recent
آخر القصص

من نوادر جحا: قصة الديك السمين والرد المفحم الذي أذهل تجار سوق الطيور

نستعرض معكم نادرة من نوادر جحا المشوقة "جحا وسوق الطيور"، حيث واجه تجار المدينة بحجة منطقية طريفة بعد أن بخسوا ثمن ديكه السمين. قصة تجمع بين الفكاهة والحكمة، وتكشف الفرق بين قيمة المظهر وقيمة الجوهر، وكيف يمكن لسرعة البديهة أن تقلب موازين المزاد. نص كامل يوثق رحلة جحا من الدهر إلى اليقين في عالم الطيور الملونة.
🔊

جحا وسوق الطيور: حين تتفوق الببغاء الناطقة على الديك السمين

بَابُ جُحَا وَسُوقِ الطُّيُورِ وَصَيْدِ الثَّرْوَةِ الْمَوْهُومَةِ

يُحْكَى فِي طَرَائِفِ الْأَخْبَارِ، وَغَرَائِبِ الْأَسْمَارِ، أَنَّ شَيْخَنَا جُحَا صَحَا ذَاتَ يَوْمٍ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ، فَلَبِسَ عِمَامَتَهُ، وَأَمْسَكَ بِعَصَاهُ، وَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ سُوقِ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ السُّوقُ يَوْمَئِذٍ يَعَجُّ بِالْغَادِي وَالرَّائِحِ، وَتَتَعَالَى فِيهِ أَصْوَاتُ الْبَاعَةِ كَأَنَّهَا هَدِيرُ بَحْرٍ لَجِّيٍّ. وَبَيْنَمَا هُوَ يَشُقُّ زِحَامَ النَّاسِ، يَتأَمَّلُ الْبَضَائِعَ وَيَسْتَمِعُ إِلَى الْمُنَادَاةِ، سَمِعَ جَلَبَةً شَدِيدَةً، وَرَأَى جَمْعًا غَفِيرًا مِنَ التُّجَّارِ وَالْعَامَّةِ قَدْ تَحَلَّقُوا حَوْلَ رَجُلٍ فِي وَسَطِ السَّاحَةِ، وَكَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرَ.

تَمَلَّكَ الْفُضُولُ قَلْبَ جُحَا، فَغَاصَ بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَشَقَّ الصُّفُوفَ حَتَّى بَلَغَ قَلْبَ الْحَلْقَةِ، فَإِذَا بِالرَّجُلِ يَقِفُ مُتَبَاهِيًا، حَامِلًا قَفَصًا صَغِيرًا، بِدَاخِلِهِ طَائِرٌ ضَئِيلُ الْحَجْمِ، مُزَرْكَشُ الرِّيشِ، يَتَلَأْلَأُ كَقِطْعَةِ زُمُرُّدٍ مَنْثُورَةٍ. وَرَاحَ صَاحِبُ الطَّائِرِ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَعْرِضُهُ لِلْمَزَادِ، فَانْبَرَى الْحَاضِرُونَ يُزَايِدُونَ عَلَيْهِ بِحَمَاسَةٍ عَجِيبَةٍ!

هَذَا يَقُولُ: "خَمْسَةُ دَنَانِيرَ!"، وَذَاكَ يَهْتِفُ: "عَشَرَةٌ!"، وَيَرُدُّ آخَرُ: "عِشْرُونَ!". وَكُلَّمَا زَادَ السِّعْرُ، تَمَايَلَ الْبائِعُ غُرُورًا وَطَلَبَ الْمَزِيدَ، حَتَّى رَسَا الْمَزَادُ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَثْرِيَاءِ الْقَوْمِ، فَاشْتَرَاهُ بِمَبْلَغٍ قَدْرُهُ "ثَلَاثُونَ دِينَارًا" عَدًّا وَنَقْدًا!

وَقَفَ جُحَا مَشْدُوهًا، جَاحِظَ الْعَيْنَيْنِ، فَاغِرَ الْفَاهِ، لَا يُصَدِّقُ مَا سَمِعَتْ أُذُنَاهُ وَمَا أَبْصَرَتْ عَيْنَاهُ. ضَرَبَ كَفًّا بِكَفٍّ، وَهَمَسَ فِي سِرِّهِ مُتَعَجِّبًا: "يَا لَلْعَجَبِ الْعُجَابِ! ثَلَاثُونَ دِينَارًا ذَهَبِيًّا مُقَابِلَ حَفْنَةٍ مِنَ الرِّيشِ وَالْعِظَامِ؟! طَائِرٌ صَغِيرٌ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، وَلَا يَصْلُحُ لِشِوَاءٍ وَلَا مَرَقٍ، يُدْفَعُ فِيهِ مَالٌ يَكْفِي لِشِرَاءِ قَطِيعٍ مِنَ الْخِرَافِ؟! وَاللَّهِ إِنَّ الْعُقُولَ قَدْ طَارَتْ كَمَا تَطِيرُ الطُّيُورُ!"

عَادَ جُحَا إِلَى بَيْتِهِ يَجُرُّ أَذْيَالَ الدَّهْشَةِ، وَيُكَلِّمُ نَفْسَهُ طَوَالَ الطَّرِيقِ مَأْخُوذًا بِمَا شَاهَدَ. وَمَا إِنْ دَخَلَ عَتَبَةَ دَارِهِ حَتَّى رَأَتْهُ زَوْجَتُهُ شَارِدَ الذِّهْنِ، غَرِيبَ الْحَالِ، فَبَادَرَتْهُ بِالسُّؤَالِ قَائِلَةً: "مَا خَطْبُكَ يَا أَبَا الْغُصْنِ؟ أَرَاكَ عَائِدًا مِنْ سُوقِكَ تَكَلِّمُ نَفْسَكَ كَالْمَمْسُوسِ، هَلْ أَصَابَكَ مَكْرُوهٌ؟" فَتَنَهَّدَ جُحَا تَنَهُّدَ الْخَبِيرِ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ، وَقَالَ: "يَا امْرَأَةُ، لَقَدِ انْقَلَبَتْ مَوَازِينُ الدُّنْيَا! إِنَّ سُوقَ الطُّيُورِ قَدْ أَصَابَتْهُ حُمَّى الْغَلَاءِ، وَطَارَتْ أَسْعَارُهُ فِي عَنَانِ السَّمَاءِ!" فَعَقَدَتِ الْمَرْأَةُ حَاجِبَيْهَا دَهْشَةً وَقَالَتْ: "وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَجُلُ؟"

بَابُ الدِّيكِ السَّمِينِ وَتَخْيِيبِ ظَنِّ الطَّامِعِينَ

قَالَ جُحَا لِزَوْجَتِهِ، وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِبَرِيقِ الدَّنَانِيرِ الْمُتَخَيَّلَةِ: "هَلْ تُصَدِّقِينَ يَا رَفِيقَةَ عُمَرِي؟ لَقَدْ رَأَيْتُ بِأُمِّ عَيْنَيَّ رَجُلًا يَبِيعُ طَائِرًا صَغِيرًا، لَا يَكَادُ يَمْلَأُ قَبْضَةَ الْيَدِ، بِثَلَاثِينَ دِينَارًا كَامِلَةً!". شَهِقَتِ الزَّوْجَةُ فِي دَهْشَةٍ عَظِيمَةٍ، وَضَرَبَتْ كَفًّا بِكَفٍّ قَائِلَةً: "يَا لَلْخُسْرَانِ الْمُبِينِ! مَاذَا أَصَابَ عُقُولَ الْبَشَرِ؟ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعُصْفُورُ الْهَزِيلُ يُبَاعُ بِهَذَا الثَّمَنِ الْبَاهِظِ، فَتُرَى كَمْ يُسَاوِي دِيكُنَا الرُّومِيُّ الْعَظِيمُ الَّذِي نَمْلِكُهُ فِي دَارِنَا؟".

هُنَا انْفَرَجَتْ أَسَارِيرُ جُحَا، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ سُرُورًا، وَهَتَفَ بِصَوْتٍ يَمْلَؤُهُ التَّفَائُلُ: "آهٍ يَا امْرَأَةُ! لَقَدْ حَانَ وَقْتُ الرِّبْحِ وَجَنْيِ الثِّمَارِ! غَدًا بِإِذْنِ اللَّهِ، سَآخُذُ هَذَا الدِّيكَ السَّمِينَ إِلَى السُّوقِ، وَأَعْرِضُهُ عَلَى أُولَئِكَ الْمَجَانِينِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي ظِلِّ هَذِهِ الْأَسْعَارِ الْجُنُنُونِيَّةِ سَيَأْتِينَا بِقِنْطَارٍ مِنَ الذَّهَبِ!".

وَبَاتَ جُحَا لَيْلَتَهُ يَتَقَلَّبُ عَلَى جَمْرِ الشَّوْقِ، يَحْسُبُ الْأَرْبَاحَ وَيَبْنِي الْقُصُورَ فِي خَيَالِهِ. وَمَا إِنْ تَنَفَّسَ الصُّبْحُ، حَتَّى هَبَّ مِنْ فِرَاشِهِ نَشِيطًا، فَحَمَلَ دِيكَهُ الضَّخْمَ، ذَا الْعُرْفِ الْأَحْمَرِ النَّارِيِّ، وَالرِّيشِ الْمُزَرْكَشِ الْمَنْفُوشِ، وَمَضَى يَتَبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِهِ نَحْوَ سُوقِ الطُّيُورِ، وَالدِّيكُ تَحْتَ إِبْطِهِ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ كَأَنَّهُ سُلْطَانُ زَمَانِهِ.

دَخَلَ جُحَا السُّوقَ، وَاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ مَجْلِسًا فِي الصَّدَارَةِ، وَرَفَعَ دِيكَهُ عَالِيًا لِيَرَاهُ الْقَاصِي وَالدَّانِي، وَرَاحَ يُنَادِي عَلَيْهِ بِمِلْءِ فِيهِ لِيَفْتَحَ بَابَ الْمَزَادِ. فَتَجَمَّعَ رُوَّادُ السُّوقِ حَوْلَهُ، يَتَأَمَّلُونَ ضَخَامَةَ الدِّيكِ وَحُسْنَ رِعَايَتِهِ، وَبَدَءُوا الْمُزَايَدَةَ عَلَيْهِ مُتَحَمِّسِينَ. قَالَ الْأَوَّلُ: "أَفْتَتِحُ الْمَزَادَ بِدِينَارٍ!". وَقَالَ الثَّانِي: "بَلْ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ!". وَصَاحَ الثَّالِثُ: "خَمْسَةٌ!". وَاسْتَمَرَّتِ الْأَصْوَاتُ تَرْتَفِعُ فِي السَّاحَةِ: "عَشَرَةٌ!"، "اثْنَا عَشَرَ!"، حَتَّى نَطَقَ كَبِيرُهُمْ قَائِلًا: "خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا عَدًّا وَنَقْدًا!"... ثُمَّ سَادَ الصَّمْتُ، وَانْقَطَعَتِ الْأَصْوَاتُ، وَلَمْ يَزِدْ أَحَدٌ عَلَى هَذَا الْمَبْلَغِ دِرْهَمًا وَاحِدًا.

هُنَا عَقَدَ جُحَا حَاجِبَيْهِ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، وَنَظَرَ إِلَى الْحَاضِرِينَ نَظْرَةَ الْمَخْدُوعِ الْمَغْبُونِ، وَصَاحَ بِهِمْ قَائِلًا: "مَاذَا دَهَاكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ؟! أَتَبْخَسُونَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ؟ خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا فَقَطْ؟ إِنَّهُ دِيكٌ أَقْوَى مِنَ الصَّقْرِ!". فَرَدَّ عَلَيْهِ أَحَدُ التُّجَّارِ مُسْتَغِربًا مِنْ غَضَبِهِ: "وَإِنْ يَكُنْ كَمَا قُلْتَ يَا جُحَا؟ إِنَّهُ فِي النِّهَايَةِ دِيكٌ لَا غَيْرَ، وَسِعْرُهُ فِي كُلِّ الْأَسْوَاقِ لَا يُسَاوِي أَكْثَرَ مِمَّا عَرَضْنَا عَلَيْكَ، فَهَيَّا بِعْهُ وَاقْبَلْ رِزْقَكَ، أَوْ خُذْ دِيكَكَ وَانْصَرِفْ مَشْكُورًا!".

بَابُ الْبَبْغَاءِ النَّاطِقَةِ وَالدِّيكِ الْمُؤَذِّنِ وَفَصْلِ الْخِطَابِ

لَمْ يَتَمَالَكْ جُحَا نَفْسَهُ حِينَ سَمِعَ تَبْخِيسَهُمْ لِثَمَنِ دِيكِهِ، فَثَارَتْ ثَائِرَتُهُ، وَتَمَزَّقَ نِيَاطُ قَلْبِهِ عَلَى حِلْمِ الثَّرْوَةِ الَّذِي تَبَدَّدَ، فَانْتَفَضَ وَاقِفًا وَسَطَ الْحَلْقَةِ، وَقَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَهَتَفَ بِهِمْ بِنَبْرَةٍ تَقْطُرُ كِبْرِياءً وَعِتَابًا: "وَيْحَكُمْ أَيُّهَا الْمُزَايِدُونَ! أَيْنَ غَابَتْ عُقُولُكُمْ، وَكَيْفَ طَاشَتْ أَحْلَامُكُمْ؟! أَبِالْأَمْسِ الْقَرِيبِ، فِي هَذَا الْمَكَانِ بِعَيْنِهِ، رَأَيْتُكُمْ بِأُمِّ عَيْنِي تَسْتَبِقُونَ، وَبِالْأَمْوَالِ الطَّائِلَةِ تَجُودُونَ، لِشِرَاءِ طَائِرٍ مَسْخُوطِ الْقَدْرِ، مُلَوَّنِ الرِّيشِ كَأَنَّ رَسَّامًا عَبِثَ بِهِ، لَا يَكَادُ يَسَعُهُ إِلَّا كَفُّ رَجُلٍ صَغِيرٍ، وَقَدْ دَفَعْتُمْ فِيهِ ثَلَاثُونَ دِينَارًا ذَهَبِيَّةً عَدًّا وَنَقْدًا؟! فَكَيْفَ تَسْتَكْثِرُونَ الْيَوْمَ خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا فِي دِيكٍ هُوَ كَالْقَصْرِ الْمَشِيدِ مُقَارَنَةً بِذَاكَ الْعُصْفُورِ؟!"

سَادَ الصَّمْتُ لَحْظَةً، ثُمَّ انْفَجَرَ الْحَاضِرُونَ بِالضَّحِكِ حَتَّى اسْتَلْقَوْا عَلَى قَفَاهُمْ، وَقَالَ لَهُ كَبِيرُ التُّجَّارِ وَهُوَ يَمْسَحُ دُمُوعَ الْفَرَحِ مِنْ عَيْنَيْهِ: "أَبَا الْغُصْنِ! أَنْتَ لَا تُمَيِّزُ بَيْنَ النَّقْدِ وَالْقَبْضِ! فَذَاكَ شَأْنٌ، وَهَذَا شَأْنٌ آخَرُ تَمَامًا، وَلَا قِيَاسَ مَعَ الْفَارِقِ!". قَالَ جُحَا، وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَى عَصَاهُ، مُحَاوِلًا اسْتِعَادَةَ وَقَارِهِ: "وَيْحَكُمْ! كَيْفَ لَا قِيَاسَ؟ أَلَيْسَ دِيكِي هَذَا أَكْبَرَ جِرْمًا، وَأَضْخَمُ جِسْمًا، وَأَكْثَرُ لَحْمًا، وَأَبْهَى جَمَالًا؟ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَاكَ الصَّغِيرُ الْهَزِيلُ أَوْلَى بِالْمَالِ وَالتَّقْدِيرِ مِنَ الدِّيكِ السَّمِينِ الرَّزِينِ؟!"

هُنَا، تَقَدَّمَ أَحَدُ الْحُكَمَاءِ وَقَالَ لَهُ بِرِفْقٍ: "يَا جُحَا، إِنَّ الْقِيمَةَ لَيْسَتْ بِالْحَجْمِ دَائِمًا. فَالطَّائِرُ الَّذِي تَقُولُ إِنَّهُ صَغِيرٌ، وَالَّذِي اشْتَرَاهُ الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا، مَا هُوَ إِلَّا "بَبْغَاءُ" مَسْحُورَةٌ!". قَطَبَ جُحَا جَبِينَهُ، وَأَمَالَ رَأْسَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، ثُمَّ قَالَ بِتَعَجُّبٍ: "بَبْغَاءُ! وَإِنْ كَانَ لَهُ هَذَا الِاسْمُ الْغَرِيبُ؟ أَلَيْسَ فِي النِّهَايَةِ طَائِرًا مِثْلَ سَائِرِ الطُّيُورِ؟ فَمَا هِيَ مَنْفَعَتُهُ الْعَظِيمَةُ، وَفَائِدَتُهُ الْجَلِيلَةُ الَّتِي تَرْفَعُ قِيمَتَهُ إِلَى هَذَا الْعَلَاءِ جِدًّا؟!"

فَأَجَابَهُ الْقَوْمُ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ تَقْرِيبًا: "إِنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ الْإِنْسَانِ، وَيُحَاكِي الْأَصْوَاتَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ!". هُنَا، سَكَتَ جُحَا لَحْظَةً، وَكَأَنَّ صَاعِقَةً قَدْ أَصَابَتْهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى دِيكِهِ الرَّابِضِ تَحْتَ إِبْطِهِ نَظْرَةَ الْمُفْتَخِرِ بِبِضَاعَتِهِ، وَالْوَاثِقِ مِنْ حُجَّتِهِ، وَقَالَ بِتَهَكُّمٍ بَلِيغٍ، وَصَوْتٍ أَعْلَى مِنْ صَوْتِ الْمُزَايِدِينَ: "إِذَا كَانَ ذَاكَ الطَّائِرُ الصَّغِيرُ الْمَسْخُوطُ يَتَكَلَّمُ لِيُسْلِيَكُمْ بِاللَّغْوِ وَالْفُضُولِ... فَهَذَا الدِّيكُ الْكَبِيرُ الرَّزِينُ يَقُومُ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ! إِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِالْآخِرَةِ، وَيَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ مُعْلِنًا بِدَايَةَ يَوْمٍ جَدِيدٍ: كُوكُوكُو!"

فَبُهِتَ الْقَوْمُ، وَلَمْ يَجِدُوا جَوَابًا لِرَدِّ جُحَا الْمُفْحِمِ، وَانْصَرَفُوا وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْ شِدَّةِ ذَكَائِهِ وَطَرَافَةِ مُقَارَنَتِهِ!


الْفَوَائِدُ وَالدُّرَرُ النَّقِيَّةُ مِنَ النَّادِرَةِ الْجُحَوِيَّةِ:

١. الْعِبْرَةُ بِالْجَوْهَرِ لَا بِالْمَظْهَرِ: فَالْبَبْغَاءُ، رَغْمَ صِغَرِ حَجْمِهَا، فُضِّلَتْ بِكَلَامِهَا النَّاطِقِ، بَيْنَمَا الدِّيكُ، رَغْمَ ضَخَامَتِهِ، لَمْ يَنَلْ ذَاكَ التَّقْدِيرَ لِأَنَّ صَوْتَهُ مُجَرَّدُ أذَانٍ مَعْرُوفٍ.
٢. الْقِيمَةُ تَقْتَرِنُ بِالْمَنْفَعَةِ وَالنُّدْرَةِ: فَالْبَبْغَاءُ نَادِرَةُ الْوُجُودِ وَقُدْرَتُهَا غَرِيبَةٌ، لِذَلِكَ ارْتَفَعَ ثَمَنُهَا، بَيْنَمَا الدِّيَكَةُ مُتَوَفِّرَةٌ بِكَثْرَةٍ وَمَنْفَعَتُهَا تَقْلِيدِيَّةٌ.
٣. الْبَدِيهَةُ الْحَاضِرَةُ تُنْقِذُ الْمَوْقِفَ: كَيْفَ حَوَّلَ جُحَا الْمَوْقِفَ لِصَالِحِهِ بِحُجَّةٍ مَنْطِقِيَّةٍ طَرِيفَةٍ، رَغْمَ خَسَارَتِهِ لِلْمَزَادِ.
٤. الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَر: فَالْمَرْءُ قَدْ يَبْذُلُ جُهْدًا كَبِيرًا (مِثْلَ جُحَا فِي تَرْبِيَةِ الدِّيكِ) لَكِنَّ النَّتِيجَةَ لَا تَكونُ كَمَا يَتَمَنَّى.
٥. الْفَصَاحَةُ وَالْبَلَاغَةُ فِي الْحِوَارِ: كَيْفَ اسْتَخْدَمَ جُحَا الْأَلْفَاظَ وَالْمُقَارَنَاتِ لِيُعَبِّرَ عَنْ رَأْيِهِ بِقُوَّةٍ وَتَأْثِيرٍ.

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX