recent
آخر القصص

10 خطب بليغة لم تسمعها من قبل: تعلم بلاغة العرب في أقوى مواقفهم!!!

(1)

يقولون إن السيف أصدقُ إنباءً من الكتب، لكنَّ الكلمةَ كانت دائماً هي التي تُجرِّدُ السيفَ من غمده، أو تعيده إليه. في هذه السلسلة، لن نكتفي بنفض الغبار عن أوراق التاريخ، ولن نسرد عليكم نصوصاً جامدة قد يصعبُ على الأذنِ اليومَ تذوقُ بلاغتِها القديمة الموجزة.

بل سنقوم بمهمةٍ مختلفة.. سنعيدُ صياغةَ هذه الخطب الخالدة، ونتصرفُ في مفرداتها بحذرِ الأديب، لنفكَّ شفرةَ الإيجازِ عند العرب، ونستنطقَ المعاني الغزيرةَ المختبئةَ خلفَ كلِّ كلمة، لتصلَ إلى مسامعكم وكأنها قيلت اليوم.

أولى محطاتنا، يومٌ انتصفت فيه العربُ من العجم.. يوم ذي قار. وهذا شيخُ بكرِ بنِ وائل، هانئُ بن قبيصة، يقفُ ليعيدَ صياغةَ مصيرِ قبيلته بكلماتٍ من نار.. اسمعوا بقلوبكم، فالمعنى هنا أهم من اللفظ:

"يا أسودَ بكرٍ وحُماتها، اعلموا أنَّ موتاً تلاقونه بعذرِ الشجاعةِ وإباءِ النفس، لهو أكرمُ وأعزُّ من حياةٍ تشترونها بذُلِّ الفرارِ وعارِ الهزيمة. أيقِنوا أنَّ دروعَ الحذرِ لا تصدُّ سهامَ القَدَر، وأنَّ تجرُّعَ الصبرِ في ساحاتِ الوغى هو المهرُ الذي يُساقُ لعروسِ النصر.

فيا لَلعجب! كيف يرضى الحرُّ بالدنيَّةِ وهو يملكُ المنيَّة؟! أَقْدِموا على الموتِ بصدورٍ عارية، فملاقاةُ الردى وجهاً لوجهٍ خيرٌ ألفَ مرةٍ من أن يدركَكم وأنتم مُدبرون. إنَّ الدماءَ التي تسيلُ من نحورِ الشجعانِ هي أوسمةُ خلود، أما تلكَ التي تُسفكُ من ظهورِ الهاربين فوصمةُ خذلان.

يا آلَ بكر... السيفَ السيف، والضربَ الضرب، فلا مفرَّ من الموتِ إذا حان، فليكن موتاً تتحدثُ به الركبان."


(2)

وكما يواجهُ العربيُّ الموتَ في ساحاتِ الوغى بصليلِ السيوف، فإنه يواجهُ فاجعةَ الفقدِ في مجالسِ الملوكِ بسلاحِ الحكمة. فمن ضجيجِ ذي قار، ننتقلُ إلى هدوءِ العزاء.. هذا حكيمُ العربِ، أكثمُ بنُ صيفي، يقفُ أمامَ الملكِ "عمرو بن هند" وقد فُجع بموتِ أخيه، فلم يواسهِ بكلماتٍ عابرة، بل رسمَ له خارطةَ الوجودِ، وصاغَ له حقيقةَ الدنيا بأسلوبٍ يكشفُ الغطاءَ عن المعنى، قال:

"أيها الملك.. هَوِّن عليك مصابك، واعلم أننا في هذه الدنيا لسنا سُكّاناً دائمين، بل نحنُ قوافلُ مسافرين، لا نحطُّ رحالَنا لنستريحَ راحةً أبديةً إلا حينَ نغادرُ هذه الدارَ إلى دارِ البقاء.

لقد نزلَ بساحتِكَ قضاءٌ لا يملكُ حارسٌ ولا ملكٌ ردَّه، وارتحلَ عنك حبيبٌ لن يعود، واعلم أن من بقيَ معكَ اليوم، هو في الحقيقةِ راحلٌ يجهزُ متاعه ليتركك غداً.

يا عمرو.. إنما عمرُ الدنيا كلِّها ثلاثةُ أيامٍ لا رابعَ لها: أمسٌ: قد طُويت صحيفته، لكنه تركَ لك العِظةَ والدرس، فهو كالشاهدِ العادلِ الذي أدَّى شهادتَه ومضى. ويومُكَ هذا: هو غنيمةٌ باردةٌ وصديقٌ زائر، فاغتنم صحبتَهُ قبل أن يسرعَ في الرحيل كما رحل الأمس. وغدٌ: غامضٌ مجهول، لا تدري من سيعيشُه؟ وهل سيأتيكَ أنتَ، أم يأتي وقد غادرتَ أنت؟

فما أجملَ أن نشكرَ اللهَ حين يُعطي، ونُسلِّمَ لقضائِه حينَ يأخذ! وتأمل أيها الملك في حالنا.. لقد مضى آباؤنا الذين هم الجذور والأصول، ونحنُ الفروع، وكيف لفروعٍ أن تبقى طويلاً وقد جفَّت وماتت أصولُها؟

أيها الملك، اعلم أنَّ الجزعَ وتضييعَ الأجرِ أشدُّ وأنكى من المصيبةِ ذاتها.. وأنَّ اللهَ الذي قدَّرَ الخيرَ هو خيرٌ من الخيرِ نفسِه، وأنَّ الذي قدَّرَ الشرَّ وابتلاكَ به هو وحده القادرُ على صرفه."


(3)

ومن فلسفةِ الموتِ عند الملوك، ننتقلُ إلى دستورِ الحياةِ والسيادةِ عند شيوخِ القبائل. فها هو "ذو الإصبعِ العدواني"، أحدُ حكماءِ العربِ وشعرائهم، يرقُدُ على فراشِ الموت، وقد عاشَ طويلاً حتى مَلَّ العيشَ ونحِل جسدُه. لم يورِّث ابنَه "أُسيداً" ذهباً ولا فضة، بل ورَّثه "مفاتيحَ القلوب" وسرَّ الزعامة. دعونا نستمع إلى هذه الوصية التي لو كُتبت بماء الذهب لكان قليلاً في حقها، وقد أعدنا صياغتها لتجلي جواهرَ معانيها:"

"يا بُني.. انظر إلى أبيك، لقد أصبحَ أثراً بعد عين، فنيَ جسدي وأنا حي، وسئمتُ تكاليفَ الحياة. يا أُسيد.. سأعطيكَ خلاصةَ عمري، وصفةً سحرية إن أنتَ طبقتها، دانت لكَ رقابُ الرجال، وصرتَ سيداً في قومك كما كنتُ أنا:

يا بني.. اكسر حدتَك، وألِن جانبك لقومك؛ فباللينِ تأسرُ محبتهم، وتواضع لهم ولا تتكبر؛ فالتواضعُ سلمُ الرفعة، وابسط وجهك وابتسم؛ فالابتسامةُ تأمرهم بالطاعةِ فيطيعون. إياكَ والأثرة! لا تستأثر بشيءٍ دونهم؛ حينها سيعترفون لك بالسيادة. وقِّر كبارهم يكرموك، واعطف على صغارهم؛ ينشأوا على محبتك ويكونوا لكَ عزوةً إذا كبروا.

يا بني، الزعامةُ بذل.. فجد بمالك، وكُن سداً منيعاً لحمايةِ نسائك وحريمك، وكُن عزيزاً يحتمي به الجار، وعوناً لكل من طلبَ نجدتك. وإذا نادى المنادي للفزعِ والحرب؛ كُن أنتَ أولَ من ينهضُ ويُلبي، فالموتُ له أجلٌ محدد لن يتجاوزه إليك قبل وقته. وأخيراً.. صُن ماءَ وجهكَ عن ذلِّ السؤال، فمن استغنى ساد."

ثم ختمَ الشيخُ وصيتَه بأبياتٍ خلدها التاريخ، قائلاً:

أَأُسَيْدُ إِنْ مَالاً مَلَكْـ *** ـتَ فَسِرْ بِهِ سَيْرًا جَمِيلا

آخِ الْكِرَامَ إِنِ اسْتَطَعْـ *** ـتَ إِلَى إِخَائِهِمُ سَبِيلا

وَاشْرَبْ بِكَأْسِهِمُ وَإِنْ  *** شَرِبُوا بِهِ السُّمَّ الثَّمِيلا

أَهِـنِ اللِّئَامَ وَلاَ تَكُنْ *** لإِخَائِهِمْ جَمَلًا ذَلُولا

إِنَّ الْكِرَامَ إِذَا تُوَا *** خِيهِمْ وَجَدْتَ لَهُمْ فُضُولا


(4)

هكذا كانت وصيةُ من ساسَ قومَهُ باللينِ والدهاء. ولكن، كيف يودعُ الحياةَ فارسٌ لم يعرفِ اللينَ إلا قليلاً؟ فارسٌ ملأ الأرضَ فخراً، وقتلَ ملكاً (عمرو بن هند) انتصاراً لكرامته؟ إنه صاحبُ المعلقةِ الشهيرة، "عمرو بن كلثوم". عاشَ مئةً وخمسينَ عاماً، رأى فيها تقلباتِ الدهر، وحين حضرته الوفاة، جمع بنيه ليورثهم خلاصةَ قرنٍ ونصفٍ من الزمان. لنستمع إلى "دستور الشرف" الذي صاغه الفارسُ المحتضر، قال لبنيه:

"يا بَنيّ.. انظروا إليّ، لقد طال بيَ العمرُ حتى عشتُ دهرًا لم يبلغه أحدٌ من أجدادي، ولكن هيهاتَ أن يفرَّ أحدٌ من القدر، فها هو الموتُ يطرقُ بابي كما طرقَ أبوابهم، فلا خلودَ في هذه الدار.

يا بَنيّ، خذوا مني قانونَ العدالةِ في الحياة: (كما تدينُ تدان). واللهِ ما عيَّرتُ أحداً بكلمةٍ إلا ودارَ الزمانُ وسُقيتُ من نفسِ الكأس، إن حقاً فحق، وإن باطلاً فباطل. ومن أطلقَ لسانَهُ في شتمِ الناس، مُزِّقت أعراضُه، فاكبحوا جماحَ ألسنتكم؛ فالسلامةُ في الصمت.

أحسِنوا إلى جيرانكم؛ فسمعتُكم الطيبةُ تبدأُ من عندهم، وكونوا درعاً يحمي الغريبَ المظلوم؛ فربَّ رجلٍ واحدٍ بمواقفِه يزنُ ألفَ رجل، واعلموا أن رفضَ الطلبِ بوضوح، خيرٌ وأشرفُ من وعدٍ كاذبٍ وتسويف.

وفي مجالسِ الرجال: أنصتوا جيداً لتفهموا، وإذا تكلَّمتم فأوجزوا؛ فإن كثرةَ الكلامِ مزلقةٌ للخطأ والهذيان.

واعلموا أن الشجاعةَ ليست مجردَ سيفٍ بتار، بل أشجعُ القومِ هو الرحيمُ بعد أن يظفر، وأكرمُ موتٍ هو الموتُ في ساحاتِ الوغى. ولا خيرَ في رجلٍ يطيشُ عقلُه عند الغضب فلا يملكُ نفسه، ولا خيرَ فيمن لا يقبلُ العتابَ ولا يلين.

واحذروا من صنفٍ من البشر: ذاك الذي لا يُرجى نفعُه، ولا يُؤمَن شرُّه؛ فالبعدُ عنه غنيمة، وجفافُ خيرِهِ أفضلُ من عطائه المشوبِ بالأذى. وختاماً.. لا تتزوجوا من داخلِ حيِّكم وقبيلتكم الأقربين؛ فإن ذلك يورثُ الضغائنَ العائليةَ القبيحة، ويُفسدُ الود.


(5)

ماذا يحدث حين يكتبُ حكيمُ العربِ رسالةً إلى قبيلةِ الكرم؟ نحنُ أمام وثيقةٍ نادرة.. رسالةٌ بعثَ بها "أكثمُ بنُ صيفي" إلى قبيلةِ "طيء". لم تكن مجردَ رسالةِ مجاملة، بل كانت "دليلَ البقاء" في الصحراء القاسية، ودستوراً للأخلاقِ في السلمِ والحرب. جمعَ فيها شتاتَ الحكمة، فتنقلَ بين الخيلِ والإبل، وبين اختيارِ الزوجةِ وصحبةِ الرجال، وكيفيةِ التعاملِ مع تقلباتِ الزمن. لنفتح معاً هذه الرسالة، ونقرأ ما بين سطورها، يقول فيها: 

"يا معشر طيء.. إليكم وصيتي: اجعلوا تقوى اللهِ درعكم، وصلةَ الرحمِ سياجكم. واحذروا ثم احذروا من الزواجِ بالمرأةِ الحمقاء؛ فصحبتُها مُخاطرة (غرر)، وأبناؤها ضياعٌ لا يُرجى نفعُهم.

عليكم بالخيل؛ أكرموها فهي حصونكم التي تحميكم في الحرب. ولا تستهينوا بالإبل، فأعطوها حقها ولا تبخسوها؛ فبها تُساقُ مهورُ الحرائر، وبها تُدفعُ الدياتُ فتُحقنُ دماءُ الرجال، ومن ألبانها يقتاتُ الصغيرُ ويُكرَمُ الكبير، وهي من الصبرِ والقوةِ بحيث لو كُلفت طحنَ الحجارةِ لطحنت.

واعلموا أن المرءَ لا يهلكُ ما دامَ عارفاً لقدرِ نفسه، وأنَّ الفقرَ الحقيقيَّ ليس خلوَّ اليدِ من المال، بل خلوَّ الرأسِ من العقل. ورجلٌ واحدٌ ذو بصيرةٍ وحكمة، خيرٌ وأوزنُ من ألفِ رجلٍ غثاء.

يا طيء.. لا تُعاتبوا الزمان؛ فمن عاتبَ الدهرَ طالَ همُّه ولم يُجبه أحد، ومن رضيَ بما قُسِم له طابت حياتُه. واحذروا الهوى فهو آفةُ الرأي، والعادةُ قيدٌ يملكُ الإنسان. واعلموا أن الحاجةَ مع وجودِ المحبة، خيرٌ ألفَ مرةٍ من الغنى مع وجودِ البغضاء.

والدنيا دولٌ وأحوال: ما كُتب لك سيأتيكَ ولو كنتَ ضعيفاً، وما لم يُكتب لك لن تجلبَه ولو كنتَ قوياً. والحسدُ داءٌ لا دواءَ له إلا الموت، والشماتةُ ديْنٌ يُرَدُّ إلى صاحبِه (فمن يرى مصيبةَ غيره اليوم شامتاً، يرهُ الناسُ غداً مُصاباً).

واستعدوا للأمورِ قبل وقوعها؛ فـ (قبلَ الرميِ تُمْلأُ الكنائنُ بالسهام). وتذكروا أن الندامةَ هي ظلُّ الطيش، وأنَّ الحلمَ هو عمودُ العقل، والصبرُ عاقبتُه حميدة. ولا تُكثروا الزيارةَ فتُملوا؛ فبقاءُ المودةِ في الزيارةِ المتقطعة (زُرْ غِبّاً تزددْ حباً).

عودوا ألسنتكم على قولِ الخير؛ فلكلِ شيءٍ عادة، وعيُّ الصمتِ (أن تعجز عن الكلام فتصمت) أجملُ وأسترُ من عيِّ المنطق (أن تتكلم فتخلط وتخطئ). والحزمُ هو أن تتقنَ ما كُلفتَ به، وتتركَ ما كُفيتَه، ومن أكثرَ من الادعاءِ بالنصحِ اتُّهم في نيته، ومن ألحَّ في الطلبِ ثَقُلَ على النفوس، ومن طلبَ فوقَ قدرِهِ استحق الحرمان.

وختاماً.. الرفقُ يُمنٌ وبركة، والخرقُ والعنفُ شؤم، وأفضلُ الكرمِ ما وافقَ حاجةَ السائل، وأعظمُ العفوِ ما كانَ عند المقدرةِ على العقاب.


(6)

حينما تسقطُ الدول، وتتغيرُ الأيام، يصبحُ القلمُ أثقلَ من السيف. هذه الكلماتُ لم تُكتب في القصور، بل كُتبت في الفلواتِ وتحت ظلالِ السيوفِ المطاردة. صاحبُها هو "عبد الحميد الكاتب"، لسانُ الدولةِ الأمويةِ وبليغُها، يكتبُ رسالتَهُ الأخيرةَ إلى أهلهِ وهو يرى جيوشَ العباسيين تلاحقُه، والدولةَ التي خدمها تتهاوى أمام عينيه. إنها رسالةُ من أدرك أن الدنيا قد ولّت مدبرة، فجاءت كلماتُه مزيجاً من الحنينِ والألمِ ورثاءِ المجدِ الضائع. لنستمع إلى أنينِ الحروف، قال:

أما بعد.. يا أهلي وأحبتي.. اعلموا أن اللهَ قد جبلَ هذه الدنيا على التناقض؛ فهي دارٌ مَحفوفةٌ بالمكارهِ والمسرات معاً، وقسَّم حظوظها بين الناسِ دولاً. فمن صفت له الحياةُ، وأقبلت عليه بحلاوتها؛ اطمأنَّ إليها وركنَ إلى نعيمها الزائل. ومن كشَّرت له عن أنيابها، ومزقتهُ بمخالبِ الشقاء؛ أبغضها ونفرَ منها، وظلَّ يشكو قسوتَها طالباً الخلاص.

ونحنُ - يا أهلي - قد ذقنا الوجهين؛ فقد سقانا الدهرُ زمناً من كؤوسِ العزِّ أحلاها، حتى إذا أنسنا بها؛ جمحت بنا الدنيا كالدابةِ النافرة، ورفستنا رفسةً قاسية، فانقلبَ حالنا.. وصارَ حلوُ العيشِ مرّاً مالحاً، وتحولَ اللينُ إلى خشونةِ شظف العيش.

لقد قذفت بنا الأيامُ بعيداً عن الأوطان، وفرقت بيننا وبين الإخوان، فالدارُ بعيدة، وطوالعُ النحسِ تلاحقنا. أكتبُ إليكم والمسافاتُ تزيدنا عنكم بعداً، لكنها تزيدنا إليكم شوقاً وحنيناً ووجداً.

وإني أنظرُ في مصيري فلا أرى إلا طريقين: إما أن تكتملَ المصيبةُ وتدركنا الآجال، فيكون هذا الكتابُ هو آخرَ العهدِ بكم في الدنيا. وإما أن يلحقَ بنا العدو، فتنشَبَ فينا أظفارُه، ونعودَ إليكم، لا أعزاءَ كما كنا، بل نعودُ بذلِّ الأسرِ والقيد، والذلُّ - لعمري - هو شرُّ جارٍ يصاحبُ الحر.

فنسألُ اللهَ، المُعزَّ المُذل، أن يكتبَ لنا ولكم فرجاً قريباً، ويجمعنا بكم جمعَ أُلفةٍ في دارِ أمان، تحفظُ علينا ديننا وأبداننا، إنه أرحم الراحمين.


(7)

أصعبُ أنواعِ الخصومة، هي تلك التي تكون مع شخصٍ كان يوماً موضعَ ثقتك. كيف تعاقبُ يداً كنتَ تصافحها؟ وكيف تمحو وداً قديماً بجرةِ قلم؟ نحنُ أمام رسالةٍ نفسيةٍ بليغةٍ للوزير الأديب "ابن العميد"، يكتبها لرجلٍ من حاشيته خانَ الأمانة. إنها رسالة "الفرصة الأخيرة".. حيث يقفُ الكاتبُ في المنتصفِ تماماً، يداً تحملُ سيفَ العقاب، ويداً تمتدُ لانتشالِ الغريق. في هذه السطور، نرى صراعَ العقلِ مع العاطفة، وهيبةَ السلطةِ مع أملِ العودة. لنستمع كيف يُدارُ العتابُ بلغةِ الملوك:

أكتبُ إليكَ كتابي هذا، وأنا أتأرجحُ في مشاعري نحوك؛ تارةً يغلبني الطمعُ في عودتِك، وتارةً يقتلني اليأسُ من صلاحِك.. أُقبلُ عليكَ بقلبي تارة، وأُعرضُ عنكَ بوجهي تارةً أخرى.

إنك يا هذا تقفُ في موقفٍ صعب: تتشفعُ عندي بماضيكَ القديم، وخدمتِكَ السابقة؛ وهما شفيعانِ عظيمان يستوجبانِ مني الرعايةَ والحفظ. لكنك في المقابل، هدمتَ هذا الماضي بخيانتكَ للأمانة (الغلول)، واتبعتَ ذلك بالعصيانِ والتمرد. وأقلُّ هذه الجرائمِ كفيلٌ بأن يُحبطَ عملَك، ويمحوَ كلَّ تاريخِك، ويقطعَ حبالَ الودِّ بيننا.

ولهذا.. لا عجبَ أن تراني واقفاً في المنتصف، أميلُ إليكَ مرة، وأميلُ عليكَ مرة: أُقدِّمُ رِجلاً لأهجمَ عليكَ وأحطمك، ثم أؤخرُها لأمنحكَ فرصةَ النجاة. أبسطُ يدي لأستأصلَ شأفتكَ وأمحيَ أثرك، ثم أثنيها محاولةً مني لإصلاحِكَ وإبقائك.

أتدرى لماذا أتوقفُ عن سحقِكَ وأنا قادر؟ ليس ضعفاً.. بل ضنّاً مني بالنعمةِ التي كانت بيننا، ورغبةً في ألا يضيعَ صنيعي فيك، وأملاً في أن تفيقَ من سكرتكَ وتعود. فقد يغيبُ العقلُ ثم يعود، ويضلُّ اللبُّ ثم يرجع، ويغفو الحزمُ ثم يستيقظ.. والمرءُ قد يسكرُ ثم يصحو، والماءُ قد يتعكرُ ثم يصفو.. وكلُّ ضيقٍ لا بد له من فرج، وكلُّ شدةٍ (غمرة) مآلُها إلى زوال.

وكما أنكَ فاجأتَ أحبابكَ بإساءةٍ لم يتوقعوها منك، فلا مانعَ أن تفاجئَ أعداءكَ الآن بتوبةٍ وإحسانٍ لم ينتظروه منك. وكما طالت غفلتُك حتى ارتكبتَ ما ارتكبت، فلا عجبَ أن تستيقظَ الآن انتباهةً ترى فيها قبحَ فعلك، وسوءَ اختيارك.

اسمع مني.. سأظلُّ على عادتي في تأخيرِ العقابِ (المماطلة) ما وجدتُ لذلك سبيلاً، وسأطيلُ حبلَ الصبرِ ما أمكنني ذلك؛ طمعاً في توبتك، وتغليباً لحسنِ الظنِّ بك. فأنا بهذا الصبرِ أكسبُ الأمرين: أقيمُ عليك الحجةَ بوضوح، وأستدرجُكَ لتعودَ مختاراً لا مكرهاً. فإن يشأ اللهُ أخذَ بيدك للرشاد، وساقكَ إلى حظِّك السعيد، إنه على كل شيء قدير.


(8)

في تاريخ المعارك، هناك لحظاتٌ يتوقف فيها الزمن. نحن الآن على شواطئ الأندلس.. خلفنا البحر الهائج، وأمامنا جيش "القوط" الجرار بقيادة الملك "لُذريق". الخيارات معدومة: إما النصر، وإما الفناء. في هذه اللحظة الحاسمة، وقف القائد "طارق بن زياد" ليغلق باب التراجع في وجوه جنوده، لا ليحبطهم، بل ليفجر في داخلهم طاقة البقاء. بكلمات خُلقت لتبقى، رسم لهم خريطة الموقف: (البحر من ورائكم، والعدو أمامكم). لنستمع إلى خطبة "الخيارات الصفرية"، وكيف صاغ طارق معادلة النصر:

"يا أيها الناس.. تأملوا موقفكم، أين المفر؟ لقد انقطعت بكم السبل؛ فالبحر الهائج من ورائكم يمنع الهروب، وجيش العدو الجرار أمامكم يطلب الرؤوس، فليس لكم واللهِ في هذا الموقف إلا سلاحان: الصدق في القتال، والصبر على المكاره.

واعلموا أن حالكم في هذه الجزيرة الغريبة كحالِ الأيتامِ الضعفاء إذا جلسوا على مائدةِ اللئام البخلاء؛ لا ناصر لكم ولا مُعيل، وأنتم الحلقة الأضعف. لقد استقبلكم عدوكم وهو في كامل قوته؛ جيشٌ عظيم، وسلاحٌ فتاك، ومؤنٌ وفيرة.. بينما أنتم لا تملكون وزراً تحتمون به إلا سيوفكم، ولا تملكون طعاماً تقتاتون به إلا ما ستنتزعونه من أيادي أعدائكم بالقوة.

احذروا الوقت! فإن امتدت بكم الأيام وأنتم على هذا الفقر والجوع، ولم تحققوا نصراً سريعاً؛ ذهبت ريحكم، وتلاشى خوف العدو منكم، وتحولت هيبتكم في قلوبهم إلى جرأة عليكم. فادفعوا عن أنفسكم هذا المصير المظلم بمناجزة هذا الطاغية (لذريق) فوراً، فقد ألقت به الأقدار إليكم في مدينته الحصينة، وانتهاز الفرصة لقتله ممكن إن سمحتم لأنفسكم ببيع الحياة وشراء الموت بشرف.

وإني إذ آمركم بهذا، لا أحذركم من خطر أنا في مأمن منه، ولا أدفعكم لخطة تكون فيها أرواحكم أرخص السلع، بل أنا سأبدأ بنفسي قبلكم. واعلموا أنكم إن صبرتم على مشقة القتال قليلاً، استمتعتم برغد العيش طويلاً. فلا تكونوا أرغب في حياتكم مني في حياتي، فما حظكم في الغنيمة بأكثر من حظي.

لقد اختاركم الخليفة "الوليد بن عبد الملك" من بين أبطال العرب وشجعانهم، ورضيكم لتكونوا أصهاراً لملوك هذه الجزيرة ومنافسين لهم؛ ثقةً منه بشجاعتكم في الطعان. فلا تخذلوه، ليكون حظه منكم ثواب الله، وتكون الغنائم خالصة لكم من دونه.

واعلموا أني أول من سينفذ ما دعوتكم إليه.. فأنا عند التقاء الجيشين سأحمل بنفسي وحيداً قاصداً طاغية القوم "لذريق" لأقتله إن شاء الله. فاحملوا معي حملة رجل واحد.. فإن قُتلت بعد أن أقتله فقد كفيتم شره وانتصرتم، وإن قُتلت قبل أن أصل إليه، فلا تيأسوا، بل اخلفوني في عزيمتي هذه، وأكملوا المهمة، واجعلوا همكم الأول والأخير هو قتله؛ فبقتله يُفتح النصر."


(9)

تخيل رجلاً يملك من القوة والاتساع ما يجعله يقف في شرفة قصره، ينظر إلى السحابة العابرة ويقول لها: (أمطري حيث شئتِ، فإن خراجكِ سيأتيني). إنه "هارون الرشيد".. أعظم خلفاء بني العباس، وأكثرهم ذكراً في الشرق والغرب. يظنه الناس غارقاً في الليالي الملاح، والتاريخ يخبرنا أنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً، وكان أكثر الخلفاء بكاءً على نفسه وخوفاً من ربه. في هذه الخطبة، لا يتحدث "هارون الملك"، بل يتحدث "هارون الإنسان" الذي أدرك أن المُلك عقيم، وأن الآخرة هي دار القرار. لنستمع إلى كلمات حاكمٍ يحذر رعيته من غرور الدنيا، وهو أول الخائفين منها:

"الحمد لله، نحمده على نعمٍ لا تُحصى، ونستعينه ليمنحنا القوة على طاعته، ونلجأ إليه لينصرنا على أعدائه وأعداء الحق، مؤمنين به، متوكلين عليه، ومفوضين الأمر كله إليه.

أما بعد.. يا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فهي الحصن والحماية، بها تُمحى الخطايا، وتُضاعف الحسنات، وهي تذكرة العبور إلى الجنة والنجاة من النار.

إني أحذركم من يومٍ مهيب.. يومٍ تشخص فيه الأبصار من الفزع، وتنكشف فيه الأسرار المستورة. إنه يوم "التغابن" حيث يدرك المقصر خسارته، ويوم "التنادي" حيث لا مجيب، يوم لا تُقبل فيه الأعذار، ولا تُمنح فيه الفرص لزيادة الحسنات. إنه يوم "الآزفة" القريب، حين تبلغ القلوب الحناجر من شدة الكرب، فلا يملك الظالمون فيه صدياً يحميهم ولا شفيعاً يُسمع قوله. والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

فاتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ليحاسب كل نفسٍ بما كسبت. حصنوا إيمانكم بأداء الأمانة، واحموا دينكم بالورع عن الشبهات، وطهروا صلاتكم بإيتاء الزكاة.

وإياكم و"الأماني" الخادعة! لا تغتروا بطول الأمل والتسويف، فقد خدعت الأماني كثرًا قبلكم، وأهلكتهم بوعودها الكاذبة، حتى باغتها الموت فجأة، وحاولوا التوبة في اللحظات الأخيرة ولكن هيهات.. (فتناوشوا التوبة من مكان بعيد)، وحيل بينهم وبين ما يشتهون.

لقد قطع الله أعذاركم بالوعيد، وأقام عليكم الحجة بما رأيتموه بأعينكم في الأمم السابقة، جيلاً بعد جيل. ألم تروا الموت يختطف الآباء والأبناء؟ ألم يُنتزع الأحبة والعشائر من بين أيديكم ومن داخل بيوتكم؟ وأنتم عاجزون.. لا تملكون دفعاً للموت عنهم ولا تحولون دونه. لقد زالت عنهم الدنيا، وتقطعت بهم الأسباب، وأسلمهم الموت إلى أعمالهم وحيدين للحساب. فالعدالة الإلهية نافذة: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}."


(10)

من يجرؤ أن يقتحم خيمة الخليفة، وينغص عليه صفوَ الحج؟ عادةً ما يدخل الناس على الملوك لطلب المال أو الجاه، لكن هذا الرجل دخل ليطلب شيئاً آخر تماماً.. دخل ليطلب "العدالة". نحن في "منى"، والخليفة هو "أبو جعفر المنصور"، صاحب السطوة والجبروت. أما الزائر، فهو "سفيان الثوري"، الزاهد الذي كانت تفر منه الدنيا ويفر هو منها. في هذا المشهد، يتصادم "سلطان العلم" مع "سلطان السيف".. حوار قصير، لكنه حاد كحد الشفرة، انتهى بطردٍ، ولكنه خلد موقفاً. لنستمع لما دار بينهما:

دخل سفيانُ الثوري على أبي جعفر المنصور في خيمته بمنى، فرأى مظاهر الأبهة والسلطان تحيط بالخليفة حتى في أقدس المشاعر. لم يهب سفيانُ الموقف، بل واجهه بالحقيقة العارية قائلاً:

'يا أبا جعفر.. اتقِ الله! اعلم أنك ما وصلتَ إلى هذه المنزلة، ولا جلستَ على هذا الكرسي، إلا بسيوف المهاجرين والأنصار وتضحياتهم. واليوم.. أبناؤهم يموتون جوعاً بينما أنت ترفل في النعيم!'.

ثم ذكَّره بالنموذج الغائب الحاضر، قائلاً: 'لقد حج الخليفة عمر بن الخطاب، فما أنفق في رحلته كلها إلا خمسة عشر ديناراً، وكان ينام تحت ظلال الشجر، متواضعاً لله، زاهداً في دنياكم هذه'.

ضاق المنصور ذرعاً بهذا الكلام، ونظر إليه بازدراء وقال محاولاً إحراجه: 'يا سفيان.. هل تريدني أن أكون مثلك؟ (يقصد زاهداً متقشفاً لا يملك شيئاً)'.

فرد سفيانُ بجوابٍ ذكي ومسكت، يضع فيه قاعدة "الوسطية"، فقال: 'لا.. لا تكن مثلي في الزهد والفقر، ولكن كن في منزلة وسطى: دون ما أنت فيه من الترف الفاحش، وفوق ما أنا فيه من التقشف.. كن معتدلاً'.

لم يتحمل الخليفة هذا المنطق الدامغ، ولم يجد جواباً إلا أن يستخدم سلطته لينهي الحوار، فصرخ فيه: 'اخرج عني!'."

10 خطب بليغة لم تسمعها من قبل: تعلم بلاغة العرب في أقوى مواقفهم!!!
قصص رمح

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX