recent
آخر القصص

القصة الحقيقة للشاعر العاشق "ديك الجن" وعشيقته "وَرد" | كيف كانت النهاية الأليمة والشنيعة!!

بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إليكَ، أيها المتصفح في رياض الأدب، والمُقلِّبُ في صحائف التاريخ، صفحةٌ من العصر العباسي، تفيضُ جمالاً وأسىً، وتجمعُ بين رقة الشعر وقسوة القدر. بطلها شاعرٌ فذّ، لم تلد قريحة الزمان مثله إلا قليلاً، رجلٌ اجتمعت فيه المتناقضات؛ فكان ماجناً خليعاً، ومعتزاً بنفسه أبياً، وشيعياً مُحبّاً لآل البيت، وعاشقاً متيماً بلغ به العشق حدَّ الجنون والقتل.

إنه عبد السلام بن رغبان الحمصي، الذي طبقت شهرته الآفاق بلقبٍ غريبٍ فريد: "ديك الجن". شاعرٌ من حمص، لم يبرحها إلا قليلاً، فتشربت روحه من صفاء هوائها، وجمال بساتينها، وعذوبة مياه نهرها العاصي، فجاء شعره مرآةً لهذه المدينة العريقة، صافياً رقراقاً كجدول، وعاصياً متمرداً كالنهر الذي يحمل اسمه.

شاعرُ حِمص

🔊 النسخة الصوتية

في العصر العباسي الأول، حيث كانت بغداد عاصمة الدنيا، تتلألأ في سمائها نجوم العلم والأدب، بزغ في مدينة حمص الشامية نجم شاعرٍ لم يكن كغيره. هو عبد السلام بن رغبان، المولود سنة 161 هـ لأسرة ميسورة الحال، عاش في كنفها حياة الترف والنعيم، فلم تكن به حاجة لمدح أميرٍ طمعاً في عطاء، أو الوقوف على باب وزيرٍ التماساً لمكافأة. كان غنياً معتزاً بنفسه، عزيزاً في قومه.

ولُقّب بـ "ديك الجن"، وتعددت الروايات في سبب هذا اللقب؛ فقيل للون عينيه الخضراوين، وقيل نسبةً لدويبةٍ صغيرةٍ تسكن بساتين حمص التي كان يكثر الترداد عليها، فكأنه جزءٌ من طبيعتها الساحرة.

نشأ ديك الجن في عصرٍ شاع فيه المجون واللهو، فلم يسلم من آفاته، بل غرق فيه حتى أذنيه، عاكفاً على الخمر، متلافاً لما ورث، لا يكاد يصحو من كأسٍ حتى يتناول أخرى، مقتفياً أثر شاعر زمانه الأكبر، أبي نواس. ويُروى أن أبا نواس لما مرَّ بحمص قاصداً مصر، بحث عن ديك الجن حتى وجده، فلما التقى به أثنى على شعره قائلاً: "لقد فتنت أهل العراق بقولك:".

مُوَرَّدَةٌ مِنْ كَفِّ ظَبْيٍ كَأَنَّمَا *** تَنَاوَلَهَا مِنْ خَدِّهِ فَأَدَارَهَا

قضى ديك الجن حياته في المجون وكان له لقاءات مع كبار شعراء عصره، كدعبل الخزاعي الذي كان يخشى هجاءه، والشاعر العظيم أبي تمام الطائي، الذي قيل إنه تأثر بشعر ديك الجن وأخذ من أسلوبه. وحين مات أبو تمام قبله، رثاه ديك الجن بكلماتٍ صادقة تفيض لوعةً:

فُجِعَ القَرِيضُ بِخَاتَمِ الشُّعَرَاءِ *** وغَدِيرِ رَوْضَتِهَا حَبِيبِ الطَّائِي
مَاتَا مَعاً فَتَجَاوَرَا في حُفْرَةٍ *** وَكَذَاكَ كَانَا قَبْلُ في الأَحْيَاءِ

هكذا كان ديك الجن، شاعراً مجيداً كما وصفه الأصفهاني، وشاعراً للشام كما قال ابن رشيق، رجلٌ يعيش التناقضات بكل جوارحه، ولكن قصة واحدة في حياته كانت كفيلة بأن تطغى على كل ما سواها، وتجعل من اسمه مرادفاً للحب والمأساة.

وَرْد... قصة حبٍ مأساوية

لكل شاعرٍ عظيم ملهمة، وقصة حبٍ تذكي قريحته، وكانت ملهمة ديك الجن جارية نصرانية من حمص، فائقة الحسن والجمال، تُدعى "وَرْد". رآها مرةً، فاستولت على قلبه وعقله، وصارت شمسه وقمره. لم يكن حباً عابراً، بل كان عاصفةً هوجاء اقتلعت الشاعر من عالم لهوه ومجونه، وألقت به في جنة العشق.

أحبها حباً ملك عليه جوارحه، ورأى فيها كل نساء الدنيا. وحين طلب منها أن تُسلم ليتزوجها، لم تتردد لحظة، وقالت له إنها تضحي بكل شيء من أجل قربه، فأسلمت وتزوجها، وعاشا معاً قصة حبٍ صارت حديث أهل حمص. كانت تسقيه الخمر بيدها، فيطرب وينشد فيها أروع القصائد:

انْظُرْ إِلى شَمْسِ القُصُورِ وَبَدْرِهَا *** وَإِلى خُزَامَاهَا وَبَهْجَةِ زَهْرِهَا
لَمْ تَبْلُ عَيْنُكَ أَبْيَضاً في أَسْوَدٍ *** جَمَعَ الجَمَالَ كَوَجْهِهَا في شَعْرِهَا
تَسْقِيكَ كَأْسَ مُدَامَةٍ مِنْ كَفِّهَا *** وَرْدِيَّةً، وَمُدَامَةً مِنْ ثَغْرِهَا

كان لقاؤهما الأول أشبه بحلمٍ من أحلام اليقظة، لقاءٌ تبارى فيه سحر جمالها مع سحر بيانه. طلبت منه أن يثبت أنه الشاعر ديك الجن بأن يقول فيها شعراً، فارتجل على الفور قصيدةً جعلها تتبدل قوافيها مع كل طلبٍ منها، فكان يقول:

قُولِي لِطَيْفِكِ يَنْثَنِي *** عَنْ مَضْجَعِي وَقْتَ المَنَامْ
كَيْ أَسْتَرِيحَ وَتَنْطَفِي *** نَارٌ تَأَجَّجُ في العِظَامْ
دَنِفٌ تُقَلِّبُهُ الأَكُفُّ *** عَلى فِرَاشٍ مِنْ سُقَامْ
أَمَّا أَنَا فَكَمَا عَلِمْتِ *** فَهَلْ لِوَصْلِكِ مِنْ دَوامْ

فما إن انتهى، حتى طلبتها بقافية أخرى، فأجابها على البديهة، ثم أخرى، وهو يجيب بلا تردد، حتى أدركت أنها أمام بحرٍ من الشعر لا ساحل له، فوقعت في حبه كما وقع هو في حبها... ومن الحب ما قتل.

غيومُ الوشايةِ وسيفُ الغيرة

لكن قصص الحب العظيمة نادراً ما تمضي بسلام، فلا بد من حاسدٍ أو واشٍ يُعكّر صفوها. كان لديك الجن ابن عمٍّ يُكنى بأبي الطيب، يرى في "وَرْد" امرأةً تركت دينها لتسيطر على ابن عمه وتستنزف ماله، فكان دائم الثورة عليه.

ومع مرور الأيام، بدأت موارد ديك الجن تنفد بسبب إسرافه، حتى وجد نفسه مُعسراً، فاضطر إلى الرحيل إلى بلدة "سلمية" القريبة، قاصداً صديقه أحمد بن علي الهاشمي ليعينه. وهنا، وجد ابن عمه الفرصة سانحة ليلقي بسهامه المسمومة.

أشاع أبو الطيب أن "وَرْد" تخون زوجها في غيابه مع غلامٍ له يُدعى "بكر". وصلت الوشاية إلى الشاعر وهو في سلمية، فغلى الدم في عروقه، ودارت به الأرض. أيعقل أن تخونه "وَرْد" التي ضحى من أجلها بكل شيء؟ ومع من؟ مع خادمه!

لم يتمهل ولم يتحقق، بل استأذن مضيفه بقصيدةٍ يائسة، وعاد إلى حمص وقد أعمى الغضب بصيرته. وعلى أبواب المدينة، لقيه ابن عمه فزاده اشتعالاً: "نحن لا نقبل يا عبد السلام أن تتمسك بهذه الغانية الخائنة... طلقها... طلقها!".

وليكمل مؤامرته الدنيئة، أرسل أبو الطيب رجلاً من طرفه ليدق باب "وَرْد" في غفلة، مدعياً أنه حبيبها جاء يطلب وصالها. سمع ديك الجن الدق، ورأى زوجته تذهب لتفتح الباب، فاستل سيفه، وفي لحظة جنونٍ طائشة، هوى به على حبيبته البريئة فأرداها قتيلة. ثم بحث عن الغلام "بكر" فقتله هو الآخر، ليكمل فصول المأساة التي كتبها حقد ابن عمه، ونفذها هو بيده.

دموعُ الندم

ما كاد سيفه يبرد من دم حبيبته وخادمه، حتى تكشفت له الحقيقة المرة، وأدرك أنه وقع ضحية وشاية كاذبة، وأنه قتل بيده أطهر حبٍ عرفه، وأخلص إنسانةٍ وهبته قلبها. سقط الشاعر باكياً، نادماً، ودخل في حالة من الحزن والأسى، فمكث شهراً كاملاً لا يأكل ولا يشرب، بل يذرف الدموع دماً على من قتلها بغير ذنب.

وتحول الشاعر الذي كان يكتب في الخمر والمجون، إلى راهبٍ في محراب الحزن، لا ينطق إلا بالرثاء، ولا يكتب إلا بمداد الألم. صارت قصائده مراثي خالدة، تصرخ بالندم والألم على جريمته، وكأن قصة حياته هي التي أوحت لشكسبير بعد قرون بمسرحيته "عطيل"، الذي قتل حبيبته البريئة ديدمونة ضحية وشاية كاذبة.

لكن ديك الجن لم يقتل نفسه كما فعل عطيل، بل عاش يتعذب في جحيم الذكرى، وظل يبكي "وَرْد" بشعرٍ يذيب الصخر، ويتوهج حنيناً إلى أيامٍ جميلة لن تعود أبداً. ومن أصدق ما قال في رثائها، هذه الأبيات التي صارت نشيد كل عاشقٍ نادم:

يَا طَلْعَةً طَلَعَ الحِمَامُ عَلَيْهَا *** وَجَنَى لَهَا ثَمَرُ الرَّدَى بِيَدَيْهَا
رَوَّيْتُ مِنْ دَمِهَا الثَّرَى وَلَطَالَمَا *** رَوَّى الهَوَى شَفَتَيَّ مِنْ شَفَتَيْهَا
قَدْ بَاتَ سَيْفِي فِي مَجَالِ وِشَاحِهَا *** وَمَدَامِعِي تَجْرِي عَلَى خَدَّيْهَا
فَوَحَقِّ نَعْلَيْهَا وَمَا وَطِئَ الحَصَى *** شَيْءٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَعْلَيْهَا
مَا كَانَ قَتْلِيَها لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ *** أَبْكِي إِذَا سَقَطَ الغُبَارُ عَلَيْهَا
لَكِنْ ظَنَنْتُ عَلَى العُيُونِ بِحُسْنِهَا *** وَأَنِفْتُ مِنْ نَظَرِ الحَسُودِ إِلَيْهَا

خاتمة

وهكذا، عاش ديك الجن ما تبقى من حياته غارقاً في بحر الندم، حتى توفي عام 236 هـ، وبقيت قصته عبرةً للأجيال، وشعره في "وَرْد" شاهداً على أعظم قصة حبٍ انتهت بأبشع مأساة.

لقد كان شاعراً عبقرياً، لكن لحظة غضبٍ واحدة، أشعلتها وشاية حاسد، كانت كفيلة بأن تحول حياته إلى جحيم، وتجعل من قلمه الذي كان يقطر شهداً، قلماً لا يكتب إلا علقماً. رحل ديك الجن وبقيت قصائده، تروي للأبد قصة الشاعر الذي قتل حبه، ثم قضى عمره يبكيه.

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX