recent
آخر القصص

قصة نوح عليه السلام كاملة ، تعرف على قصته بتفاصيلها الرائعة!!!

نستعرض معكم سيرة شيخ المرسلين نوح عليه السلام؛ من ميراث النبوة بعد آدم، ومكر الشيطان الذي أخرج البشرية عن الفطرة، إلى تفاصيل دعوته الصابرة التي استمرت ألف سنة إلا خمسين عاماً. نروي حكاية بناء سفينة النجاة، ومأساة الابن العاق، ووصيته الأخيرة لابنه. رحلة إيمانية في قصة العبد الشكور الذي أنقذ البشرية من الطوفان.
🔊

قصة نوح عليه السلام.. شيخُ المرسلين وسفينةُ النجاة

المقدمة: ميراث النبوة

(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ). وهكذا رحل آدم عليه السلام عن هذه الدنيا الفانية بعد أن أدى رسالته، وترك أبناءه على المحجة البيضاء، وعلمهم الدين والتوحيد الخالص، فطرة الله التي فطر الناس عليها. فكانوا جميعاً على ملة التوحيد وكلمة الإخلاص، تركهم لعمارة الأرض والقيام بمهمة أبيهم (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، وإقامة معالم الدين القيم (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ). فظلوا على ذلك الصراط السوي عشرة قرون كاملة، وهي المدة التي كانت بين موت آدم وبعثة نوح عليه السلام.

مكانة نوح عليه السلام

أول رسول إلى أهل الأرض، شيخ النبيين والمرسلين، والأب الثاني للبشرية بعد آدم؛ فقد جاءت البشرية كلها من نسله بعد الطوفان كما قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ). أرسل الله نبيه نوحاً عليه السلام بعد أن ظهر الفساد في البر والبحر، وعمت الذنوب والمعاصي وطمت.

مكر الشيطان وانحراف البشرية

جدّ إبليس في القيام بمهمته التي أقسم ليؤدينها على أتم وجه، قال: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا). تلاعب الشيطان ببني آدم كما يتلاعب الصبيان بالكرة، فمنهم شقي وسعيد، وأجلب عليهم بخيله ورجله، وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدهم ومناهم (وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا). ولكن الطامة الكبرى والبلية العظمى كانت قد تمثلت في نجاح الشيطان الرجيم في إخراج بني آدم من جنة التوحيد ونوره الساطع إلى ظلمات الكفر والشرك بالله العظيم، وعبادة من لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئاً؛ عبادة من لا يملكون لأنفسهم -فضلاً عن غيرهم- نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.

(إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم واجتالتهم عن دينهم). فيا له من ظلم عظيم؛ أن يخلق الله تعالى ويرزق ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يذهب العبد فيعبد صنماً أو وثناً، (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ).

بعثة نوح رحمةً للعالمين

وهكذا نرى أن الله تعالى بعث نوحاً عليه السلام لما عُبدت الأوثان والأصنام، ولجّ الناس في طغيانهم يعمهون، وخاض الخلق لججاً من الكفر والفسوق والعصيان. فأرسله الله سبحانه رحمة بالعباد ليفتح به آذاناً صماً، وأعيناً عمياً، وقلوباً غلفاً، ويقيم الملة العوجاء، ويضعهم على سواء الصراط. فكان أول رسول بعث إلى أهل الأرض كما يقول له أهل الموقف يوم القيامة كما في حديث الشفاعة الطويل.

وقد ذكر الله تعالى قصته في مواضع كثيرة من كتابه، وفصل ذلك تفصيلاً حتى سمى سورة باسمه، وما ذلك إلا لأن قصته مليئة بالعبر والعظات والفوائد. فهلَّا الآن لنقترب أكثر لنتعرف تفاصيل حياة هذا النبي الجليل نوح عليه الصلاة والسلام.

فضائل نوح عليه السلام

أولو العزم من الرسل: فأول هذه الفضائل أنه واحد من أولي العزم من الرسل، أصحاب القوة والصبر على أذى قومهم ممن مدحهم الله عز وجل وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتأسى بهم ويصبر كصبرهم: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).

العبد الشكور: كما سماه الله عز وجل بهذا: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا). فهنيئاً له هذا الشرف وذاك الوسام الذي لا يحظى به إلا القليل، (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).

أول رسول إلى أهل الأرض: كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في الحديث الصحيح عن أبي بن كعب في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نَّوحٍ)، فقال صلى الله عليه وسلم: "أولهم نوح ثم الأول فالأول". ولهذه الفضيلة والمزية نجده يتصدر أسماء النبيين كلما ورد ذكرهم في كتاب الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ)، (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ).

دعوة نوح عليه السلام لقومه

(إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذيرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). إن شأن نوح عليه السلام كشأن إخوانه المرسلين؛ منهج واضح وطريق قويم: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي). وهم لا يسألون أقوامهم أجراً ولا يريدون جزاءً ولا شكوراً: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وأي شقاء للعبد أعظم من شقائه بكفره بالله وعناده لمن يريد نجاته وفوزه وفلاحه، وكأن لسان حال الأنبياء جميعاً يقولون لأقوامهم:

ويا قومِ ما لي أدعوكم إلى النجاة *** وتدعونني إلى النار

هذا هو المشهد الأول من قصة نوح عليه السلام. وها نحن نرى نوحاً يقف وحده في هذا الميدان يصدع بدعوة ربه، ويصدح بآيات الله تعالى يصك بها أسماع المعاندين، ويقرع بها قلوب الجاحدين، ولا يخشى أي جبار عنيد: (يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ). نوح عليه السلام في وسط هذا المجتمع الذي يعج بالكفر والشرك بالله والذنوب والموبقات، يقف وحده رافعاً رأسه وصوته بدعوة التوحيد: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ).

تحدي نوح وثقته بربه

نوح عليه السلام الواثق من نصر ربه وتأييده له يقف شامخاً كالجبال الراسيات، يوبخ قومه ويتحداهم ويهزأ بهم، مبيناً لهم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له: (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ)؛ لأنه لا يقع في كون الله تعالى إلا ما قضى وأراد.
فلنستمع إلى نوح كيف يواجه قومه في عزة وإباء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ). نعم، إن كنتم تملكون نفعي أو ضري فلا تنظرون.

ثم نرى نوحاً مرة أخرى ينذر ويحذر قومه من سخط الله تعالى، ومن له قوة أو قدرة على سخط الله وغضبه؟ (وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ). ها هو يقول لهم: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ). إنه لا يريد منهم مالاً أو جاهاً ولا سلطاناً، لا يريد لهم إلا الخير والهدى: (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ). أكرم به من عرض سخي لا يجود به إلا الصفوة من خلق الله تعالى، رسل الله فقط والدعاة المخلصون من بعدهم هم من يبذلون مهج النفوس وراحة الأبدان، ويصلون الليل بالنهار ليأخذوا بأيدي الهلكى وينقذوا الغرقى ويهدوهم إلى صراط مستقيم.

إن نوحاً عليه السلام لن ينتفع بشيء إن آمن الناس كلهم أجمعون، ولن يضره كفرهم شيئاً، فمن كفر فعليه كفره، (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مقتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا). لم هذا الإصرار من نوح عليه السلام؟ (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا). وإني كلما دعوتهم.. لماذا؟ لعلك يا نوح تريد شيئاً من حطام هذه الدنيا؟ أو لعلك تريد المنصب والوجاهة أو الزعامة؟ بل لعلك تبغي امرأة فاتنة الجمال يزوجونك بها؟ أم أنك تريد السطوة والملك والإمارة؟ كلا والله الذي رفع السماء بلا عمد، لا شيء من هذا أو ذاك. ولكن: (كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ). إنه واحد من الأخيار النبلاء يدعوهم لأنفسهم ولمصالحهم في الدنيا والآخرة، لكن الكافر كما وصفه الله تعالى: (وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً). هون عليك يا نبي الله، (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)، (فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ).

تنوع أساليب الدعوة

ثم نواصل مسيرة الدعوة مع نوح عليه السلام. إنه لا يزال مصراً على دعوتهم في كل مناسبة وفي كل وقت: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا). ليست هذه سياسة النفس الطويل، بل هذا شأن الأنبياء جميعاً يبذلون أقصى جهد وينتهزون كل فرصة ليذكروا الناس بالله الذي خلقهم ورزقهم ودبر أمرهم: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرِسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا).

نرى نوحاً الآن يحاول أن يوقظ النفوس من سباتها والقلوب من غفلتها، فيأخذ بمجامع قلوب هؤلاء المعرضين الشاردين إلى رب غفور رحيم: (لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ). لو علمتم كيف سيلقاكم ربكم إن تبتم وأنبتم لأكلتم أيديكم من الندم على ما فرطتم في جنب الله، (لَلَّهُ أَفرحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ ضَلَّ بَعِيرُهُ بِأَرْضِ فَلَاةٍ). ثم نحن الآن نتابع نوحاً وهو يكرر دون ملل، ويدعو دون سأم، ويبين دون صلف أو استعلاء، وينذر ويحذر، ويرغب ورهب: (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا).

لعل التذكير بجلال الله وعظمته وكبريائه يكون سبيلاً يصل بهؤلاء الحمقى إلى مرفأ النجاة. فلنمضِ مع نوح لنرى القمر المنير، والشمس التي جعلها الله ضياء، ونشاهد الإنسان كيف يخرج ضعيفاً من بطن أمه كهذه الحبة والنبتة الصغيرة، ونرى الأرض التي بسطها الله لعباده وأرساها بالجبال الشامخات، والسبل التي يسرها الله لعباده في الأرض. إنه تذكير ببعض نعم الله وآلائه التي لا تحصى. فهل نجح هذا الأسلوب مع قوم نوح عليه الصلاة والسلام؟ (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا).

إصرار القوم ومكرهم

هكذا يفجؤنا نوح، بل يفجعنا بهذا الموقف العجيب والإصرار الرهيب على الكفر، رغم كل المحاولات السابقة، رغم كل العناء والمكابدة التي لاقاها نوح عليه السلام في مدة طويلة وأمد بعيد، (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا). لك الله يا نوح، كم قاسيت وكم شقيت نفسك بهؤلاء الحمقى! هؤلاء المعاندون المتجبرون عار على بني آدم، وليسوا عاراً على أنفسهم فحسب؛ إذ الأنعام أعقل منهم وأهدى سبيلاً. إن نوحاً عليه السلام يشكو بثه وحزنه إلى الله تعالى، إنها شكوى المؤمن إلى من بيده مقاليد كل شيء لعله يفتح له قلوب هؤلاء الذين هم أغلظ أكباداً من الإبل، (أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).

ولكننا نصعق بموقف آخر لقوم نوح عليه السلام: (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا). هذا هو حال الكافر في كل زمان، (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ). نعم إنهم يمكرون ومكرهم شديد، ولكن هؤلاء الكفار ليس لهم إلا البوار، (وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ). فكأن الله تعالى يطمئن نوحاً وكل المرسلين والمصلحين من بعده، أنه (لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)، ولا يهدي كيد الخائنين، وأن العزة والغلبة لله ولرسوله وللمؤمنين مهما كان كيد الكافرين ومكرهم، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ).

صراع الحق والباطل

لم ينتهِ المشهد بعد، فالأحداث تسير حثيثاً، والمشاهد متداخلة، والصراع لا يزال قائماً على أشده بين نوح الداعية الصابر المحتسب وقومه المعاندين. فهذه مرحلة أخرى يظهر لنا فيها كيد قوم نوح ومكرهم، بل كبرهم وصلفهم، فهم يأنفون من الدعوة ويرفضونها لأن الضعفاء أتباع الرسل. فهم يحتقرون المؤمنين الفقراء المساكين من أتباع نوح، ونسوا أنه (وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ)، نسوا أن هؤلاء المؤمنين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأنه ربما يكون الحال كما قيل:

واحد بألف وألف بخف *** إذا ما الأمر عناه

نسوا ذلك فطلبوا من نوح أن يطرد المؤمنين من مجلسه ويقصيهم عن دعوته حتى يؤمنوا. وكذبوا والله. فما كان من نوح إلا أن ألقمهم حجراً فقال لهم: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ). كانت هذه إحدى المساومات، وواحدة من التنازلات التي طلبها هؤلاء الأغبياء، ولكن الله تعالى عصم نبيه أن ينساق وراء أهواء الضالين المضلين: (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِليهمْ شَيْئًا قَلِيلًا)، والمعصوم من عصمه الله.

ثم تمضي الأحداث فنرى أهل الباطل يضيقون ذرعاً بدعوة الحق وأصوات الموحدين المخلصين. إن هذا لهو حال الكافرين المبطلين دائماً وأبداً حتى يرث الله الأرض ومن عليها، (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا). فهم لا يحبون سماع آيات الله ولا رؤية من آمن بالله، ولا يطيقون ذلك، بل قد يصل الحال بهم إلى قتل من أفنى عمره لينقذهم من نار الجحيم: (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ). وقالها قوم لوط أيضاً: (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ). وقالها آزر أبو الخليل إبراهيم عليه السلام: (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ). وكأن القوم على مدار التاريخ قد تواصوا بذلك، (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَٰذَا ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ).

إذن نفد صبر أهل الشرك والضلال وبلغ السيل الزبى، ولم يبقَ إلا التهديد والوعيد. لكن تهديدهم ووعيدهم لا يعدو أن يكون شيئاً إلا كهذا التهديد المضحك الذي هدد به الفرزدق الشاعر أحدهم، فقال جرير يسخر منه:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً *** أبشر بطول سلامة يا مربع

فليكشر أهل الكفر عن أنيابهم، ولينفقوا أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وليأتوا بقضهم وقضيضهم، وليجمعوا صناديدهم وفرسانهم، فلن يكون لهم إلا الخزي في الدنيا والنكال في الآخرة، (ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ). إذن لقد تعالت أصوات القوم بالنكير، وتنادوا بالنفير، وأجمعوا أمرهم على تكذيب نوح والاستهزاء به وبالثلة المؤمنة التي اتبعت. وقد اتخذ هذا الهزء والتكذيب صوراً شتى؛ فهم تارة يسخرون من أتباع نوح عليه السلام ويصفونهم بأبشع الصفات ويرمونهم بأقذع العبارات: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)، ومرة أخرى يقولون: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ). وتارة أخرى يصفون نوحاً عليه السلام بأنه (مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ)، ومرة أخرى يدعون أنه على غير الحق: (قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). ثم نراهم يتبجحون قائلين: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ). وفي النهاية يبلغ السفه بهم مبلغاً عظيماً، فيتوعدون نوحاً إن هو لم يكف عنهم ويذرهم (فِي رِجْسِهِمْ يَعْمَهُون) ليكونن من المرجومين: (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ).

أي عقول هذه؟! وأي قلوب قاسية هذه القلوب التي يراد بها الخير فتأبى وتفر (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ). ليس هذا فحسب، بل تريد قتل من يريد بها النجاة والفوز بالجنان، (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)؟ وهل هذا هو ما يستحقه نوح الذي أفنى عمره كله يقول لهم: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ)؟ بل بلغ من رحمته بهم وشفقته عليهم ونصحه لهم أنه حذرهم الدجال الأعور، فكان أول نبي يحذر أمته من فتنة هذا الدجال كما أخبر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "ألا أحدثكم عن الدجال حديثاً ما حدث به نبي قومه؟ إنه أعور وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه". فهل يحق لأحد أن يأسف على هؤلاء أو أن يحزن على هلاكهم؟ كلا والله، بل هم أحق بقول القائل:

إلى النار فليذهب ومن كان مثله *** على أي شيء فاتنا منه نأسف

التمسك بالأصنام

(لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ). ولو ذهبنا نتساءل: لِمَ هذا العناد الرهيب والإصرار العجيب على الكفر والتكذيب؟ لأتانا الجواب الحاسم: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ). إنها عزة الكافر التي يعقبها الذل والخزي والهوان، (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ). وإنه الضحك والاستهزاء الذي يليه البكاء الطويل: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). إن قوم نوح عليه السلام ليسوا أصحاب قضية يدافعون عنها، ولا مبادئ ينافحون من أجلها، بل هو صلف وغرور الكفر، (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ). إنه الجحود والعناد رغم أن القلوب تعلم يقيناً صدق نوح عليه السلام، (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا). إنه القتال والدفاع عمن لا يملك موتاً ولا حياةً ولا نشوراً. هذا حال الكافرين الذي لا يتغير رغم تغير الشخوص والأزمان، كما حكى الله تعالى عنهم: (وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ). من أجل ماذا؟ لا شيء إلا السراب، (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ). (إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ). في هذا المشهد نرى عزيمة أهل الشرك وإصرارهم على عبادة هذه الأوثان: (لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا). هكذا وبدون تفاصيل يذكر لنا القرآن الحكيم أمر هذه الآلهة المزعومة التي قد استمسك بها هؤلاء الحمقى وبذلوا من أجلها المهج، وعاشوا وماتوا في سبيلها، (فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ). وقد جاء عن الحبر ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عُبدت.

الدعاء بالهلاك

(رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا). هنا، وبعد أن سلك نوح مع هؤلاء المعاندين كل السبل، وطرق كل الأبواب الموصدة، وأفنى حياته كلها في دعوتهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ورغم ذلك كانت القلوب كالحجارة بل أشد قسوة، والنفوس خبيثة تؤثر ما فيه هلاكها وحتفها على ما فيه خيرها ونجاتها؛ لم يبقَ إلا أن يلجأ نوح إلى ربه سبحانه أن يطهر الأرض من نجس ورجس هؤلاء الكفرة الفجرة، فدعا ربه: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتَصِرْ). وقال: (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا). حقاً إن الحية لا تلد إلا حية مثلها، وقد قيل إن نوحاً عليه السلام لم يدع الله على قومه إلا بعد أن يئس من إيمانهم، وبعد أن أوحى الله عز وجل إليه أنه (لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).

لمثل هذا يذوب القلب من كمد *** إن كان في القلب إسلام وإيمان

سفينة النجاة

هذا هو المشهد قبل الأخير في هذه القصة الرائعة. فبعد أن دعا نوح على قومه أن يهلكهم الله ويبيد خضراءهم ويستأصل شأفتهم جزاءً وفاقاً على كفرهم، أمره الله عز وجل أن يصنع سفينة يحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهله إلا من سبق عليه القول منهم ومن قضى الله تعالى في اللوح المحفوظ أنه من أصحاب الجحيم. جاءه أمر العزيز الحكيم: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ). فما كان من نوح الواثق بربه إلا أن يستجيب لهذا الأمر الإلهي بلا تردد أو استفسار. جاءت الاستجابة السريعة (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) بصيغة المضارع التي تفيد التجدد والاستمرار، فكأننا الآن نرى نوحاً وقد شمر عن ساعد الجد هو والمؤمنون معه يصنعون هذه السفينة لتكون آية وعبرة للمذكر، (وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ). لكن القوم لا يزالون في غلوائهم، بل (لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ). إذن سيظل القوم في طغيانهم يعمهون، فها هم أولاء يمرون على نوح وهو يتمثل أمر ربه بصنع السفينة فيضحكون ويسخرون، (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخرُوا مِنْهُ). إن هذا الاستهزاء وهذه السخرية والهمز واللمز قد يصيب النفوس الضعيفة باليأس والحزن، لكن نوحاً عليه السلام يرد عليهم بهذه الكلمات القوية التي تنم عن يقينه وثقته بنصر الله: (إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرَ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ).

مأساة الابن العاق

هنا تبرز شخصية ابن نوح عليه السلام وكان شقياً كافراً. فغلبت نوحاً عاطفة الأبوة وحب هذا الابن، وكان قد طمع في إيمانه، (وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ). لكن هذا الشقي الجهول ظن أن شيئاً قد ينجيه من بأس الله تعالى، (قَالَ سآوي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ)، فأجابه نوح عليه السلام: (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ). وهنا تأتي المأساة ويحل البلاء بنوح الشكور الصبور، فيرى ابنه صريعاً غريقاً مع الكافرين، (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ).

امرأة نوح

وهذه ثالثة النكبات. بعد تكذيب قومه وغرق ابنه كافراً، فهذه زوجه التي ضربها الله تعالى مثلاً للكافرين، (وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ). فكأن الله تعالى أراد أن يضاعف الأجر والجزاء لنوح عليه السلام، فلاحقته الأحزان في كل مرحلة من حياته. نكب أولاً في قومه المعرضين المكذبين، ثم في ابنه الذي خر سريعاً لليدين والفم غريقاً مع القوم الكافرين، ثم هذه زوجه التي قال الله عنها: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ).

وصية نوح عليه السلام لولده

وها نحن قد وصلنا إلى المشهد الأخير من قصة النبي نوح عليه السلام الذي مكث في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاماً كما ذكر القرآن العظيم، ثم الله أعلم كم عاش بعد ذلك. لكن النبي الكريم يحدثنا عن اللحظة الأخيرة من عمر نوح عليه السلام، ويذكر وصيته لابنه فيقول: إن نبي الله نوحاً عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه: "إني قاص عليك الوصية: آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين. آمرك بـ (لا إله إلا الله)، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت (لا إله إلا الله) في كفة رجحت بهن (لا إله إلا الله)، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن (لا إله إلا الله). و(سبحان الله وبحمده) فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق. وأنهاك عن الشرك والكبر".

(سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ).

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX