المقدمة: مولده
في غياهبِ القرنِ السادسِ للميلاد، وتحديداً في العامِ الثالثِ والثمانينَ بعدَ الخمسمائة (583م).. وبعدَ أن هدأت عجاجةُ "عامِ الفيل" بنحوِ ثلاثَ عشرةَ سنة، استقبلت الحياةُ هذا الفتى الأسمر. قُدّر له أن يعيشَ عُمرين في عُمرٍ واحد؛ فقد أدركَ الجاهليةَ بجهلها، وأدركَ الإسلامَ بنوره، فكان "مخضرماً" عجنتهُ الأيام، وصقلتهُ الليالي، حتى اشتعلَ رأسُه شيباً وهو يحملُ قلبَ شابٍ متيم.
الفصل الأول: نبوءة الخليفة والشؤم المكتوب
في جزيرة العرب، حيث الكلمةُ سيفٌ، والقصيدةُ قبيلة، نشأ فتىً حبشيُ الأصل، نوبيُ الملامح، يُدعى سحيماً. كان عبداً مملوكاً، لكن روحه كانت تحلق في فضاءات الشعراء الأحرار. ورغم عجمةٍ في لسانه كانت تقلب السين شيناً، إلا أنه امتلك بياناً يسحر الألباب، وجرأةً لا تعرف الحدود.
بدأت خيوط مأساته تُنسج حين اشتراه عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فأراد أن يتقرب بهذه "التحفة البشرية" إلى الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكتب إليه يعرض عليه غلاماً شاعراً مفوهاً. لكن الخليفة ذا البصيرة النافذة، والخبرة بطبائع النفوس، رد الهدية بحكمةٍ صارت مثلاً، وكأنه يقرأ سطور الغيب، فقال: "لا حاجة لي فيه، فإنما حظ أهل العبد الشاعر منه: إن شبع أن يشبب بنسائهم، وإن جاع أن يهجوهم".
كانت تلك الكلمات بمثابة "النبوءة" التي وسمت حياة سحيم، فقد رُفض من بلاط الخلافة، ليُباع في سوق النخاسة، حتى استقر به المقام عند "بني الحسحاس" من قبيلة بني أسد. وهناك، في تلك المضارب الصحراوية، نسي سحيم أنه عبد، وتذكر فقط أنه شاعرٌ وعاشق، فبدأ يخطو بقدميه نحو حتفه.
الفصل الثاني: العشق الممنوع في مضارب بني أسد
في كنف أسياده الجدد، لم يلزم سحيم حدوده، بل جمح به قلبه. وقعت عيناه على "عُميرة" ابنة سيده (وفي رواياتٍ تسمى غالية)، وكانت زهرة الحي وواسطة العقد فيهم. لم يرَ سحيم في سواد لونه، ولا في قيد عبوديته، حائلاً بينه وبين قلبها، فعشقها عشقاً مجنوناً، تحول بمرور الأيام من مشاعر مكتومة إلى نارٍ تتلظى.
كان سحيم يرى نفسه – بشاعريته – نداً لأسياده، بل ربما رأى نفسه أرفع منهم قدراً بلسانه. وبدأت القصائد تخرج منه خلسة، تلميحاً لا تصريحاً، يصف فيها الجمال، ويبث الشكوى، حتى جاءت اللحظة التي سقط فيها القناع.
الفصل الثالث: زلة اللسان ومولد القصيدة القاتلة
ذات يوم، كان سحيم يرافق سيده "أبي معبد" في سفرٍ عبر الفيافي. هب نسيم الصحراء، فتحركت شجون السيد، وتذكر ابنته ودياره، فحاول أن يترنم ببيتٍ من الشعر يخفف به وعثاء السفر، فقال الشطر الأول وارتج عليه، قال: "عُميرة ودع إن تجهزت غاديا..."، ثم صمت يبحث عن القافية والمعنى.
هنا، لم يتمالك سحيم نفسه، فالشعر يجري في عروقه مجرى الدم، فالتقط العجز فوراً وأكمل ببديهة حاضرة وصوت متهكم: "... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا".
ذهل السيد من سرعة بديهة عبده، ومن عمق المعنى الذي ساقه، لكنه لم يدرك في تلك اللحظة أن هذا البيت لم يكن مجرد خاطرة عابرة، بل كان مطلعاً لقصيدة طويلة، "الدالية" الشهيرة، التي كان سحيم ينظمها في خياله ليالي طويلة، والتي ستكون وثيقة إعدامه.
الفصل الرابع: الدالية الفاضحة
عاد سحيم من السفر، وقد كسر حاجز الصمت. لم يعد يخشى شيئاً، فأطلق لشيظانه العنان، ونظم قصيدته التي لم يترك فيها ستراً إلا هتكه. لم يكتفِ بالتشبيب المعنوي، بل شرع يصف ليلةً حمراء زعم أنه قضاها مع ابنة سيده في الصحراء، واصفاً أدق التفاصيل بجرأة أذهلت العرب.
وقف سحيم ينشد وكأنه يفاخر بذنبه، غير مبالٍ بالعواقب:
عُمَيرَةَ وَدِّعْ إِنْ تَجَهَّزْتَ غَادِيَا *** كَفَى الشَّيْبُ وَالإِسْلامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيَا
لَيَالِيَ تَصْطَادُ القُلُوبَ بِفَاحِمٍ *** تَرَاهُ أَثِيثاً نَاعِمَ النَّبْتِ عَافِيَا
وَجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِعَاطِلٍ *** مِنَ الدُّرِّ وَاليَاقُوتِ وَالشَّذْرِ حَالِيَا
واسترسل يصف اللقاء المزعوم، وكيف مهدت له الرمال، وستره الليل، في تحدٍ صارخٍ لشرف القبيلة:
وَبِتْنَا وِسَادَانَا إِلَى عَلَجَانَةٍ *** وَحِقْفٍ تَهَادَاهُ الرِّيَاحُ تَهَادِيَا
تُوَسِّدُنِي كَفَّاً، وَتَثْنِي بِمِعْصَمٍ *** عَلَيَّ، وَتَحْوِي رِجْلَهَا مِنْ وَرَائِيَا
ثم وصل إلى البيت الذي قصم ظهر البعير، البيت الذي كان بمثابة البصمة الجنائية التي لا تدحض، حين وصف رائحة عطرها التي علقت بثوبه لعامٍ كامل، فقال:
وَهَبَّتْ لَنَا رِيحُ الشَّمَالِ بِقُرَّةٍ *** وَلا ثَوْبَ إِلا بُرْدُهَا وَرِدَائِيَا
فَمَا زَالَ بُرْدِي طَيِّباً مِنْ ثِيَابِهَا *** إِلَى الحَوْلِ حَتَّى أَنْهَجَ البُرْدُ بَالِيَا
الفصل الخامس: الفخ والنهاية المحتومة
طارت الأبيات في الآفاق، وتناقلتها الركبان، حتى صارت حديث المجالس. اسودت وجوه بني الحسحاس، ولحقهم العار من حيث لم يحتسبوا. كان لا بد من غسل العار، ولكن العرب لا تقتل العبد لمجرد قولٍ قد يكون كذباً أو ادعاءً، فأرادوا دليلاً قاطعاً يبرر دمَه.
دبروا له مكيدةً محكمة. في ليلةٍ من الليالي، استدرجوه وسقوه الخمر الصرف، حتى لعبت برأسه، وغاب عقله، وسقطت تحفظاته. وبينما هو في سكرته، عرضوا عليه نساء الحي واحدة تلو الأخرى، وهو سادرٌ لا يبالي، حتى مرت "عُميرة".
في تلك اللحظة، خانته مشاعره، وفضحته جوارحه، فأشار إليها بيده المرتعشة وهو يهذي باسمها. هنا صاح القوم: "لزمته الحجة"، فقد عرفها وميزها من بين النساء، فصدق شعره، ووجب قتله.
الفصل السادس: الحريق الأخير
لم يختاروا له موتةً عادية، بل أرادوا أن يمحوا أثره وأثر كلماته بالنار. كبلوه بالحبال، وشدوا وثاقه، وأضرموا ناراً عظيمة تتلظى. سيق سحيم إلى حتفه. وفي لحظاته الأخيرة، وهو يرى الموت يقترب منه في صورة ألسنة لهب، لم يخنغ ولم يتوسل. ظهرت فيه شجاعة اليائس، وكبرياء الشاعر الذي يرفض أن يموت صامتاً. نظر إلى جلاديه، وإلى النار، وقال بيتين كانا آخر ما نطق به، بيتين أكد فيهما الفضيحة بدلاً من نفيها، وشمت فيهما بقاتليه شماتةً خلدها التاريخ:
شُدُّوا وَثَاقَ العَبْدِ لا يُفْلِتْكُمُ *** إِنَّ الحَيَاةَ مِنَ المَمَاتِ قَرِيبُ
وَلَقَدْ تَحَدَّرَ مِنْ جَبِينِ فَتَاتِكُمْ *** عَرَقٌ عَلَى ظَهْرِ الفِرَاشِ وَطِيبُ
ثم تنهد بحسرةٍ أخيرة، ناظراً إلى لونه الذي كان سبباً في استهجان عشقه، وقال:
فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لَوْنُهُ لَعَشِقْنَني *** وَلَكِنَّ رَبِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وهكذا، التهمت النار جسد سحيم، لكنها عجزت عن التهام قصيدته، التي ظلت حيةً تروي قصة عبدٍ قتله لسانه، وعاشقٍ أحرقته كلماتُه.
خاتمة: شذراتٌ من رمادِ العاشق
غابت شمسُ سحيمٍ خلفَ ألسنةِ اللهب، وتحولَ الجسدُ الأسمرُ إلى رماد، ولكنَّ صدى صوتِه ظلَّ يترددُ في جنباتِ الزمان، شاهداً على روحٍ وثابةٍ لم تستسلم لقيدِ العبودية، ولم تنحنِ لعقدةِ اللون. لقد تركَ لنا سحيمٌ في ديوانه ما يكشفُ عن معدنِه الحقيقي، بعيداً عن طيشِ العشاق وزلاتِ اللسان.
فها هو يخوضُ معركةً وجوديةً شرسةً ضدَّ لونِه وعبوديتِه، معلناً انتصارَ الجوهرِ على المظهر، ومؤكداً أن البياضَ الحقيقيَّ هو بياضُ اليدِ والقلب، وأن الشعرَ هو نَسَبُ من لا نَسَبَ له، فيقولُ مفتخراً:
لَيْسَ يُزْرِي السَّوَادُ بِذِي اللُّبِّ *** وَلَا بِالفَتَى اللَّبِيبِ الأَدِيبِ
إِنْ يَكُنْ لِلسَّوَادِ فِيَّ نَصِيبٌ *** فَبَيَاضُ الأَخْلَاقِ مِنْهُ نَصِيبِي
ويزيدُ المعنى توكيداً، جاعلاً من قصائده صكَّ حريتِه، وعملتَه التي يفاخرُ بها الأحرار:
أَشعارُ عَبدِ بَني الحَسحاسِ قُمنَ لَهُ *** يَومَ الفَخارِ مَقامَ الأَصلِ والوَرِقِ
إِن كُنتُ عَبداً فَنفسي حُرَّةٌ كَرَماً *** أَو أَسوَدَ اللَونِ إِنّي أَبيَضُ الخُلُقِ
وهو هنا يرسمُ لنفسِه صورةً مثاليةً تتجاوزُ قشورَ الجسد، فالسوادُ لا يعيبُ صاحبَ العقل، والعبوديةُ لا تقيدُ حريةَ الروحِ وكرمَ النفس.
ولم يكن سحيمٌ مجردَ متمردٍ ناكرٍ للجميل، بل كان يحملُ بين جنبيهِ نفساً وفيةً، تحفظُ الودَّ، وتصونُ العهدَ لمن أكرمها، فهو يرى أن حفظَ الجميلِ من شيمِ الكرام، فيقول:
هُمُ أَكْرَمُونِي فِي الجِوَارِ وَخِلْتَنِي *** إِذَا كُنْتُ مَوْلَى نِعْمَةٍ لَا أُضِيعُهَا
يؤكدُ هنا أن مروءتَه تمنعُه من إضاعةِ حقِ من أحسنَ جوارَه، واثقاً من نبلِ أخلاقِه ووفائه.
أما في محرابِ الحب، فقد كان سحيمٌ يرتجفُ رهبةً ووجداً، مصوراً حالةَ الارتعاشِ التي تعتريهِ كلما دنا من "الماءِ الممنوع"، كنايةً عن المحبوبِ الذي يورثُ القربُ منه رعدةً في الجسدِ والروح، فيقول:
وَإِنِّي لَأَسقى مِن مياهٍ كَثيرةٍ *** وإِن قالَ أَهلُ الماءِ إِنّي مُصَرَّدُ
فَما بالُ ماءٍ لست ذائقَ طَعمِهِ *** عَلى لَذَّةٍ إِلَّا وَنَفسى تُرعَدُ
فهو يرتوي من كلِّ المياه، إلا هذا "الماء" الخاص، فمجردُ تذوقِه يزلزلُ كيانَه، في وصفٍ دقيقٍ لرهبةِ العشق.
وتتجلى رقةُ هذا "العبدِ الغليظ" -كما وصفوه- حين يرى الجمالَ يشكو الألم، فيتحولُ إلى كائنٍ شفافٍ يودُّ لو يفتدي حبيبَه بروحِه، معاتباً السقمَ كيف يجرؤُ على خدشِ وجهٍ كالقمر، فيقول:
ماذا يُريدُ السَقامُ مِن قَمَرٍ *** كُلُّ جَمالٍ لوَجهِهِ تَبَعُ
ما يَبتَغي جارَ في مَحاسِنِها *** أَما لَهُ في القِباحِ مُتَّسَعُ
غَيَّرَ مِن لَونِها وصَغَّرَها *** فَزيدَ فيهِ الجَمالُ والبِدَعُ
لَو كانَ يَبغى الفِداءَ قُلتُ لَهُ *** ها أَنا دونَ الحَبيبِ يا وَجَعُ
تلك كانت شذراتٌ من روحِ سحيم.. العبدِ الذي حررهُ الشعر، والعاشقِ الذي قتلهُ البوح، والإنسانِ الذي عاشَ وماتَ وهو يبحثُ عن اعترافٍ بآدميتهِ خلفَ أسوارِ اللونِ والطبقة.