recent
آخر القصص

الحسن البصري | بلا جيش ولا سلطان.. كيف هزم هذا الزاهد طغاة زمانه؟!

فِي زَمَنٍ عَجَّ بِالْفِتَنِ، كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ مَلَكَ قَلْبًا لَا يَخْشَى فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. نروي لكم سيرة الحسن البصري كاملة؛ مواقفه المزلزلة مع الحجاج بن يوسف، ورسالته الخالدة لعمر بن عبد العزيز، ودروسه في عزة العلم والزهد الحقيقي. كلماتٌ كانت أَمْضَى مِنَ السُّيُوفِ ودموعٌ سقت محراب الصالحين.
🔊

الحسن البصري: سيد التابعين الذي واجه الحجاج بكلمة الحق

فِي زَمَنٍ عَجَّ بِالْفِتَنِ كَمَا يَعِجُّ الْبَحْرُ بِالْمَوْجِ، وَتَطَاوَلَتْ فِيهِ الرِّقَابُ إِلَى الدُّنْيَا، وَسُلَّتْ فِيهِ السُّيُوفُ مِنْ أَغْمَادِهَا لِتَحْصُدَ الرُّؤُوسَ حَصْدًا؛ كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ.. رَجُلٌ لَمْ يَمْلِكْ جَيْشًا وَلَا سُلْطَانًا، وَلَكِنَّهُ مَلَكَ قَلْبًا لَا يَخْشَى فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. كَلِمَاتُهُ كَانَتْ أَمْضَى مِنَ السُّيُوفِ، وَدُمُوعُهُ كَانَتْ أَصْدَقَ مِنَ الْوُعُودِ. إِنَّهُ الْإِمَامُ الَّذِي وَقَفَ أَمَامَ طُغَاةِ زَمَانِهِ وُقُوفَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي.. فَمَنْ يَكُونُ هَذَا الْعَلَمُ؟ وَكَيْفَ وَاجَهَ سَيْفَ الْحَجَّاجِ الْمَسْلُولَ بِكَلِمَةِ حَقٍّ لَمْ تَرْتَجِفْ لَهَا شَفَتَاهُ؟

بَيْنَ يَدَيِ الطُّغْيَانِ

لَمْ يَكُنِ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- مُجَرَّدَ وَاعِظٍ يَصْعَدُ الْمَنَابِرَ، بَلْ كَانَ أُمَّةً وَحْدَهُ، قَدِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خِصَالُ الْخَيْرِ، وَتَفَجَّرَتْ مِنْ بَيَانِهِ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ. وَلَعَلَّ مِنْ أَعْجَبِ مَا يُرْوَى عَنْهُ، تِلْكَ الْمَوَاقِفُ الَّتِي وَقَفَهَا مَعَ وُلَاةِ زَمَانِهِ، وَعَلَى رَأْسِهِمُ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ، ذَلِكَ الْأَمِيرُ الْمُرْهِبُ الَّذِي كَانَ ذِكْرُ اسْمِهِ يُوقِعُ الرُّعْبَ فِي الْقُلُوبِ.

فَقَدْ جَاءَ يَوْمٌ اشْتَدَّتْ فِيهِ وَطْأَةُ الْحَجَّاجِ عَلَى النَّاسِ، وَأَسْرَفَ فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ حَتَّى ضَاقَتْ صُدُورُ الرِّجَالِ، فَأَقْبَلَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالْغَضَبُ يَتَطَايَرُ مِنْ أَعْيُنِهِ، يَسْتَفْتُونَهُ فِي الْخُرُوجِ عَلَى هَذَا الطَّاغِيَةِ وَقِتَالِهِ.

قَالُوا بِنَبْرَةٍ مَلْؤُهَا الْأَلَمُ وَالْحَمَاسَةُ: «يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا تَقُولُ فِي قِتَالِ هَذَا الطَّاغِيَةِ الَّذِي سَفَكَ الدَّمَ الْحَرَامَ، وَأَخَذَ الْمَالَ الْحَرَامَ، وَفَعَلَ مَا فَعَلَ؟!».

فَنَظَرَ إِلَيْهِمُ الْحَسَنُ بِنَظْرَةِ الْعَالِمِ الرَّبَّانِيِّ الَّذِي يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ، لَا بِعَوَاطِفِ النُّفُوسِ الْهَائِجَةِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ رَصِينٍ: «أَرَى أَلَّا تُقَاتِلُوهُ؛ فَإِنَّهَا إِنْ تَكُ عُقُوبَةً مِنَ اللهِ، فَمَا أَنْتُمْ بِرَادِّي عُقُوبَةَ اللهِ بِأَسْيَافِكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ بَلَاءً فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ».

لَكِنَّ الْقَوْمَ، الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ حَمِيَّةُ الثَّأْرِ وَضِيقُ الصَّدْرِ بِالظُّلْمِ، لَمْ تَرُقْ لَهُمْ حِكْمَةُ الْحَسَنِ، وَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يُوَافِقُوهُ الرَّأْيَ. فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ شَهَرُوا سُيُوفَهُمْ، وَخَرَجُوا لِقِتَالِ الْحَجَّاجِ، فَدَارَتِ الدَّائِرَةُ عَلَيْهِمْ، وَقُتِلُوا جَمِيعًا، لِتَتَحَقَّقَ فِرَاسَةُ الْمُؤْمِنِ فِي الْحَسَنِ، الَّذِي كَانَ يَقُولُ مُتَحَسِّرًا: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ إِذَا ابْتُلُوا مِنْ قِبَلِ سُلْطَانِهِمْ صَبَرُوا، مَا لَبِثُوا أَنْ يُفَرَّجَ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَجْزَعُونَ إِلَى السَّيْفِ فَيُوكَلُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا جَاءُوا بِيَوْمِ خَيْرٍ قَطُّ».
وَلَمْ يَقِفِ الْأَمْرُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْحَجَّاجِ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ؛ فَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ يَتَحَيَّنُ الْفُرَصَ لِيَبْطِشَ بِالْحَسَنِ، وَقَدْ أَرَادَ قَتْلَهُ مِرَارًا، وَلَكِنَّ عِنَايَةَ اللهِ كَانَتْ لِعَبْدِهِ الصَّالِحِ دِرْعًا وَحِصْنًا.

يُرْوَى أَنَّ الْحَجَّاجَ -وَقَدْ أَضْمَرَ الشَّرَّ لِلْحَسَنِ وَهَمَّ بِهِ- بَعَثَ إِلَيْهِ يَسْتَدْعِيهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْحَسَنُ مَجْلِسَهُ، وَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَابِتَ الْجَنَانِ، رَابِطَ الْجَأْشِ، دَارَ بَيْنَهُمَا حِوَارٌ عَجِيبٌ يُلْجِمُ الْأَلْسِنَةَ. نَظَرَ الْحَسَنُ إِلَى الْحَجَّاجِ نَظْرَةً لَا انْكِسَارَ فِيهَا، وَبَادَرَهُ بِسُؤَالٍ بَاغَتَ بِهِ جَبَرُوتَ الْأَمِيرِ، فَقَالَ: «يَا حَجَّاجُ، كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ آدَمَ مِنْ أَبٍ؟». أَجَابَ الْحَجَّاجُ مُسْتَغْرِبًا: «كَثِيرٌ». فَرَمَاهُ الْحَسَنُ بِسَهْمٍ آخَرَ مِنَ الْمَوْعِظَةِ قَائِلًا: «فَأَيْنَ هُمْ؟». أَطْرَقَ الْحَجَّاجُ قَلِيلًا ثُمَّ قَالَ: «مَاتُوا». فَنَكَسَ الْحَجَّاجُ رَأْسَهُ، وَكَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْقَلِيلَةَ قَدْ هَدَمَتْ قُصُورَ غُرُورِهِ، وَذَكَّرَتْهُ بِمَصِيرِهِ الْمَحْتُومِ، فَخَرَجَ الْحَسَنُ مِنْ عِنْدِهِ سَالِمًا غَانِمًا، مَحْفُوظًا بِحِفْظِ اللهِ.

هَكَذَا كَانَتْ حِكْمَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ؛ يَسُدُّ أَبْوَابَ الْفِتْنَةِ، وَيَحْقِنُ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّهُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ لَا يُدَاهِنُ الطُّغَاةَ، بَلْ يُذَكِّرُهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، بِكَلِمَاتٍ تَخْلَعُ الْقُلُوبَ.

بَيْنَ سَوْطِ السُّلْطَانِ وَوَعِيدِ الرَّحْمَنِ

دَارَتْ عَجَلَةُ الزَّمَانِ، وَمَضَى مَنْ مَضَى، حَتَّى آلَ أَمْرُ الْعِرَاقِ إِلَى وَالٍ جَدِيدٍ هُوَ "عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ" الفَزَارِيُّ. وَكَانَ هَذَا الْأَمِيرُ فِي مَوْقِفٍ لَا يُحْسَدُ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ وَقَعَ بَيْنَ مِطْرَقَةِ ضَمِيرِهِ وَسَنْدَانِ طَاعَةِ الْخَلِيفَةِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.

كَانَ الْخَلِيفَةُ يُرْسِلُ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ كُتُبًا وَمَرَاسِيمَ، فِيهَا مِنَ الشِّدَّةِ وَالْعَسْفِ مَا فِيهَا، وَكَانَ تَنْفِيذُهَا يَعْنِي هَلَاكَ النُّفُوسِ وَسَفْكَ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ. جَلَسَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي قَصْرِهِ الْفَسِيحِ، تَتَنَازَعُهُ الْمَخَاوِفُ؛ إِنْ عَصَى الْخَلِيفَةَ خَشِيَ بَطْشَهُ وَزَوَالَ مُلْكِهِ، وَإِنْ أَطَاعَهُ خَشِيَ عِقَابَ اللهِ وَسُوءَ الْمُنْقَلَبِ.

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَاسِمَةِ، لَمْ يَجِدِ الْوَالِي مَلْجَأً إِلَّا أَنْ يَبْعَثَ إِلَى سَيِّدِ التَّابِعِينَ، الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، لِيَسْتَنِْيرَ بِرَأْيِهِ فِي هَذِهِ الظُّلْمَةِ الْحَالِكَةِ. أَقْبَلَ الْحَسَنُ -بِوَقَارِهِ الْمَعْهُودِ وَهَيْبَتِهِ الَّتِي تَخْشَعُ لَهَا النُّفُوسُ- فَدَخَلَ عَلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ. فَبَادَرَهُ الْأَمِيرُ قَائِلًا، وَفِي صَوْتِهِ ارْتِجَافَةُ الْخَائِفِ: «يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ يُنْفِذُ إِلَيَّ كُتُبًا، أَعْرِفُ أَنَّ فِي إِنْفَاذِهَا الْهَلَكَةَ، فَمَاذَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ؟».
هُنَا.. ارْتَفَعَ صَوْتُ الْحَقِّ، وَتَكَلَّمَ الْحَسَنُ بِكَلِمَاتٍ نَزَلَتْ عَلَى قَلْبِ الْأَمِيرِ كَالصَّوَاعِقِ، وَلَكِنَّها صَوَاعِقُ تُحْيِي الْقُلُوبَ الْمَيِّتَةَ لَا تُمِيتُهَا. نَظَرَ الْحَسَنُ فِي عَيْنَيِ الْأَمِيرِ مُبَاشَرَةً وَقَالَ:
«يَا عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ! يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ -تَعَالَى- فَظٌّ غَلِيظٌ، لَا يَعْصِي اللهَ مَا أَمَرَهُ، فَيُخْرِجَكَ مِنْ سَعَةِ قَصْرِكَ هَذَا إِلَى ضِيقِ قَبْرِكَ!».
ثُمَّ وَاصَلَ الْحَسَنُ حَدِيثَهُ، يَكْشِفُ لِلْأَمِيرِ حَقِيقَةَ الْمُعَادَلَةِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، فَقَالَ بِنَبْرَةٍ تَخْلَطُ التَّرْغِيبَ بِالتَّرْهِيبِ: «يَا عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ! إِنْ تَتَّقِ اللهَ يَعْصِمْكَ مِنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَا يَعْصِمُكَ يَزِيدُ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».
وَزَادَ الْحَسَنُ فِي الْوَعْظِ، مُحَذِّرًا إِيَّاهُ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ: «يَا عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ! لَا تَأْمَنْ أَنْ يَنْظُرَ اللهُ إِلَيْكَ عَلَى أَقْبَحِ مَا تَعْمَلُ فِي طَاعَةِ يَزِيدَ، نَظْرَةَ مَقْتٍ، فَيُغْلِقَ بِهَا بَابَ الْمَغْفِرَةِ دُونَكَ!».
ثُمَّ ذَكَّرَهُ بِمَنْ سَبَقُوهُ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، مُقَارِنًا بَيْنَ حَالِهِمْ وَحَالِ أَهْلِ الدُّنْيَا: «لَقَدْ أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَانُوا وَاللهِ عَلَى الدُّنْيَا وَهِيَ مُقْبِلَةٌ أَشَدَّ إِدْبَارًا مِنْ إِقْبَالِكُمْ عَلَيْهَا وَهِيَ مُدْبِرَةٌ».
وَخَتَمَ الْحَسَنُ مَوْعِظَتَهُ بِتِلْكَ الْقَاعِدَةِ الذَّهَبِيَّةِ الَّتِي مَنْ تَمَسَّكَ بِهَا نَجَا: «يَا عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ! إِنْ تَكُ مَعَ اللهِ فِي طَاعَتِهِ كَفَاكَ بَائِقَةَ يَزِيدَ، وَإِنْ تَكُ مَعَ يَزِيدَ عَلَى مَعَاصِي اللهِ وَكَلَكَ اللهُ إِلَيْهِ!».

مَا إِنْ أَتَمَّ الْحَسَنُ كَلِمَاتِهِ، حَتَّى انْهَارَتْ حُصُونُ الْغُرُورِ فِي نَفْسِ الْأَمِيرِ، وَخَشَعَ قَلْبُهُ لِذِكْرِ اللهِ، وَبَكَى عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى ابْتَلَّتْ لِحْيَتُهُ بِدُمُوعِ النَّدَمِ وَالْخَشْيَةِ، وَقَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَهُوَ يَمْسَحُ عَبَرَاتِهِ، مُعْلِنًا تَوْبَتَهُ وَرُجُوعَهُ إِلَى الْحَقِّ، مُدْرِكًا أَنَّ رِضَا اللهِ هُوَ الْغَايَةُ، وَأَنَّ مَا دُونَهُ سَرَابٌ.

عِزَّةُ الْعِلْمِ.. وَذُلُّ الطَّمَعِ

خَرَجَ الْحَسَنُ مِنْ قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَرَأَسُهُ يُنَاطِحُ السَّحَابَ عِزَّةً وَكَرَامَةً؛ فَقَدْ أَدَّى أَمَانَةَ الْكَلِمَةِ، وَنَفَضَ يَدَيْهِ مِنْ غُبَارِ الدُّنْيَا. وَبَيْنَمَا هُوَ يُغَادِرُ، إِذْ بِهِ يُفَاجَأُ بِمَنْظَرٍ أَدْمَى قَلْبَهُ وَأَثَارَ غَضْبَتَهُ للهِ.
لَقَدْ رَأَى جَمْعًا مِنَ "الْقُرَّاءِ" -وَهُمُ الْعُلَمَاءُ وَالْعُبَّادُ الَّذِينَ حَمَلُوا كِتَابَ اللهِ فِي صُدُورِهِمْ- قَدِ اصْطَفُّوا عَلَى بَابِ الْأَمِيرِ، يَنْتَظِرُونَ الْإِذْنَ بِالدُّخُولِ، وَقَدْ عَلَتْهُمْ ذِلَّةُ السُّؤَالِ، وَانْكَسَرَتْ فِي أَعْيُنِهِمْ نَظْرَةُ الْكِبْرِيَاءِ الَّتِي يَمْنَحُهَا الْقُرْآنُ لِأَهْلِهِ.
وَقَفَ الْحَسَنُ أَمَامَهُمْ كَالْأَسَدِ الْهَصُورِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ كَوْنُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَصْدَعَ بِالْحَقِّ فِي وُجُوهِهِمْ، لِأَنَّ الْمُصِيبَةَ فِي الْعَالِمِ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي الْجَاهِلِ. نَظَرَ إِلَيْهِمْ نَظْرَةً نَارِيَّةً وَصَاحَ فِيهِمْ: «مَا يُجْلِسُكُمْ هَاهُنَا؟! تُرِيدُونَ الدُّخُولَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْخُبَثَاءِ؟! أَمَا وَاللهِ مَا مُجَالَسَتُهُمْ بِمُجَالَسَةِ الْأَبْرَارِ!». ثُمَّ اشْتَدَّتْ نَبْرَتُهُ حَتَّى كَأَنَّهَا سِيَاطٌ تَلْهَبُ ظُهُورَهُمْ، دَاعِيًا عَلَيْهِمْ دُعَاءً يُبَيِّنُ هَوْلَ فِعْلَتِهِمْ: «تَفَرَّقُوا.. فَرَّقَ اللهُ بَيْنَ أَرْوَاحِكُمْ وَأَجْسَادِكُمْ!».
وَرَاحَ يَصِفُ حَالَهُمُ الرَّثَّةَ الَّتِي تَصَنَّعُوهَا لِيَسْتَدِرُّوا عَطْفَ الْأَمِيرِ، فَقَالَ مُوَبِّخًا: «قَدْ فَرْطَحْتُمْ نِعَالَكُمْ (أَيْ عَرَّضْتُمُوهَا بِكَثْرَةِ الْمَشْيِ وَالْانْتِظَارِ)، وَشَمَّرْتُمْ ثِيَابَكُمْ، وَجَزَزْتُمْ شُعُورَكُمْ.. فَضَحْتُمُ الْقُرَّاءَ.. فَضَحَكُمُ اللهُ!!». ثُمَّ خَتَمَ كَلَامَهُ بِتِلْكَ الْحِكْمَةِ الْخَالِدَةِ الَّتِي تَشْرَحُ قَانُونَ الْعِزَّةِ فِي الْحَيَاةِ: «وَاللهِ لَوْ زَهِدْتُمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ؛ لَرَغِبُوا فِيمَا عِنْدَكُمْ، وَلَكِنَّكُمْ رَغِبْتُمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ؛ فَزَهِدُوا فِيكُمْ.. أَبْعَدَ اللهُ مَنْ أَبْعَدَ!».

رَسَائِلُ الدُّمُوعِ.. وَحَقِيقَةُ الرَّحِيلِ

لَمْ يَكُنْ قَلْبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ يَنْبِضُ بِالْخَوْفِ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتْ عَيْنُهُ تَرْقُبُ حَالَ الْخُلَفَاءِ، خَاصَّةً مَنْ تَوَسَّمَ فِيهِمُ الْخَيْرَ وَالصَّلَاحَ. وَمَنْ غَيْرُ "عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ" -خَامِسِ الرَّاشِدِينَ- أَهْلٌ لِأَنْ تَصِلَهُ خُلَاصَةُ حِكْمَةِ الْحَسَنِ؟ كَتَبَ الْحَسَنُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رِسَالَةً، لَيْسَتْ كَالرَّسَائِلِ؛ بَلْ هُوَ وَثِيقَةُ سَفَرٍ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، صَاغَهَا بِمِدَادِ الزُّهْدِ وَبَيَانِ الْعَارِفِينَ، فَقَالَ:
«أَمَّا بَعْدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.. فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ ظَعَنٍ (أَيْ رَحِيلٍ)، لَيْسَتْ بِدَارِ إِقَامَةٍ، إِنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْهَا آدَمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عُقُوبَةً، فَاحْذَرْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.. فَإِنَّ الزَّادَ مِنْهَا تَرْكُهَا، وَالْغِنَى فِيهَا فَقْرُهَا، لَهَا فِي كُلِّ حِينٍ قَتِيلٌ، تُذِلُّ مَنْ أَعَزَّهَا، وَتُفْقِرُ مَنْ جَمَعَهَا.. هِيَ كَالسُّمِّ! يَأْكُلُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَهُوَ حَتْفُهُ.. فَكُنْ فِيهَا كَالْمُدَاوِي جِرَاحَهُ، يَحْتَمِي قَلِيلًا مَخَافَةَ مَا يَكْرَهُ طَوِيلًا، وَيَصْبِرُ عَلَى شِدَّةِ الدَّوَاءِ مَخَافَةَ طُولِ الْبَلَاءِ».
وَمضَى قَلَمُ الْحَسَنُ يَرْسُمُ صُورَةً بَدِيعَةً لِلدُّنْيَا، يَكْشِفُ فِيهَا زَيْفَ زِينَتِهَا، فَقَالَ: «فَاحْذَرْ هَذِهِ الدَّارَ الْغَرَّارَةَ، الْخَدَّاعَةَ، الْخَيَّالَةَ.. الَّتِي قَدْ تَزَيَّنَتْ بِخُدَعِهَا، وَفَتَنَتْ بِغُرُورِهَا، وَتَشَوَّفَتْ لِخُطَّابِهَا، فَأَصْبَحَتْ كَالْعَرُوسِ الْمَجْلُوَّةِ؛ فَالْعُيُونُ إِلَيْهَا نَاظِرَةٌ، وَالْقُلُوبُ عَلَيْهَا وَالِهَةٌ، وَالْنُّفُوسُ لَهَا عَاشِقَةٌ.. وَهِيَ لِأَزْوَاجِهَا كُلِّهِمْ قَاتِلَةٌ!».
ثُمَّ ذَكَرَ حَالَ الْعُشَّاقِ مَعَهَا بَيْنَ ظَافِرٍ مَغْرُورٍ، وَطَالِبٍ مَحْرُومٍ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى قِمَّةِ الْوَصْفِ قَائِلًا: «فَلَوْ كَانَ رَبُّنَا لَمْ يُخْبِرْ عَنْهَا خَبَرًا، وَلَمْ يَضْرِبْ لَهَا مَثَلًا، لَكَانَتْ قَدْ أَيْقَظَتِ النَّائِمَ وَنَبَّهَتِ الْغَافِلَ، فَكَيْفَ وَقَدْ جَاءَ مِنَ اللهِ فِيهَا وَاعِظٌ وَعَنْهَا زَاجِرٌ؟!».

وَمِنْ أَرْوِقَةِ الْقُصُورِ وَرَسَائِلِ الْخُلَفَاءِ، نَعُودُ إِلَى أَزِقَّةِ الْبَصْرَةِ، حَيْثُ يَمْشِي الْحَسَنُ بَيْنَ النَّاسِ مِشْيَةَ الْمُتَوَاضِعِ. ذَاتَ يَوْمٍ، وَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ، إِذْ بَصُرَ بِجَنَازَةٍ قَدْ تَجَمْهَرَ النَّاسُ حَوْلَهَا، وَازْدَحَمُوا ازْدِحَامَ الْفَرَاشِ عَلَى النُّورِ. وَقَفَ الْحَسَنُ يَتَأَمَّلُ هَذَا التَّدَافُعَ الْعَجِيبَ عَلَى جَسَدٍ قَدْ فَارَقَتْهُ الرُّوحُ. فَنَظَرَ إِلَى الْجُمُوعِ الْمُتَزَاحِمَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ بِنَبْرَةِ هَادِئَةٍ عَمِيقَةٍ: «مَا لَكُمْ تَزْدَحِمُونَ هَا هُنَا؟!!.. تِلْكَ هِيَ سَارِيَتُهُ (عَمُودُهُ) فِي الْمَسْجِدِ، اقْعُدُوا تَحْتَهَا حَتَّى تَكُونُوا مِثْلَهُ!».

دُمُوعُ الْخَشْيَةِ.. وَمِسْكُ الْخِتَامِ

لَمْ يَكُنِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَطْلُبُ الدُّنْيَا، وَلَا كَانَ يَسْعَى لِرِضَا أَهْلِهَا. جَاءَهُ رَجُلٌ ذَاتَ يَوْمٍ يَهْمِسُ فِي أُذُنِهِ مُحَذِّرًا: «يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّ قَوْمًا يُجَالِسُونَكَ، لَيْسَ حُبًّا فِي عِلْمِكَ، وَإِنَّمَا لِيَجِدُوا بِذَلِكَ إِلَى الْوَقِيعَةِ فِيكَ سَبِيلًا!». فابْتَسَمَ الْحَسَنُ وَرَدَّ عَلَيْهِ: «هَوِّنْ عَلَيْكَ يَا هَذَا!.. فَإِنِّي أَطْمَعْتُ نَفْسِي فِي الْجِنَانِ فَطَمِعَتْ، وَأَطْمَعْتُهَا فِي النَّجَاةِ مِنَ النَّارِ فَطَمِعَتْ، وَأَطْمَعْتُهَا فِي السَّلَامَةِ مِنَ النَّاسِ فَلَمْ أَجِدْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.. فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَرْضَوْا عَنْ خَالِقِهِمْ وَرَازِقِهِمْ، فَكَيْفَ يَرْضَوْنَ عَنْ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِمْ؟!».

يَحْكِي تِلْمِيذُهُ "حَمْزَةُ الْأَعْمَى": «كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَى الْحَسَنِ مَنْزِلَهُ وَهُوَ يَبْكِي، وَرُبَّمَا جِئْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَأَسْمَعُ بُكَاءَهُ وَنَحِيبَهُ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّكَ تُكْثِرُ الْبُكَاءَ!». فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ وَقَالَ: «يَا بُنَيَّ، مَاذَا يَصْنَعُ الْمُؤْمِنُ إِذَا لَمْ يَبْكِ؟! يَا بُنَيَّ، إِنَّ الْبُكَاءَ دَاعٍ إِلَى الرَّحْمَةِ.. فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عُمُرَكَ بَاكِيًا فَافْعَلْ، لَعَلَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَكَ». ثُمَّ قَالَ: «بَلَغَنَا أَنَّ الْبَاكِيَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، لَا تَقْطُرُ دُمُوعُهُ قَطْرَةً، حَتَّى تُعْتَقَ رَقَبَتُهُ مِنَ النَّارِ».
وَعَلَى هَذَا الْحَالِ عَاشَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، مَنَارَةً لِلْهُدَى، حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ، فَرَحَلَ عَنْ دُنْيَانَا، وَبَقِيَ ذِكْرُهُ خَالِدًا.


قَائِمَةُ الْمَصَادِرِ وَالْمَرَاجِعِ

  1. سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، لِلْإِمَامِ الذَّهَبِيِّ (4/ 563 - 587).
  2. حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الْأَصْفِيَاءِ، لِأَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ (2/ 149 - 173).
  3. الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، لِلْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ (9/ 100 - 135).
  4. الطَّبَقَاتُ الْكُبْرَى، لِابْنِ سَعْدٍ (7/ 163 - 165).
  5. تَهْذِيبُ التَّهْذِيبِ، لِابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (2/ 231).
  6. كِتَابُ الزُّهْدِ، وَمُصَنَّفَاتُ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الدُّنْيَا وَقِصَرِ الْأَمَلِ.
author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX