قصص وحكم من التراث: ذكاء وفطنة وحلم
في هذا المقال، نجمع لكم باقة عطرة من قصص التابعين والصالحين، ومواقفهم في الإخلاص وطلب العلم والزهد، لتكون نبراساً يضيء القلوب.
ذكاء الخليل بن أحمد في استنباط الدواء
لم يكُن الخليلُ بنُ أحمدَ الفراهيديُّ -رضي الله عنه وأرضاه- مجرَّدَ عالمٍ وضعَ بحورَ الشِّعرِ وأرْسى قواعدَ النَّحوِ فحسب، بل كان نسيجَ وَحْدِهِ في حِدَّةِ الذهنِ، وصفاءِ القريحةِ، ونفاذِ البصيرة، حتى ضُربت بذكائه الأمثال.
ولقد رُوِيَ من عجيبِ فِطنتهِ، ودقيقِ حِسِّهِ، أنَّ رجلاً في زمانه كان يملكُ دواءً عجيباً يُبرئُ العليلَ، ويجلو ظُلمةَ العينِ، فكان الناسُ يقصدونهُ من كلِّ حَدْبٍ وصوبٍ ينتفعون بصنعته.
بَيْدَ أنَّ الأجلَ وافى الرجلَ، ومات سرُّه معه، فانقطع الدواءُ عن الناس، واشتدَّ الضررُ بمن كان يعتمدُ عليه، وعزَّ عليهم أن يضيعَ هذا النفعُ العظيم. فبلغَ الخبرُ الخليلَ بنَ أحمد، فأحزنهُ ما أصابَ الناسَ، وسألهم بلهفةِ الحريص: «ألم يتركِ الرجلُ نُسخةً مكتوبةً لمقاديرِ دوائه؟» قالوا بأسى: «لا، لم نجد شيئاً».
فأطرقَ الخليلُ قليلاً، ثم رفعَ رأسهُ وقد لمعت في عينيه بارقةُ أملٍ وقال: «فهل بقيت له آنيةٌ كان يمزجُ فيها أخلاطَ الدواء؟» قالوا: «نعم، لدينا الإناءُ الذي كان يجمعُ فيه المركبات». قال: «عليَّ به».
فلما وُضِعَ الإناءُ بين يديه، جعلَ يُدنيه من أنفهِ تارةً، ويطيلُ شمه تارةً أخرى، يستنطقُ الروائحَ العالقةَ بجدرانه، ويُميِّزُ بذكائهِ الفذِّ عبيرَ كلِّ نبتةٍ ومادة. فجعلَ يستخرجُ المكوناتِ واحداً تلوَ الآخر، ويسميها بمقاديرها، حتى أحصى منها خمسةَ عشرَ صنفاً.
فطارتِ القلوبُ فرحاً، وعُرضت تلك المكوناتُ ومقاديرها على أهلِ الاختصاصِ في صناعةِ الأدوية، فمزجوها كما وصفَ الخليل، فإذا الدواءُ هو الدواء، وإذا النفعُ الذي وجده الناسُ منه كالنفعِ الذي عهدوه من قبل سواءً بسواء.
وما هي إلا مدةٌ يسيرةٌ، حتى عثرَ الورثةُ على النُّسخةِ الأصليةِ التي خطَّها الرجلُ بيده، فأسرعوا يُقارنونها بما استنبطهُ الفراهيديُّ بفِطنته، فكانت المفاجأةُ التي أذهلت العقول! لقد وجدوا الأخلاطَ ستةَ عشرَ خلطاً، لم يفتِ الخليلَ منها -على كثرتها وتداخل روائحها- إلا خلطٌ واحدٌ لا يكادُ يُذكر!
رحمَ اللهُ الخليلَ بنَ أحمد، فقد كان آيةً في العلم، ومعجزةً في الفهم، ونبراساً يُهتدى به في ظلماتِ الجهل.
((الوافي بالوفيات)) لصلاح الدين الصفدي (13/242).
أبو حازم يعالج الوسواس باليقين
لم يكُن أبو حازمٍ -سلمةُ بنُ دينارٍ- مجرَّدَ واعظٍ يلقي الكلمَ على عواهنه، بل كان طبيباً للقلوب، خبيراً بدسائسِ النُّفوسِ ومداخلِ الشيطان، آتاه اللهُ حكمةً وفصلَ الخطاب.
وذاتَ يومٍ، أقبلَ عليه رجلٌ قد علا وجهَهُ الهمُّ، واستبدَّ به القلق، يشكو إليه داءً نغَّصَ عليه عيشَه وكدَّرَ صفوَه، فقال بصوتٍ متهدِّج: «يا أبا حازم، إنَّ الشيطانَ ليعتريني، فيأتيني وأنا في خلوتي وجلوتي، ويوسوسُ لي قائلاً: "إنَّك قد طلَّقتَ زوجَك"، فلا يزالُ بي حتى يُشكِّكَني في أمري، وقد ضِقتُ بذلك ذرعاً».
أصغى أبو حازمٍ للرجلِ، وأدرك بلمحِ البصرِ أنَّ الرجلَ مصابٌ بداءِ الوسوسة، فأراد أن يقتلَ الشكَّ باليقين، وأن يعالجهُ بصدمةٍ تُعيدُ إليه صوابه. فنظرَ إليه نظرةَ الواثقِ وقال له بجدِّيَّةٍ: «أو لستَ قد طلَّقتَها بالفعل؟!».
فُوجِئ الرجلُ بالسؤال، وانتفضَ قائلاً: «لا.. ما فعلت!». فعاد أبو حازمٍ يُحاصرهُ قائلاً: «بلى، ألم تأتِني بالأمسِ إلى مجلسي هذا فطلَّقتَها عندي؟».
هنا ثارت حميَّةُ الرجلِ دفاعاً عن يقينه، ونسيَ شكوكَه أمامَ هذا الاتهامِ الصريح، فهتفَ بملءِ فيهِ مُقسِماً: «واللهِ ما جئتُكَ إلا اليوم، وما طلَّقتَها بوجهٍ من الوجوه!».
عندها تهلَّلَ وجهُ أبي حازمٍ، وابتسمَ ابتسامةَ الحكيمِ الذي أوصلَ مريضَه إلى برِّ الشفاء، وقال له بهدوء: «فإذا أتاكَ الشيطانُ مرَّةً أخرى يوسوسُ لكَ، فاحلِف لهُ كما حلفتَ لي الآن، وأنتَ في عافية».
فانصرفَ الرجلُ وقد انزاحَ عن صدرهِ جبلٌ من الأوهام، بعد أن علَّمهُ هذا العالمُ الفذُّ كيف يدمغُ باطلَ الشكِّ بحقِّ اليقين.
((الأذكياء)) لابن الجوزي (ص: 80).
الباقلاني وملك الروم: عزة الإسلام وسرعة البديهة
لم يكُن القاضي أبو بكرٍ الباقلانيُّ مجرَّدَ فقيهٍ يحفظُ المتون، أو متكلمٍ يُحاجِجُ الخصومَ فحسب، بل كان -رحمه الله- عقلاً جبَّاراً، وذكاءً وقّاداً، يحملُ عزةَ الإسلام بين جنبيهِ أينما حلَّ وارتحل.
ولقد تجلَّت عبقريتُه الفذَّةُ حينما اختارهُ عضدُ الدولةِ سفيراً له إلى مَلِكِ الروم، لِما عُرفَ عنه من سرعةِ البديهةِ وحُسنِ التخلُّص. فلما وصلَ إلى بلاطِ الروم، أراد الملكُ أن يكسرَ كبرياءَ هذا العالِمِ المسلم، ويُجبرَه على الركوعِ بين يديه، فأمرَ الحُجَّابَ أن يُغلقوا البابَ العظيم، وأن يفتحوا باباً صغيراً جداً لا يدخلُ منه المرءُ إلا راكعاً ذليلاً.
فطنَ الباقلانيُّ للمكيدةِ بلمحةِ بصر، وأبَت عليه عزةُ المؤمنِ أن يحنيَ هامتهُ لغيرِ الله، فاستدارَ وأعطى البابَ ظهره، ودخلَ يمشى القهقرى إلى نحوِ الملِكِ، حتى إذا صار في الداخلِ استدارَ وواجه الملكَ منتصباً شامخاً! بهُتَ الملكُ من فِطنته، وأدركَ أنه أمامَ داهيةٍ لا يُستهانُ به، فعظَّمَه وأجْلَسَه.
ولم ييأسِ الملكُ، فأراد أن يستخفَّ بعقلِ ضيفه، فأمرَ بآلةِ طربٍ تُسمَّى "الأرغل" لتعزفَ ألحاناً تُطربُ النفوسَ وتُذهبُ الوقار، طمعاً في أن تبدرَ من الباقلانيِّ حركةٌ طائشةٌ تُنقصُ من قدرِه. فلما سمعَ القاضي النغمَ، وخشيَ أن يستجيبَ طبعُه البشريُّ للطرب، عمدَ إلى حيلةٍ عجيبةٍ تدلُّ على كمالِ عقله؛ إذ قامَ بجرحِ ساقه جُرحاً آلمَه، فانشغلَ بوجعِ الجسدِ عن لذَّةِ السمع، وظلَّ ثابتاً كالطودِ العظيم، فعجبَ الملكُ من ثباته، ولما عَلِمَ بحيلةِ الجرحِ تيقَّنَ أنَّه أمامَ رجلٍ مَلَكَ زمامَ نفسِه بقوةٍ خارقة.
وفي المجلسِ ذاتِه، أراد كبيرُ الأساقفةِ أن يُحرجَ الباقلانيَّ ويطعنَ في عِرضِ النبيِّ ﷺ، فسألهُ بمكرٍ أمامَ الحاشية: «ماذا فعلت زوجةُ نبيِّكم؟ وما هذا الذي رُمِيَت به من الإفك؟».
فانبرى له الباقلانيُّ كالأسدِ الهصور، وأجابهُ على الفورِ بجوابٍ ألجمَ الأفواه: «هما امرأتانِ طاهرتانِ ذُكِرَتا بسوء: مريمُ ابنةُ عمران، وعائشةُ بنتُ أبي بكر.. برَّأهما اللهُ عزَّ وجلَّ مما قالَ المفترون.. أما عائشةُ فكانت ذاتَ زوجٍ ولم تأتِ بولد، وأما مريمُ فأتت بولدٍ ولم يكن لها زوج.. فأيُّهما أولى بالتهمةِ في العقلِ الفاسد؟! حاشاهما.. فهما مُبرَّأتانِ بوحيٍ من السماء، رضي اللهُ عنهما وعليهما السلام».
فبُهِتَ الذي كفر، وعلا الحقُّ وزهقَ الباطل، وخرجَ الباقلانيُّ من عندهم عزيزاً كريماً، قد رفعَ رأسَ الإسلامِ بحجَّته، وصانَ كرامةَ أمتهِ بفِطنته.
أبو أيوب الأنصاري وحسن الظن: موقف خالد في حديث الإفك
حينما أرجفت المدينةُ بحديثِ الإفكِ، واضطربت له قلوبُ المسلمين، وخاضَ فيه من خاض، بقيَ نفرٌ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ كالجبالِ الرواسي، لا تزعزعُهم العواصف، ولا تنالُ الشكوكُ من يقينهم.
وفي بيتِ الأنصاريِّ الجليل أبي أيوبَ خالدِ بنِ زيد -رضي الله عنه-، دار حوارٌ قصيرُ المبنى، عظيمُ المعنى، يكشفُ عن معدنٍ نفيسٍ، وقلوبٍ عامرةٍ بحُسنِ الظن.
فقد أقبلت أمُّ أيوبَ على زوجها وفؤادُها يتألمُ مما يدورُ في الأرجاء، وقالت: «يا أبا أيوب.. أما تسمعُ ما يقولُ الناسُ في عائشةَ؟».
فردَّ عليها بلسانِ المؤمنِ المطمئن، الذي لا تهزُّه الأقاويل: «بلى سمعت.. وذلك واللهِ هو الكذبُ الصُّراح».
ثم أراد أبو أيوبَ أن يضعَ ميزانَ العدلِ والقسطِ أمامَ عيني زوجِه، فسألها سؤالَ العارفِ بنفسها وبطُهرها: «أكنتِ أنتِ يا أمَّ أيوبَ فاعلةً ذلك السوءَ لو كنتِ مكانها؟».
فانتفضتِ المرأةُ الصالحةُ قائلةً بغيرِ تردد: «لا والله.. ما كنتُ لأفعله أبداً! ومُعاذَ الله أن أقربَ فاحشة».
عندها, نطقَ أبو أيوبَ بالحقيقةِ الساطعةِ، وقال كلمتَهُ التي خُلِّدت في سجلِّ الوفاء: «فعائشةُ واللهِ خيرٌ منكِ، وأتقى لله، وأبعدُ عن السوء».
هكذا كان المؤمنون الأبرار.. يقيسون الناسَ بمقياسِ طهارتهم، ويحكمون لغيرهم بما يحكمون به لأنفسهم، فلا يظنون بالمؤمنين إلا خيراً، ويغلقون أبوابَ الفتنةِ بيقينِ القلوبِ وسلامةِ الصدور.
((التفسير الوسيط)) لطنطاوي (10/ 96).
الشافعي وحسن التأويل: لو سببتني ما أردت إلا الخير
نزلَ المرضُ بالإمامِ الشافعيِّ -رحمه الله- منزلاً شديداً، وألمَّ به الوجعُ حتى أوهنَ جسدَه، وهو الطودُ الشامخُ في العلمِ واللغة. فدخلَ عليه بعضُ إخوانهِ وتلامذتِه -قيل إنهُ تلميذهُ النجيبُ الربيعُ بنُ سليمان- ليعودَهُ ويطمئنَّ عليه.
ولمَّا رأى الزائرُ ما بالإمامِ من الضَعفِ والهُزال، سبقتِ العاطفةُ لسانَه، وأخطأ التعبيرَ من شدةِ الشفقة، فقال يدعو له: «يا إمام.. قوَّى اللهُ ضَعْفَك! ».
فنظرَ إليه الشافعيُّ -الذي لم يشغلهُ الألمُ عن تدقيقِ المعاني- وتبسَّم ابتسامةَ المُنبِّه المعلم، وقال: «يا هذا.. لو قوَّى اللهُ ضَعفي لقتلني! ».
فذُهِلَ الرجلُ، وارتبكَ لسانُه، إذ أدرك أنَّ "تقويةَ الضعفِ" تعني زيادتَه وتمكينَه، وهذا هلاكٌ للمريض، فحلفَ قائلاً بلهجةِ المعتذر: «واللهِ يا إمام.. ما أردتُ بكلمتي إلا الخيرَ».
وهنا تجلَّت عظمةُ الشافعيِّ، ومعدنُ الأخوةِ الصادقةِ التي تتجاوزُ زلاتِ اللسانِ لتصافحَ نقيَّ الجنان، فقال لهُ بكلماتٍ تُكتبُ بماءِ الذهب: «يا أخي.. أنا أعلمُ أنَّك لو سبَبْتَني صريحاً، ما أردتَ بذلك إلَّا الخيرَ! ».
للهِ درُّ الشافعيِّ؛ فقد جمعَ بينَ دقةِ الفهمِ لظاهرِ اللفظِ، وبينَ سعةِ الصدرِ لباطنِ القصد. فلم يُحاسب أخاهُ على خيانةِ العبارة، لأنه واثقٌ من أمانةِ القلب. وتلك هي شيمُ النفوسِ الكبيرة، التي تُقدِّمُ حُسنَ الظنِّ على سوءِ اللفظ.
طلحة بن عبد الرحمن: التماس العذر للإخوان
كان طلحةُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ الزهريُّ غصناً ناضراً من دوحةٍ مباركة، ورثَ عن أبيهِ -أحدِ العشرةِ المبشرين بالجنة- السخاءَ والجود، حتى غدا أجودَ قريشٍ في زمانه، لا يردُّ سائلاً، ولا يغلقُ دونَ ذي حاجةٍ باباً.
وقد لفتَ انتباهَ زوجِه -وهي ابنةُ عبدِ الله بنِ مطيع- أمرٌ أثارَ حفيظتَها في خِلَّانِ زوجها وجُلسائه، فقالت له ذاتَ يومٍ بلهجةِ العاتبةِ المستنكرة: «يا طلحة.. واللهِ ما رأيتُ قوماً ألأمَ من إخوانِك!».
فنظرَ إليها طلحةُ نظرةَ المستغربِ وقال: «مَهْ يا ابنةَ الكرام.. ولِمَ تقولينَ ذلك؟».
قالت تُعدِّدُ مساوئهم في نظرها: «أراهم يحيطون بك، ويلزمون مجلسَك إذا كنتَ في يُسرٍ ورخاء، فإذا مسَّكَ العُسر، وقلَّ ما في يدك، تركوكَ وانفضُّوا عنك!».
هنا ابتسمَ طلحةُ ابتسامةَ النفسِ المطمئنة، التي جُبِلت على حُسنِ الظن، وأجابها بجوابٍ لا يصدرُ إلا عن قلبٍ طهَّرَهُ اللهُ من الغلِّ، قال: «واللهِ إنَّ هذا الذي تعيبينَه عليهم لهو عينُ الكرمِ فيهم!.. إنهم يأتوننا في حالِ قُوَّتنا على إكرامهم والقيامِ بحقِّهم، ويتركوننا في حالِ ضعفنا وعجزنا عنهم؛ رفقاً بنا، وستراً لخلَّتنا، حتى لا يُكلِّفونا ما لا نطيق!».
فانظر -يرعاك الله- كيف تأوَّلَ هذا الجوادُ النبيلُ فعلهم، فجعلَ قبيحَ صنيعهم حُسناً، وظاهرَ غدرهم وفاءً. وتلك لَعَمْرُ الحقِّ شيمةُ الأبرار، وديدنُ ذوي الفضل، الذين يُلبِسونَ عيوبَ إخوانهم ثيابَ المعاذير، وتصفو سرائرهم للمسلمين مهما تبدَّلت الأحوال.
((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (ص: 180).
حلم عمر بن عبد العزيز: العفو عند المقدرة
لم يكُن عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ -رضي الله عنه- خليفةً يحكُمُ الرقابَ فحسب، بل كان مَلِكاً يملكُ زمامَ نفسِه، لا تُغريهِ القدرة، ولا تُطغيهِ الإمرة.
وفي موقفٍ تتزلزلُ فيه أقدامُ الرجال، وقفَ بين يدي الخليفةِ رجلٌ، فأطلقَ لسانَهُ بكلماتٍ قاسية، وأسمعَ أميرَ المؤمنينَ ما يكره، بعباراتٍ تُثيرُ الغضبَ، وتُشعِلُ نارَ الحمِيَّةِ في الصدور. لحظتئذٍ، تطلَّعتِ الأعناقُ إلى عمر، وانتظرَ الجميعُ أن تأخذَهُ عِزَّةُ المُلك، فيبطشَ بهذا المُتجاوزِ الذي لم يرعَ للسلطانِ هيبة.
بَيْدَ أنَّ عمرَ -الذي عُمِّرَ قلبُهُ بمراقبةِ الله- أطرقَ قليلاً حتى سكنَ غضبُه، ثم رفعَ رأسَهُ ونظرَ إلى الرجلِ نظرةَ المُشفقِ الناصحِ لا المنتقمِ الجبَّار، وقال له بصوتٍ هادئٍ مطمئن: «لا عليك.. هوِّن على نفسِك».
ثم كشفَ له عن حقيقةِ ما يجولُ في الخواطرِ لحظةَ الغضبِ قائلاً: «أردتَ أن يستفزَّني الشيطانُ بعزَّةِ السلطان، فأنالَ منك اليومَ عقوبةً عاجلة، لتنالَ مني غداً يومَ القيامةِ قصاصاً آجلاً!».
ثم أشارَ إليه إشارةَ العفوِ والصفحِ وقال: «انصرفْ راشداً إذا شئت».
للهِ درُّكَ يا ابنَ عبدِ العزيز؛ كبحتَ جماحَ النفسِ حينَ قدرت، وآثرتَ السلامةَ يومَ العرضِ على تشفِّي النفسِ في الدنيا، فكنتَ بحقٍّ سلطاناً على شهواتِ الغضب، قبل أن تكونَ سلطاناً على الناس.
يُنظر: ((العقد الفريد)) لابن عبد ربه (2/279)، ((المشيخة)) لابن الأبنوسي (1/ 209) رقم (112)، ((المسالك)) لابن العربي (7/ 260)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (45/ 206).
إنصاف الشعبي: إن كنت صادقاً فغفر الله لي
كان الإمامُ عامرُ بنُ شراحيلَ الشعبيُّ -رحمه الله- نسيجَ وَحْدِه في سعةِ العلم، وقوةِ الحافظة، غيرَ أنَّ حظَّهُ من الحِلم والأناةِ لم يكن بأقلَّ من حظِّه في الفقهِ والرواية.
وقد تعرَّضَ ذاتَ يومٍ لموقفٍ تطيشُ فيه أحلامُ الرجال؛ إذ انبرى له رجلٌ سليطُ اللسان، فواجههُ بسيلٍ من الشتائم، ونالَ منه بكلماتٍ جارحةٍ لا تليقُ بمقامِ العلماءِ ووقارهم. لم يغضب الشعبيُّ لنفسه، ولم يثُر لكرامته، بل استمعَ إلى الرجلِ حتى أفرغَ ما في جعبتهِ من السوء، ثم ردَّ عليهِ ردَّ من جرَّدَ نفسَهُ من حظوظِ الهوى، وقال بهدوءٍ تام:
«يا هذا.. إن كنتَ صادقاً فيما قُلتَ، فغفرَ اللهُ لي.. وإن كنتَ كاذباً، فغفرَ اللهُ لك! ».
فبُهِتَ الرجلُ أمامَ هذا الإنصافِ العجيب! لقد وضعهُ الشعبيُّ أمامَ احتمالين لا ثالثَ لهما، ودعا له بالمغفرةِ في كليهما، مُعرضاً عن الانتصارِ لذاتِه، ومُكتفياً بعرضِ الأمرِ على ميزانِ اللهِ وعدلِه.
يُنظر: ((الإشراف)) لابن أبي الدنيا (ص: 177) رقم (256)، ((المجالسة)) للدينوري (3/ 162) رقم (800)، ((العقد الفريد)) لابن عبد ربه (2/276).
تواضع الحسن البصري: رؤية النفس بالحق
كان الحسنُ البصريُّ -رحمه الله- سيدَ التابعين في زمانه، ومنارةً يُستضاءُ بها في ظلماتِ الغفلة، آتاهُ اللهُ بسطةً في العلم، وفصاحةً في اللسان، وهيبةً في القلوب.
ومع جلالةِ قدرِه، لم يَسلَم من ألسنةِ بعضِ الناس، فقد انبرى له ذاتَ يومٍ رجلٌ موتور، فأطلقَ لسانَهُ في عِرضِ الإمام، وأربى عليه في الشتم، وتجاوزَ كلَّ حدٍ في الإساءة، حتى لم يُبقِ نقيصةً إلا ورمَاه بها، والحسنُ ساكتٌ يسمع.
فلما فرغَ الرجلُ من قولِه، نظرَ إليه الحسنُ بقلبٍ مُخبتٍ لا يعرفُ الكِبر، وبنفسٍ لا تنتصرُ لذاتِها، وقال له بهدوءٍ عجيب:
«يا هذا.. أمَّا أنتَ فما أبقَيتَ شيئاً من المذمَّةِ إلا قُلتَه.. ولكن ما يعلَمُ اللهُ من عيوبي وذنوبي أكثرُ وأعظم! ».
يا لها من كلمةٍ ألجمتِ الشيطان، وكسرتِ النفس! فقد كان الحسنُ يرى نفسَهُ بعينِ الحقيقةِ لا بعينِ الناس، ويعلمُ أنَّ سترَ اللهِ عليه أسبغُ وأوسع، وأنَّ ما خفيَ من تقصيرهِ أعظمُ مما ظهر. وتلك حالُ الصادقين، لا يضرُّهم ذمُّ ذامٍ، ولا يغرُّهم مدحُ مادح.
أبو عثمان الحيري ورماد الجار: الصلح مع الله
كان أبو عثمانَ الْحِيرِيُّ -رحمه الله- مدرسةً سيارةً في الأخلاق، وجبلاً راسخاً من جبالِ الحلم، لا تُحرِّكُه العواصف، ولا تُخرجهُ الحوادثُ عن وقاره وسكونِه.
وفي ظهيرةِ يومٍ قائظ، وبينما كان الشيخُ يجتازُ إحدى السككِ مع نفرٍ من أصحابه، والشمسُ تُرسلُ شواظها، حدثَ ما لم يكن في الحسبان؛ إذ أُلقيَ عليهِ فجأةً من أعلى سطحِ دارٍ طَستٌ مليءٌ بالرماد، فتطايرَ الغبارُ، وتلوثَ الثوبُ، وتغيَّرت هيئةُ الشيخ.
فثارت ثائرةُ أصحابه، واشتدَّ غضبُهم لما أصابَ إمامهم من الأذى، وبسطوا ألسنتَهم يريدون أن ينالوا من الفاعل، ويقرعوهُ على سوءِ أدبهِ وقُبحِ فعلته.
لكنَّ أبا عثمانَ، الذي كان ينظرُ إلى الوجودِ بنورِ البصيرةِ لا بحدَّةِ البصر، أشار إليهم بيدهِ أن كُفُّوا. ثم جعلَ يمسحُ الرمادَ عن وجههِ وثيابِه وهو يبتسمُ ابتسامةَ الراضي، وقال لهم بلسانِ من يرى نفسَه مقصراً في حقِّ خالقه:
«يا قوم.. لا تقولوا شيئاً، ولا تغضبوا.. فإنَّ مَن استحقَّ بذنوبهِ أن يُصبَّ عليه النَّارُ، فَصُولِحَ منها على الرَّمادِ، لم يجزْ له أن يغضب! ».
الله أكبر! أيُّ نفسٍ هذه التي رأت في الرمادِ رحمةً ومنةً من الله إذ صرفَ عنها النار؟! وأيُّ قلبٍ هذا الذي اشتغلَ بمراقبةِ عيوبه عن محاسبةِ الناسِ على عيوبهم؟! لقد علَّمَ أبو عثمانَ أصحابَه درساً لا يُنسى؛ أنَّ البلاءَ إذا قِيسَ بما هو أعظمُ منه، عادَ في عينِ المؤمنِ عافية، واستحالَ النقمةُ نعمة.
((الرسالة القشيرية)) (2/ 401).