recent
آخر القصص

كيف يسب العبد ربه؟.. الحكمة التي أنقذت "أبا وجزة السعدي" أمام عمر بن الخطاب

نستعرض معكم سيرة أبي وَجْزَة السَّعْدِي، قيثارة بني سعد وخاتمة الشعراء الذين يحتج بشعرهم. نروي قصة والده عُبيد من السببي إلى العتق في مجلس الفاروق عمر، ونشأة يزيد في مهد الفصاحة، ومواقفه المزلزلة مع خالد بن الوليد وآل الزبير، وصراعه مع عقوق الابن، وغزل المشيب الفريد. رحلة أدبية ولغوية توثق حياة أحد كبار التابعين وفحول البيان.
🔊

سيرة أبي وَجْزَة السَّعْدِي.. قيثارةُ بَنِي سَعْد

بَيْنَ مَخَالِبِ السَّبْيِ وَرَحْمَةِ الْأَقْدَارِ

فِي غَيَاهِبِ الجَاهِلِيَّةِ الجَهْلَاءِ، حَيْثُ كَانَتِ العَرَبِ تَأْكُلُ القَوِيَّ بِالضَّعِيفِ، وَتُسْتَبَاحُ الحُرُمَاتُ فِي غَفْلَةٍ مِنَ الزَّمَانِ، كَانَ ثَمَّةَ فَتًى يَرْتَعُ فِي مَرَابِعِ قَوْمِهِ مِنْ "بَنِي سُلَيْمٍ"، وَتَحْدِيدًا مِنْ بَطْنِ "بَنِي ظَفَر". هَذَا الفَتَى هُوَ "عُبَيْدٌ"، وَالِدُ شَاعِرِنَا المُفْلِقِ. لَمْ يَكُنْ يَدْرِي أَنَّ يَدَ القَدَرِ قَدْ خَبَّأَتْ لَهُ فِي جُعْبَتِهَا رِحْلَةً مِنَ الذُّلِّ إِلَى العِزِّ، وَمِنَ الاسْتِعْبَادِ إِلَى السِّيَادَةِ.

هَبَّتْ رِيَاحُ غَارَةٍ شَعْوَاءَ، فَاقْتُلِعَ الفَتَى الحُرُّ مِنْ حِضْنِ قَبِيلَتِهِ، وَسِيقَ مَسَاقَ الأَسِيرِ الكَسِيرِ، حَتَّى عُرِضَ فِي سُوقِ "ذِي الْمَجَازِ"، تِلكَ السُّوقُ الَّتِي كَانَتْ تَضِجُّ بِالبَاعَةِ وَالشَّارِينَ لِلأَنْفُسِ وَالمَتَاعِ. وَهُنَاكَ، وَقَعَتْ عَلَيْهِ عَيْنُ رَجُلٍ مِنْ أَشْرَافِ "بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ"، وَهُوَ "وَهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ السَّعْدِيُّ"، فَاشْتَرَاهُ لِيَكُونَ لَهُ عَوْنًا وَذُخْرًا.

فِي كَنَفِ السُّعَدَاءِ

انْتَقَلَ "عُبَيْدٌ" لِيَعِيشَ فِي مَضَارِبِ بَنِي سَعْدٍ، تِلْكَ القَبِيلَةُ المُبَارَكَةُ الَّتِي نَالَتْ شَرَفَ إِرْضَاعِ خَيْرِ الْوَرَى مُحَمَّدٍ ﷺ. نَشَأَ الفَتَى فِي كَنَفِ مَوْلَاهُ "وَهَيْب"، يَرْعَى إِبِلَهُ، وَيَحْفَظُ مَالَهُ، وَقَدْ وَجَدَ فِي آلِ سَعْدٍ كَرَمَ المَعْشَرِ وَلِينِ الجَانِبِ، حَتَّى كَادَ يَنْسَى مَرَارَةَ السَّبْيِ الأُولَى. وَمَرَّتِ الأَيَّامُ وَالسِّنُونَ، وَأَشْرَقَتْ شَمْسُ الإِسْلَامِ عَلَى الدُّنْيَا، فَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً، وَأَصْبَحَ لِلْعَدْلِ مِيزَانٌ، وَلِلْإِنْسَانِ كَرَامَةٌ لَا تُدَاسُ.

حَادِثَةُ الضَّرْعِ وَاللَّطْمَةِ

وَفِي خِلَافَةِ الْفَارُوقِ "عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ" -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ. كَانَ "عُبَيْدٌ" يَقُومُ عَلَى إِبِلِ مَوْلَاهُ، فَغَفَلَ يَدُهُ وَهُوَ يَحْلُبُ نَاقَةً، فَضَرَبَ ضَرْعَهَا ضَرْبَةً أَدْمَتْهُ. فَلَمَّا رَأَى سَيِّدُهُ "وَهَيْبٌ" الدَّمَ يَسِيلُ مِنَ الضَّرْعِ، أَخَذَتْهُ الْحَمِيَّةُ وَالْغَضَبُ، فَرَفَعَ يَدَهُ وَلَطَمَ وَجْهَ "عُبَيْدٍ" لَطْمَةً شَدِيدَةً اهْتَزَّتْ لَهَا نَفْسُهُ الأَبِيَّةُ.

لَمْ تَكُنْ تِلْكَ اللَّطْمَةُ مُجَرَّدَ أَلَمٍ جَسَدِيٍّ، بَلْ كَانَتْ إِيقَاظًا لِلْعِرْقِ النَّابِضِ بِالحُرِّيَّةِ فِي دَاخِلِهِ. تَذَكَّرَ "عُبَيْدٌ" أَصْلَهُ، وَأَنَّهُ ابْنُ "سُلَيْمٍ"، وَأَنَّ الإِسْلَامَ قَدْ جَاءَ لِيَمْحُوَا ظُلْمَ الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا رِقَّ عَلَى عَرَبِيٍّ فِي دِينِ اللهِ.

بَيْنَ يَدَيِ الْفَارُوقِ

خَرَجَ "عُبَيْدٌ" هَائِمًا عَلَى وَجْهِهِ، يَطْوِي الْبَيْدَاءَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، دَارِ الْعَدْلِ وَالْخِلَافَةِ. وَقَفَ أَمَامَ "عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ" مُسْتَعْدِيًا، وَقَالَ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ وَقَلْبٍ جَرِيحٍ: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي ظَفَرَ، أَصَابَنِي سِبَاءٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا يُصِيبُ الْعَرَبَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَأَنَا مَعْرُوفُ النَّسَبِ. وَقَدْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ ابْتَاعَنِي، فَأَسَاءَ إِلَيَّ وَضَرَبَ وَجْهِي، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ لَا سِبَاءَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا رِقَّ عَلَى عَرَبِيٍّ".

وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ، حَتَّى دَخَلَ مَوْلَاهُ "وَهَيْبٌ" -وَكَانَ قَدْ تَبِعَهُ-، فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ مُعْتَرِفًا نَادِمًا، فَقَالَ: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا غُلَامٌ ابْتَعْتُهُ بِذِي الْمَجَازِ، وَقَدْ كَانَ يَقُومُ فِي مَالِي، فَأَسَاءَ فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً، وَاللهِ مَا أَعْلَمُنِي ضَرَبْتُهُ غَيْرَهَا قَطُّ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَضْرِبُ ابْنَهُ أَشَدَّ مِنْهَا فَكَيْفَ بِعَبْدِهِ! وَأَنَا أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى".

الْحِكْمَةُ الْعُمَرِيَّةُ وَالْقَرَارُ الْمَصِيرِيُّ

نَظَرَ الْفَارُوقُ -بِفِرَاسَتِهِ الَّتِي لَا تُخْطِئُ- إِلَى "عُبَيْدٍ"، وَقَدْ رَأَى صِدْقَ سَيِّدِهِ وَإِحْسَانَهُ السَّابِقَ، فَقَالَ لَهُ مُوَجِّهًا وَنَاصِحًا: "قَدِ امْتَنَّ عَلَيْكَ هَذَا الرَّجُلُ، وَقَطَعَ عَنْكَ مَؤُونَةَ الْبَيِّنَةِ (أَيْ أَعْتَقَكَ دُونَ أَنْ يُكَلِّفَكَ إِثْبَاتَ نَسَبِكَ)، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأَقِمْ مَعَهُ، فَلَهُ عَلَيْكَ مِنَّةٌ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ فَالْحَقْ بِقَوْمِكَ".

هُنَا، وَقَفَ الزَّمَانُ لِيُسَجِّلَ مَوْقِفَ الْوَفَاءِ وَرَجَاحَةَ الْعَقْلِ. فَكَّرَ "عُبَيْدٌ" مَلِيًّا؛ إِنْ عَادَ إِلَى قَوْمِهِ "بَنِي سُلَيْمٍ"، فَقَدْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الِازْدِرَاءِ لِمَا مَسَّهُ مِنَ الرِّقِّ، وَقَدْ يُعَيِّرُونَهُ بِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا لِبَنِي سَعْدٍ. أَمَّا بَنُو سَعْدٍ، فَقَدْ أَكرمُوهُ، وَعَاشَ بَيْنَهُمْ عَزِيزًا إِلَّا مِنْ تِلْكَ الْهَفْوَةِ. فَقَالَ "عُبَيْدٌ" قَوْلَتَهُ الْمَشْهُورَةَ: "لَا أَتْرُكُ قَوْمًا يُكْرِمُونَنِي وَيُشَرِّفُونَنِي، وَلَا أُحِبُّ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى قَوْمِي فَيُعَيِّرُونِي فِي كُلِّ يَوْمٍ بِأَنَّنِي كُنْتُ عَبْدًا، ثُمَّ لَا يُنَادُونَنِي إِلَّا بِقَوْلِهِمْ: يَا عَبْدَ بَنِي سَعْدٍ! بَلْ أُقِيمُ مَعَ هَؤُلَاءِ".

بَزْغُ الْقَمَرِ فِي لَيْلَةِ تَمَامٍ

اسْتَقَرَّ "عُبَيْدٌ" فِي دِيَارِ بَنِي سَعْدٍ، حُرًّا كَرِيمًا، يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمْ بِالْوَلَاءِ وَالْحِلْفِ، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَنَسَبٍ، هِيَ "زَيْنَبُ بِنْتُ عُرْفُطَةَ الْمُزَنِيَّةُ". وَمِنْ هَذَا الزَّوَاجِ الْمُبَارَكِ، تَمَخَّضَتِ الْأَيَّامُ عَنْ مِيلَادِ طِفْلٍ نَجِيبٍ، أَسْمَيَاهُ "يَزِيدَ"، الَّذِي سَيُكْنَى لَاحِقًا بِـ "أَبِي وَجْزَةَ".

وُلِدَ "يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ" فِي أَحْضَانِ الْمَدِينَةِ وَبَوَادِي بَنِي سَعْدٍ، يَرْضَعُ الْفَصَاحَةَ مَعَ اللِّبَانِ، وَيَتَنَفَّسُ الشِّعْرَ مَعَ نَسِيمِ الصَّبَا، لِيَكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ صَوْتًا صَدَّاحًا، وَرَاوِيَةً لِلْحَدِيثِ، وَشَاعِرًا تَخْضَعُ لَهُ الْقَوَافِي.

نَشْأَةٌ فِي مَهْدِ الْفَصَاحَةِ

شَبَّ الفَتَى "يَزِيدُ" فِي أَحْضَانِ "بَنِي سَعْدٍ"، تِلْكَ القَبِيلَةُ الَّتِي ارْتَضَعَ مِنْ لِبَانِ فَصَاحَتِهَا سَيِّدُ الْوَلَدِ آدَمَ ﷺ. لَمْ يَكُنْ يَزِيدُ مُجَرَّدَ نَاشِئٍ يَلْهَو فِي شِعَابِ البَادِيَةِ، بَلْ كَانَتْ أُذُنُهُ لَاقِطَةً لِكُلِّ شَارِدَةٍ وَوَارِدَةٍ مِنْ غَرِيبِ اللُّغَةِ وَأَسَالِيبِ العَرَبِ الْخُلَّصِ. تَشَرَّبَ الْبَيَانَ حَتَّى صَارَ الطَّبْعُ فِيهِ سَجِيَّةً، وَانْطَلَقَ لِسَانُهُ بِالشِّعْرِ انْطِلَاقَ السَّيْلِ مِنَ الرُّبَى، فَكَانَ إِذَا تَكَلَّمَ أَسْمَعَ، وَإِذَا أَنْشَدَ أَبْدَعَ.

العَالِمُ الزَّاهِدُ وَالْأَبُ الْمُرَبِّي

لَمْ تَحْبِسْهُ مَوْهِبَةُ الشِّعْرِ عَنْ مَعَالِي الدِّينِ؛ فَقَدْ كَانَ "أَبُو وَجْزَةَ" مِنْ خِيَارِ التَّابِعِينَ، أَدْرَكَ زَمَانَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ، وَنَهَلَ مِنْ مَعِينِ عِلْمِهِمْ. جَالَسَ "سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ"، وَأَخَذَ عَنْ "عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ"، حَتَّى غَدَا صَدْرًا فِي الرِّوَايَةِ، ثِقَةً فِي النَّقْلِ، حَافِظًا لِكِتَابِ اللهِ. وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ فِي تَرْبِيَةِ بَنِيهِ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَّخِرُ وُسْعًا فِي تَحْفِيظِهِمُ الْقُرْآنَ، فَكَانَ يَخُطُّ لَهُمُ الآيَاتِ عَلَى أَدِيمِ الرَّمْلِ لِيَقْرَؤُوهَا وَيَحْفَظُوهَا، جَامِعًا لَهُمْ بَيْنَ خُشُونَةِ الْعَيْشِ وَرِقَّةِ الْقُرْآنِ، لِيَخْرُجُوا مِنْ صُلْبِهِ حُفَّاظًا فُصَحَاءَ.

فِي مَجْلِسِ الْفَارُوقِ.. وَلِقَاءُ السَّيْفِ الْمَسْلُولِ

وَلَعَلَّ مِنْ أَعْجَبِ مَا رُوِيَ فِي سِيرَتِهِ، تِلْكَ الْحَادِثَةُ الَّتِي جَمَعَتْهُ بِهَامَتَيْنِ مِنْ هَامَاتِ التَّارِيخِ: أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ "عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ"، وَسَيْفِ اللهِ الْمَسْلُولِ "خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ" -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-. كَانَ الْفَارُوقُ عُمَرُ -بِسِيَاسَتِهِ الْحَازِمَةِ- قَدْ نَهَى النَّاسَ عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي مَدْحِ خَالِدٍ، خَشِيَاً عَلَى عَقِيدَةِ النَّاسِ أَنْ يُفْتَنُوا بِهِ، وَخَشِيَةً عَلَى خَالِدٍ مِنَ الْعُجْبِ. وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، دَخَلَ أَبُو وَجْزَةَ مَجْلِسَ عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ خَالِدٌ جَالِسًا هُنَاكَ، قَدْ تَلَثَّمَ بِعِمَامَتِهِ حَتَّى لَا يَكَادُ يُعْرَفُ. رَمَقَ أَبُو وَجْزَةَ الرَّجُلَ الْمُتَلَثِّمَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ، فَأَدْرَكَ أَنَّ تَحْتَ هَذَا اللِّثَامِ مَجْدًا لَا يُوَارَى، فَسَأَلَ: "أَهَاهُنَا خَالِدٌ؟". فَمَا كَانَ مِنْ خَالِدٍ إِلَّا أَنْ حَسَرَ اللِّثَامَ عَنْ وَجْهِهِ، فَأَشْرَقَتْ أَسَارِيرُ الشَّاعِرِ، وَانْدَفَعَ يَمْدَحُهُ فِي حَضْرَةِ عُمَرَ قَائِلًا: "وَاللهِ إِنَّكَ لَأَصْبَحُهُمْ خَدًّا، وَأَكْرَمُهُمْ جَدًّا، وَأَوْسَعُهُمْ مَجْدًا، وَأَبْسَطُهُمْ رِفْدًا".

سَكَتَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَلَكِنَّ الْأَيَّامَ دَارَتْ، وَالْتَقَى عُمَرُ بِأَبِي وَجْزَةَ مَرَّةً أُخْرَى، فَعَاتَبَهُ عِتَابَ الْأَمِيرِ لِلرَّعِيَّةِ قَائِلًا: "أَلَمْ أَنْهَ عَنْ مَدْحِ خَالِدٍ عِنْدِي؟!". فَرَدَّ أَبُو وَجْزَةَ رَدًّا يَقْطُرُ دَهَاءً وَصِدْقًا، وَكَشَفَ عَنْ فَلْسَفَتِهِ فِي الْمَدْحِ وَالْهِجَاءِ، فَقَالَ: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.. مَنْ أَعْطَانَا مَدَحْنَاهُ، وَمَنْ حَرَمَنَا سَبَبْنَاهُ كَمَا يَسُبُّ الْعَبْدُ رَبَّهُ". دُهِشَ عُمَرُ مِنْ هَذَا التَّشْبِيهِ الْغَرِيبِ، وَقَالَ مُسْتَنْكِرًا: "وَيْحَكَ يَا أَبَا وَجْزَةَ! وَكَيْفَ يَسُبُّ الْعَبْدُ رَبَّهُ؟!". فَأَجَابَهُ الشَّاعِرُ الْأَلْمَعِيُّ: "مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَسْمَعُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ". فَتَبَسَّمَ عُمَرُ مِنْ فِطْنَتِهِ، وَتَرَكَهُ لِشَأْنِهِ، فَقَدْ كَانَ يَقْصِدُ بِالرَّبِّ "الْمَالِكَ وَالسَّيِّدَ" فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، لَا الْخَالِقَ جَلَّ وَعَلَا، وَتِلْكَ كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّ الْفَقِيرَ إِذَا حُرِمَ الْعَطَاءَ، شَكَا سَيِّدَهُ وَذَمَّهُ فِي الْخَفَاءِ حَيْثُ لَا يَرَاهُ.

شَاعِرِيَّةٌ فَذَّةٌ وَغَزَلٌ عُذْرِيٌّ

لَمْ يَكُنْ أَبُو وَجْزَةَ مُجَرَّدَ رَاوِيَةٍ، بَلْ كَانَ فَحْلًا مِنْ فُحُولِ الشِّعْرِ، يُجِيدُ الْمَدْحَ إِجَادَتَهُ لِلْغَزَلِ. وَمِنْ رَقِيقِ شِعْرِهِ ذَلِكَ الْغَزَلُ العَفِيفُ الَّذِي يَمْتَزِجُ فِيهِ الشَّيْبُ بِالْوَقَارِ، وَالشَّوْقُ بِالْحِكْمَةِ. فَهَا هُوه يَقِفُ عَلَى الْأَطْلَالِ وَيُنَاجِي صَاحِبَتَهُ "سُعْدَى" قَائِلًا بِنَبْرَةٍ تَخْلَعُ الْقُلُوبَ:

حَنَّ الْفُؤَادُ إِلَى سُعْدَى وَلَمْ تُثِبِ ... فِيمَ الْكَثِيرُ مِنَ التَّحْنَانِ وَالطَّرَبِ
قَالَتْ سُعَادُ: أَرَى مِنْ شَيْبِهِ عَجَبًا ... مَهْلًا سُعَادُ، فَمَا فِي الشَّيْبِ مِنْ عَجَبِ
إِمَّا تَرَيْنِي كَسَانِي الدَّهْرُ شَيْبَتَهُ ... فَإِنَّ مَا مَرَّ مِنْهُ عَنْكِ لَمْ يَغِبِ

لَقَدْ كَانَ شِعْرُهُ مِرْآةً لِرُوحِهِ، يَجْمَعُ بَيْنَ جَزَالَةِ الْبَدْوِ وَرِقَّةِ الْحَضَرِ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ النُّقَّادِ وَالْعُلَمَاءُ بِأَنَّهُ "شَاعِرٌ مُجِيدٌ، كَثِيرُ الْغَرِيبِ، فَصِيحُ الْأَلْفَاظِ"، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ كَانَ "خَاتِمَةَ الشُّعَرَاءِ" فِي زَمَانِهِ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِشِعْرِهِمْ فِي اللُّغَةِ.

فِي ظِلِّ الْفَاقَةِ وَكَنَفِ الْجُودِ

لَمْ تَكُنْ حَيَاةُ "أَبِي وَجْزَةَ" مَفْرُوشَةً بِالْوُرُودِ، بَلْ كَانَ الْفَقْرُ ضَيْفًا ثَقِيلًا يَطْرُقُ بَابَهُ، وَالْعَيْلَةُ تُحَاصِرُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَلَكِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَيَّضَ لَهُ رِجَالًا مِنَ الْكِرَامِ، كَانُوا لَهُ سَنَدًا وَظَهِيرًا. وَكَانَ عَلَى رَأْسِهِمُ الشَّرِيفُ الْجَوَادُ "عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَزِيدَ السَّعْدِيُّ" (ابْنُ عَطِيَّةَ)، الَّذِي كَانَ يَغْمُرُ "أَبَا وَجْزَةَ" بِفَضْلِهِ، فَيَكْسُوهُ إِذَا عَرِيَ، وَيُطْعِمُهُ إِذَا جَاعَ، وَيَقُومُ بِشَأْنِ عِيَالِهِ كُلِّهِمْ. فَانْطَلَقَ لِسَانُ الشَّاعِرِ بِالشُّكْرِ، وَسَارَتْ قَصَائِدُهُ فِي الْآفَاقِ تَمْدَحُ هَذَا الْكَرِيمَ، حَتَّى قَالَ فِيهِ قَصِيدَتَهُ الْعَصْمَاءَ:

إِنِّي مَدَحْتُهُمُ لَمَّا رَأَيْتُ لَهُمْ ... فَضْلًا عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ
 إِلَّا تُثِبْنِي بِهِ لَا يَجْزِنِي أَحَدٌ ... وَمَنْ يُثِيبُ إِذَا مَا أَنْتَ لَمْ تُثِبِ"

بَيْنَ غَضْبَةِ الزُّبَيْرِيِّ وَمَدْحِ الْحَسَنِيِّ

وَمِنْ عَجِيبِ مَا رُوِيَ فِي سِيرَتِهِ أَيْضًا، تِلْكَ الْحَادِثَةُ الَّتِي كَشَفَتْ عَنْ قُوَّةِ شَكِيمَتِهِ وَاعْتِزَازِهِ بِفَنِّهِ. فَقَدْ كَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى "آلِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ"، وَتَحْدِيدًا إِلَى "عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ"، الَّذِي كَانَ يُكْرِمُهُ وَيُقَرِّبُهُ. وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، قَادَتْهُ خُطَاهُ إِلَى "عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ" -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-، فَمَدَحَهُ بِقَصِيدَةٍ رَائِعَةٍ، فَوَصَلَهُ الْعَلَوِيُّ وَأَجْزَلَ لَهُ الْعَطَاءَ. فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ "ابْنَ عُرْوَةَ الزُّبَيْرِيَّ"، اشْتَعَلَتْ نَارُ الْغَيْرَةِ فِي قَلْبِهِ، وَغَضِبَ عَلَى شَاعِرِهِ، فَقَطَعَ عَنْهُ الْعَطَاءَ وَأَعْرَضَ عَنْهُ.

لَمْ يَكُنْ "أَبُو وَجْزَةَ" مِمَّنْ يَسْكُتُ عَلَى الضَّيْمِ، وَلَا مِمَّنْ يَسْتَجْدِي الرِّضَا بِالذُّلِّ، فَرَدَّ الصَّاعَ صَاعَيْنِ، وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ بِهِجَاءٍ لَاذِعٍ لِآلِ الزُّبَيْرِ، قَائِلًا: "آلُ الزُّبَيْرِ بَنُو حُرَّةٍ ... مَرَوا بِالسُّيُوفِ صُدُورًا خِنَافَا يَمُوتُونَ وَالْقَتْلُ دَاءٌ لَهُمْ ... وَيَصْلَوْنَ يَوْمَ السِّيَافِ السَّيَافَا وَأَجْبَنُ مِنْ صَافِرٍ كَلْبُهُمْ ... إِذَا قَرَعَتْهُ حَصَاةٌ أَضَافَا". فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ كَوَقْعِ السِّيَاطِ، فَمَا إِنْ سَمِعَهَا "ابْنُ عُرْوَةَ" حَتَّى أَدْرَكَ خَطَرَ مُعَادَاةِ الشُّعَرَاءِ، وَعَرَفَ أَنَّ لِسَانَ "أَبِي وَجْزَةَ" أَمْضَى مِنَ السَّيْفِ، فَرَضِيَ عَنْهُ وَأَعَادَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ وُدٍّ وَعَطَاءٍ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَبْقَى هَذَا الْهِجَاءُ وَسْمَةً فِي جَبِينِ الدَّهْرِ.

مَأْسَاةُ الْأَبِ.. وَعُقُوقُ الابْنِ

لَمْ تَكُنْ مَعَارِكُ شَاعِرِنَا فِي بَلَاطَاتِ الْمَمْدُوحِينَ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ لَهُ فِي بَيْتِهِ مَعْرَكَةٌ أُخْرَى، أَشَدُّ إِإِيلَامًا وَأَقْسَى وَقْعًا. فَقَدْ ابْتُلِيَ بِابْنٍ عَاقٍّ اسْمُهُ "عُبَيْدٌ"، وَزَوْجَةٍ سَلِيطَةٍ هِيَ "أُمُّ عُبَيْدٍ". ضَاقَ ذَرْعُ الْأَبِ بِتَصَرُّفَاتِ ابْنِهِ، وَقَسْوَةِ زَوْجَتِهِ، فَتَفَجَّرَتْ قَرِيحَتُهُ عَنْ أَبْيَاتٍ هِيَ إِلَى الشَّكْوَى أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى الشِّعْرِ، يُحَذِّرُ فِيهَا ابْنَهُ مِنْ غَضْبَتِهِ الَّتِي تُشْبِهُ غَضْبَةَ الْأَسَدِ: "رَبٌّ يُجَازِي السَّيِّئَاتِ مَنْ ظَلَمْ ... أَنْذَرْتُكَ الشِّدَّةَ مِنْ لَيْثِ أَضَمْ عَادٍ أَبِي شِبْلَيْنِ فَرْفَارِ لَحَمْ ... فَارْجِعْ إِلَى أُمِّكَ تَفْرِشْكَ وَنَمْ" إِنَّهُ يُصَوِّرُ نَفْسَهُ "لَيْثَ أَضَمَ" (أَسَدًا غَضُوبًا)، وَيَطْرُدُ ابْنَهُ لِيَعُودَ إِلَى حِضْنِ أُمِّهِ، تِلْكَ الْعَجُوزُ الَّتِي وَصَفَ رَأْسَهَا بِوَصْفٍ عَجِيبٍ قَائِلًا: "إِلَى عَجُوزٍ رَأْسُهَا مِثْلُ الْإِرَمْ" أَيْ مِثْلُ الْحِجَارَةِ الْبَالِيَةِ، فِي صُورَةٍ كَارِيكَاتِيرِيَّةٍ سَاخِرَةٍ تَعْكِسُ مَدَى الْأَلَمِ وَالْمَرَارَةِ فِي نَفْسِ هَذَا الشَّيْخِ الْكَبِيرِ.

غَزَلُ الْمَشِيبِ.. وَجَمَالُ الرُّوحِ

وَمِنْ طَرَائِفِ شِعْرِهِ الَّتِي خَلَّدَهَا التَّارِيخُ، أَنَّهُ خَرَجَ عَنِ الْمَأْلُوفِ فِي الْغَزَلِ. فَبَيْنَمَا يَتَغَنَّى الشُّعَرَاءُ بِالْكَوَاعِبِ الْأَتْرَابِ، وَقَفَ "أَبُو وَجْزَةَ" يَتَشَبَّبُ بِامْرَأَةٍ عَجُوزٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرَ فِيهَا التَّجَاعِيدَ وَالْهَرَمَ، بَلْ رَأَى فِيهَا جَمَالًا مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، جَمَالَ الْوَقَارِ وَالْعَقْلِ وَالْفَضِيلَةِ. أَنْشَدَ يَقُولُ فِي قَصِيدَةٍ بَدِيعَةٍ:

"يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُوَكَّلُ بِالصِّبَا ... فِيمَ ابْنُ سَبْعِينَ الْمُعَمَّرُ مِنْ دَدِ؟
حَتَّامَ أَنْتَ مُوَكَّلٌ بِقَدِيمَةٍ ... أَمْسَتْ تُجَدَّدُ كَالْيَمَانِي الْجَيِّدِ
زَانَ الْجَلَالُ كَمَالَهَا، وَرَسَا بِهَا ... عَقْلٌ وَفَاضِلَةٌ وَشِيمَةُ سَيِّدِ"

لَقَدْ رَأَى فِي شَيْبِهَا جَمَالًا يُضَاهِي جَمَالَ الثَّوْبِ الْيَمَانِيِّ الْأَصِيلِ، كُلَّمَا تَقَادَمَ ازْدَادَ قِيمَةً وَرَوْنَقًا. إِنَّهُ غَزَلُ الْأَرْوَاحِ الَّتِي تَسَامَتْ فَوْقَ غَرَائِزِ الْأَجْسَادِ، لِيَرْسُمَ لَنَا لَوْحَةً إِنْسَانِيَّةً فَرِيدَةً لِعَاشِقٍ فِي السَّبْعِينَ مِنْ عُمْرِهِ.

خَرِيفُ الْعُمْرِ.. وَوَقَارُ الْمَشِيبِ

دَارَتْ عَجَلَةُ الزَّمَانِ، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا، وَانْحَنَى الظَّهْرُ الَّذِي كَانَ يَوْمًا مُنْتَصِبًا فِي مَجَالِسِ الْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ. لَقَدْ عَاشَ "أَبُو وَجْزَةَ" عُمْرًا مَدِيدًا، عَاصَرَ فِيهِ دُوَلًا تَقُومُ وَأُخْرَى تَزُولُ، وَشَهدَ تَحَوُّلَاتِ الدَّهْرِ بِعَيْنِ الْحَكِيمِ الْمُجَرِّبِ. فِي خَوَاتِيمِ حَيَاتِهِ، لَزِمَ مَدِينَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، تِلْكَ الْبُقْعَةُ الطَّاهِرَةُ الَّتِي شَهِدَتْ صِبَاهُ وَشَبَابَهُ. صَارَ شَيْخًا جَلِيلًا، يُقْصَدُ لِعِلْمِهِ وَأَدَبِهِ، وَيُرْوَى عَنْهُ الْحَدِيثُ وَالشِّعْرُ. كَانَ إِذَا مَشَى فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، أَوَى إِلَيْهِ طُلَّابُ الْعِلْمِ يَنْهَلُونَ مِنْ بَحْرِ ذَاكِرَتِهِ الَّتِي اخْتَزَنَتْ مَوَاقِفَ "عُمَرَ" وَبَطُولَاتِ "خَالِدٍ" وَأَمْجَادَ "آلِ الزُّبَيْرِ".

الرَّحِيلُ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ

وَفِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ (130 هـ)، هَبَّتْ رِيَاحُ الْفَقْدِ عَلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ. أَسْلَمَ الرُّوحَ لِبَارِئِهَا ذَلِكَ الْفَتَى الَّذِي بَدَأَ حَيَاتَهُ سَبِيًّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَخَتَمَهَا سَيِّدًا مِنَ التَّابِعِينَ فِي الْإِسْلَامِ. مَاتَ "يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ"، وَلَكِنَّ صَوْتَ "أَبِي وَجْزَةَ" لَمْ يَمُتْ. تَرَكَ خَلْفَهُ إِرْثًا لَا يَبْلَى؛ دِيوَانًا زَاخِرًا بِالْغَرِيبِ وَالنَّادِرِ مِنَ اللُّغَةِ، وَقَصَائِدَ سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ. لَقَدْ كَانَ وَفَاتُهُ إِيذَانًا بِانْطِوَاءِ صَفْحَةٍ مُشْرِقَةٍ مِنْ صَفَحَاتِ الشِّعْرِ الْأُمَوِيِّ، ذَلِكَ الشِّعْرُ الَّذِي كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ خُشُونَةِ الْبَدَاوَةِ وَرِقَّةِ الْحَضارةِ.

خُلُودُ الْأَثَرِ

لَمْ يَكُنْ أَبُو وَجْزَةَ مُجَرَّدَ شَاعِرٍ عَابِرٍ، بَلْ كَانَ "حُجَّةً" فِي اللُّغَةِ. فَقَدْ وَصَفَهُ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّهُ "صَاحِبُ غَرِيبٍ"، أَيْ أَنَّ شِعْرَهُ كَانَ مَنْجَمًا لِلْكَلِمَاتِ الْعَرَبِيَّةِ الْأَصِيلَةِ الَّتِي كَادَتْ تَنْدَثِرُ. وَكَفَاهُ فَخْرًا أَنَّ كِبَارَ الرُّواةِ وَاللُّغَوِيِّينَ، كَـ "ابْنِ قُتَيْبَةَ" وَ"الْأَصْمَعِيِّ"، كَانُوا يَسْتَشْهِدُونَ بِأَبْيَاتِهِ لِتَفْسِيرِ كَلَامِ الْعَرَبِ. رَحَلَ جَسَدُهُ، وَبَقِيَتْ حِكْمَتُهُ الَّتِي رَدَّدَهَا فِي وَصِيَّتِهِ الشِّعْرِيَّةِ، مُذَكِّرًا بِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَهْمَا طَالَ عُمْرُهُ، فَإِنَّ مَصِيرَهُ إِلَى زَوَالٍ، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الذِّكْرِ الْحَسَنِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.

خِتَامًا: هَكَذَا انْتَهَتْ رِحْلَتُنَا مَعَ "أَبِي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ"، رِحْلَةٌ بَدَأَتْ بِالْقَيْدِ وَانْتَهَتْ بِالْخُلُودِ، وَسَتَظَلُّ أَبْيَاتُهُ شَاهِدَةً عَلَى عَصْرٍ كَانَتِ الْكَلِمَةُ فِيهِ هِيَ السُّلْطَانَ الْأَكْبَرَ.


مَصَادِرُ الرِّوَايَةِ وَالتَّوْثِيقِ

  1. "الشِّعْرُ وَالشُّعَرَاءُ": لِلْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيِّ.
  2. "الْأَغَانِي": لِأَبِي الْفَرَجِ الْأَصْفَهَانِيِّ (الْمُجَلَّدُ السَّادِسُ).
  3. "الْإِصَابَةُ فِي تَمْيِيزِ الصَّحَابَةِ": لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ.
  4. "تَارِيخُ مَدِينَةِ دِمَشْقَ": لِلْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ.
  5. "طَبَقَاتُ ابْنِ سَعْدٍ": (ذِكْرُ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ).
  6. "مُعْجَمُ الشُّعَرَاءِ": لِلْمَرْزُبَانِيِّ.
  7. "تَهْذِيبُ الْكَمَالِ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ": لِلْحَافِظِ الْمِزِّيِّ.
author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX