recent
آخر القصص

أذكى ردود أبي الأسود الدؤلي!!! مواقف أثبت فيها أن اللسان أقوى من السيف!!!

نستعرض معكم سيرة وفصاحة أبو الأسود الدؤلي، قاضي البصرة وواضع علم النحو. نصوص كاملة تروي مناظرته الشهيرة مع زوجته أمام معاوية بن أبي سفيان، وقصة حضانة ابنه، ونوادره مع الأعراب والغلمان المتفاصحين، بالإضافة إلى وصاياه لابنه وأجمل ما قاله من الشعر في الحكمة والعدل والتوكل.
🔊 النسخة الصوتية

أبو الأسود الدؤلي: قاضي البصرة وفصيح العرب ونوادر لا تُنسى

مقدمة:

جاء في كتاب (تهذيب الكمال في أسماء الرجال)

أبو الأسود الديلي، ويقال الدؤلي البصري، قاضيها، اسمه: ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة بن عدي بن الديل، ويقال : اسمه عمرو بن ظالم، ويقال : عمرو بن سفيان، ويقال : عثمان بن عمرو. وقال الواقدي : اسمه عويمر بن ظويلم .

روى عن : أبي بن كعب، والزبير بن العوام، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر الغفاري، وأبي موسى الأشعري .

روى عنه : سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش، وعبد الله بن بريدة، وعمر بن عبد الله مولى غفرة، ويحيى بن يعمر، وابنه أبو حرب بن أبي الأسود.

وإليكم بعضا من المواقف التي حدثت له:

قصة حضانة الابن بين أبي الأسود الدؤلي وزوجته: حين انتصرت البلاغة للأم

جرى بين أبي الأسود الدؤلي وبين امرأته كلام، في ابن كان لها منه، وأراد أخذه منها، فسار إلى زياد وهو والي البصرة.
فقالت المرأة: "أصلح الله الأمير، هذا ابني، كان بطني وعاءه، وحجري فناءه، وثديي سقاءه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام، حتى إذا استوفى فصاله، وكملت خصاله، واستوكعت أوصاله، وأملت نفعه ورجوت دفعه، أراد أن يأخذه مني كرها، فآدني أيها الأمير فقد رام قهري. وأراد قسري".
فقال أبو الأسود: "أصلحك الله، هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه، وأنظر في أوده، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي، حتى يكمل عقله، ويستحكم فتله".
فقالت المرأة: "صدق أصلحك الله، حمله خفا، وحملته ثقلا، ووضعه شهوة، ووضعته كرها".
قال له زياد: اردد على المرأة ولدها، فهي أحق به منك، ودعني من سجعك أو قال: "إنها امرأة عاقلة يا أبا الأسود، فادفع ابنها إليها، فأخلق أن تحسن أدبه".

مناظرة أبي الأسود الدؤلي وزوجته أمام معاوية: بلاغة امرأة أربكت الرجال

وروى أحمد بن أبي طاهر طيفور هذا الخبر بصورة أطول وهاكها:
قال أبو محمد القشيري: كان أبو الأسود الدؤلي من أكبر الناس عند معاوية بن أبي سفيان، وأقربهم مجلسا، وكان لا ينطق إلا بعقل، ولا يتكلم إلا بعد فهم؛ فبينا هو ذات يوم جالس، وعنده وجوه قريش وأشراف العرب، إذ أقبلت امرأة الأبي الأسود الدؤلي، حتى حاذت معاوية، وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ إن الله جعلك خليفة في البلاد، ورقيبا على العباد، يستسقى بك المطر، ويستنبت بك الشجر، وتؤلف بك الأهواء، ويأمن بك الخائف، ويردع بك الجانف، فأنت الخليفة المصطفى، والإمام المرتضى، فأسأل الله لك النعمة في غير تغيير، والعافية من غير تعذير. قد ألجأني إليك يا أمير المؤمنين أمر ضاق علي فيه المنهج، وتفاقم علي منه المخرج، لأمر كرهت عاره، لما خشيت إظهاره، فلينصفني أمير المؤمنين من الخصم؛ فإني أعوذ بعقوته من العار الوبيل، والأمر الجليل، الذي يشتد على الحرائر، ذوات البعول الأجائر، فقال لها معاوية: ومن بعلك هذا الذي تصفين من أمره المنكر، ومن فعله المشهر؟ فقالت: هو أبو الأسود الدؤلي، فالتفت إليه فقال: يا أبا الأسود: ما تقول هذه المرأة؟ فقال أبو الأسود: هي تقول من الحق بعضا، ولن يستطيع أحد عليها نقصا؛ أما ما ذكرت من طلاقها فهو حق، وأنا مخبر أمير المؤمنين عنه بالصدق، والله يا أمير المؤمنين ما طلقتها عن ريبة، ظهرت، ولا لأي هفوة حضرت؛ ولكني كرهت شمائلها، فقطعت عني حبائلها، فقال معاوية: وأي شمائلها يا أبا الأسود كرهت؟ قال: يا أمير المؤمنين: إنك مهيجها علي بجواب عتيد، ولسان شديد، فقال معاوية: لا بد لك من محاورتها، فاردد عليها قولها عند مراجعتها، فقال أبو الأسود: "يا أمير المؤمنين، إنها كثيرة الصخب، دائمة الذرب، مهينة للأهل، مؤذية للبعل، مسيئة إلى الجار، مظهرة للعار، إن رأت خيرا كتمته، وإن رأت شرا أذاعته"، قالت: "والله لولا مكان أمير المؤمنين، وحضور من حضره من المسلمين، لرددت عليك بوادر كلامك، بنوافذ أقرع بها كل سهامك، وإن كان لا يجمل بالمرأة الحرة أن تشتم بعلا، ولا أن تظهر لأحد جهلا"، فقال معاوية: عزمت عليك لما أجبته، فقالت: "يا أمير المؤمنين، ما علمته إلا سئولا جهولا، ملحا بخيلا، إن قال فشر قائل، وإن سكت فذو دغائل، ليث حين يأمن، وثعلب حين يخاف، شحيح حين يضاف، إن ذكر الجود انقمع، لما يعرف من قصر رشائه، ولؤم آبائه، ضيفه جائع، وجاره ضائع، لا يحفظ جارا ولا يحمى ذمارا، ولا يدرك نارا، أكرم الناس عليه من أهانه، وأهونهم عليه من أكرمه"، فقال معاوية: سبحان الله لما تأتي به هذه المرأة من السجع! فقال: أبو الأسود: أصلح الله أمير المؤمنين، إنها مطلقة، ومن أكثر كلاما من مطلقة؟ فقال لها معاوية: إذا كان رواحا فتعالي أفصل بينك وبينه بالقضاء.

فلما كان الرواح جاءت ومعها ابنها قد احتضنته؛ فلما رآها أبو الأسود قام إليها لينتزع ابنه منها، فقال له معاوية: يا أبا الأسود، لا تعجل المرأة أن تنطق بحجتها، قال: يا أمير المؤمنين، أنا أحق بحمل ابني منها، فقال له معاوية: يا أبا الأسود دعها تقل، فقال: "يا أمير المؤمنين، حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه"، فقالت: "صدق والله يا أمير المؤمنين: حمله خفا، وحملته ثقلا، ووضعه شهوة ووضعته كرها، إن بطني لوعاؤه، وإن ثديي لسقاؤه، وإن حجري لفناؤه، فقال معاوية: سبحان الله لما تأتين به! فقال أبو الأسود: إنها تقول الأبيات من الشعر فتجيدها، فقال معاوية: إنها قد غلبتك في الكلام، فتكلف لها أبياتا لعلك تغلبها؛ فأنشأ أبو الأسود يقول:

مَرحَبًا بِالًّتي تَجور عَلَينا *** ثُمَّ أَهلًا بِحامِلٍ مَحمولِ
أَغلَقَت بابَها عَليَّ وَقالَت *** إِنَّ خَيرَ النساءِ ذاتُ البُعولِ
شَغَلَت قَلبها عَليَّ فَراغًا *** هَل سَمِعتُم بِفارغٍ مِشغولِ

فأجابته وهي تقول:

لَيْسَ من قَالَ بِالصَّوَابِ وبالحق *** كمن حاد عَن سَوَاء السَّبِيل
كان ثديي سقاءه حين يضحى *** ثم حجري فناؤه بالأصيل
لست أبغي بواحدي يا ابن حرب *** بدلا ما علمته والخليل

فأجابها معاوية:

ليس من غذاء حينا صغيرا *** وسقاه من ثديه بخذول
هي أولى به وأقرب رحما *** من أبيه بالوحي والتنزيل
أمه ما حنت عليه وقامت *** هي أولى بحمل هذا الضئيل

فقضى لها معاوية عليه، واحتملت ابنها وانصرفت.

حين أنقذ أبو الأسود الدؤلي اللغة من الاستعراض: قصة الغلام المتفاصح

قال أبو الحسن: كان غلام يقعّر في كلامه فأتى أبا الأسود الدؤلي يلتمس بعض ما عنده فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك، قال: أخَذتْهُ الحُمَّى فطبَخَتْه طبْخًا، و فتَخَتْه فتخا، وفضخته فضخا، فتَرَكَتْه فرخا، فقال أبو الأسود: فما فعلت امرأته التي كانت تُشَارُّهُ وتُمارُّهُ وتُهارُّهُ وتُزارُّهُ، قال: طلّقها وتزوَّجتْ غيرَه فرَضِيَتْ وحَظِيَتْ وبَظِيَتْ، قال أبو الأسود: قد علمنا رضيت وحظيت فما بظيت، قال: بظيت حَرْفٌ من الغريب لم يَبْلُغْكَ، قال أبو الأسود: يا بُنيَّ كلُّ كلمة لا يعرفها عمُّك فاسترها كما تستر السِّنَّوْر خَرْءَهَا.

وصايا أبي الأسود الدؤلي لابنه: قواعد الحكمة في الكلام والمجالسة

قال أبو الأسود يو صي ابنا له: يابني، إذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وسائلهم على قدر محلك، ولاترتفع عن الواجب فتستثقل، ولا تنحط عنه فتحتقر! وإذا أوسع الله عليك فابسط، وإذا أمسك عليك فأمسك، ولاتجاود الله عز وجل، فالله أجود منك!

لماذا اهتم أبو الأسود الدؤلي بالنسب؟ قصة تربية قبل الولادة

وقال لأولاده: أحسنت إليكم كباراً وصغاراً وقبل أن تولدوا! قالوا: أحسنت إلينا صغارا وكبارا، فكيف قبل أن نولد؟ قال: طلبت لكم النسيب كيلا تعيروا.

حين أسكت أبو الأسود الدؤلي الساخر ببيت شعر: قوة اللسان قبل السيف

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: كان طريق أبي الأسود الدؤلي إلى المسجد والسوق في بني تيم الله بن ثعلبة وكان فيهم رجل متفحش يكثر الاستهزاء بمن يمر به، فمر به أبو الأسود الدؤلي يوماً فقال لقومه: كأن وجه أبو الأسود وجه عجوزٍ راحت إلى أهلها بطلاقٍ، فضحك القوم، وأعرض عنهم أبو الأسود. ثم مر به مرة أخرى، فقال لهم: كأن غضون قفا أبي الأسود غضون الفقاح . فأقبل عليه أبو الأسود فقال له: هل تعرف فقحة أمك فيهن؟ فأفحمه، وضحك القوم منه، وقاموا إلى أبي الأسود، فاعتذروا إليه مما كان، ولم يعاوده الرجل بعد ذلك، وقال أبو الأسود بعد ذلك حين رجع إلى أهله:

وَأَهوَجَ مِلجاجٍ تَصامَمتُ قيلَهُ *** أَن اِسمَعَهُ وَما بِسَمعيَ مِن باسِ
وَلَو شِئتُ ما أَعرَضتُ حَتّى أَصَبتُهُ *** عَلى أَنفِهِ خَدباءَ تَعضِلُ بِالآسي
فَإِنَّ الِلسانَ لَيسَ أَهوَنُ وَقعِهِ *** بِأَصغَرَ آثاراً مِنَ النَحتِ بِالفاسِ
وَذي إِحنَّةٍ لَم يُبدِها غَيرَ أَنَّهُ *** كَذي الخَبلِ تَأبى نَفسُهُ غَيرَ وَسواسِ
صَفَحتُ لَهُ صَفحاً طَويلاً كَصَفحِهِ *** وَعَيني وَلا يَدري عَليهِ وَأَحراسي
وعندي لَهُ إِن ثار فَوَّارُ صَدرِهِ *** فَحاً جَبَلِيٌّ لا يَعودُ لَهُ الحاسي
تَنَقَّيتُهُ مِن كُلِّ مُرٍّ فَمِزتُهُ *** لِكلِّ عُضاليٍّ مِنَ الداءِ نَكّاسِ
شِفاءً وَتنجيزاً مَتى يَلتَبِس بِهِ *** يُعالِجُ بَرءً لا يُريبكَ أَو ياسِ
وَخَبٍّ لُحومُ الناسِ أَكثَرُ زادِهِ *** كَثيرِ الخَنى بَعدَ المَحالَةِ هَمّاسِ
تَرَكتُ لَهُ لَحمي وَأَبقَيتُ لَحمَهُ *** لِمَن نابَهُ مِن حاضِر الجِنِّ والناسِ
فَكَدَّ قَليلاً ثُمَ صَدَّ كَأَنَّما *** يَعُضُّ بِصُمٍّ مِن سَدى جَبَلٍ راسي

قصة أبي الأسود الدؤلي مع الأعرابي: ذكاء حاد وحدود الكرم

حدث المدائني قال: خرج أبو الأسود الدؤلي ومعه جماعة أصحابٍ له إلى الصيد، فجاءه أعرابي فقال له: السلام عليك. فقال له أبو الأسود: كلمة مقولة. قال: أدخل؟ قال: وراؤك أوسع لك. قال: إن الرمضاء قد أحرقت رجلي، قال: بل عليها أو ائت الجبل يفئ عليك. قال: هل عند شيء تطعمنيه؟ قال نأكل ونطعم العيال، فإن فضل شيء فأنت أحق به من الكلب، فقال الأعرابي: ما رأيت قط ألأم منك. قال أبو الأسود: بلى قد رأيت؛ ولكنك قد أنسيت .

أبو الأسود الدؤلي يدافع عن الجمال: أبيات شعر في الرد على العيب

عن ابن عياش قال: اشترى أبو الأسود جارية، فأعجبته وكانت حولاء فعابها أهله عنده بالحول، فقال في ذلك:

يَعيبُونهَا عِندي وَلا عَيبَ عِندَها *** سِوى أَنَّ في العَينينِ بَعضُ التَّأَخُرِ
فَإِن يَكُ في العَينَينِ شيءٌ فَإِنَّها *** مُهَفهَفَةُ الأَعلى رَداحُ المُؤَخَّرِ
قَطُوفٌ إِذا تَمشي تَخالُ دِماءَها *** تَساايَلُ أَو تَبدو لَها بتَقَطُّرِ
إِذا سِمتُها التَقبيلَ أَبدَت تَشامُساً *** ولينَ كَلامٍ لَم يُشَب بِتَهَذُّرِ

قصة العدل عند أبي الأسود الدؤلي: حين حكم على صديقه بالحق

حدث عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال: كان لأبي الأسود الدؤلي صديق من بني تميم ثم من بني سعد يقال له مالك بن أصرم، وكانت بينه وبين ابن عمٍ له خصومة في دار له، وأنهما اجتمعا عند أبي الأسود فحكماه بينهما، فقال له خصم صديقه: إني بالذي بينك وبينه عارف، فلا يحملنك ها ذاك على أن تحيف علي في الحكم وكان صديق أبي الأسود ظالماً فقضى أبو الأسود على صديقه لخصمه بالحق، فقال له صديقه: والله ما بارك الله لي في صداقتك، ولا نفعني بعلمك وفقهك، ولقد قضيت علي بغير الحق، فقال أبو الأسود:

إِذا كُنتَ مَظلوماً فَلا تُلفَ راضياً *** عَن القَومِ حَتّى تَأَخُذَ النِصفَ واغضَبِ
فَإِن كُنتَ أَنتَ الظالِمَ القَوم فاطَّرِح *** مَقالَتَهُم وَاشغَب بِهِم كُلَّ مَشغبِ
وَقارِب بِذي جَهلٍ وَباعِد بِعالِمٍ *** جَلوبٍ عَلَيكَ الحَقَّ مِن كُلِّ مَجلَبِ
فَإِن حَدَبوا فاقعَس وَإِن هُم تَقاعَسوا *** ليَستمكِنوا مِمّا وَراءَكَ فاحدَبِ
وَلا تَدعُني لِلجورِ واصبِر عَلى الَّتي *** بِها كُنتُ أَقضي لِلبَعيدِ عَلى أَبي
فَإِنّي اِمرؤٌ أَخشى إِلَهي وَأَتَّقي *** مَعادي وَقَد جَرَّبتُ ما لَم تُجَرِّبِ

أبيات أبي الأسود الدؤلي في التوكل: الحكمة في السفر والمصير

عن ابن عائشة قال: أراد أبو الأسود الدؤلي الخروج إلى فارس، فقالت له ابنته: يا أبت إنك قد كبرت، وهذا صميم الشتاء، فانتظر حتى ينصرم وتسلك الطريق آمناً، فإني أخشى عليك، فقال أبو الأسود:

إِذا كُنتَ مَعنيّاً بِأَمرٍ تُريدُهُ *** فَما لِلمَضاءِ وَالتَوكُّل مِن مِثلِ
تَوكَّل وَحَمِّل أَمرَكَ اللَهَ إِنَّ ما *** يُرادُ لَهُ آتيكَ أَنتَ لَهُ مُخلِ
فَلا تَحسَبنَّ السَيرَ أَقرَبَ لِلرَدى *** مِنَ الخَفضِ في دارِ المُقامَةِ والثَملِ
وَلا تَحبِسَنّي عَن طَريقٍ أُريدُهُ *** بِظَنِّكَ إِنَّ الظَنَّ يَكذِبُ ذا العَقلِ
فَإِنّي مُلاقٍ ما قَضى اللَهُ أَنَّني *** مُلاقٍ فَلا تَجعَل لَكَ العِلمَ كَالجَهلِ
فَإِنَّكَ لا تَدري وَإِن كُنتَ مُشفِقاً *** عَليَّ أَبَعدي ما تُحاذِرُ أَم قَبلي
وَكائِن تَرى مِن حاذِرٍ مُتَحَفِّظٍ *** أُصيبَ وَأَلفَتهُ المَنيَّةُ في الأَهلِ

حين اختار أبو الأسود الدؤلي اليأس على المذلة: أبيات في كرامة النفس

قال المدائني: وكان أبو الأسود يدخل على عبيد الله بن زياد، فيشكو إليه أن عليه ديناً لا يجد إلى قضائه سبيلاً، فيقول له: إذا كان غد فارفع إلي حاجتك فإني أحب قضاءها، فيدخل إليه من غد، فيذكر له أمره ووعده فيتغافل عنه، ثم يعاوده فلا يصنع في أمره شيئاً، فقال فيه أبو الأسود:

دَعاني أَميري كَي أَفوهَ بِحاجَتي *** فَقُلتُ فَما رَدَّ الجَوابَ وَما استَمَع
فَقُلتُ وَلَم أَحسُس بِشيءٍ وَلَم أَصُن *** كَلامي وَخيرُ القَولِ ما صينَ أَو نَفع
فَأَجمَعتُ يَأساً لا لُبانَةَ بَعده *** وَلَليأسُ أَدنى لِلعَفافِ مِنَ الطَمَع

قصة لقمان الحكيم مع أبي الأسود الدؤلي: ذكاء اجتماعي في موقف بسيط

عن علي بن سليمان قال: كان أبو الأسود على باب داره دكان يجلس عليه، مرتفع عن الأرض على قدر صدر الرجل، فكان يوضع بين يديه خوان على قدر الدكان، فإذا مر به مار فدعاه إلى الأكل لم يجد موضعاً يجلس فيه، فمر به ذات يوم فتى فدعاه إلى الغداء، فأقبل فتناول الخوان فوضعه أسفل، ثم قال له: يا أبا الأسود، إن عزمت على الغداء فانزل، وجعل يأكل وأبو الأسود ينطر إليه مغتاظاً حتى أتى على الطعام، فقال له أبو الأسود: ما اسمك يا فتى؟ قال: لقمان الحكيم، قال: لقد أصاب أهلك حقيقة اسمك.

خاتمة المقال:
رحم الله أبا الأسود الدؤلي، فقد كان مدرسة في اللغة والحكمة والأنفة. إن سيرته هذه، بكل ما فيها من نوادر ومواقف، ستبقى شاهداً على عبقرية اللسان العربي وعظمة رجالاته الأوائل.

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق
  • غير معرف8 فبراير 2026 في 10:14 ص

    بارك الله فيكم

    حذف التعليق
    • غير معرف14 فبراير 2026 في 4:40 م

      جزاكم الله خيرا وبارك فيك
      لو تتفضلون علينا بوضع ملف صوتي أيضا !🥰

      حذف التعليق
      google-playkhamsatmostaqltradentX