recent
آخر القصص

قصة وفاء أذهلت الخليفة المأمون: الأسير الذي أنقذ رقبة سجّانه

في قلب بغداد، حيث يقف سجين شامس بين يدي المأمون ينتظر الموت، تُنسج أعظم قصة وفاء ورد جميل في التاريخ. نروي لكم الحكاية الكاملة للعباس مع الرجل الشامي الذي آواه في محنته بدمشق، وكيف تصارع النبل مع القضاء حتى بكى الخليفة المأمون عافياً ومكافئاً. قصة تثبت أن المعروف لا يضيع أبداً.
🔊

قصة الوفاء النادرة: العباس والرجل الشامي في مجلس المأمون

غضب المأمون ووعيد الإعدام

في بغداد، عاصمة الدنيا، ودار السلام التي يأوي إليها الملوك وتشد إليها الرحال، كان يجلس أمير المؤمنين المأمون في بهو مجلسه العظيم. لقد كان يوماً مشهوداً من أيام الخلافة، علت فيه هيبة السلطان، وسكنت الأنفاس في حضرته، إلا من رجلٍ واحدٍ ماثلٍ بين يديه، قد أثقل الحديد رسغيه وقدميه، ورسمت سياط الجلادين على وجهه وجسده خطوطاً غابت معها ملامحه، حتى لكأن الناظر إليه لا يرى رجلاً، بل يرى شبحاً من الألم يمشي على قدمين.

في تلك اللحظة، دخل العبّاس، أحد رجال الخليفة المقربين، فلما رآه أمير المؤمنين أشار إليه إشارة غاضبة وقال بصوتٍ لا يعرف الهوادة: "يا عباس!" فأقبل العباس مسرعاً وقد عقد الخوف لسانه، وقال: "لبيك يا أمير المؤمنين."
قال الخليفة وهو يشير إلى الأسير: "خُذ هذا إليك، فاستوثق من قيوده أشد الوثاق، واحتفظ به عندك هذه الليلة، ثم أحضره مع خيوط الفجر الأولى لأضرب عنقه بيدي...!" كانت كلمات الخليفة كحد السيف، قاطعةً، لا رجعة فيها.

ليلة في دار العباس: فضول يكشف المستور

دعا العباس حراسه، فأتوا وحملوا الرجل حملاً، فقد وهنت قوته وخذلته قدماه عن النهوض. وبينما هم يسيرون به، جال في خاطر العباس أمرٌ. قال في نفسه: "إن أمير المؤمنين قد أوصاني به هذه الوصية المشددة، وأمرني بالاحتراز عليه كل الاحتراز... فوالله لا آمن عليه إلا أن يكون في عقر داري، وتحت عيني."

وهكذا، أمر رجاله أن يمضوا بالأسير إلى داره هو، ثم عاد فأمضى بقية يومه في خدمة الخليفة، وقلبه مشغول، وعقله يسبح في بحر من التساؤلات حول هذا الرجل الذي استحق كل هذا الغضب.

ما إن أرخى الليل سدوله على بغداد، وانصرف العباس إلى داره، حتى غلبه الفضول. ترك فراشه الوثير، ومضى إلى حيث يُحتجز الأسير. وجده جالساً في زاويةٍ من الغرفة، صامتاً صمت القبور، لا يكاد يُسمع له حسيس.

دنا منه العباس وقال في لين: "أيها الرجل، من أنت؟ ومن أي بلاد الله جئت؟"
رفع الأسير رأسه ببطء، وقال بصوت خافتٍ أجشّ: "أنا من الشام... وما أدراك ما الشام وأهلها."
لمعت في ذهن العباس ذكرى قديمة، ذكرى رجلٍ من الشام له في عنقه دينٌ ما وفّاه الدهر بعد. فسأله على عجل: "أتعرف فلاناً بن فلان، من أهل دمشق؟" نظر إليه الأسير نظرة حائرة وقال: "ومن أين لك معرفته؟" قال العباس: "لي معه قصةٌ وددت لو أعرف مصيره." أطرق الأسير لحظة ثم قال: "لا والله لا أخبرك عنه خبراً، حتى تقصّ عليّ قصتك معه أولاً."

هروب من الموت: ذكريات العباس في دمشق

عندها، استوى العباس جالساً، وأطلق لِذكرياته العنان، وبدأ يقصّ حكايته كأنها شريط يُعرض أمامه الآن:
"كنتُ في شبابي صاحب شرطة والي الشام. ثم ما لبثت أن اضطربت الأمور، وقامت في دمشق فتنة عظيمة، وثارت ثائرة الناس على الوالي فقتلوه. يومها، لم أجد لي من الموت مهرباً إلا أن ألقيتُ بنفسي من شرفة القصر العالية، فهويت إلى الأرض وقد تحطمت بعض عظامي. لكني نهضت على ما بي من ألم، وصرت أعدو في دروب دمشق وأزقتها لا ألوي على شيء، وجماعة من الثوار يركضون خلفي وقد شهروا سيوفهم، وأصواتهم تتعالى: (عليكم به! عليكم بالعباس!)."

"وما زلت أركض وهم خلفي، أتعثر وأنهض، حتى خارت قواي وكدت أسقط بين أيديهم. عندها، وفي أحد الدروب العتيقة، لمحت رجلاً جالساً على عتبة داره، يبدو على وجهه وقار الصالحين. فلما مررت به، صرخت بأعلى صوتي: (أغثني أغاثك الله!)"

شهامة غريب وموقف لا يُنسى

"فما كان من الرجل إلا أن نهض في هدوء وقال: (لا بأس عليك، ادخل الدار). فاندفعت إلى داخل الدار كالسهم. وما هي إلا لحظات حتى خرجت زوجته، امرأة لا تقل عنه نبلاً، وقالت: (ادخل تلك المقصورة ولا تخف). فدخلتها، وأغلقت عليّ الباب."

"في تلك الأثناء، وقف الرجل على باب داره، وما هي إلا برهة حتى وصل الثوار، وقد تقاطر عرقهم وتطاير الشرر من أعينهم، وقالوا له: (واللهِ لقد رأيناه يدخل دارك! أخرج لنا العباس!). فقال لهم الرجل بثبات عجيب: (دونكم الدار، فتشوها إن شئتم). فاقتحموا البيت، وفتشوا كل زاوية فيه حتى لم يبق إلا تلك المقصورة التي أنا فيها، وزوجته تقف أمام بابها. فقالوا: (إنه هاهنا!). فصاحت بهم المرأة ونهتهم بلسانٍ فصيح، فاستحيوا وانصرفوا خائبين."

"خرج الرجل وجلس على باب داره ساعة يراقب الطريق، وأنا في الداخل أرتجف، لا تكاد تحملني رجلاي من شدة الهول. ثم عادت المرأة وقالت: (اجلس أيها الرجل، لا بأس عليك الآن). فجلست. وما لبثت قليلاً حتى دخل الرجل مبتسماً وقال: (أبشر, فقد صرف الله عنك شرهم، وصرت إلى الأمن والدعة بإذن الله). فقلت له والدموع تترقرق في عيني: (جزاك الله عني خير الجزاء)."

كرمٌ فاق الخيال ولحظة الحقيقة

"أيها الرجل... هل تدري ماذا حدث بعد ذلك؟ لقد أقمتُ في كنفه، وفي ضيافة مروءته، أربعة أشهرٍ كاملة. والله ما شعرت خلالها أني ضيف، بل كنت كأني صاحب الدار. عشت في أرغد عيش وأهنئه، حتى سكنت الفتنة، وهدأت الشام، وزال أثر الثورة. عندها، استأذنته في الرحيل إلى أهلي في العراق. فقال: (إن القافلة سترحل بعد ثلاثة أيام، وسأخبرك حين تجهز)."

"ووبعد ثلاثة أيام، جاءني وقال: (هيّئ نفسك، فالقافلة على أهبة السفر). حينها، دخلني همٌ عظيم، وصرت أفكر: كيف لي بالسفر وأنا لا أملك درهماً ولا ديناراً؟ وبينما أنا غارق في تفكيري، دخل عليّ وهو يحمل بين يديه أشياء لم تخطر لي على بال. كان يحمل همياناً مليئاً بالمال، وسيفاً عربياً أصيلاً، ووقف بالباب فرسٌ من عتاق الخيل، وخادمٌ ينتظر أمري، وبغلٌ قد حُمّل بأفخر هدايا الشام ونفائسها."

"ثم قال: (يا أخي، هذا الهميان فيه خمسمائة دينار، ليكون زادك في الطريق. وهذا الحسام ليكون سلاحك. وهذه الفرس الأصيلة مركبك. وهذا الخادم لخدمتك. وهذا البغل بما عليه هدية متواضعة منا لأهلك في العراق). ثم أقبل هو وامرأته يعتذران إليّ من التقصير في حقي... أي تقصير يا رجل؟! أي تقصير وقد وهباني حياتي ومالهما وكرمهما؟"

"ووالله، إنها لمنّةٌ بقيت في عنقي ما حييت، وكنت أدعو الله أن يمكنني يوماً من رد بعض جميله، وها أنا أتعقب أثره وأسأل عنه كل قادمٍ من الشام، لعلي أثيبه بعض ما صنع لي."
عندما أنهى العباس كلامه، ساد صمتٌ رهيب في الغرفة. ثم رفع الأسير وجهه الذي شوّهه الضرب، وقال بصوتٍ متحشرجٍ تختلط فيه الدموع بالكلمات: "يا عباس... أنا هو."

صراع الوفاء: "والله لن أفعلها!"

وقعَت الكلمات على مسمع العباس كالصاعقة. حدّق في وجه الأسير، وأمعن النظر في تقاسيمه التي أكلتها الجراح... فرأى خلف ذلك الدمار كله، عينين يعرفهما، عينين حملتا له الأمان يوماً ما.
فما تمالك العباس نفسه أن قام من مكانه، وارتمى على الرجل يقبّل رأسه ويديه وهو يبكي ويقول: "أأنت هو؟! أأنت صاحبي؟! يا لخجلي منك! أي جزاء هذا الذي أجزيك به؟!"

ثم استدعى حدّاداً في جوف الليل فكسر قيوده، وأمر له بأفخر الثياب، وأدخله الحمام فاغتسل وتطيب، وأجلسه معه ليشاركه طعامه. ثم أخرج له صرّة فيها ألف دينار، وقال: "يا أخي، هذه ألف دينار، وهذه فرسي أهبها لك، وهذا باب الدار أمامك، فاخرج في جنح الظلام واذهب حيث تشاء، ودعني وشأني مع أمير المؤمنين."

نظر إليه الرجل الشامي وقال بحزمٍ وصوتٍ استعاد كبرياءه: "والله لن أفعلها!" قال العباس: "ولماذا؟ إنها فرصتك للنجاة!" قال الرجل: "لأن ذنبي عند الخليفة عظيم، وهو قاتلي لا محالة. فإن أنا ذهبت، قتلك مكاني. فوالله لا أبرح مكاني هذا، ولن أكون سبباً في هلاك من أراد أن يحييني." وألحّ عليه العباس وأقسم عليه، لكن الرجل أبى إباء الكرام.

فلما يئس منه العباس، قال: "إذاً، اسمع ما سأقول. تبقى أنت هنا، فإذا طلع الصباح، ذهبت أنا إلى أمير المؤمنين، وسأستعطفه وألتمس منه عفوك. فإن أجابني، فذلك ما نرجو. وإن أبى، أرسلت إليك رسولاً لتأتيني، وليقضِ الله أمراً كان مفعولاً." فقال الرجل الشامي: "بهذا قبلت."

المواجهة الحاسمة مع المأمون

خرج العباس من عنده، ومضى إلى السوق فاشترى لنفسه كفناً، وعاد به إلى داره. قضى ليلته يصلي ويدعو، فلما صلى الفجر، وجلس ينتظر، جاءه رسول الخليفة يقول: "أمير المؤمنين يطلب الرجل!"

أخذ العباس كفنه تحت إبطه، ومضى إلى قصر الخلافة بقلبٍ ثابت، وقد وطن نفسه على الموت.
وجد المأمون يتمشى في حديقة القصر، فلما رآه وحده، تغير وجهه وقال بغضب: "ويلك يا عباس! أين الرجل؟" قال العباس: "هو في داري يا أمير المؤمنين، ولكن، اسمع مني قبل أن تأمر فيه بأمرك." فقال المأمون وقد أقسم: "عليّ عهد الله، إن قلت إنه قد فرّ، لأضربنّ عنقك مكانه!" قال العباس: "لم يفرّ يا مولاي، فاسمع مني، ولك أن تفعل بعدها ما تشاء." قال المأمون وقد أثاره فضوله: "قل ما عندك."

فقصّ العباس عليه القصة من أولها إلى آخرها. حكى له عن فتنة الشام، وعن فراره، وعن الرجل الذي آواه، وكيف حماه بروحه، وكيف أكرمه بماله... ثم حكى له كيف أن الأقدار ساقت هذا الرجل إليه سجيناً ينتظر الموت.

دموع الخليفة والنهاية السعيدة

وكان المأمون يستمع، وكلما توغل العباس في القصة، لان قلب الخليفة، ورقّت ملامحه. فلما انتهى العباس من حديثه، انفجر المأمون باكياً، حتى بللت دموعه لحيته، وقال بصوتٍ متهدج: "والله لا أعلم أيّكما أكرم وأوفى! أهو الذي فعل معك كل هذا الصنيع العظيم دون معرفة سابقة؟ أم أنت الذي أردت أن تفديه بروحك بعد أن عرفته؟"

ثم مسح دموعه وقال: "وإني والله لا أريد أن أكون ألأم الثلاثة وأقلكم مروءة. لقد عفوت عن الرجل... بل ائتني به، لنكافئه عنك، ونقصر في وفائك له."

فقال العباس: "يا أمير المؤمنين، إن فيه من النبل ما يفوق الوصف. لقد حلف ألا يبرح مكانه حتى يعلم أني قد سلمت. فإن احتجت إلى حضوره، حضر." فزاد عجب المأمون وقال: "وهذه الخصلة منه أعظم من الأولى! اذهب إليه الآن يا عباس، فطيّب نفسه، وسكّن روعه، ثم ائتني به لأتولى مكافأته بنفسي."

عاد العباس إلى داره والسرور يملأ قلبه، وقال لصاحبه الشامي: "أبشر بالسلامة، فقد عفا عنك أمير المؤمنين." فقام الرجل الشامي بهدوء، فصلى ركعتين شكراً لله، ثم مضى مع العباس إلى حضرة الخليفة.

فلما دخل على المأمون، رحّب به الخليفة أعظم ترحيب، وأدناه من مجلسه، ولاطفه الحديث، ثم عرض عليه ولاية دمشق وأعمالها، فاستعفى الرجل وزهد فيها. فأمر له المأمون بعشرة أفراس مسرجة، وعشرة بغال محملة بالهدايا، وعشر بدراتٍ من المال، وعشرة آلاف دينار، وعشرة من المماليك... وكتب إلى عامله في دمشق أن يكرمه ويرعى شؤونه.

ومنذ ذلك اليوم، صار الرجل الشامي صديقاً للخليفة، وصار يكاتبه من دمشق. فكان كلما وصل البريد بكتاب منه، التفت المأمون إلى العباس وقال مبتسماً: "يا عباس، هذا كتاب صديقك."

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX