:
إن في قصص السابقين عبرة لأولي الألباب، ومواقفهم ليست مجرد حكايا تُروى، بل هي منهاج حياة ودستور أخلاق. نسأل الله أن يرزقنا التأسي بهم والسير على خطاهم.
أحبابنا الكرام، ما دمتم قد وصلتم إلى هنا، فلا تبخلوا علينا بتعليق ومشاركة للمقال لعل الله يُسمع بهذا الخير من ينتفع به.