recent
آخر القصص

قصة هود عليه السلام كاملة ، تعرف على تفاصيل قصته الرائعة!!! قصص الأنبياء

نستعرض معكم قصة هود عليه السلام وقوم عاد (إرم ذات العماد) بتفاصيلها الكاملة. نروي حكاية الكبر والطغيان، وكيف واجه نبي الله هود عتاة العرب بكلمة التوحيد وثبات الجبال. نصوص كاملة تسرد تفاصيل الدعوة، والتحدي الصارخ، والنهاية المأساوية بالريح الصرصر العاتية التي دمرت حضارة ظن أصحابها أنهم مخلدون.
🔊

قصة هود عليه السلام.. وقوم عاد (إرم ذات العماد)

المقدمة: سنة الله في الخلف والسلف

(وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ). مضى قوم نوح عليه السلام وانطوت صفحتهم من التاريخ، وبادت ديارهم وأخذهم الطوفان وهم ظالمون. هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟ وكان الله تعالى قد وعد نوحاً عليه السلام قائلاً: (اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ).

مرت الأيام سريعاً وانقضت السنون، وإذا باللاحقين لا يعتبرون بمصارع الغابرين، وإذا بالخلف لا يأخذون العبرة مما حل بالسلف، وإذا بقوم آخرين قد أتى من بعد قوم نوح فأفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، بل أفسدوا فيها واغتروا وتجبروا وقالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)؟ نسي هؤلاء المغرورون أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة. إنها قصة الكبر والغرور والطغيان والجبروت، قصة أهل الباطل وصراعهم مع الحق. هذه السنة الربانية التي لا تتغير ولا تتبدل، سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون.

التعريف بقوم عاد ونبيهم

إنهم قوم عاد (عاد إرم)، وهم عاد الأولى. وقد كانوا عرباً يسكنون "الأحقاف"، وهي جبال الرمل، وكانت باليمن من عمان وحضرموت، بأرض مطلة على البحر تسمى "الشحر" واسم واديهم "مغيث".

وكانوا يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام، كما قال سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ).

أما نبيهم فهو "هود" عليه السلام، وهو نبي كريم من أنبياء الله تعالى، شرفه الله تعالى فسميت سورة من سور القرآن المجيد باسمه. وقد شرفه أيضاً نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، فدعا له بالرحمة كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "يرحمنا الله وأخا عاد". وفي حديث أبي بن كعب أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر الأنبياء بدأ بنفسه فقال: "رحمة الله علينا وعلى هود وعلى صالح". أي وسام هذا الذي يضعه النبي صلى الله عليه وسلم على صدر هذين النبيين! وهل يرد الله تعالى دعوة أبي القاسم سيد ولد آدم يوم القيامة؟

إذن نحن على موعد مع هذه القصة لنرى تفاصيلها ونتعرف أحداثها ونأخذ العبرة والعظة مما حدث وجرى لأصحابها، (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).

بداية الانحراف والشرك

أما المكان فهو الأحقاف، حيث كانت مساكن القوم في جنوب الجزيرة العربية، والحقف كثيب الرمل المائل، وقيل هو ما استطال من الرمال كهيئة الجبل. وأما الزمان، فقد كانوا أول أمة أهلكت بعد قوم نوح عليه السلام، ولذا قيل لهم "عاداً الأولى"؛ فهم عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح عليه السلام.

وأما قصتهم فهي تبدأ يوم غفل القوم عما نزل بساحة غيرهم، فساء صباح المنذرين، حين أطاعوا الشياطين الذين اجتالتهم عن التوحيد، فأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً. فكانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان، وكانت أصنامهم ثلاثة: (صداء، وصمود، وهراء). فبعث الله تعالى فيهم أخاهم هوداً عليه السلام بكلمة التوحيد: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ).

مشاهد الصراع: هود يواجه الطغيان

هلم فلنتابع هذه القصة مشهداً مشهداً وفصلاً فصلاً لنرى كيف يتبجح الباطل وكيف يعلو وينتفش، ويزعم أن الغلبة له ثم تكون عاقبة أمره خسراً، (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ).

هذا هود عليه السلام يقف وحيداً فريداً كما وقف نوح من قبل، وكما هو حال الأنبياء والمرسلين من بعدهم يواجهون الطغيان والكفر والعدوان، فلا يخافون إلا الله وحده، (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ). هود يدعوهم إلى سواء الصراط، فينتفض الملأ كالذي يتخبطه الشيطان من المس، يكيلون التهم ويذيعون الشائعات ويرمون النبيين بالفظائع التي يشيب لها الولدان.

(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ). لكن هوداً الذي أدبه ربه وصنعه على عينه يرد على هؤلاء السفهاء المعتدين بأدب النبوة الجم: (لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكني رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ). ثم نراه بعدها يذكرهم بمصرع قوم نوح ويذكرهم بنعم الله عليهم: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). فما زادهم ذلك إلا إعراضاً ونفوراً، وأخذتهم العزة بالإثم، وكذبوا وأعرضوا وقالوا له: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ). فأخبرهم هود عليه السلام أنه قد وقع عليهم الرجس والغضب جزاءً وفاقاً، ثم أنجى الله هوداً والذين آمنوا معه برحمة منه سبحانه وقطع دابر الذين كفروا وما كانوا مؤمنين. (هذا سياق القصة في سورة الأعراف).

ألا بُعداً لعادٍ قومِ هود (مشهد سورة هود)

وهذا مشهد آخر من مشاهد هذه القصة، لكنه أكثر تفصيلاً من سابقه. إن هذا المشهد الجليل المهيب قد سطرته لنا سورة هود. فيه نرى هوداً عليه السلام يقرع قومه بأصوات الوعيد والتهديد، وكأن به عليه السلام وقد رفع صوته مقرعاً لهم زاجراً إياهم، لا يخشى بأسهم ولا سطوتهم ولا يلوي على أحد منهم. منذ اللحظة الأولى يجبههم بمر المقال فيقول لهم: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ). نعم مفترون جائرون ظالمون، لأنهم قد جعلوا لله أنداداً وشركاء، فمن أضل من هؤلاء ومن أظلم منهم؟

ثم نراه تارة أخرى يقطع عليهم الطريق فيبين لهم أنه غني عما في أيديهم، لا يريد منهم قليلاً ولا كثيراً؛ لأنه يرجو ما عند الله تعالى، ولسان حاله كما قال سليمان عليه السلام: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ). إذ به يقول لهم: (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ).

وفي جولة أخرى يريد هود أن يوقظ هذه القلوب الغافلة والنفوس البائسة، فيربط قلوبهم بربهم وخالقهم ومالك أمرهم فيقول: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ). إن الخير كله بين يديه والشر ليس إليه، وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون.

ما للعباد عليه حق واجب *** كلا ولا سعي لديه ضائع
إن عُذِّبوا فبعدله أو نُعِّموا *** فبفضله وهو الكريم الواسع

التحدي والثبات: إني توكلت على الله

فهل انتفع القوم بهذه الموعظة البليغة لهود عليه السلام؟ كلا والله، بل ازدادوا عتواً ونفوراً: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ). إنهم يطالبون هوداً عليه السلام بآية أو معجزة أو بشيء حسي كناقة صالح مثلاً أو عصا موسى أو ما شابه ذلك، وغفل هؤلاء عن أن ثبات هود أمام طغيانهم وإيمانه الوثيق بالله عز وجل لهو أكبر آية وبينة ودليل صدق على نبوته. ثم ها هم يرمونه بالجنون، زاعمين أن آلهتهم قد أصابته بسوء لأنه تجرأ عليهم وعاب هذه الآلهة المزعومة. نفس منطق المشركين في كل زمان يخوفون أهل الحق بهذه الآلهة الباطلة: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).

وإنا والله يا معشر الأكارم لتصيبنا الدهشة والعجب من هذا النبي الفرد الذي يواجه هؤلاء العتاة الغلاظ الشداد منذراً ومحذراً، فيبلغ بهم الحمق والسفه أن يزعموا أن هذه الآلهة الحقيرة المهينة قادرة على أن توقع الأذى بهود عليه السلام وتصيبه بالهذيان من أثر هذا المس (زعموا)! ألا بؤساً لهذه العقول! إنهم واثقون بآلهتهم هذه، ويزعمون أنها قادرة على البطش والأذى.

لكن نرى ثقة هود بربه وتوكله عليه ويقينه بأنهم ليسوا على شيء، نرى هوداً يرد عليهم بهذه الكلمات التي تزلزل كيانهم وتهد أركانهم وتقوض دعائمهم. فلننصت جيداً إليه يرد على هؤلاء الحمقى فيقول: (قَالَ إِنِّيُ أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).

ما أروعها من كلمات! وما أشجعه من موقف! لله درك يا نبي الله، إنه لدرس عظيم في اليقين والثبات والتوكل على الله تعالى الذي بيده الأمر كله وناصية كل شيء بيده، فمِمَّ يخاف المؤمن وماذا يخشى طالما أن الله معه؟ ومن كان الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب والقوة التي لا تهزم: (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ).

ها نحن أولاء أمام ثبات عظيم يعقبه النصر المبين. فهذا هود عليه السلام وحده بلا نصير أو معين يقابل هؤلاء المتجبرين ويجادلهم ويصارع باطلهم وأهواءهم، بل يطلب منهم أن يمكروا ما شاؤوا ويكيدوا له إن استطاعوا. لماذا؟ (إِّني تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم).

الاستخلاف والهلاك المحتوم

ثم ينتقل بنا السياق لمشهد آخر، سياق الآيات الكريمة حيث ينتقل إلى الحديث عن مصرع تلك الأمة المتجبرة المتكبرة في مشهد حاسم يختتم باللعنات التي تلاحقهم إلى يوم القيامة، والدعاء عليهم بالبعد عن رحمة الله الذي وسعت رحمته كل شيء، فيا بؤس هؤلاء ويا لشقائهم: (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ). (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جهَنَّمَ يُحْشَرُونَ).

هكذا يحسم الأمر وينتهي الجدال. فمهما أوتيتم من قوة وبأس، ومهما كنتم جبارين عتاة، فستطوى صفحة وجودكم وسترحلون عن هذه الدنيا، فلا يذكركم أحد إلا باللعنات، بل يستخلف الله سبحانه قوماً آخرين يعبدونه ولا يشركون به شيئاً، وتشرق الأرض بنور ربها بعد أن طهرت من شرككم ورجسكم. فلا جرم أنكم الأخسرون، ألا بعداً لعاد قوم هود.

نجاة هود والمؤمنين

هكذا تسير أحداث هذه القصة؛ دعوة إلى عبادة الله وحده ما بين لجاج وعناد هؤلاء الكافرين، وتهديد ووعيد منهم لهذا النبي الكريم، وهود لا يخشى أحداً إلا الله. هود يذكرهم بالله ويبلغ رسالة ربه سبحانه، فلما لم تنفع النصيحة والموعظة، لم يبق إلا الانتقام من هؤلاء المجرمين والبأس الذي لا يرد عن الطاغين، كما قالت العرب:

أعط أخاك تمرة *** فإن لم يرضَ فأعطه جمرة

نحن الآن منتظرون نترقب.. نحبس الأنفاس لنرى كيف ستكون عاقبة المتجبرين، كيف ستكون نهاية الظالمين. (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ). كيف كانت نجاة هود ومن معه من الفئة المؤمنة؟ لا نعلم، ما الوسيلة أو الطريقة التي نجاهم الله سبحانه بها؟ غير مهم. المهم أن الله تعالى نجاهم برحمته التي سبقت غضبه في هذا المشهد العصيب الذي نرى فيه الهلاك ونسمع فيه الآهات والأنات، ولكن لمن كفر بالله وأشرك به ما لم ينزل به سلطاناً. أما المؤمنون فلهم الأمن وهم مهتدون: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).

نعم إن بأس الله تعالى ونقمته لا يردان عن القوم المجرمين، وهذا ما عبر عنه السياق بقوله سبحانه: (وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ). لكم أن تتخيلوا هذه الكلمة في موضعها "غليظ" وهذا الحرف في مكانه حرف الظاء، ثم تسبح في بحر الخيال وتتوقع كيف كان هذا. بضدها تتميز الأشياء.

قبل أن نطوي هذا المشهد، مشهد نجاة المؤمنين أهل الرحمة وهلاك أهل الشقاء أهل السخط والغضب والنقم، لا يفوتنا أن نذكر بهذا المعنى الجليل العظيم الذي ذكره الصادق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم حين قال: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم". فاللهم ارحم قلوباً لم تؤمن إلا بك، وجباهاً لم تسجد إلا لك، ونفوساً لم تعرف رباً سواك، ارحمنا وأنت خير الراحمين.

وتلك عاد (العاقبة المخزية)

ها نحن الآن نرى مصارع قوم عاد. نرى نهاية الكفر والشقاق والعناد. نرى مصير أمة عتت عن أمر ربها ورسله، فما ماذا كان؟ (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا). هكذا تطوى صفحة قوم عاد: (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا بِالْأَمْسِ). أين الديار والأموال والآثار؟ أين ما بنوا وشيدوا؟ ما هذا السكون والصمت الرهيب الذي حل بمساكنهم؟ لا صريخ لهم ولا منقذ، يا حسرة على العباد!

لكن القرآن العظيم يعبر عن هذه النهاية المأساوية بكلمة وجيزة مختصرة: (وَتِلْكَ عَادٌ). وكأنهم لا يستحقون غير هذا. كل هذا العجب والكبر والطغيان انتهى في هذه الجملة المختصرة (وَتِلْكَ عَادٌ) بهذا البعد، حيث أشار إليهم باسم الإشارة للبعيد لأنهم ابتعدوا عن الخير والتوحيد ولجوا في الطغيان والتكذيب. هذه منازلهم وهذه مصارعهم، لكنهم مضوا وانتهوا وابتعدوا فكأن بيننا وبينهم بعد المشرقين. أين ما كانوا يشيدون؟ كيف وهنت قوتهم التي كانوا بها يتبجحون؟ (مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ). أين المغيث؟ أين النصير؟ (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ). (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا ناصرَ لَهُمْ).

(وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ). إنه الجحود والتكذيب والبغي في الأرض بغير الحق، إنه الكبر والتعالي والصلف والغرور: (أَلَّا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي آتِيكُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ). لقد نسي هؤلاء كيف كانت بداياتهم: (أَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا). (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا)؟ فَلِمَ يتبجح هذا المخلوق الضعيف؟ لماذا يتطاول ويركن إلى الفساد في الأرض وهو يدعى إلى الإسلام والإيمان بالخالق العظيم؟

(وَعَصَوْا رُسُلَهُ) رغم أنهم ما عصوا إلا رسولهم هوداً عليه السلام. لكنها رسالة واحدة وعقيدة راسخة ثابتة، كلمة لا تتبدل جاءت بها كل الرسل، فمن كذب رسولاً واحداً فكأنما كذب الأنبياء والرسل أجمعين، فلذلك قال الله: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ)، رغم أن نوحاً عليه السلام هو أول رسول لأهل الأرض. فالأنبياء جميعاً دينهم واحد ومنهجهم في الدعوة وطريقهم واحد، فهم كما وصفهم النبي الكريم: "الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى".

(وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ). وهذا سبب آخر لهلاك هؤلاء التعساء الأشقياء. إنهم قد اتبعوا أمر كل متسلط عليهم، أطاعوا المتكبرين الجبارين الذين صدوهم عن الهدى ودين القيمة. لكن أين كانت عقولهم؟ لِمَ رضوا أن يكونوا إمعة وذيولاً لغيرهم؟ لماذا أهدروا كرامتهم وآدميتهم يوم صاروا قطيعاً يساق إلى حتفه وهلاكه وهو غافل عما يراد به؟ لا جرم أنهم سيندمون، ولكن وقت لا ينفع أسف ولا ندم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أقدامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ).

لا تصلح الدنيا ولا تستوي *** إلا بكم يا بقر العالم
من قال للحرث خُلقتم فلم *** يكذب عليكم لا ولم يأثم
ما أنتم عار على آدم *** لأنكم غير بني آدم

اللعنة الأبدية

فلنواصل الحديث لنرى كيف ختم الفصل الأخير من قصة عاد، هذا الختام المهين، ختام قد امتلأ باللعنات المتواليات إلى يوم البعث والجزاء. ختام يليق بإعراضهم وعتوهم وغرورهم، ختام وهلاك قد شيع باللعن والطرد من رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة جزاءً بما كانوا بآيات الله يجحدون. فلنصغِ إلى هذا الختام الجليل لهذه القصة: (وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ). لعنة في الدارين وطرد من رحمة من رحمته واسعة كل شيء، وكفى بذلك خزياً وشقاء. لكن الله تعالى ليس بظلام للعبيد، فهو يبين لنا ولمن خلفهم من الأمم لماذا لعنهم ولِمَ طردهم وأبعدهم وهو أرحم الراحمين: (أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ) فالميزان هو القسطاس المستقيم، والله تعالى لا يظلم الناس ولكن الناس أنفسهم يظلمون. ثم يأتي ختام الآية الكريمة: (أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ). إذن فلتذهب عاد مطرودة من رحمة الله تتبعها اللعنات في الدنيا والآخرة غير مأسوف عليهم، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين.

الحضارة والعبث: أتبنون بكل ريع آية تعبثون؟

وبالانتقال إلى سورة أخرى من سور القرآن الكريم لنرى جانباً آخر ومشهداً من مشاهد ذلك الصراع، فيطالعنا قول الله تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً). ولو أن هؤلاء كانوا قد تجبروا واغتروا بقوتهم أمام بشر مثلهم إذن لهان الخطب، لكنهم يتبجحون بهذه القوة الغاشمة أمام الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فما أضل هذه النفوس! هنا يأتيهم الرد القاطع الحاسم: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ). ثم ينتهي المشهد مفصلاً كيف كانت نهاية هؤلاء المتجبرين، وإنها لنهاية سريعة جداً فوق ما تصور هؤلاء الطغاة: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخيرةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ).

هذه الريح الهوجاء العاتية الباردة في أيام نحس عليهم، قد سخرها الله تعالى لتدمر هذه القوة التي تبجحوا بها: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ). قال ابن جرير: "كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله من الريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر". ذلك قوله عز وجل: (فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ). وقوله عز من قائل: (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ).

وهذا مشهد آخر من مشاهد قصة عاد ورد في سورة الشعراء، يبدأ بقوله تعالى: (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ)، ويختتم بقوله سبحانه: (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ). لكن الجديد في هذه السورة أن الله تعالى يصف قوم عاد بأنهم قد أوتوا شيئاً من العلم والرقي والحضارة، فقد كانوا يبنون بيوتهم ومساكنهم فوق التلال والمرتفعات، وكان غرضهم من ذلك هو الفخر والخيلاء والتطاول في البنيان إظهاراً لقدرتهم ومهارتهم، ولذلك سماه الله تعالى عبثاً: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ). ومما يدل أيضاً على أنهم بلغوا شأواً من الحضارة والتقدم قوله تعالى: (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ). فيبدو أنهم بلغوا مبلغاً عظيماً من الحضارة الصناعية، حتى اتخذوا المصانع لنحت الجبال وبناء القصور، حتى لا يظن الظان أن هذه المصانع وما يشيدون من بنيان كافٍ لخلودهم ووقايتهم من الموت، ولكن هيهات هيهات.

يُبكَى علينا ولا نبكي على أحدٍ *** لنحن أغلظ أكباداً من الإبل

ثم تمضي الآيات الكريمة تبين دعوة هود عليه السلام لهم بالحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). إنه أخوهم كما وصفه الله تعالى، فهو مشفق حريص عليهم يرجو لهم الخير ويخشى عليهم أن ينزل بهم سخط الله وغضبه، وقد بالغ في النصح، وحقق النصيحة أن تُستمع:

ألا قل لهم قول أخٍ نصوح *** وحق النصيحة أن تُستمع

لكن القوم أعرضوا واستكبروا، فما كان منهم إلا أن قالوا: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ). فالقوم قد صمت منهم الآذان فهي لا تتأثر، وقلوبهم في أكنة مما يدعوهم إليه هود عليه السلام، والشيطان يبدو أنه قد استحوذ عليهم فأنساهم ذكر الله. وما كانوا فيه من علم وحضارة ورقي وما شيدوا من البناء جعلهم يظنون أنهم خالدون مخلدون في هذه الدنيا أبداً. ثم تأتي النهاية الحتمية والضربة اللازمة لهذا الصلف والغرور: (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً). هكذا سريعاً.. كذبوه فلم يتركوا يعيثون في الأرض فساداً، (فَأَهْلَكْنَاهُمْ)، نعم في غمضة عين وانتباهتها: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ). نعم إهلاك سريع وتدمير لتلك الحضارة التي أوردتهم المهالك.

واذكر أخا عاد (السحابة العارضة)

(وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ). هذا هو مشهد الختام في هذه القصة العظيمة، ورد في سورة الأحقاف، والتي سميت باسم المكان الذي كانت تسكنه عاد في حضرموت كما قيل. فالله تعالى يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر أخا عاد وإنذاره لقومه، (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). هود عليه السلام لم يكن بدعاً من الرسل، بل خلت النذر من بين يديه ومن خلفه، سبقه أنبياء ومرسلون وسيأتي بعده آخرون، والكل يدعو إلى شيء واحد: "ألا تعبدوا إلا الله". ما كان من قومه إلا أن واجهوا دعوته بالصد والإعراض والتكذيب: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّه وأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَٰكني أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ).

إذا تجبر العباد وطغوا وبغوا في الأرض بغير الحق ومكروا مكر السيء، أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، وجاءهم بغتة في وقت لا يستطيعون فيه النجاة. وقابل الله تعالى مكرهم بمكر لا يطيقون رده أو ردعه: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ).

تقول الروايات إن القوم قد أصابهم حر شديد وحبس عنهم المطر، وأشرفوا على الموت والهلاك عطشاً، فساق الله تعالى إليهم سحابة ظنوا أن فيها ريهم وحياتهم، فكان فيها حتفهم وهلاكهم. وخرجوا فرحين وهبطوا هذه الأودية أملاً في أن تكون سقيا رحمة فكانت سقيا عذاب: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا). كلا، لن يكون لكم إلا الخزي والسوء، (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ). (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ).

لذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به". فقالت عائشة: "وإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل صلى الله عليه وسلم وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سُرِّيَ عنه". فعرفت ذلك في وجهه، قالت فسألته فقال: "لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا".

بِمَ أهلكت عاد؟ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني نُصرت بالصبا، وإن عاداً أهلكت بالدبور". ذلك تقدير العزيز العليم؛ شيء واحد ألا وهو الريح يكون سبباً للنصر والظفر أو وسيلة للهلاك والعذاب. إذن عوجل القوم الذين ظنوا أنهم مانعتهم قصورهم وحصونهم من الله القوي العزيز، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، بل من حيث يظنون النجاة كان هلاكهم، ومن حيث يتوقعون الخير كان الشر والدمار: (رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ). وهكذا كانت نهاية أمة من أعتى الأمم وأشدها بطشاً، فتركهم الله عز وجل عبرة وآية لمن خلفهم، وصدق الله إذ يقول: (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ).

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX