recent
آخر القصص

قصة الرجل الوحيد الذي تجرأ وصحح خطأ نحويًّا للحجاج بن يوسف! (فماذا فعل به؟!) "11 قصة"

بين ذكاء ابن خالويه الذي كلف سيف الدولة ألف درهم، ورحلة الكسائي من اللحن إلى الإمامة، ننتقل في هذا المقال بين نوادر العرب التي جمعت الدهاء بالبلاغة. مواقف أدبية ونحوية تحبس الأنفاس، تكشف كيف كان الحرف الواحد ميزاناً للوظائف، بل وللحياة أحياناً في مجالس الخلفاء والأمراء.
🔊 النسخة الصوتية

نوادر العرب: مواقف أدبية جمعت الدهاء والبلاغة

سيف الدولة وابن خالويه: لغز الألف درهم

كان سيف الدولة الحمداني مَلِكاً لم تُشغله صليل السيوف عن صليل الحروف، فكان مجلسه مجمعاً للبُلغاء، وموئلاً للعلماء، يُطارحهم المسائل ويناقشهم في دقائق اللغة، حتى وهو في خضم جهاده ضد الروم.

وفي ليلةٍ أنست بجمع من الأعلام، أراد الأمير أن يمتحن قريحة الحاضرين، فقال وقد ألقى عليهم نظرةً فاحصة: "هل فيكم من يعرف اسماً ممدوداً، إذا جُمع استحال مقصوراً؟"
سكت القوم وكأنما على رؤوسهم الطير، ونظر بعضهم إلى بعض حيرةً، ثم أجمعوا أمرهم وقالوا: "لا نعلَمُ له في لغة العرب مثالاً يا مولاي."

هنا التفت سيف الدولة إلى ريحانة مجلسه، اللغوي الفذ ابن خالويه، وسأله: "ما تقول أنت يا حسين؟" فأجاب ابن خالويه بذكاء الأديب وثقة العالِم: "بل أنا أعرف اسمين يا أمير المؤمنين!" فقال ابن خالويه في دُعابةٍ أدبية: "لا أقولهما إلا بألف درهم! لئلا تؤخذ الحكمة بلا شكر، وتُبذل من غير ثمن."

ضحك الأمير وأمر له بطلبه، فقال ابن خالويه: "هما (صحراء) وجمعها (صحارى)، و(عذراء) وجمعها (عذارى)." فالعجيب هنا أن اللفظ بدأ بممدود (همزة بعد ألف) وانتهى في الجمع إلى مقصور (ألف لينة).
ولم يقف نهم ابن خالويه العلمي عند هذا الحد؛ إذ يروي عن نفسه أنه ظل ينقّب في بطون الكتب، فأصاب بعد شهر حرفين آخرين عند الجرمي، وهما: (صلفاء وصلافى) للأرض الغليظة، و(خبراء وخبارى) للأرض ذات النداوة. ثم دار الزمان دورته، وبعد عشرين عاماً من البحث، عثر عند ابن دريد على حرف خامس، وهو (سبتاء وسبتى) للأرض الخشنة.

الكسائي: رحلة طلب العلم من اللحن إلى الإمامة

يُحكى أن إمام الكوفيين "الكسائي" لم يكن في أول أمره ذلك البحر الزاخر في العربية، بل كانت له بداياتٌ عثر فيها لسانُه فاستقام بها شأنُه. فقد رُوي أنه قصد جماعة من القوم يوماً وقد نال منه المسيرُ كلَّ مَنال، فلما جلس إليهم أراد أن يشكو تَعبه فقال: "لقد عَيِيتُ".
فما كان من القوم إلا أن رشقوه بنظرات التعجب، وقالوا بلسانٍ واحد: "أتُجالسنا وأنت تلحن؟!" فدُهش الكسائي وقال: "وكيف لحنتُ؟" قالوا: "إن كنت أردتَ أن حيلتك انقطعت فقل: (عَيِيتُ)، أما وإن أردتَ تَعَبَ المَشيِ فقل: (أَعْيَيْتُ)".

فنزلت الكلمة عليه كالصاعقة، وأَنِفَتْ نفسه الأبية أن يُجهَّل في لغة قومه، فقام من فوره لا يلوي على شيء، وسأل: "مَنْ أعلمُ الناس بالنحو؟" فأُرشِد إلى "مُعاذ الهرَّاء"، فلزمه لزوماً لا فكاك منه حتى غرف كل ما في وعائه من علم.
ولم يكتفِ ابنُ الكوفة بذلك، بل شدَّ الرحال إلى البصرة، فجلس في حلقة الخليل بن أحمد الفراهيدي، فبينما هو كذلك إذ قال له أعرابيٌّ من الحاضرين: "عجباً لك! تتركت أسد الكوفة وتميماً وعندهم الفصاحة غضَّة، وتأتِي إلى البصرة!".

فالتفت الكسائي إلى الخليل يسأله: "من أين أصبتَ هذا العلمَ العظيم؟"، فأجابه الخليل: "من بوادي الحجاز ونجد وتهامة". فحمل الكسائي زاده وعزمه، وارتحل إلى قلب البادية، فما عاد منها إلا وقد أنفد خمس عشرة قنينة من الحبر في تدوين كلام العرب، سوى ما وعاه قلبه وحفظه صدره، فصار بعد ذلك إماماً يُشار إليه بالبنان.

أبو العتاهية وابن مناذر: ميزان الشعر الحقيقي

اجتمع يوماً أبو العتاهية -وهو من هو في سهولة اللفظ وسرعة الخاطر- بالشاعر محمد بن مُناذر، فأراد أبو العتاهية أن يختبر شأنه ويستبين مكانه، فقال له بمداعبة الواثق: "كيف أنت والشعر؟ وكم يبلغ نتاجك فيه؟"
فأجاب ابن مُناذر بتؤدة المتأني: "إني لأعاني القصيدة، فأقول في الليلة الواحدة من عشرة أبيات إلى خمسة عشر."
هنا ابتسم أبو العتاهية ابتسامة من ملك ناصية البيان وقال: "أما أنا، فلو شئتُ أن أقول في الليلة الواحدة ألف بيت لقلتُ غير مكترث!"
فلم يرتضِ ابن مُناذر هذا التباهي، والتفت إليه بحدَّة الذكاء قائلاً: "أجل والله يا أبا العتاهية، إنك لتقول ذلك؛ لأن مادتك في الشعر قولك:"

ألا يا عُتبة الساعةْ *** أموت الساعةَ الساعةْ
يا عُتبُ مالي ولكْ *** يا ليتني لم أرَكْ

ثم اعتدل في جلسته وقال: "أما أنا، فإذا قلتُ أنشدتُ ما تكلُّ عنه الهمم، وتعجز عنه الخواطر، كقولي في مدح البرامكة:"

ستظلمُ بغدادُ ويجلو لنا الدجى *** بمكةَ ما عشنا ثلاثةَ أبْحُرِ
إذا وردوا بطحاءَ مكة أشرقت *** بيحيى وبالفضلِ بن يحيى وجعفرِ
فما خُلقت إلا لجودٍ أكفُّهُمْ *** وأرجلُهم إلا لأعواد منبرِ

ثم أردف ابن مُناذر بلهجة القاضي: "ولو رُمتَ -يا أبا العتاهية- أن تأتي بمثل هذا لطال عليك الدهر، وما بلغتَ شأوه، فإني لا أعود نفسي مثل كلامك الساقط الذي لا مؤونة فيه!"
فأُسقِط في يد أبي العتاهية، واعتراه الخجل من قوارع ابن مُناذر، وعلم أن الكثرة ليست دوماً دليلاً على الإجادة.

ابن قادم والوالي: فتوى نحوية أنقذت رقبة

كان الخلفاءُ قديماً يَرَوْنَ في اللحنِ عاراً لا يغسله إلا التأديب، وكان لسانُ المرء عندهم هو عنوانُ عقله وعمادُ ملكه.
يروي النحويُّ ابن قادم قصةً تحبس الأنفاس، قال: استدعاني الأميرُ إسحاق بن إبراهيم المصعبي يوماً على عَجَل. وبينما أنا في دهليزي، تلقاني كاتبه ميمون بن إبراهيم والهلعُ يملأ عينيه، فقال لي هامساً: "إنه الأمير إسحاق! فاللهَ الله!" ثم ولّى هارباً.
دخلتُ فإذا بإسحاق والشررُ يتطاير من عينيه، فقال لي: "يا ابن قادم.. كيف يقال: (وهذا المالُ مالٌ) بالرفع، أم (هذا المالُ مالاً) بالنصب؟"
ففطنتُ لمقصد الكاتب المسكين، فقلتُ بحكمةِ العالِم: "الوجهُ هو الرفع (مالٌ)، ويجوز في بعض الوجوه النصب (مالاً)."
فما كان من الأمير إلا أن التفت إلى كاتبه ميمون مغضباً، ورمى في وجهه كتاباً وهو يصيح: "الزم الوجهَ الصحيح في كتبك، ودعنا من (يجوز ويجوز)!"
فلما انقضت العاصفة، سألتُ عن الخبر، فإذا بميمون قد كتب للمأمون زالَّاً به القلم: "وهذا المالُ مالاً". فما كان من الخليفة المأمون إلا أن حكَّ الموضع بظفره، ووقع على الحاشية بخطه: "أتخاطبني بلحنٍ؟!".

ابن دريد ونفطويه: حين يكون الهجاء حارقاً

كان بين ابن دريد صاحب "الجمهرة"، ونفطويه النحوي المشهور، ما يكون بين الأقران من منافسة حامية.
جلس نفطويه يوماً يملي على تلاميذه هجاءً مُرّاً في ابن دريد، فقال:

ابنُ دريدٍ بقره *** وفيه لؤمٌ وشَرَهْ
قد ادّعى بجهله *** جمع كتابِ الجمهرة
وهو كتابُ العين إلا *** أنه قد غيَّرَه

فلما بلغت الأبياتُ ابن دريد، اشتعل غيظاً، ونظم أبياتاً صبَّ فيها جام غضبه على نفطويه، مستغلاً اسمه الذي انقسم في هجائه إلى "حريق" و"عويل"، فقال:

لو أُنزل الوحي على نفطويه *** لكان ذاك الوحيُ سُخطاً عليه
وشاعرٍ يُدعى بنصف اسمِه *** مستأهلٌ للصفع في أخْدَعَيْه
أحرقه الله بنصف اسمِه *** وصيّر الباقي صُراخاً عليه

يحيى بن يعمر والحجاج: صدق العالم وسطوة الأمير

كان يحيى بن يَعْمَر من أوعية العلم الراسخة. وفي المقابل كان الحجاج بن يوسف الثقفي، والٍ جبارٌ، سفاكٌ للدماء.
جلس الحجاج يوماً، فالتفت إلى يحيى بن يعمر وسأله: "أتجدُني ألحنُ يا يحيى؟". فأجابه يحيى بلباقة: "الأميرُ أفصحُ من ذاك". لكن الحجاج قال بغلظة: "عزمتُ عليك لتخبرنّي!".
فما كان من يحيى إلا أن صدع بالحق وقال: "نعم، تَلحنُ يا أمير!". استشاط الحجاج غضباً وقال: "ففي أي شيءٍ ألحن؟". قال يحيى: "في كتاب الله تعالى؛ تقرأ قوله سبحانه:
﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾
"فترفعُ (أَحَبُّ) بالضمة، وحقُّها النصبُ بالفتحة؛ لأنها خبرُ (كان) المنصوب".
سكت الحجاج حيناً، ثم أمر بنفيه فوراً إلى أقاصي بلاد خراسان!

الأصمعي والرشيد: درس بليغ في أدب الخطاب

يُحكى أنَّ إمامَ اللغة الأصمعي وفد يوماً على الخليفة هارون الرشيد، فسأله الرشيدُ: "يا أصمعي.. كيف كنتَ بعدنا؟".
فأجاب الأصمعي: "يا أمير المؤمنين، ما لاقَتني بعدكَ أرضٌ!". فتبسّم الرشيدُ، وأمسك حتى خلا المجلس، فقال: "ما معنى قولك (ما لاقتني أرض)؟".
فقال الأصمعي: "أي ما استقرَّت بي أرضٌ بعدك".
فقال الرشيد للأصمعي: "يا أصمعي، إنَّ هذا لحسنٌ في اللغة، ولكن لا ينبغي لك أن تُخاطبني بين يدي الناس إلا بما أفهمُه.. فإما أن أسكتَ عن جوابك فيعلم الناس أني لم أفهم، وإما أن أجيب بغير الصواب فيعرف من حولي جهلي."
يقول الأصمعي: "فوالله لقد علّمني الرشيدُ في تلك الساعة من أدب الملوك أكثر مما علّمتُه أنا من لسان العرب!".

هارون الرشيد وزبيدة: تورية لغوية أثارت القلق

يُحكى أنَّ الخليفة هارون الرشيد دخل يوماً على زوجته السيدة "زبيدة" (أم جعفر)، وقال لها: "كيف أصبحتِ يا أمَّ نَهْر؟".
فتوجست زبيدة من هذا اللقب، وبعثت إلى الأصمعي تسأله. فلما سمع الأصمعيُّ، ضحك وقال: "بشّرها وطَيّب نَفْسَها؛ فما أراد أميرُ المؤمنين إلا خيراً. إنَّ العرب تُسمي النهر الصغير (جَعْفَراً)، فما ناداها الخليفة بـ (أم نهر) إلا مداعبةً لها باسم ابنها (جعفر)".
فلما عاد إليها الخبر، انجلى عنها همُّها، وسُرّت بدقةِ الخليفة في مداعبتها بلطيف اللغة.

المبرد والمجنون: حكمة في غير مظانها

يُحكى أنَّ الإمام المبرد دخل يوماً دار علاج المجانين، فمررتُ بشيخٍ تلوحُ صلعته، فناداني: "سبحان الله! أين السلامُ من المجنون؟ تُرى أنا أم أنت؟".
فاستحييتُ وقلتُ: "السلام عليكم"، فقال: "اجلس أعزك الله".
نظر الشيخُ إلى مِحبرتي وسألني عن نسبي، ثم قال: "أفتعرف المبرد؟". قلتُ: "أنا عينُ الخبير به". قال: "فهل أنشدك من عبثات أشعاره؟". ثم أنشد:

حبذا ماء العناقيـ *** ـد بريق الغانيات
بهما ينبت لحمي *** ودمي أي نبات

ثم سألني: "ما الكنيةُ أصلحك الله؟". قلتُ: "أبو العباس". قال: "فالاسم؟". قلتُ: "محمد". قال: "فالأب؟". قلتُ: "يزيد". فصاح: "قبحك الله! أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدمتُ!".
ثم وثب باسطاً يده، فبدا لي القيدُ في رجله، فقال لي بلهجةٍ غريبة: "يا أبا العباس، صُن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع، فليس يتهيأ لك في كل وقت أن تصادف مثلي! أنت المبرد!".
تأمل -يا رعاك الله- كيف أنَّ العقل يذهب وتبقى الملكةُ اللغويةُ راسخة.

يونس بن حبيب: الفقه واللغة في تفسير القرآن

يروي الإمام الجرمي: رأيتُ يونس بن حبيب النحوي وقد مرَّ بحلقة من حِلَقِ المسجد، فانبرى له رجلٌ يسأله عن قول الله جلَّ وعلا:
﴿وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكانٍ بَعيدٍ﴾
فأشار يونس بيده كأنه يتناول شيئاً، وقال: "هو التناول". ثم أنشد بيت الأرجوزة:

وهي تنوش الحوض نوشًا من علا *** نوشًا به تقطع أجواز الفلا

فانظر كيف أثبت أنَّ لغة العرب هي المفتاحُ الأول لفهم كتاب الله.

خاتمة المقال:
في هذه المواقف، رأينا كيف كان العرب يعظمون اللسان، ويجلون الحرف، وكيف كان البيان ميزاناً للفضل والأدب. إذا أعجبكم هذا التنسيق وهذه النوادر، شاركونا تعليقاتكم لنستمر في تقديم المزيد من روائع التراث العربي.

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX