من روائع وبلاغة النبوة: خطب ومواعظ المصطفى ﷺ
إلى كل مسلم يحن شوقاً لسماع خطب النبي ﷺ وكلماته.. إلى الذين تحرك شجونهم وتلمس أوتار قلوبهم مواعظه وسيرته ومغازيه.. يا من تحبونه ﷺ، إليكم باقة عطرة من أبرز خطبه:
1. أول خطبة صدع بها في مكة (الإنذار والبشرى)
حين دعا قومه، حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
والله لتموتنَّ كما تنامون، ولتبعثنَّ كما تستيقظون، ولتحاسبنَّ بما تعملون، ولتجزونَّ بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً، وإنها لجنة أبداً أو لَنار أبداً".
2. أول خطبة له بالمدينة (قَدِّموا لأنفسكم)
حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
فينظرنَّ يميناً وشمالاً فلا يرى شيئاً، ثم لينظرنَّ قدامه فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تُجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف".
3. خطبة أول جمعة جمعها بالمدينة (الوصية بالتقوى)
بدأ ﷺ بالحمد والثناء ثم قال:
وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلمُ المسلمَ أن يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرى.
وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة. ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية، لا ينوي بذلك إلا وجه الله، يكن له ذكراً في عاجل أمره وذخراً فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد.
والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خُلف لذلك، فإنه يقول عز وجل: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً، ومن يتقِ الله فقد فاز فوزاً عظيماً.
وإن تقوى الله توقي مقته، وتقي عقوبته، وتقي سخطه. وإن تقوى الله تبيض الوجوه، وترضي الرب، وترفع الدرجة. خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله؛ ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده.
هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه وبين الناس. ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه. الله أكبر، ولا قوة إلا بالله العظيم".
4. خطبة يوم أُحد (الحث على الصبر واليقين)
قام عليه الصلاة والسلام فخطب الناس فقال:
إن الله مع من أطاع، وإن الشيطان مع من عصاه، فاستفتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله، وعليكم بالذي أمركم به فإني حريص على رشدكم.
إن الاختلاف والتنازع والتثبيط من أمر العجز والضعف، وهو مما لا يحبه الله ولا يعطي عليه النصر. أيها الناس، إنه قُذف في قلبي أن من كان على حرام فرغب عنه ابتغاء ما عند الله غفر الله له ذنبه، ومن أحسن وقع أجره على الله في عاجل دنياه أو في آجل آخرته.
وما أعلم من عمل يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به، ولا أعلم من عمل يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه. وإنه قد نفث الروح الأمين في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها، لا ينقص منه شيء وإن أبطأ عنها.
فاتقوا الله ربكم وأجملوا في طلب الرزق، ولا يحملنكم استبطاؤه على أن تطلبوه بمعصية ربكم، فإنه لا يُقدر على ما عنده إلا بطاعته. قد بيّن لكم الحلال والحرام، غير أن بينهما شبهاً من الأمر لم يعلمها كثير من الناس إلا من عُصم، فمن تركها حفظ عرضه ودينه، ومن وقع فيها كان كالراعي إلى جنب الحمى أوشك أن يقع فيه، وليس ملك إلا وله حمى، ألا وإن حمى الله محارمه. والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده. والسلام عليكم".
5. خطبة الخيف بمنى (إخلاص العمل وهم الآخرة)
خطب ﷺ بالخيف من منى فقال:
ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تكون من ورائهم.
ومن كان همّه الآخرة: جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كان همّه الدنيا: فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له".
6. خطبة عن حقيقة الدنيا (عند الغروب)
رُوي أنه ﷺ خطب يوماً بعد العصر، والشمس على أطراف السعف، فقال:
ثم قال حين لم يبق من الشمس إلا قليل: "إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى".
7. خطبة في فضل القرآن ومحبة الله
من خطبه ﷺ قوله:
إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس. إنه أصدق الحديث وأبلغه.
أحبوا من أحب الله، وأحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقسوا عليه قلوبكم. اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، واتقوا الله حق تقاته، وصدقوا صالح ما تعملون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم".
8. خطبة المعالم والنهايات (اغتنام الحياة)
ومن خطبه أيضاً ﷺ قوله:
فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت. والذي نفس محمد بيده، ما بعد الموت من مُستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار".
ختاماً..
تلك كانت كلماتٌ خرجت من مشكاة النبوة، لا لتطرب الآذان ببيانها فحسب، بل لتحيي القلوب بعد موتها، وتوقظ النفوس من غفلتها. إنها وصايا مودعٍ، ونصائح مشفقٍ، ودستور حياةٍ لمن أراد النجاة.
لقد طويت الصحف، وجفت الأقلام، ورحل الحبيب ﷺ إلى الرفيق الأعلى، لكن صدى صوته ما زال يتردد في جنبات الكون: "أيها الناس.. إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم".
فاللمهم كما أكرمتنا بسماع حديثه في الدنيا، لا تحرمنا رؤيته وصحبته في الآخرة، واسقنا من يده الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبداً. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المصدر:
كتاب جمهرة خطب العرب