recent
آخر القصص

قصة الرجل الوحيد الذي تجرأ وصحح خطأ نحويًّا للحجاج بن يوسف! (فماذا فعل به؟!) "11 قصة"

(1)

كان سيف الدولة الحمداني مَلِكاً لم تُشغله صليل السيوف عن صليل الحروف، فكان مجلسه مجمعاً للبُلغاء، وموئلاً للعلماء، يُطارحهم المسائل ويناقشهم في دقائق اللغة، حتى وهو في خضم جهاده ضد الروم.

وفي ليلةٍ أنست بجمع من الأعلام، أراد الأمير أن يمتحن قريحة الحاضرين، فقال وقد ألقى عليهم نظرةً فاحصة: "هل فيكم من يعرف اسماً ممدوداً، إذا جُمع استحال مقصوراً؟"

سكت القوم وكأنما على رؤوسهم الطير، ونظر بعضهم إلى بعض حيرةً، ثم أجمعوا أمرهم وقالوا: "لا نعلَمُ له في لغة العرب مثالاً يا مولاي."

هنا التفت سيف الدولة إلى ريحانة مجلسه، اللغوي الفذ ابن خالويه، وسأله: "ما تقول أنت يا حسين؟" فأجاب ابن خالويه بذكاء الأديب وثقة العالِم: "بل أنا أعرف اسمين يا أمير المؤمنين!" استبشر الأمير وقال: "فما هما؟" فقال ابن خالويه في دُعابةٍ أدبية: "لا أقولهما إلا بألف درهم! لئلا تؤخذ الحكمة بلا شكر، وتُبذل من غير ثمن."

ضحك الأمير وأمر له بطلبه، فقال ابن خالويه: "هما (صحراء) وجمعها (صحارى)، و(عذراء) وجمعها (عذارى)." فالعجيب هنا أن اللفظ بدأ بممدود (همزة بعد ألف) وانتهى في الجمع إلى مقصور (ألف لينة).

ولم يقف نهم ابن خالويه العلمي عند هذا الحد؛ إذ يروي عن نفسه أنه ظل ينقّب في بطون الكتب، فأصاب بعد شهر حرفين آخرين عند الجرمي، وهما: (صلفاء وصلافى) للأرض الغليظة، و**(خبراء وخبارى)** للأرض ذات النداوة. ثم دار الزمان دورته، وبعد عشرين عاماً من البحث، عثر عند ابن دريد على حرف خامس، وهو (سبتاء وسبتى) للأرض الخشنة.


(2)

يُحكى أن إمام الكوفيين "الكسائي" لم يكن في أول أمره ذلك البحر الزاخر في العربية، بل كانت له بداياتٌ عثر فيها لسانُه فاستقام بها شأنُه. فقد رُوي أنه قصد جماعة من القوم يوماً وقد نال منه المسيرُ كلَّ مَنال، فلما جلس إليهم أراد أن يشكو تَعبه فقال: "لقد عَيِيتُ".

فما كان من القوم إلا أن رشقوه بنظرات التعجب، وقالوا بلسانٍ واحد: "أتُجالسنا وأنت تلحن؟!" فدُهش الكسائي وقال: "وكيف لحنتُ؟" قالوا: "إن كنت أردتَ أن حيلتك انقطعت فقل: (عَيِيتُ)، أما وإن أردتَ تَعَبَ المَشيِ فقل: (أَعْيَيْتُ)".

فنزلت الكلمة عليه كالصاعقة، وأَنِفَتْ نفسه الأبية أن يُجهَّل في لغة قومه، فقام من فوره لا يلوي على شيء، وسأل: "مَنْ أعلمُ الناس بالنحو؟" فأُرشِد إلى "مُعاذ الهرَّاء"، فلزمه لزوماً لا فكاك منه حتى غرف كل ما في وعائه من علم.

ولم يكتفِ ابنُ الكوفة بذلك، بل شدَّ الرحال إلى البصرة، فجلس في حلقة الخليل بن أحمد الفراهيدي، فبينما هو كذلك إذ قال له أعرابيٌّ من الحاضرين: "عجباً لك! تتركت أسد الكوفة وتميماً وعندهم الفصاحة غضَّة، وتأتِي إلى البصرة!".

فالتفت الكسائي إلى الخليل يسأله: "من أين أصبتَ هذا العلمَ العظيم؟"، فأجابه الخليل: "من بوادي الحجاز ونجد وتهامة". فحمل الكسائي زاده وعزمه، وارتحل إلى قلب البادية، فما عاد منها إلا وقد أنفد خمس عشرة قنينة من الحبر في تدوين كلام العرب، سوى ما وعاه قلبه وحفظه صدره، فصار بعد ذلك إماماً يُشار إليه بالبنان، ويُقتدى بلسانه في كل مكان.


(3)

اجتمع يوماً أبو العتاهية -وهو من هو في سهولة اللفظ وسرعة الخاطر- بالشاعر محمد بن مُناذر، فأراد أبو العتاهية أن يختبر شأنه ويستبين مكانه، فقال له بمداعبة الواثق: "كيف أنت والشعر؟ وكم يبلغ نتاجك فيه؟"

فأجاب ابن مُناذر بتؤدة المتأني: "إني لأعاني القصيدة، فأقول في الليلة الواحدة من عشرة أبيات إلى خمسة عشر."

هنا ابتسم أبو العتاهية ابتسامة من ملك ناصية البيان وقال: "أما أنا، فلو شئتُ أن أقول في الليلة الواحدة ألف بيت لقلتُ غير مكترث!"

فلم يرتضِ ابن مُناذر هذا التباهي، والتفت إليه بحدَّة الذكاء قائلاً: "أجل والله يا أبا العتاهية، إنك لتقول ذلك؛ لأن مادتك في الشعر قولك:"

ألا يا عُتبة الساعةْ
أموت الساعةَ الساعةْ

"وقولك أيضاً:"

يا عُتبُ مالي ولكْ 
يا ليتني لم أرَكْ

ثم اعتدل في جلسته وقال: "أما أنا، فإذا قلتُ أنشدتُ ما تكلُّ عنه الهمم، وتعجز عنه الخواطر، كقولي في مدح البرامكة:"

ستظلمُ بغدادُ ويجلو لنا الدجى

بمكةَ ما عشنا ثلاثةَ أبْحُرِ 

إذا وردوا بطحاءَ مكة أشرقت

بيحيى وبالفضلِ بن يحيى وجعفرِ

فما خُلقت إلا لجودٍ أكفُّهُمْ

وأرجلُهم إلا لأعواد منبرِ

ثم أردف ابن مُناذر بلهجة القاضي: "ولو رُمتَ -يا أبا العتاهية- أن تأتي بمثل هذا لطال عليك الدهر، وما بلغتَ شأوه، فإني لا أعود نفسي مثل كلامك الساقط الذي لا مؤونة فيه!"

فأُسقِط في يد أبي العتاهية، واعتراه الخجل من قوارع ابن مُناذر، وعلم أن الكثرة ليست دوماً دليلاً على الإجادة، وأنَّ بَيْتَاً واحداً من جِياد الشعر يزنُ ألفاً من سَقَطِه.


(4)

كان الخلفاءُ قديماً يَرَوْنَ في اللحنِ عاراً لا يغسله إلا التأديب، وكان لسانُ المرء عندهم هو عنوانُ عقله وعمادُ ملكه؛ حتى إنَّ "الرفع" و"النصب" في مكاتباتهم كانا ميزاناً للوظائف، بل وللحياة أحياناً!

يروي النحويُّ ابن قادم قصةً تحبس الأنفاس، قال: استدعاني الأميرُ إسحاق بن إبراهيم المصعبي يوماً على عَجَل، فدخلتُ وأنا لا أدري أفي خيرٍ دُعيتُ أم في شر؟ وبينما أنا في دهليزي، تلقاني كاتبه ميمون بن إبراهيم والهلعُ يملأ عينيه، والجزعُ قد ملك عليه أمره، فقال لي هامساً من طرف لسانه: "إنه الأمير إسحاق! فاللهَ الله!" ثم ولّى هارباً إلى مجلس الأمير.

دخلتُ فإذا بإسحاق والشررُ يتطاير من عينيه، فقال لي من فورِه دون سلام: "يا ابن قادم.. كيف يقال: (وهذا المالُ مالٌ) بالرفع، أم (هذا المالُ مالاً) بالنصب؟"

ففطنتُ لمقصد الكاتب المسكين، وأدركتُ أنَّ رقبةً معلقةً على حرف! فقلتُ بحكمةِ العالِم: "الوجهُ هو الرفع (مالٌ)، ويجوز في بعض الوجوه النصب (مالاً)."

فما كان من الأمير إلا أن التفت إلى كاتبه ميمون مغضباً، ورمى في وجهه كتاباً كان بيده وهو يصيح: "الزم الوجهَ الصحيح في كتبك، ودعنا من (يجوز ويجوز)!"

فلما انقضت العاصفة، سألتُ عن الخبر، فإذا بميمون قد كتب للمأمون -وهو ببلاد الروم- يخبره عن مالٍ حُمِل إليه، فزلت به ريشة القلم فكتب: "وهذا المالُ مالاً". فما كان من الخليفة المأمون إلا أن حكَّ الموضع بظفره، ووقع على الحاشية بخطه: "أتخاطبني بلحنٍ؟!".

فثارت ثائرة الأمير إسحاق لتقريع الخليفة له، ولولا أنَّ ابن قادم فتح باب الجواز اللغوي، لكان ميمونُ خبراً بعد عين! فكان ميمون بعدها يقول: "لا أدري كيف أشكر ابن قادم؟ فوالله لقد أبقى بكلمته على روحي ونعمتي".


(5)

كان بين ابن دريد صاحب "الجمهرة"، ونفطويه النحوي المشهور، ما يكون بين الأقران من منافسة حامية، تارةً تشتعل بنيران النقد، وتارةً تفيض بمرارة الهجاء. وكان نفطويه يرى أن ابن دريد ما هو إلا "جامع" لما تفرق، بل اتهمه بما هو أشد، فزعم أنه سطا على "عين" الخليل ونسبه لنفسه بعد أن غيّر ملامحه.

جلس نفطويه يوماً يملي على تلاميذه هجاءً مُرّاً في ابن دريد، فقال من مشطور الرجز:

ابنُ دريدٍ بقره
وفيه لؤمٌ وشَرَهْ 

 قد ادّعى بجهله
جمع كتابِ الجمهرة 

 وهو كتابُ العين إلا
أنه قد غيَّرَهْ 

فلما بلغت الأبياتُ ابن دريد، اشتعل غيظاً، وهو الأديبُ الذي لا يُشقُّ له غبار، فاستلَّ قلمَه كأنه سيفٌ صقيل، ونظم أبياتاً صبَّ فيها جام غضبه على نفطويه، مستغلاً اسمه الذي انقسم في هجائه إلى "حريق" و"عويل"، فقال:

لو أُنزل الوحي على نفطويه
لكان ذاك الوحيُ سُخطاً عليه

وشاعرٍ يُدعى بنصف اسمِه
مستأهلٌ للصفع في أخْدَعَيْه 

أحرقه الله بنصف اسمِه
وصيّر الباقي صُراخاً عليه 

فانظر كيف جعل من "النَّفط" مادةً لإحراقه، ومن "ويه" -وهي كلمة التوجع- صراخاً يُقام في مأتمه! وما كاد الناس يتناقلون ردَّ ابن دريد حتى أطبق الصمتُ على مجلس نفطويه، وعلم الناس أنَّ بأس ابن دريد في الهجاء لا يقلُّ عن تبحره في اللغة، وأنَّ من أوقد نار "النفط" بلسانه، احترق بها في ديوان الأدب.


(6)

كان يحيى بن يَعْمَر من أوعية العلم الراسخة، تابعيّاً جليلاً، لغويّاً نحريراً، لا يخشى في الحق لومة لائم. وفي المقابل كان الحجاج بن يوسف الثقفي، والٍ جبارٌ، سفاكٌ للدماء، إلا أنه كان مع ظلمه يفتخر بفصاحته، ويأنف أن يُنسب إليه اللحن في القول.

جلس الحجاج يوماً، والخيلاء تملأ برده، فالتفت إلى يحيى بن يعمر وسأله سؤالاً أراد به التزكية: "أتجدُني ألحنُ يا يحيى؟". فأجابه يحيى بلباقة العاقل الذي يتقي بأس الجبار: "الأميرُ أفصحُ من ذاك". لكن الحجاج لم يكتفِ، بل أراد حقيقة الخبر فقال بغلظة: "عزمتُ عليك لتخبرنّي!".

وكانت عزائم الأمراء عندهم عهداً لا يُنقد، فما كان من يحيى إلا أن صدع بالحق وقال: "نعم، تَلحنُ يا أمير!". استشاط الحجاج غضباً وقال: "ذلك أشنع! ففي أي شيءٍ ألحن؟". قال يحيى: "في كتاب الله تعالى؛ تقرأ قوله سبحانه:"

﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾

"فترفعُ (أَحَبُّ) بالضمة، وحقُّها النصبُ بالفتحة؛ لأنها خبرُ (كان) المنصوب".

سكت الحجاج حيناً، وقد أُلجم بحجة العلم، لكن كبرياءه لم يطق وجود مَن يُصحح له لسانه في ديوانه، فقال بمرارة: "واللهِ لا تسمعني ألحنُ بعدها أبداً". ثم أمر بنفيه فوراً إلى أقاصي بلاد خراسان!

ودارت الأيام، فجاء كتابٌ من خراسان من الوالي يزيد بن المهلب إلى الحجاج يصفُ فيه معركةً ببيانٍ ساحر، يقول فيه: "إنا لقينا العدو، واضطررناهم إلى غُرْغُرَة الجبل ونحن بحضيضه". فعجب الحجاج من جزالة اللفظ، وهو يعلم أن يزيد ليس من فرسان البلاغة، فقال: "ما لابن المهلب وهذا الكلام؟!". فقيل له: "إن ابن يعمر هناك". فقال الحجاج متهكماً ومعترفاً: "إذن هو ذاك!".


(7)

يُحكى أنَّ إمامَ اللغة الأصمعي وفد يوماً على الخليفة هارون الرشيد بعد طولِ غيبةٍ واغتراب، فلما رآه الرشيدُ استبشر به وتهللت أساريره، وسأله أمام حاشيته وندمائه: "يا أصمعي.. كيف كنتَ بعدنا؟".

فأجاب الأصمعي بلسانٍ غريبٍ على العامة، مستعرضاً براعته اللغوية: "يا أمير المؤمنين، ما لاقَتني بعدكَ أرضٌ!". فتبسّم الرشيدُ تبسُّم المداري، وأمسك عن التعقيب حتى انصرف الناسُ وخلا المجلس، فالتفت إلى الأصمعي وقال: "يا أبا سعيد، ما معنى قولك (ما لاقتني أرض)؟".

فقال الأصمعي: "أي ما استقرَّت بي أرضٌ بعدك، وهو من قولهم (فلانٌ لا يليقُ شيئاً)؛ أي لا يستقرُّ في يده مالٌ ولا يثبتُ معه شيء".

هنا تجلّت حكمةُ الملك وعقلُ الحاكم، فقال الرشيد للأصمعي قولاً يُكتب بماء الذهب: "يا أصمعي، إنَّ هذا لحسنٌ في اللغة، ولكن لا ينبغي لك أن تُخاطبني بين يدي الناس إلا بما أفهمُه، فإذا خلوتُ بك فاجنِ لي من ثمار علمك ما شئت وعلمني؛ فإنه يقبحُ بالسلطان ألَّا يكون عالماً، فإما أن أسكتَ عن جوابك فيعلم الناس أني لم أفهم، وإما أن أجيب بغير الصواب فيعرف من حولي جهلي."

يقول الأصمعي مُعقباً على ذلك الدرس البليغ: "فوالله لقد علّمني الرشيدُ في تلك الساعة من أدب الملوك أكثر مما علّمتُه أنا من لسان العرب!".


(8)

يُحكى أنَّ الخليفة هارون الرشيد كان يوماً في حالِ أنسٍ وبَسْط، فأراد أن يُداعب زوجته السيدة الوجيهة "زبيدة" (أم جعفر)، فدخل عليها وابتسامةُ المكرِ تلوحُ على محيّاه، وقال لها: "كيف أصبحتِ يا أمَّ نَهْر؟".

فوقعت الكلمةُ في نفس أم جعفر موقع الحيرة، وغلب عليها الغمُّ والكَدَر؛ إذ لم تألف من الخليفة هذا اللقب، وتوجست أن يكون وراء النهر ما وراءه من معنىً لا يسرُّها. فما كان منها إلا أن بعثت في الحال إلى الأصمعي، لسانِ العرب وعلاّمةِ العصر، تخبره بما كان وتسأله عن مخرجٍ لهذا اللغز.

فلما سمع الأصمعيُّ قولَ الرشيد، تهللت أساريره وضحك، ثم قال لرسولها: "بشّرها وطَيّب نَفْسَها؛ فما أراد أميرُ المؤمنين إلا خيراً". قيل له: "وكيف ذاك؟". قال: "إنَّ العرب تُسمي النهر الصغير (جَعْفَراً)، فما ناداها الخليفة بـ (أم نهر) إلا مداعبةً لها باسم ابنها (جعفر)، فكأنه ترجم الاسمَ ليمزح معها بلطيف اللغة".

فلما عاد إليها الخبر، انجلى عنها همُّها، وسُرّت بدقةِ الخليفة في مداعبتها بلسانِ الفصحاء، وعلمت أنَّ وراء كل لفظةٍ من ألقابِ الملوك حكمةً يفكُّ رموزها العلماء.


(9)

يروي أبو العباس المبرد عن شيوخه الأعلام، نادرةً تجري مجرى المفاكهة بين جبلين من جبال اللغة؛ أبي زيد الأنصاري البصري، وعلي بن حمزة الكسائي الكوفي.

فقد كتب أبو زيد إلى الكسائي يوماً كتاباً يبثُّ فيه شكواه من سفهِ بعض من حوله، ويعتب على أحوال "مجانين" بلده ممن أعيوه بجهلهم، وكأنما أراد أن يرمي الكوفة بما ليس في البصرة. فلما وقع الكتاب في يد الكسائي، استلَّ قلمَه وأجابه بجوابٍ يقطرُ بلاغةً وتهكماً، فكتب إليه:

"أما بعد.. فقد شكوتَ إليَّ مجانينكم، فأنا أشكو إليك مجانيننا! ولئن كان (أقذارُكم) قد نَموا وطالوا، فإنَّ مَن عندنا أقذرُ وأنتن! فلولا المعافاةُ من الله لكنّا كهم في الجهالة، ولولا البلاءُ الذي نزل بهم لكانوا كأمثالنا في النباهة."

فانظر -رعاك الله- إلى هذا الأدب الرفيع في المحاورة، كيف جعل الكسائيُّ "السفه" قذراً يُتنزّه عنه، وجعل "العقل" عافيةً يُشكر الله عليها. فبمثل هذه الرسائل كان العلماءُ يتروّحون، وبمثل هذا البيان كانت مكاتباتهم تُروى وتُدوّن، حتى في مقام الشكوى من الجهال.


(10)

يُحكى أنَّ أبا عثمان المازني عذل تلميذه الإمام المبرد يوماً، فقال له: "يا أبا العباس، بلغني أنك تغشى مواضع المجانين والمعالجين، فما لك ولهذا؟" فأجابه المبرد: "يا أستاذ، إنَّ لهم طرائف في الكلام لا تُدرك، وعجائب في المنطق لا تُترك".

ثم قصَّ عليه أغرب ما رأى، فقال: دخلتُ يوماً دارَ علاجهم، فمررتُ بشيخٍ تلوحُ صلعته، وتبرقُ من الدهن جبهته، جالسٍ على حصير نظيفٍ مستقبلاً القبلة كأنه في صلاة، فجاوزتُه ولم أسلّم، فناداني بلسانٍ فصيح: "سبحان الله! أين السلامُ من المجنون؟ تُرى أنا أم أنت؟".

فاستحييتُ وقلتُ: "السلام عليكم"، فقال: "لو ابتدأتَ لأوجبنا لك الرد، ولكنا سنصرفُ سوءَ أدبك إلى العذر؛ فقد قيل إنَّ لله إخاءً في الدهشة! اجلس أعزك الله"، وأومأ إلى موضعٍ بجانبه. فهممتُ بالدنو، فصاح بي ابن أبي خميصة (الموكل بهم): "إياك إياك!"، فوقفتُ بعيداً أرصدُ الفائدة من منطقه.

نظر الشيخُ إلى مِحبرتي وقال: "أرى معك آلة رجلين أرجو ألا تكون أحدهما؛ أتُجالس أصحاب الحديث الأغثاث، أم أهل الأدب والنحو؟". قلتُ: "بل أهل الأدب". قال: "أفتعرف المبرد؟". قلتُ: "أنا عينُ الخبير به". قال: "فهل أنشدك من عبثات أشعاره؟". قلتُ: "لا أحسبه يحسنُ الشعر!". قال: "سبحان الله! أليس هو القائل:"

حبذا ماء العناقيـ
ـد بريق الغانيات 

بهما ينبت لحمي
ودمي أي نبات 

فقلتُ: "بلى، سمعتُه ينشدها في مجالس الأنس". قال الشيخ: "يا سبحان الله! أيُستحيا من هذا؟ وماذا يقول الناس في نسبه؟". قلتُ: "يقولون هو من أزد ثمالة". قال: "قاتله الله! ما أبعد غَوْره! أتعرف قوله:"

سألنا عن ثمالة كل حيٍ
فقال القائلون ومن ثماله 

فقلت محمد بن يزيد منهم
فقالوا زدتنا بهم جهاله 

قلتُ: "إنما هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعذل يهجوه بها". فضحك الشيخ وقال: "كذب من ادعاها! هذا كلام رجلٍ لا نسب له، أراد أن يُثبت لنفسه بهذا الشعر نسباً!".

ثم التفت إليَّ وقد تمكنتُ من قلبه بفصاحتي، فقال: "ما الكنيةُ أصلحك الله؟". قلتُ: "أبو العباس". قال: "فالاسم؟". قلتُ: "محمد". قال: "فالأب؟". قلتُ: "يزيد". فصاح: "قبحك الله! أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدمتُ!".

ثم وثب باسطاً يده ليصافحني، فبدا لي القيدُ في رجله مشدوداً إلى خشبةٍ في الأرض، فأمنتُ غائلته. فقال لي بلهجةٍ غريبة: "يا أبا العباس، صُن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع، فليس يتهيأ لك في كل وقت أن تصادف مثلي! أنت المبرد!".

وجعل يصفق، وانقلبت عيناه، وتغيرت حاله، فبادرتُ بالخروج مسرعاً والذعرُ يتملّكني، وقبلتُ نصيحته، فما عدتُ بعدها إلى مخيسٍ ولا دارِ مجانين أبداً!

تأمل -يا رعاك الله- كيف أنَّ العقل يذهب وتبقى الملكةُ اللغويةُ راسخة، وكيف أنَّ هذا المجنون "حبس" المبرد بحجته قبل أن يحبسه القيدُ بسلسلتِه! فالعلمُ زينٌ لأهله، حتى وإن جار عليهم الزمانُ بالعِلل.


(11)

يروي الإمام الجرمي -وهو من أساطين اللغة- شهادةً في حق الفصاحة، فيقول: "ما رأيت فقيهاً قط أفصح من مزاحم". ثم يسوق لنا خبراً عاينه بنفسه، يُبين كيف كان أئمة اللغة يُجيبون عن غوامض القرآن بوضوح البيان.

قال: رأيتُ يونس بن حبيب النحوي -إمام البصرة في زمانه- وقد مرَّ بحلقة من حِلَقِ المسجد، فانبرى له رجلٌ يسأله مستوضحاً عن قول الله جلَّ وعلا في سورة سبأ:

﴿وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾

فلم يتلعثم يونس، ولم يطِل في الشرح، بل أشار بيده إشارةً كأنه يتناول شيئاً، وقال: "هو التناول".

ثم أراد أن يربط لغة التنزيل بمعدن كلام العرب، فأنشد بيت الأرجوزة المشهور الذي يصف الإبل وهي تمدُّ أعناقها لتشرب من الحوض من غير مشقة:

وهي تنوش الحوض نوشًا من علا
نوشًا به تقطع أجواز الفلا

فانظر -يا رعاك الله- إلى بركة العلم، كيف فسَّر "يونس" المفردة القرآنية بحركةٍ من يده، وبيتٍ من شعره، فأبان عن المعنى الغامض، وأثبت أنَّ لغة العرب هي المفتاحُ الأول لفهم كتاب الله.

 قصة الرجل الوحيد الذي تجرأ وصحح خطأ نحويًّا للحجاج بن يوسف! (فماذا فعل به؟!) "11 قصة"
قصص رمح

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX