أبو حيّة النميري وسيفه الخشبي: “لُعابُ المنيّة” الذي هزم كلبًا!
يُروى في نوادرِ الأخبارِ عن أبي حَيَّةَ النُّميريّ، وكان رجلاً قد جَمَعَ من الخصالِ أعجبَها؛ فكان أكذبَ مَن نطق، وأبخلَ مَن رزق، وأجبنَ مَن خُلق. وكان له سيفٌ خشبيٌّ كليلُ الحدِّ، بائسُ المظهر، سمَّاهُ تهويلاً وتفخيماً "لُعابَ المنيَّة"!
وقد حَدَّثَ جارٌ له عن موقفٍ يُضحكُ الثكلى، قال: بينما أبو حيَّةَ في دُجى ليلةٍ من الليالي، إذ تسلّلَ إلى دارِه كلبٌ ضال، فتوَهَّمَه لفرطِ جُبنِه لِصاً عاتياً جاء يسلبهُ مُلكه. فانتفضَ أبو حيَّةَ مذعوراً، وانتضى سيفَه "لُعابَ المنيَّة"، ووقفَ في قلبِ الدارِ وقفةَ الأسدِ الهصور -وهو يرتعدُ من أخمصِ قدميه إلى مفرقِ رأسه- وصاحَ يخاطبُ الظلام:
طرائف الجبناء: نوادر في الفرار والتعليل
"يا هذا المغترُّ بنا، المجترئُ على حِمانا! بئسَ -واللهِ- ما اخترتَ لنفسك! أتطمعُ في داري؟ هُنا خيرٌ قليل، ولكن دونه سيفٌ صقيل! هذا (لُعابُ المنيَّة) الذي طارت في الآفاقِ أخبارُه، وشاعت بين الفرسانِ آثارُه؛ ضربتُهُ مشهورة، ولا تُخافُ نَبْوَتُه.
فاخرُج بالعفوِ عنك، قبلَ أن أدخلَ بالعقوبةِ عليك! وإيّاكَ أن تُحوجني لأنْ أدعوَ عليك (قيسًا)، وما أدراكَ ما قيس؟! لئن صرختُ فيهم لملأوا عليكَ الفضاءَ خيلاً ورَجِلاً.. سبحان الله! ما أكثرَ عديدَهم وأطيبَ نكيدَهم!"
وبينما هو يُرعدُ ويُبرِقُ بلسانه، والسيفُ يرقصُ في يده، إذ خرجَ الكلبُ يهرولُ هادئاً لا يلوي على شيء. فلما رآه أبو حيَّة، تنفَّسَ الصُّعَداء، وأغمدَ سيفَه مزهوّاً بانتصاره الموهوم، وقال بصوتٍ ملؤُه اليقين:
"الحمدُ للهِ الذي مَسَخَكَ كَلباً، وكفانا بكَ حَرباً!"
((نهاية الأرب)) للنويري (3/320).
حكمة الجبان في وصف الحرب: أولها شكوى وأوسطها نجوى وآخرها بلوى
وممَّا جاء في طرائفِ التبريرات، وبليغِ الاعتذارات، ما أوردهُ النُّوَيريُّ عن رجلٍ من أربابِ الحذر، لِيمَ على جُبنهِ وتخلُّفِه عن ساحاتِ الوغى، وعُوتِبَ في إيثارِه السلامةَ على ركوبِ الأخطار.
فما كان من هذا الجبانِ إلا أن نظرَ إلى لائميهِ بعينِ الخبيرِ، ورَدَّ عليهم رَدَّ الحكيمِ البصيرِ بالعواقب، مُلخِّصاً سيرةَ الحروبِ في كلماتٍ موجزاتٍ مسجوعات، فقال:
"مهلاً يا قوم! علامَ تلومونني وفي الهلاكِ تدفعونني؟ فواللهِ ما الحربُ إلا داهيةٌ دهماء، وفتنةٌ عمياء؛ أوَّلُها شَكوى من الظُّلم، وأوسَطُها نَجوى من الهَمّ، وآخِرُها بَلوى تعمُّ وتَطِمّ!".
فجعلَ للجبنِ حُجَّة، وللفرارِ مَحَجَّة، وأسكتَ شجاعَةَ القومِ بمنطقِ الخوف!
تحذير الحكيم من الحرب: نارٌ تأكل الروح والمال وتترك العزيز كسيرًا
وانبرى حكيمٌ آخرُ يُحذِّرُ قومَهُ من مغبَّةِ التسرُّعِ إلى السلاح، واصفاً الحربَ وصفَ مَن خَبَرَ شؤمَها، ورأى كيفَ تأكلُ الأخضرَ واليابسَ، فقال بلسانٍ فصيحٍ ومنطقٍ صريح:
"ويحكُم! أتدرون ما الحرب؟ إنها نارٌ لا تَبقِي ولا تَذَر، وجائحةٌ لا تُبقي على أثر؛ فهي مَقْتَلَةٌ لِلعِبادِ تُورِثُ الفناء، ومَذْهَبَةٌ لِلطَّارِفِ والتِّلادِ تَمحو الغِنى؛ فلا تصونُ مالاً حديثاً اكتُسِب، ولا إرثاً قديماً انتُسِب، وتَدَعُ الغنيَّ فقيراً، والعزيزَ كسيراً! ".
فجعلَها هلاكاً مُحققاً للروحِ، ودماراً شاملاً للمالِ بقديمِه وجديدِه.
عذر المتخاذل: عند اشتداد النطاح يُغلب الكبش الأجم!
ومِن حُجَجِ المُتخاذلينَ التي لا تخلو من طرافة، أنَّ رجلاً من المشهورين بالجبنِ عوتِبَ بشدَّةٍ على قعودهِ عن القتال، وقيل له على سبيلِ التوبيخ: "ويحكَ! الناسُ تخوضُ المنايا، وأنتَ قابعٌ في الزوايا! لِمَ لا تبرزُ كما يبرزُ الرجال، وتقاتلُ في حومةِ النزال؟".
فنظرَ إليهم نظرةَ المستيئسِ من النصر، العالِمِ بقدرِ نفسِه، وأجابهم بمثلٍ سائرٍ قائلاً: "رفقاً بي يا قوم، ولا تدفعوني إلى حتفي؛ فأنتم تعلمون أنَّهُ عِندَ اشتدادِ النِّطاح، وتصادُمِ الرؤوسِ الصِّحاح، يُغْلَبُ الكَبْشُ الأجَمُّ!".
فشَبَّهَ نفسَه -تواضعًا أو خوفًا- بالكبشِ (الأجَمِّ) الذي لا قُرونَ له، مُعتذراً بأنَّ دخولَهُ المعركةَ ضدَّ (القرناءِ) من الأعداء انتحارٌ مُحَقَّق، وهزيمةٌ لا مفرَّ منها!
الأعرابي الذي أبغض الموت: كيف أعدو إليها عاري الكفن؟
ومِن ملحِ الأعرابِ ونوادرِهم في التعلُّل، أنَّ أعرابياً قيلَ لهُ مُحَرِّضاً ومُذَكِّراً: “يا هذا، ما بَالُكَ قاعداً؟ ألا تخرجُ للقتالِ فتُبلي بلاءً حسناً؟! فإنَّ الله قد كتبهُ عليك وأمرَكَ به”.
فنظرَ الأعرابيُّ إلى سائلهِ نظرةَ مَن يرى العُمرَ أغلى مِن أن يُبذَلَ في مغامرة، وأجابَ بصدقٍ فِطريٍّ عجيب: “يا قوم، ارفقوا بعقلي! فواللهِ إني لأكْرَهُ الموتَ وهو يأتيني زائراً وأنا وادعٌ على فِراشي، أرفُلُ في ثوبِ العافية؛ فكيفَ تطلبون مني أن أسعى إليهِ بقدمي، وأمضيَ نحوهُ رَكضاً؟! هذا ما لا يكون!”.
ثم أنشدَ متمثلاً بحالِه، ومؤكداً لمقالِه:
تَمشِي المَنايا إلى قَومٍ فأُبْغِضُها *** فَكيفَ أعْدُو إلَيها عارِيَ الكَفَنِ؟!
فجعلَ انتظارَ الموتِ كرهاً، والسعيَ إليه حمقاً، وعَدَّ نفسَه في حِلٍّ من أن يركضَ نحو حتفهِ بلا كفنٍ يسترُه!
أعرابي يسقط معنى العداوة: كيف يكونون أعدائي وأنا لا أعرفهم؟
ومِن طرِيفِ ما يُروَى عن بساطةِ الأعرابِ -أو لعلَّهُ مَحضُ دَهاءٍ للتخلُّصِ من الواجب- أنَّ أحدهم حُرِّضَ على القتالِ، وقيلَ لهُ في حماسة: “يا فتى، ألا تَشُدُّ رِحالَكَ، وتغزو مع القومِ هؤلاءِ الأعداء؟”.
فارتسمتِ الدَّهشةُ على وجهِه، ونظرَ إلى مُحدِّثهِ نظرةَ مَن سَمِعَ مُنكَراً من القول، وأجابَ بمنطقٍ عجيبٍ يُسقِطُ أسبابَ الحربِ مِن أساسِها: "سبحانَ الله! وكيفَ تزعمونَ أنَّهم لي أعداء، والحالُ أنِّي ما عرفتُهم يوماً، ولا عرفوني قطُّ؟! وهل تكونُ العداوةُ إلا بعدَ خُلطةٍ ومعرفة؟!".
فكأنَّهُ يرى أنَّ الجهلَ بالناسِ أمانٌ من عداوتِهم، وأنَّ الحربَ على مجهولٍ حماقةٌ لا يرتضيها العقل!
أبو دلامة والعشرة آلاف: خرج للطمع… فعاد للنجاة!
يُحدِّثنا أبو دلامةَ عن مغامرةٍ من مغامراته التي كادت تودي بحياته لولا سرعةُ ساقيه، فيقول: كُنتُ في جيشِ مروانَ بنِ محمد يومَ واجهنا الخوارجَ بقيادةِ الضَّحَّاك. وبينما الصفوفُ متقابلة، خرجَ من جيشِ العدوِّ فارسٌ كأنَّه القضاءُ المُبرم؛ فدعا للمبارزة، فخرجَ إليه بطلٌ منَّا فأرداه قتيلاً، ثم ثَنَّى بآخرَ فلحِقَ بسابقه، ثم ثَلَّثَ بثالثٍ فكان مصيرُه كمصيرِ صاحبيه!
عندها جَفَلَ الناسُ، وتراجعَ الفرسانُ هيبةً لهذا الموتِ الزاحف، وأخذَ الفارسُ يتبخترُ ويدنو منا وهو يزمجرُ ويهدِرُ كالفحلِ الهائجِ المغتَلِم. هنا صاحَ مروانُ مُحفِّزاً: “مَن يخرجُ إليه ولهُ عندي عشرةُ آلافِ درهم؟”.
يقولُ أبو دلامة: فما إن وقرَ في أُذني ذكرُ (العشرة آلاف) حتى طاشَ عقلي، وهانت عليَّ الدنيا بما فيها، ورأيتُ أنَّ الموتَ دونَ هذا المالِ هيِّن، فسخَتْ نفسي بالخروج، وبرزتُ إليهِ تدفعني أحلامُ الثراء.
فلما صرتُ قبالته، وتأمَّلتُه عن قُرب، رأيتُ منظراً خلعَ قلبي؛ فإذا برجلٍ يرتدي فرواً غليظاً، قد نال منه المطرُ فابتلَّ وتلبَّد، ثم ضربتهُ الشمسُ فجفَّ وتشنَّج، وله عينانِ تتقدَّانِ شرراً كأنهما جمرتانِ في وجارِ ضبع! ولما رآني، تفرَّس في وجهي، فقرأ ما يدورُ في خلدي، وعلمَ أنَّما أخرجني الطمعُ لا الشجاعة، فأقبلَ نحوي وهو يرتجزُ بصوتٍ يُرعدُ الفرائص:
وخارِجٍ أخرجهُ حُبُّ الطَّمَعْ *** فَـرَّ من الموتِ وفي الموتِ وَقَعْ
من كان يَنوي أهلَهُ.. فلا رَجَعْ!
فما إن سمعتُ أبياتَه، ورأيتُ هيأتَه، حتى تيقنتُ أن الدراهمَ لا تنفعُ الموتى، فقنَّعتُ رأسي بثوبي، وولَّيتُ هاربًا لا ألوي على شيء! وسمعتُ مروانَ يصيحُ خلفي مُغضباً: “مَن هذا الفاضِح؟! عليكم به، لا يَفُتْكم!”.. فما عَناني من صراخِه شيء، وانندسستُ في غمارِ الناسِ، وضِعتُ بينَ الجُندِ ناجياً برأسي!
دهاء الوهدة: كيف قيّد رجلٌ عمرو بن معد يكرب بميثاقه؟
ومِن عجيبِ الحِيلِ التي قهرتِ الشجاعةَ بالدهاء، ما حُكيَ عن فارسِ العربِ وكبشِها عَمرو بنِ مَعدِ يكَرِبَ؛ فقد مرَّ ذاتَ يومٍ بحيٍّ من أحياءِ العرب، فلمحَ فرساً أصيلاً مشدوداً، ورمحاً طويلاً مركوزاً، وصاحبُهما غائبٌ في وهدةٍ (منخفضٍ) من الأرضِ يقضي حاجتَه.
فوقفَ عمروٌ على شفيرِ الوهدةِ، وزهوهُ بقوتِه يملأُ إهابَه، وصاحَ بالرجل: "يا هذا! خُذْ حِذْرَك واستعدَّ لمصيرك؛ فإني قاتِلُك الساعةَ لا محالة!".
فرفعَ الرجلُ رأسَهُ في ذُعرٍ وقال: “مَن أنتَ يا هذا؟”. قال بفخر: "أنا أبو ثور.. عَمرُو بنُ مَعدِ يكَرِبَ"
فأدرك الرجلُ أنَّهُ هالك، فاستحضرَ دهاءَه وقال: "أنا أبو الحارث، ولكن -واللهِ- ما أنصفتَني! أنتَ تعلو ظهرَ جوادِك، ممتشقاً سيفَك، وأنا في هذه الوهدةِ على غيرِ أهبة. فأعطِني عهدَ اللهِ وميثاقَه ألَّا تقتُلَني حتى أركبَ فرسي، وآخُذَ حِذْري وسلاحي".
فوجدَ عمروٌ في الطلبِ مروءةً، وفي نفسِه ثقةً، فأعطاهُ عهداً غليظاً ألَّا يمسَّهُ بسوءٍ حتى يستويَ على ظهرِ جوادِه. وهنا كانت المفاجأة! خرجَ الرجلُ من الوهدةِ متمهلاً، ثم جلسَ على الأرضِ، وربطَ ثوبَهُ حولَ ركبتيه (احتَبَى) جلوسَ المطمئنِّ الذي لا ينوي حراكاً، وأسندَ ظهرَه مرتاحاً!
فذهلَ عمروٌ وصاحَ به: "ويحك! ما هذا الجلوس؟! قُم واركب لِأُناجزك!". فنظرَ إليه الرجلُ ببرودٍ وقال: "يا عمرو.. ما أنا براكِبٍ فرسي، ولا أنا بمقاتِلِك! فإن كنتَ قد نويتَ نكثَ العهدِ، ونقضَ الميثاقِ، فدونكَ وافعل.. وأنتَ أعلمُ بما يلقاهُ النَّاكِثُ من العارِ والنار!".
فوجمَ عمرو، وأدركَ أنَّ الرجلَ قد قيَّدَ يديهِ بلسانِه، وحبسَ سيفَهُ بعهدِه، فتركهُ ومضى وهو يدمدمُ غيظاً وإعجاباً: "واللهِ.. هذا أجبَنُ، وأدهى مَن رأيت!".
فرار أمية بن عبد الله: ثلاثة أيام من البحرين للبصرة… ثم اعتذارٌ بليغ!
مِن أشهرِ حكاياتِ الفَرَّارين الذين طوَوا الأرضَ خوفاً، ما ذُكِرَ عن الأمير أميَّةَ بنِ عبدِ الله، حينَ ولّى هاربًا يومَ (مرداء هَجَر)؛ فقد فرَّ من خصمِه أبي فُديك، وقطع المسافةَ من البحرينِ إلى البصرةِ في ثلاثةِ أيَّامٍ فقط، وهو زمنٌ قياسيٌّ لا يقطعُه إلا مُسابقُ الريح!
ولما استقرَّ به المقامُ في البصرة، جلسَ مجلساً يُداري فيه خيبتَه بالفخرِ بسرعةِ وصوله، فقال: “لقد سِرتُ على فرسي (المهرجان) من البحرينِ إلى هنا في ثلاثةِ أيَّام!”.
فلم يمالِئه أحدُ الجُلَساء، بل رماه بتهكُّمٍ لاذعٍ مُغلَّفٍ بالنُّصح، وقال: “أصلحَ اللهُ الأمير! لو كنتَ ركِبتَ (النَّيروزَ) لسِرتَ إليها في يومٍ واحد!”. (وهي دعابةٌ لاذعة؛ فالمهرجان والنيروز عيدان للفرس، وكأنَّه يقول: لو اخترتَ اسماً أسرع لكان فرارك أسرع!).
ثم كانت الطامَّةُ الكبرى حين دخلَ عليه أعيانُ البصرة؛ فُحِبست ألسنتُهم، وحاروا في أمرهم؛ إن هنَّؤوه بالسلامةِ فقد أقرُّوا بجبنه، وإن عزَّوه في الهزيمةِ فقد فضحوا ضعفَه. وساد صمتٌ ثقيلٌ حتى دخلَ عبدُ اللهِ بنُ الأهتَم، وكان داهيةً في المنطق، ساحراً في البيان.
فلمَّا رآه الناسُ استبشروا بقدومه ليروا كيف يخرجُ من هذا المأزق. فوقفَ ابنُ الأهتمِ وقال بصوتٍ جهوريّ:
“مرحبًا بالصَّابِرِ المخذول، الذي خذلَهُ قومُه! والحمدُ للهِ الذي نَظَرَ لنا عليك، ولم يَنظُرْ لكَ علينا؛ فقد تعرَّضْتَ للشَّهادةِ بجُهدِك، وطَلبتَ الموتَ بِوُسعِك، ولكنْ عَلِمَ اللهُ حاجةَ أهلِ الإسلامِ إليك، فأبقاكَ لهم، وعاقبَ جيشَكَ بالهزيمةِ إذ خذلوك!”.
فقلبَ الهزيمةَ نصراً، والفَرارَ بقاءً لمصلحةِ الأمة! فانفرجت أساريرُ أميَّةَ، وتنفسَ الصعداءَ بعدما وجدَ مَن يكسو فرارَهُ ثوبَ الحكمة، وقال بامتنان: “ما وجَدْتُ أحدًا أخبَرني عن نفسي غيرَك!”.
نوادر الجبناء عند بشّار: يفرّ من الواحد كما يفرّ من الألف!
تفنَّنَ الظرفاءُ في وصفِ الجبناء، وسبروا أغوارَ نفوسهم، فجاءت أوصافُهم تُضحِكُ الثكلى وتُعجِبُ الأديب.
فمِن أصدقِ ما قيل في "مساواةِ الجبان"، أنَّ رجلاً ذُكِرَ عند بشَّارِ بنِ بُردٍ، فقيل: «إنَّ هذا الرجلَ يزعمُ أنَّه لا يبالي ألقِيَ في المعركة واحداً أم ألفاً!». فضحك بشَّارٌ وقال: «صَدَق والله؛ فهُوَ يَفِرُّ مِنَ الواحِدِ تماماً كما يَفِرُّ مِنَ الألف!». فجعلَ ثباتَ فرارِه دليلاً على صدقِ مقالِه!
ومِن "أعراضِ هذا الداء"، وصفوا رجلاً تملَّكهُ الرعبُ حتى صارَ طبعاً، فقالوا: «هو رجلٌ إذا ذُكِرَت السُّيوفُ تحسَّسَ رأسَهُ ليتأكَّدَ هل ذَهَب! وإذا ذُكِرَت الرِّماحُ جَسَّ صَدرَهُ خوفاً أن يكون قد ثُقِب! كأنَّه رضعَ الجُبْنَ صبيّاً، وتعلَّمَ الفَشَلَ وهو أعجميٌّ لم ينطق بعد! تتقلَّصُ شفتاه فزَعاً، وتصفرُّ وجنتاه هَلَعاً، ولو نَظَرْتَ إليه شزراً لأُغمِيَ عليه شهراً!». بل بلغَ به الحالُ أنَّه لو سُمِّيت له "الحربُ" لعافَ لَفظَها قبلَ معناها، وكَرِهَ اسمَها قبلَ مُسمَّاها.
ومِن "بلاغةِ المبالغة" في وصفِ سرعةِ الهرب، أنَّ شاعراً ذَمَّ جباناً، فصوَّرَ مشهداً عبقرياً لفرارٍ عابرٍ للبلدان، فقال:
لو كنتَ في ألفِ ألفٍ كُلُّهم بَطَلٌ *** مثلَ المجفَّفِ داودَ بنِ حَمدانِ
وتحتك الرِّيحُ تجري حيثُ تأمُرُها *** وفي يمينكِ سَيفٌ غيرُ خَوَّانِ
لكنتَ أوَّلَ فَرَّارِ إلى عَدَنٍ *** إذا تجَرَّدَ سَيفٌ في خُراسانِ
وختامُ هذه النوادرِ "حكمةُ المنهزم"؛ فقد وبَّخَ أميرٌ جندياً له فرَّ من المعركة، وقال له مُعنِّفاً: «ويلك! أعَطِبتَ بيدك، وسلَّمتَ سلاحَك، وما طعنتَ ولا ضربت؟!». فأجابه الجنديُّ بجوابٍ يُلجمُ الألسنة: «يا أمير.. لأن يشتُمَني الأميرُ -أصلحهُ الله- وأنا حيٌّ يُرزق، خَيرٌ وأحَبُّ إليَّ مِن أن يترحَّمَ عليَّ وأنا مَيِّت!».