فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ البَصْرَةِ المَهِيبَةِ، حَيْثُ تَشْمَخُ العَمَائِمُ، وَتَزْدَحِمُ الرُّكَبُ، وَتَتَطَاوَلُ أَعْنَاقُ قُرَيْشٍ وَوُجَهَاءِ العَرَبِ لِنَيْلِ الحُظْوَةِ عِنْدَ أَمِيرِهَا وَحَبْرِ الأُمَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حُسْبَانِ أَهْلِ الجَاهِ.
يَدْخُلُ رَجُلٌ لَيْسَ مِنْ عِلْيَةِ القَوْمِ نَسَبًا، وَلَا مِنْ سَادَتِهِمْ حَسَبًا، رَجُلٌ تَسَرْبَلَ بِثِيَابِ التَّوَاضُعِ، وَعَلَتْ وَجْهَهُ سِيمَا الصَّالِحِينَ. وَمَا إِنْ لَمَحَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ حَتَّى هَشَّ لَهُ وَبَشَّ، وَأَوْسَعَ لَهُ فِي المَجْلِسِ، بَلْ وَرَفَعَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ -مَقْعَدِ الإِمَارَةِ-، تَارِكًا سَادَةَ قُرَيْشٍ أَسْفَلَ مِنْهُمَا!
تَغَامَزَ القَوْمُ بَيْنَهُمْ، وَهَمَسَتِ العُيُونُ قَبْلَ الشِّفَاهِ: "أَيُرْفَعُ هَذَا العَبْدُ عَلَى السَّرِيرِ وَنَحْنُ صَنَادِيدُ العَرَبِ؟!". فَرَمَقَهُمُ الحَبْرُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِنَظْرَةٍ ثَاقِبَةٍ، وَنَطَقَ بِكَلِمَةٍ خَلَّدَهَا التَّارِيخُ دُسْتُورًا لِلْمَجْدِ: «هَكَذَا العِلْمُ؛ يَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفًا، وَيَرْفَعُ الوَضِيعَ، وَيُجْلِسُ المَمْلُوكَ عَلَى الأَسِرَّةِ».
فَمَنْ ذَاكَ الرَّجُلُ الَّذِي كَسَرَ قُيُودَ الطَّبَقِيَّةِ بِسُلْطَانِ القُرْآنِ؟ وَكَيْفَ تَحَوَّلَ مِنْ مَمْلُوكٍ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى فِي أَسْوَاقِ البَصْرَةِ، إِلَى إِمَامٍ تَرْحَلُ إِلَيْهِ الرِّكَابُ؟ إِنَّهُ رُفَيْعُ بْنُ مِهْرَانَ.. أَبُو العَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ.
الفَصْلُ الأَوَّلُ: مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
وُلِدَ نَجْمُنَا فِي بِلَادِ فَارِسَ، حَيْثُ نَشَأَ غَرِيبًا عَنِ اللِّسَانِ العَرَبِيِّ، بَعِيدًا عَنْ مَهْبِطِ الوَحْيِ. شَابٌّ فِي مُقْتَبَلِ العُمُرِ، لَمْ تُكَحَّلْ عَيْنَاهُ بِمَرْأَى النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَاصَرَ زَمَانَهُ، إِذْ يَقُولُ مُتَحَسِّرًا بِنَبْرَةٍ مَلْؤُهَا الشَّوْقُ: «أَسْلَمْتُ بَعْدَ وَفَاةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ بِسَنَتَيْنِ».
دَارَتْ رَحَى الأَيَّامِ، وَفُتِحَتِ البُلْدَانُ، فَوَقَعَ رُفَيْعٌ فِي الأَسْرِ، وَسِيقَ ضِمْنَ مَنْ سِيقَ إِلَى بَصْرَةِ العِرَاقِ. هُنَاكَ، حَيْثُ تَخْتَلِطُ الدُّمُوعُ بِالأَمَلِ، وَجَدَ نَفْسَهُ مَمْلُوكًا لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي رِيَاحٍ (بَطْنٌ مِنْ تَمِيمٍ). كَانَ يُمْكِنُ لِهَذِهِ الحَادِثَةِ أَنْ تَكُونَ نِهَايَةَ قِصَّتِهِ، مُجَرَّدَ عَبْدٍ يَكْدَحُ لِخِدْمَةِ سَيِّدَتِهِ، لَكِنَّ الأَقْدَارَ كَانَتْ تَخُبِّئُ لَهُ فِي طَيَّاتِهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ.
لَمْ يَكُنْ قَلْبُ "رُفَيْعٍ" قَلْبَ عَبْدٍ خَانِعٍ لِلدُّنْيَا، بَلْ كَانَ قَلْبًا يَتَوَقَّدُ ذَكَاءً وَيَشْتَعِلُ هِمَّةً. لَقَدْ بَهَرَهُ نُورُ الإِسْلَامِ، وَأَذْهَلَتْهُ آيَاتُ الكِتَابِ العَزِيزِ، فَانْكَبَّ عَلَى القُرْآنِ يَلْتَهِمُهُ الْتِهَامًا، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ جِهَادًا مَرِيرًا لِخَتْمِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ!
يَحْكِي أَبُو العَالِيَةِ عَنْ تِلْكَ الأَيَّامِ القَاسِيَةِ وَاللَّذِيذَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ فَيَقُولُ: «كُنَّا عَبِيدًا مَمْلُوكِينَ، مِنَّا مَنْ يُؤَدِّي الضَّرَائِبَ، وَمِنَّا مَنْ يَخْدُمُ أَهْلَهُ، فَكُنَّا نَخْتِمُ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَشَقَّ عَلَيْنَا..».
تَخَيَّلْ مَعِي هَذَا المَشْهَدَ: عَبِيدٌ مُتْعَبُونَ مِنْ عَنَاءِ النَّهَارِ، وَبَدَلًا مِنَ النَّوْمِ، يَسْهَرُونَ لَيْلَهُمْ يُرَتِّلُونَ كَلَامَ رَبِّهِمْ، يُغَالِبُونَ النُّعَاسَ وَالتَّعَبَ. حَاوَلُوا أَنْ يَخْتِمُوهُ كُلَّ لَيْلَتَيْنِ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ.. كُلَّ ثَلَاثٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ! كَانَتْ أَرْوَاحُهُمْ تَطِيرُ، لَكِنَّ أَجْسَادَهُمْ تَنُوءُ بِالحِمْلِ. فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ ذَهَبُوا إِلَى مَنْ بِيَدِهِمْ مَفَاتِيحُ الفَهْمِ، إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَشَكَوْا إِلَيْهِمْ هَذَا الجَهْدَ، فَعَلَّمُوهُمُ التَّوَازُنَ النَّبَوِيَّ: «اخْتِمُوا كُلَّ جُمُعَةٍ». فَنَزَلَتِ السَّكِينَةُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَصَلُّوا، وَنَامُوا، وَذَاقُوا حَلَاوَةَ العِبَادَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ مُهْلِكَةٍ.
الفَصْلُ الثَّانِي: لَحْظَةُ الِانْعِتَاقِ الكُبْرَى
لَمْ يَكُنْ سَعْيُ "أَبِي العَالِيَةِ" نَحْوَ العِلْمِ لِيَمُرَّ دُونَ أَنْ يُلَاحِظَهُ مَنْ حَوْلَهُ. لَقَدْ رَأَتْ سَيِّدَتُهُ الرِّيَاحِيَّةُ فِيهِ مَا لَمْ تَرَهُ فِي غَيْرِهِ؛ رَأَتْ صَلَاحًا، وَسَمْتًا، وَوَلَعًا بِمَعَالِي الأُمُورِ. وَفِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ اللهِ المَشْهُودَةِ، قَرَّرَتْ هَذِهِ المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ أَنْ تُتَاجِرَ مَعَ اللهِ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ.
أَخَذَتْ بِيَدِ غُلَامِهَا "رُفَيْعٍ" إِلَى المَسْجِدِ، وَالنَّاسُ شُهُودٌ، وَهُنَاكَ، أَمَامَ أَعْيُنِ المَلَإِ، قَالَتْ كَلِمَتَهَا الَّتِي غَيَّرَتْ مَجْرَى حَيَاةِ هَذَا الإِمَامِ: «أَنْتَ سَائِبَةٌ لِوَجْهِ اللهِ». لَمْ تُرِدْ وَلَاءً، وَلَا جَزَاءً، وَلَا شُكُورًا، بَلْ قَالَتْ بِقَلْبٍ مُخْبِتٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَدَّخِرُهُ عِنْدَكَ لِيَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ».
وَانْكَسَرَتِ القُيُودُ.. خَرَجَ أَبُو العَالِيَةِ مِنَ المَسْجِدِ حُرًّا طَلِيقًا، لَا يَحْمِلُ فِي جُعْبَتِهِ مَالًا وَلَا نَسَبًا يَفْخَرُ بِهِ العَرَبُ، لَكِنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ كَنْزًا أَعْظَمَ: عَزِيمَةً لَا تَلِينُ عَلَى أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِعِلْمِ النُّبُوَّةِ.
يَقُولُ أَبُو العَالِيَةِ وَاصِفًا انْطِلَاقَتَهُ بَعْدَ الحُرِّيَّةِ: «تَعَلَّمْتُ الكِتَابَةَ وَالقُرْآنَ، فَمَا شَعَرَ بِي أَهْلِي، وَلَا رُئِيَ فِي ثَوْبِي مِدَادٌ قَطُّ». يَا لَهُ مِنْ إِخْلَاصٍ! وَيَا لَهَا مِنْ هِمَّةٍ خَفِيَّةٍ! كَانَ يَطْلُبُ العِلْمَ بِصَمْتٍ، وَيَبْنِي مَجْدَهُ بِهُدُوءٍ، حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عُودُهُ، شَدَّ الرِّحَالَ إِلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لِيَنْهَلَ مِنَ اليَنَابِيعِ الصَّافِيَةِ مُبَاشَرَةً.
الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي حَضْرَةِ الجِبَالِ
وَصَلَ أَبُو العَالِيَةِ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ رَهْبَةً وَشَوْقًا. لَقَدْ أَدْرَكَ خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، ثُمَّ شَهِدَ عَصْرَ الفَارُوقِ عُمَرَ. وَهُنَاكَ، بَدَأَتْ رِحْلَتُهُ الحَقِيقِيَّةُ فِي تَلَقِّي القُرْآنِ غَضًّا طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلَ.
لَمْ يَرْضَ أَنْ يَأْخُذَ العِلْمَ مِنْ صِغَارِ النَّاسِ، بَلْ قَصَدَ الجِبَالَ الرَّوَاسِيَ. يَقُولُ: «قَرَأْتُ القُرْآنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ثَلَاثَ مِرَارٍ». هَلْ تُدْرِكُ يَا صَاحِبِي مَا مَعْنَى أَنْ يَعْرِضَ رَجُلٌ مِنَ المَوَالِي القُرْآنَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى عُمَرَ؟ ذَاكَ الَّذِي يَفِرُّ الشَّيْطَانُ مِنْ فَجِّهِ! إِنَّهَا شَهَادَةٌ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ لَا تُضَاهِيهَا شَهَادَةٌ.
وَلَمْ يَكْتَفِ بِعُمَرَ، بَلْ لَازَمَ "أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ" سَيِّدَ القُرَّاءِ، وَ"زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ" جَامِعَ القُرْآنِ، وَ"ابْنَ عَبَّاسٍ" تُرْجُمَانَ القُرْآنِ، وَ"ابْنَ مَسْعُودٍ" الَّذِي أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ بِأَخْذِ القُرْآنِ مِنْهُ.
كَانَ مَنْهَجُهُ فِي الطَّلَبِ صَارِمًا، يَكْشِفُ عَنْ عَقْلِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ فَذَّةٍ. اسْتَمِعْ إِلَيْهِ وَهُوَ يَصِفُ رِحْلَتَهُ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ: «كُنْتُ أَرْحَلُ إِلَى الرَّجُلِ مَسِيرَةَ أَيَّامٍ لِأَسْمَعَ مِنْهُ، فَأَوَّلُ مَا أَتَفَقَّدُهُ مِنْ أَمْرِهِ صَلَاتُهُ؛ فَإِنْ وَجَدْتُهُ يُقِيمُهَا وَيُحْسِنُهَا، أَقَمْتُ عَلَيْهِ وَسَمِعْتُ مِنْهُ، وَإِنْ وَجَدْتُهُ يُضَيِّعُهَا، رَحَلْتُ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ، وَقُلْتُ: هُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ!».
اللهُ أَكْبَرُ! إِنَّهُ مِيزَانُ أَبِي العَالِيَةِ الذَّهَبِيُّ؛ الصَّلَاةُ هِيَ المِعْيَارُ، وَالخُشُوعُ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى الأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ. لَمْ يَكُنْ جَامِعَ رِوَايَاتٍ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ بَاحِثًا عَنِ التُّقَى قَبْلَ اللُّقَى.
إِذَا كَانَتِ النُّجُومُ تَتَلَأْلَأُ فِي السَّمَاءِ لِتَهْدِيَ السَّارِينَ فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ، فَإِنَّ "أَبَا العَالِيَةِ" كَانَ نَجْمًا مِنْ طِرَازٍ آخَرَ، سَطَعَ فِي سَمَاءِ البَصْرَةِ لِيَهْدِيَ التَّائِهِينَ فِي دُرُوبِ الجَهْلِ إِلَى رِحَابِ القُرْآنِ. لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ قَارِئٍ يُرَتِّلُ الحُرُوفَ، بَلْ كَانَ "أُمَّةً" فِي رَجُلٍ، جَمَعَ بَيْنَ صَدْرِهِ مِيرَاثَ النُّبُوَّةِ، حَتَّى صَارَ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالبَنَانِ، وَتُعْقَدُ عَلَيْهِ الخَنَاصِرُ.
الفَصْلُ الرَّابِعُ: وَرِيثُ الصَّحَابَةِ وَأَعْلَمُ التَّابِعِينَ
لَمْ يَكُنْ صُعُودُ "أَبِي العَالِيَةِ" سَهْلًا فِي مُجْتَمَعٍ كَانَ لَا يَزَالُ يَفْتَخِرُ بِالأَنْسَابِ، لَكِنَّ القُرْآنَ كَانَ هُوَ الرَّافِعَةَ الَّتِي حَطَّمَتْ كُلَّ السُّقُوفِ. لَقَدْ بَلَغَ مِنَ العِلْمِ مَبْلَغًا جَعَلَ كِبَارَ النُّقَّادِ وَجَهَابِذَةَ العِلْمِ يَقِفُونَ أَمَامَهُ إِجْلَالًا.
اسْمَعْ إِلَى شَهَادَةِ التَّارِيخِ الَّتِي سَطَّرَهَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، حِينَ قَالَ بِكُلِّ جَزْمٍ وَيَقِينٍ: «لَيْسَ أَحَدٌ بَعْدَ الصَّحَابَةِ أَعْلَمَ بِالقُرْآنِ مِنْ أَبِي العَالِيَةِ، وَبَعْدَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ».
تَأَمَّلْ هَذَا الحُكْمَ! إِنَّهُ يَضَعُ "رُفَيْعًا" -ذَلِكَ المَمْلُوكَ السَّابِقَ- فِي المَرْتَبَةِ الأُولَى مُبَاشَرَةً بَعْدَ جِيلِ الصَّحَابَةِ، مُتَقَدِّمًا عَلَى عُلَمَاءَ أَفْذَاذٍ كَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالحَسَنِ البَصْرِيِّ. وَلَمْ يَأْتِ هَذَا مِنْ فَرَاغٍ؛ فَقَدْ كَانَ قُرَّاءُ البَصْرَةِ وَعُلَمَاؤُهَا يَأْتُونَ إِلَيْهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانًا، يَنْهَلُونَ مِنْ عِلْمِهِ الغَزِيرِ.
حَتَّى "أَبُو عَمْرِو بْنُ العَلَاءِ" -أَحَدُ القُرَّاءِ السَّبْعَةِ المَشْهُورِينَ الَّذِينَ نَقْرَأُ بِقِرَاءَتِهِمُ اليَوْمَ- قَدْ قَرَأَ عَلَى أَبِي العَالِيَةِ، أَوْ اسْتَفَادَ مِنْ طَرِيقَتِهِ، لِيَتَّصِلَ السَّنَدُ النُّورَانِيُّ عَبْرَ الأَجْيَالِ.
الفَصْلُ الخَامِسُ: مَنْهَجِيَّةُ النُّورِ (الخَمْسُ آيَاتٍ)
فِي زَمَنٍ تَسَارَعَتْ فِيهِ الأَحْدَاثُ، وَكَثُرَتْ فِيهِ الفُتُوحَاتُ، خَشِيَ أَبُو العَالِيَةِ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَأْخُذُوا القُرْآنَ "هَذْرَمَةً" (أَيْ بِسُرْعَةٍ دُونَ فَهْمٍ). فَابْتَكَرَ لِتَلَامِيذِهِ مَنْهَجًا تَرْبَوِيًّا فَرِيدًا، يَجْمَعُ بَيْنَ الحِفْظِ وَالتَّدَبُّرِ وَالعَمَلِ.
كَانَ يَجْلِسُ فِي حَلَقَتِهِ المَهِيبَةِ، وَحَوْلَهُ الطُّلَّابُ، فَيَقُولُ لَهُمْ بِنَبْرَةِ المُشْفِقِ النَّاصِحِ: «تَعَلَّمُوا القُرْآنَ خَمْسَ آيَاتٍ، خَمْسَ آيَاتٍ؛ فَإِنَّهُ أَحْفَظُ لَكُمْ، وَجِبْرِيلُ كَانَ يَنْزِلُ بِهِ خَمْسَ آيَاتٍ، خَمْسَ آيَاتٍ».
يَا لَهَا مِنْ حِكْمَةٍ بَالِغَةٍ! إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ العِلْمَ فِي صُدُورِهِمْ بِنَاءً رَاسِخًا، لَبِنَةً لَبِنَةً، كَمَا يَبْنِي البَنَّاءُ المَاهِرُ القَصْرَ المَشِيدَ. فَمَنْ حَفِظَ القُرْآنَ جُمْلَةً، تَفَلَّتَ مِنْهُ جُمْلَةً، وَمَنْ أَخَذَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، رَسَخَ فِي قَلْبِهِ وَاخْتَلَطَ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ.
وَلَمْ يَكُنْ تَعْلِيمُهُ جَافًّا، بَلْ كَانَ مَمْزُوجًا بِالرَّحْمَةِ وَالبِشْرِ. كَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، هَشَّ لَهُمْ، وَرَحَّبَ بِهِمْ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى لِيُؤْنِسَ وَحْشَتَهُمْ وَيُبَشِّرَهُمْ بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ: ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾.
الفَصْلُ السَّادِسُ: بَيْنَ يَدَيِ الفِتْنَةِ العَمْيَاءِ
وَبَيْنَمَا كَانَ أَبُو العَالِيَةِ يَنْشُرُ العِلْمَ وَالسَّكِينَةَ، هَبَّتْ عَلَى الأُمَّةِ رِيَاحُ فِتْنَةٍ سَوْدَاءَ، لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ. إِنَّهَا الفِتْنَةُ الكُبْرَى الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، بَيْنَ جَيْشِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَجَيْشِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.
كَانَ "رُفَيْعٌ" حِينَهَا شَابًّا فِي رَيْعَانِ قُوَّتِهِ، يَغْلِي الدَّمُ فِي عُرُوقِهِ حَمَاسَةً لِلْحَقِّ. يَقُولُ وَاصِفًا تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الحَاسِمَةَ: «لَمَّا كَانَ زَمَانُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَإِنِّي لَشَابٌّ، القِتَالُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الطَّعَامِ الطَّيِّبِ! فَتَجَهَّزْتُ بِجَهَازٍ حَسَنٍ، وَلَبِسْتُ سِلَاحِي».
انْطَلَقَ الفَارِسُ الشَّابُُّ إِلَى مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ (صِفِّينَ)، يُرِيدُ أَنْ يُشَارِكَ فِيمَا ظَنَّهُ جِهَادًا. وَلَكِنْ.. عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى أَرْضِ المَعْرَكَةِ، رَأَى مَنْظَرًا خَلَعَ قَلْبَهُ مِنْ مَكَانِهِ، وَأَطَارَ النَّوْمَ مِنْ عَيْنَيْهِ.
رَأَى صَفَّيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، لَا يُرَى طَرَفَاهُمَا مِنْ كَثْرَةِ العَدَدِ. وَالمُفَاجَأَةُ المُزَلْزِلَةُ كَانَتْ فِي الأَصْوَاتِ الَّتِي تَعْلُو! يَقُولُ: «إِذَا كَبَّرَ هَؤُلَاءِ، كَبَّرَ هَؤُلَاءِ! وَإِذَا هَلَّلَ هَؤُلَاءِ، هَلَّلَ هَؤُلَاءِ!».
وَقَفَ مَذْهُولًا بَيْنَ الجَيْشَيْنِ.. كِلَاهُمَا يَهْتِفُ "اللهُ أَكْبَرُ"، كِلَاهُمَا يُوَحِّدُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ". كَيْفَ يُشْهِرُ سَيْفَهُ فِي وَجْهِ مُؤْمِنٍ يُكَبِّرُ؟ وَكَيْفَ يُرِيقُ دَمَ مُوَحِّدٍ يُهَلِّلُ؟
رَاجَعَ نَفْسَهُ فِي لَحْظَةِ صِدْقٍ مَعَ اللهِ، وَتَسَاءَلَ: «أَيَّ الفَرِيقَيْنِ أُنَزِّلُهُ كَافِرًا؟! وَمَنْ أَكْرَهَنِي عَلَى هَذَا؟». فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَغَلَّبَتْ بَصِيرَةُ العَالِمِ عَلَى حَمَاسَةِ الشَّابِّ. أَدْرَكَ أَنَّ السَّلَامَةَ فِي اعْتِزَالِ الدِّمَاءِ، وَأَنَّ حِفْظَ دِينِهِ أَوْلَى مِنْ خَوْضِ غِمَارِ شُبْهَةٍ. فَمَا كَانَ مَنْهُ إِلَّا أَنْ تَرَكَ سِلَاحَهُ، وَقَفَلَ رَاجِعًا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، تَارِكًا الفِتْنَةَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، لِيَعُودَ إِلَى مِحْرَابِهِ وَمُصْحَفِهِ، حَامِدًا اللهَ الَّذِي نَجَّاهُ مِنَ الوُلُوجِ فِي دِمَاءِ المُسْلِمِينَ.
وَلِهَذَا كَانَ يَقُولُ بَعْدَ سِنِينَ طِوَالٍ: «فَقَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ بِنِعْمَتَيْنِ، لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَجْعَلْنِي حَرُورِيًّا (أَيْ خَارِجِيًّا يُكَفِّرُ النَّاسَ)».
الفَصْلُ السَّابِعُ: دُرُوسٌ فِي العُمْقِ (لِقَاؤُهُ مَعَ الرَّجُلِ)
لَمْ يَكُنْ عِلْمُ أَبِي العَالِيَةِ سَطْحِيًّا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الظَّاهِرِ، بَلْ كَانَ يَغُوصُ إِلَى أَعْمَاقِ المَعَانِي. يُرْوَى أَنَّ رَجُلًا -وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يُقَالُ إِنَّهُ سَيَّارٌ أَبُو المِنْهَالِ- رَأَى أَبَا العَالِيَةِ يَتَوَضَّأُ وُضُوءًا مُتْقَنًا، وَالمَاءُ يَقْطُرُ مِنْ وَجْهِهِ النُّورَانِيِّ.
فَأَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَمْدَحَهُ، فَقَالَ: «﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾». فَنَظَرَ إِلَيْهِ أَبُو العَالِيَةِ نَظْرَةَ المُعَلِّمِ المُصَحِّحِ لِلْمَفَاهِيمِ، وَقَالَ: «يَا ابْنَ أَخِي، لَيْسَ المُتَطَهِّرُونَ مَنِ المَاءِ، وَلَكِنَّهُمُ المُتَطَهِّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ!».
هَكَذَا كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الدِّينِ؛ لَيْسَ مُجَرَّدَ طُقُوسٍ شَكْلِيَّةٍ، بَلْ هُوَ نَقَاءُ القَلْبِ وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ. وَبَلَغَتْ حِكْمَتُهُ مَبْلَغًا جَعَلَ سَيِّدَ تَابِعِي زَمَانِهِ "الحَسَنَ البَصْرِيَّ" يَقُولُ حِينَ يُنْقَلُ لَهُ كَلَامُ أَبِي العَالِيَةِ: «قَدْ نَصَحَكَ وَاللهِ وَصَدَقَكَ!».
لَمْ يَكُنْ أَبُو العَالِيَةِ مُجَرَّدَ حَافِظٍ لِلنُّصُوصِ، بَلْ كَانَ طَبِيبًا لِلْقُلُوبِ، يَسْتَخْرِجُ الدَّوَاءَ مِنْ صَيْدَلِيَّةِ القُرْآنِ. لَقَدْ عَاشَ مَعَ الآيَاتِ حَتَّى صَارَتْ تَجْرِي فِي دَمِهِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ، نَطَقَ بِالحِكْمَةِ الخَالِصَةِ الَّتِي تَهُزُّ الأَرْوَاحَ.
الفَصْلُ الثَّامِنُ: دُسْتُورُ الوُعُودِ الرَّبَّانِيَّةِ
فِي مَجْلِسٍ يَفُوحُ بِعَبَقِ الإِيمَانِ، جَلَسَ أَبُو العَالِيَةِ يَوْمًا يَرْبِطُ عَلَى قُلُوبِ تَلَامِيذِهِ، وَيَكْشِفُ لَهُمْ عَنْ "قَضَاءِ اللهِ" الَّذِي أَلْزَمَ بِهِ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ. اسْتَمِعْ إِلَى هَذِهِ الاسْتِنْبَاطَاتِ العَبْقَرِيَّةِ الَّتِي تَبُثُّ الطُّمَأْنِينَةَ فِي أَوْصَالِ الخَائِفِينَ:
قَالَ بِيَقِينٍ لَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ: «إِنَّ اللهَ قَضَى عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِ هَدَاهُ»، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾. وَأَرْدَفَ قَائِلًا: «وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ»، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾. «وَمَنْ أَقْرَضَهُ جَازَاهُ»، تِصْدَيقًا لِقَوْلِهِ: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ﴾. «وَمَنْ دَعَاهُ أَجَابَهُ»، مُسْتَشْهِدًا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾.
كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لَنَا: إِنَّ مُعَامَلَةَ اللهِ مَضْمُونَةُ الرِّبْحِ، لَا مُخَاطَرَةَ فِيهَا، فَهِيَ وُعُودٌ قَطَعَهَا الكَرِيمُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ؟
الفَصْلُ التَّاسِعُ: قِصَّةُ التُّفَّاحَةِ وَلَوْعَةُ الشَّوْقِ
وَرَغْمَ هَذَا العِلْمِ وَالجَلَالِ، كَانَ فِي قَلْبِ "رُفَيْعٍ" غُصَّةٌ لَمْ تُشْفَ، وَجُرْحٌ لَمْ يَنْدَمِلْ؛ إِنَّهُ أَلَمُ "التَّأَخُّرِ". لَقَدْ وَصَلَ إِلَى الإِسْلَامِ مُتَأَخِّرًا عَامَيْنِ فَقَطْ عَنْ وَفَاتِهِ ﷺ. عَامَانِ حَرَمَاهُ مِنْ رُؤْيَةِ طَلْعَةِ البَدْرِ المُنِيرِ!
كَانَ يُحَاوِلُ تَعْوِيضَ هَذَا الفَقْدِ بِالالتِصَاقِ بِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَحَابَتِهِ. وَفِي مَوْقِفٍ يُبْكِي العُيُونَ، أَهْدَاهُ خَادِمُ رَسُولِ اللهِ "أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ" -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تُفَّاحَةً مِنْ بُسْتَانِهِ.
أَخَذَهَا أَبُو العَالِيَةِ بِيَدَيْنِ مُرْتَعِشَتَيْنِ، وَلَمْ يَأْكُلْهَا فَوْرًا.. بَلْ جَعَلَ يُقَلِّبُهَا، وَيَشَمُّهَا، ثُمَّ قَبَّلَهَا بَحَرَارَةٍ وَالدُّمُوعُ تَتَرَقْرَقُ فِي عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: «تُفَّاحَةٌ مَسَّتْهَا يَدٌ.. مَسَّتْ يَدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ!!».
يَا اللهُ! أَيُّ حُبٍّ هَذَا؟ وَأَيُّ قَلْبٍ هَذَا؟ إِنَّهُ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ، لَكِنَّهُ يَقْتَاتُ عَلَى آثَارِ لَمَسَاتِهِ، وَيَشْتَمُّ رِيحَهُ فِي أَكُفِّ أَصْحَابِهِ.
الفَصْلُ العَاشِرُ: لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الإِسْلَامِ
وَمَعَ شِدَّةِ عِبَادَتِهِ، كَانَ أَبُو العَالِيَةِ حَكِيمًا مُتَوَازِنًا، يَكْرَهُ التَّكَلُّفَ وَالتَّظَاهُرَ بِالزُّهْدِ. دَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا "عَبْدُ الكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ"، وَكَانَ يَلْبَسُ ثِيَابًا مِنْ صُوفٍ خَشِنَةً، ظَانًّا أَنَّ هَذَا هُوَ تَمَامُ الزُّهْدِ.
فَنَظَرَ إِلَيْهِ أَبُو العَالِيَةِ نَظْرَةَ إِنْكَارٍ لَطِيفٍ، وَقَالَ لَهُ: «يَا هَذَا، هَذَا زِيُّ الرُّهْبَانِ! إِنَّ المُسْلِمِينَ إِذَا تَزَاوَرُوا تَجَمَّلُوا». إِنَّهُ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الإِسْلَامَ جَمَالٌ، وَأَنَّ الزُّهْدَ يَكُونُ فِي القَلْبِ بِإِخْرَاجِ الدُّنْيَا مِنْهُ، لَا بِلُبْسِ المُرَقَّعَاتِ لِيَرَاهَا النَّاسُ.
الفَصْلُ الحَادِي عَشَرَ: المَشْهَدُ الخِتَامِيُّ (الرِّضَا بِالقَضَاءِ)
وَتَمْضِي السُّنُونَ، وَيَشِيخُ الجَسَدُ الَّذِي أَفْنَاهُ صَاحِبُهُ فِي طَلَبِ العِلْمِ وَالعِبَادَةِ. وَفِي آخِرِ عُمُرِهِ، ابْتَلَاهُ اللهُ بِامْتِحَانٍ شَدِيدٍ فِي جَسَدِهِ؛ أَصَابَتْهُ "الآكِلَةُ" (الغَنْغَرِينَا) فِي رِجْلِهِ.
اشْتَدَّ الأَلَمُ، وَقَرَّرَ الأَطِبَّاءُ أَنَّهُ لَا مَفَرَّ مِنْ بَتْرِ السَّاقِ لِإِنْقَاذِ حَيَاتِهِ. وَفِي اللَّحْظَةِ الحَاسِمَةِ، حِينَ حُمِلَتِ السَّاقُ المَبْتُورَةُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ، لَمْ يَصْرُخْ، وَلَمْ يَجْزَعْ، بَلْ نَظَرَ إِلَيْهَا نَظْرَةَ المُوَدِّعِ الرَّاضِي، وَقَالَ كَلِمَاتٍ كُتِبَتْ بِمَاءِ الذَّهَبِ فِي سِجِلِّ الصَّالِحِينَ: «الحَمْدُ للهِ.. إِنْ سَأَلَنِي رَبِّي عَنْكِ: فَمَا مَشَيْتُ بِكِ إِلَى حَرَامٍ قَطُّ، وَمَا مَسَسْتُ بِكِ غَيْرَ مُبَاحٍ».
ثُمَّ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ لِوَجْهِ اللهِ؛ ثُلُثٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَثُلُثٌ لِأَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَثُلُثٌ لِلْفُقَرَاءِ. وَحِينَ سُئِلَ عَنْ مَوَالِيهِ، قَالَ: «السَّائِبَةُ يَضَعُ نَفْسَهُ حَيْثُ شَاءَ»، مُتَذَكِّرًا فَضْلَ اللهِ عَلَيْهِ حِينَ كَانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ، فَأَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللهَ خَفِيفًا مِنَ الدُّنْيَا كَمَا دَخَلَهَا.
وَفِي شَهْرِ شَوَّالٍ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ (عَلَى الأَصَحِّ)، فَاضَتْ رُوحُ "أَبِي العَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ" إِلَى بَارِئِهَا. مَاتَ العَبْدُ الَّذِي صَارَ سَيِّدًا بِالقُرْآنِ، وَغَابَ النَّجْمُ الَّذِي أَضَاءَ سَمَاءَ البَصْرَةِ، لَكِنَّ صَدَى صَوْتِهِ لَا يَزَالُ يَتَرَدَّدُ فِي الآفَاقِ، يُعَلِّمُ الأَجْيَالَ أَنَّ: «العِلْمَ يَرْفَعُ الوَضِيعَ، وَيُجْلِسُ المَمْلُوكَ عَلَى الأَسِرَّةِ».
رَحِمَ اللهُ أَبَا العَالِيَةِ، وَجَمَعَنَا بِهِ فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ.
قَائِمَةُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ
1. سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ - لِلإِمَامِ شَمْسِ الدِّينِ الذَّهَبِيِّ.
2. (مَصْدَرٌ غَيْرُ مَذْكُورِ الِاسْمِ صَرَاحَةً فِي النَّصِّ المُقَدَّمِ، وَلَكِنَّهُ ضِمْنُ السِّيَاقِ العَامِّ لِكُتُبِ التَّرَاجِمِ).
3. مُعْجَمُ حُفَّاظِ القُرْآنِ عَبْرَ التَّارِيخِ.
4. طَبَقَاتُ الحُفَّاظِ - لِلْإِمَامِ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ.
5. تَارِيخُ الإِسْلَامِ وَوَفَيَاتُ المَشَاهِيرِ وَالأَعْلَامِ - لِلذَّهَبِيِّ.
6. سُلَّمُ الوُصُولِ إِلَى طَبَقَاتِ الفُحُولِ - لِحَاجِي خَلِيفَةَ.
7. أَسَدُ الغَابَةِ (إِحَالَةٌ ضِمْنِيَّةٌ) / تَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ.
8. رِجَالُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ - لِابْنِ مَنْجُوَيْهِ.
9. تَارِيخُ الإِسْلَامِ (مَرَّةً أُخْرَى لِتَأْكِيدِ الوَفَاةِ).
10. الإِصَابَةُ فِي تَمْيِيزِ الصَّحَابَةِ - لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيِّ.
11. مَشَاهِيرُ عُلَمَاءِ الأَمْصَارِ - لِلْإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ البُسْتِيِّ.
12. رَوَائِعُ قِصَصِ التَّابِعِينَ (كِتَابٌ مُعَاصِرٌ لِجَمْعِ العِبَرِ).