قصة آدم عليه السلام بتفاصيلها الكاملة!!! ماذا لو لم يعصِ آدم ربه؟؟!!! قصص الأنبياء
مقدمة: في رحاب الأنبياء
قل الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى. ها نحن أولاء حطت رحالنا في رحاب النبيين، ونضع أقدامنا على طريق المرسلين. هذا طريق اللاحب الطويل، طريق المصطفين الأخيار والعلية الأبرار، فاقصص القصص لعلهم يتفكرون. إنها قصة آدم عليه السلام، آدم أبو البشر الذي خلقه الله تعالى بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه وزوجه حواء جنته، وأظهر فضله ومكانته فعلمه الأسماء كلها.
آدم خليفة الله في الأرض
يا لها من قصة جليلة قد امتلأت حكمة وفاضت عبرة. إنها قصة الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، والإيمان والكفر، والمحنة والمنحة. إنه آدم أبو البشر الخليفة الذي اختاره الله سبحانه وذريته لعمارة الأرض، وقد هيأ له هذا الكون، وسخر له ما في السماوات والأرض وفضله تفضيلاً. (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا).
هذا آدم عليه السلام النبي المجتبى الذي نال من الحفاوة والتكريم ما لم يحظ به أحد غيره، وكأن الكون كله يستعد لاستقبال هذا الخليفة الذي سيتسلم زمام هذه الأرض ليصلح ما أفسده الآخرون. فلنعرج سريعاً ونمضي حثيثاً لنقف على تفاصيل هذه القصة العجيبة، ونتعرف أحداثها ونرسم بالكلمات صورة تفصيلية لهذا النبي الكريم.
مشهد الخلق المهيب: بين الطين والنار
عليه السلام.. هذا هو المشهد الأول في القصة. مشهد الخلق المهيب، آدم الذي خلقه الله بيديه وصوره فأحسن صورته، وجعله في أحسن تقويم، (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ). ولو سألنا أنفسنا لِمَ كانت مادة الخلق من طين؟ لوجدنا الإجابة يسيرة؛ فإن الطين أنفع وخير من النار، فهو رمز الحلم والأناة والرزانة والخير والنماء والإنبات، على النقيض من النار التي فيها الطيش والخفة والرعونة والتدمير والإحراق.
لذا كان إبليس أحمق غبياً مأفوناً يوم فضل النار على الطين فقال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). فهذا هو أصل خلقه عليه الصلاة والسلام، (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ). خُلق آدم إذن من أديم الأرض، من قبضة قبضها الجبار سبحانه من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب والسهل والحَزْن وبين ذلك، كما صح الخبر بذلك عن الصادق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.
سبب التسمية وساعة الخلق
اسم آدم عليه السلام.. ولعل هذا هو سبب التسمية؛ لأنه خُلق من أديم الأرض، أو أنه من الأدمة وهي سمرة البشرة. أما عن الساعة التي خلقه الله عز وجل فيها، فإن الله تعالى قد اختار له أشرف الأوقات، هي الساعة التي يرجى فيها إجابة الدعاء بعد العصر يوم الجمعة. فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن تلك الساعة -يعني التي ترجى يوم الجمعة- فقال: "خلق الله آدم عليه السلام بعد العصر يوم الجمعة، وخلقه من أديم الأرض".
صفة خلقه وهيئته
ولو بحثنا عن صورته عليه السلام، فإن الله عز وجل خلق آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: "اذهب فسلم على أولئك النفر -وهم نفر من الملائكة جلوس- فاستمع ما يجيبونك -وفي رواية ما يحيونك- فإنها تحيتك وتحية ذريتك". قال فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. قال فزادوه: ورحمة الله. قال: "فكل من يدخل الجنة على صورة آدم".
نفخ الروح وتشميت العاطس
ومن مظاهر التكريم لهذا المخلوق الكريم على الله أن الله تعالى نفخ فيه من روحه كما في حديث الشفاعة الطويل عن أبي هريرة رضي الله عنه، فيقول بعض الناس لبعض: "عليكم بآدم"، فيأتون آدم عليه السلام، فيقولون له: "يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة اشفع لنا إلى ربك". ولعل من مظاهر الحفاوة والتكريم أيضاً لآدم عليه السلام، أن الله عز وجل رحمه قبل أن يكون شيئاً مذكوراً، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما نُفخ في آدم فبلغ الروح رأسه عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال له تبارك وتعالى: يرحمك الله". وقد جعل الله سبحانه قول آدم هذا والرد عليه سنة باقية في ذريته إلى يوم يبعثون.
أخذ الميثاق والعهد الأزلي
بتوحيد الرب الخلاق.. ومن مظاهر تشريفه وتكريمه أيضاً، أن الله تعالى قد أخذ الميثاق عليه وعلى ذريته من بعده أن يوحدوه ويعبدوه وألا يشركوا به شيئاً. فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم عليه الصلاة والسلام بنعمان -يعني بعرفة- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً وقال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)". يا لها من كرامة أن يكون العبد حنيفاً مسلماً موحداً بعيداً عن عبادة الأوثان، كما قال إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ).
سجود الملائكة وتكريم الإنسان
وهذا شرف آخر في خلق آدم عليه السلام، أن تسجد له الملائكة المقربون بأمر الله عز وجل كما في حديث: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلي أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت -وفي رواية فعصيت- فلي النار".
آدم نبي مكلم
ومن فضائله أيضاً أنه نبي مرسل مكلم يوحى إليه كما يوحى إلى النبيين من بعده، فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، أن رجلاً قال: يا رسول الله أنبيٌ كان آدم؟ قال: "نعم معلم مكلم". قال: كم بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون". قال: كم بين نوح وإبراهيم؟ قال: "عشرة قرون". قال: يا رسول الله، كم كانت الرسل؟ قال: "ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً".
ومن مظاهر تشريفه وتكريمه أيضاً، أن أهل الجنة يدخلون على صورته وكفى بذلك فخراً وشرفاً، كما جاء في حديث أنس مرفوعاً: "يبعث أهل الجنة على صورة آدم في ميلاد ثلاث وثلاثين سنة، جرداً مرداً مكحلين، ثم يبعث بهم إلى شجرة في الجنة فيكسون منها، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم".
العداوة الأزلية مع إبليس
قال الله تعالى: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ). إنها نار العداوة والحسد التي أكلت قلب إبليس منذ اللحظة الأولى من خلق آدم عليه السلام. فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما صور الله تبارك وتعالى آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خُلق خلقاً لا يتمالك".
فأخذ إبليس العهد على نفسه أن يكون عدواً لآدم وذريته أبد الدهر، قال: (أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا). ثم إنه يعلن هذا العداء لبني آدم منذ أن يستهل أحدهم صارخاً لأن الشيطان قد نخسه بإصبعه في جنبه، وكأن لسان حاله يقول أنا عدوك الذي لا يهدأ ولا ينام، كما صح ذلك عن أبي القاسم صلى الله عليه وسلم: "ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان غير مريم وابنها". ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ). وصدق الله تعالى إذ يقول: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ).
الغواية والخروج من الجنة
(اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْكُكَ الْجَنَّةَ). ولعلنا نتطلع الآن لنرى مشهداً آخر من مشاهد هذه القصة الجميلة الممتعة. فكأننا الآن نرى آدم وزوجه حواء عليهما السلام يتقلبان في نعيم الجنة، يطاف عليهما بصحاف من ذهب وأكواب، ويلبسون السندس والاستبرق (فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَنَهْرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ)، في نعمة وسرور ونعيم وحبور. فبينما هما في هذه الظلال الوارفة والعيش الرغيد، إذ تكدرت الأجواء وأتت الرياح بما لا تشتهي السفن، فالنعم كلها مشوبة بالأكدار، وما امتلأت دار فرحاً إلا وامتلأت ترحاً:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت *** ولم تدرِ سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها *** وعند صفو الليالي يحدث الكدر
نعم، أخذ الشيطان اللعين يوسوس لهما ويعدهما ويمنيهما وما يعدهما الشيطان إلا غروراً، (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ). وهل لهذا اللعين يمين؟! ولما كان المؤمن غراً كريماً والكافر خباً لئيماً، فإن آدم عليه السلام قد وقع في الشرك وخُخدع بالأيمان الكاذبة، (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ). وهكذا رغم أن الله تعالى قد حذر آدم وحواء من عداوة إبليس، إلا أن آدم قد أكل من الشجرة التي نهاه ربه عنها، فأكل منها فبدت لهما سوآتهما.
حدث الخطأ ووقع الزلل، إلا أن آدم عليه السلام لم يكن معانداً لربه متحدياً له كحال إبليس اللعين، لكنها لحظة غفلة وشهوة ندم عليها وتاب منها، (وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ). لم يكن منه كبر أو إصرار ولا عزم على المعصية كما قال تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا). قالا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). لما ندم آدم وبكى واستغفر ربه، تاب ربه عليه لأنه جل في علاه يحب التوابين ويحب المتطهرين، (فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
التوبة والهبوط إلى دار الابتلاء
(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا). إذن فقد وقعت الواقعة وزلزلت الأرض زلزالها، أخرج آدم وحواء من الجنة وأهبطا إلى الأرض دار الشقاء والنكد والهوان. بكى آدم واشتد بكاؤه ونحيبه، فرحم الله ضعفه وجبر كسره وغفر له زلله، كما حكى الحافظ الإمام ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "التبصرة" عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "بينما آدم يبكي إذ جاءه جبريل عليه السلام فسلم عليه، فبكى آدم فبكى جبريل لبكائه، وقال: يا آدم ما هذا البكاء؟ فقال: يا جبريل وكيف لا أبكي وقد حولني ربي من السماء إلى الأرض، ومن دار النعمة إلى دار البؤس. فانطلق جبريل بمقالته، فقال الله تعالى: يا جبريل انطلق إليه وقل له: يا آدم يقول لك ربك: ألم أخلقك بيدي؟ ألم أنفخ فيك من روحي؟ ألم أسجد لك ملائكتي؟ ألم أسكنك جنتي؟ ألم آمرك فعصيتني؟ وعزتي وجلالي لو أن ملء الأرض رجالاً مثلك ثم عصوني لأنزلتهم منازل العاصين، غير أنه يا آدم سبقت رحمتي غضبي، وقد سمعت تضرعك ورحمت بكاءك وأقلت عثرتك".
نزف البكاء دموع عينك فاستعر *** عيناً لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكي بها *** أرأيت عيناً للبكاء تعار
يا لها من دموع غالية تلك التي سفحها آدم عليه السلام، وأكرم بها من توبة، فهذا حال المؤمن إذا عصى تاب وأناب وندم واستغفر ربه كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن خلق مفتناً تواباً نسياً، إذا ذُكر ذكر". آدم عليه السلام أُخرج من الجنة وإبليس اللعين أيضاً، لكن شتان بين الخروجين؛ فآدم إنما أُخرج منها ليمحص ويعود إليها تارة أخرى، ولأن له ولذريته مهمة في الأرض (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). أما الرجيم اللعين فإنه أُخرج منها مذءوماً مدحوراً خاسئاً مخذولاً، كان خروجاً ذليلاً مهيناً لأنه تكبر فيها فأُخرج منها وكان من الصاغرين، (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُ يكونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ). أخرج إبليس تطارده اللعنات إلى يوم الوقت المعلوم، (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ).
الحكمة الإلهية من الاستخلاف
ولو ذهبنا نتأمل الحكمة من خروج آدم عليه السلام من الجنة -وهو لم يلبث فيها إلا عشية أو ضحاها، فإنه قد سكنها يوم الجمعة فما أمسى عليه المساء إلا وقد أكل من الشجرة فأُخرج منها- حكمة بالغة (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ). إننا لم نخلق عبثاً ولن نترك سدىً، ولله تعالى الحجة البالغة. ولنا أن نسأل: ماذا لو لم يهبط آدم إلى الأرض؟ ماذا لو أنه كان فيها من المخلدين؟ كيف كان سيقع الصراع بين الكفر والإيمان، بين الحق بالباطل؟ فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، أين كانت ستدور أحداث هذا الصراع؟ كيف كان سيغلب الحق وينتصر؟ (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ). (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي). (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ). أليست الأرض هي ساحة هذا الصراع؟ بلى والله. كيف كان سيتم التمييز الذي أخبر الله عنه (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)؟ هل كنا سنرى الأنبياء والمرسلين والصالحين والشهداء؟ كلا ورب الكعبة.
ثم إن هذا الخروج والهبوط إلى الأرض كان الله تعالى قد أشار إليه منذ خلق آدم عليه السلام (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، فمهمة آدم في الأرض وليست في السماء، (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ). فآدم الخليفة على هذه الأرض هو وذريته من بعده، كان هبوطه إلى الأرض أمراً طبيعياً وقضاءً قضاه الحق سبحانه (قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ). لهذه الحكمة الجليلة أهبط آدم وزوجه حواء إلى الأرض، (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
المعاناة في الأرض وخلق حواء
فما منا الآن إلا أن نتابع هذه الآلام والأحزان والأشجان التي نزلت بساحة الأبوين الكريمين. لنا أن نتخيل كيف كان حال آدم وحواء حين أهبطا إلى الأرض غريبين لا يعلمان من أمر هذه الأرض شيئاً. إن عليهما أن يكابدا العناء والشقاء (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ). كيف كان الحال؟ وما المشاعر والأحاسيس التي شعر بها كل منهما؟ الله أعلم، ولكن الأمر كما قيل:
قد كان ما كان مما لست أذكره *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر
نعم، أليس الله تعالى قد وعدهما (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لَا تَظْمأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ)؟ بلى والله، وقد حذرهما سبحانه من شماتة الأعداء ودرك الشقاء (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ). لكن السهم قد نفذ، وقد وقع الأمر كما شاء الله تعالى، (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ). فما أشد هذه اللحظات على آدم وحواء، وما نظن أن الدموع قد جفت من المآقي ولا الزفرات والحسرات قد انقطعت منهما إلا بعد دهر طويل؛ لأنهما حلا بهذه الدار التي لا يفرح بها إلا الجاهلون، فهي كما قيل:
يا خاطب الدنيا الدنية إنها *** شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى أضحكت في يومها *** أبكت غداً تباً لها من دار
كان أمر الله قدراً مقدوراً. فهلَّا الآن لنتعرف على صفحة أخرى من حياة آدم وزوجه حواء عليهما السلام، ونذكر شيئاً موجزاً عن أمنا أم البشر، شريكة الحياة ورفيقة الدرب والمعينة على تحمل الأحزان ومصائب الحياة. إنها حواء التي خلقها الله عز وجل لتكون المؤنسة لآدم في الجنة، (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)، (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا). وقد ذُكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها خُلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم، ومصداق هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه". وقيل سميت حواء بذلك لأنها أم كل حي. قَبلت أمنا حواء ما زين لها إبليس حتى زينته لآدم، ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهنها بالولادة، فإن العرق نزاع.
القصة الدامية: قابيل وهابيل
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ). هذه صورة أخرى من حياة أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام. فهذه الأحزان تهز كيانه والشجون تملأ قلبه، فإذا بابتلاء آخر ينزل به ويعصف به عصفاً. ولم لا؟ وهذه الدنيا دار الابتلاءات، وأشد الناس فيها بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. ولكن البلاء هذه المرة يأتي من أقرب الناس إليه، فإذا بالأخ الظالم الكنود يقتل أخاه ويذيقه كأس المنية، وتطوع له نفسه الشقية أن يقتل أخاه فيعصي ربه ويقلل عدده ويشمت عدوه ويبوء بإثمه وإثم أخيه فيكون من أصحاب النار، (وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ). نسي هذا الظلوم أن الأخ عضد أخيه، (قَالَ سَنَشُدُّ عضدك بأخيك):
أخاك أخاك إن من لا أخا له *** كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
وقد ذكر أهل التاريخ والسير أن آدم عليه السلام حزن على ابنه هابيل حزناً شديداً، وأن قابيل عوجل بالعقوبة يوم قتل أخاه؛ جزاءً له على بغيه وعدوانه وتعجيلاً لذنبه وحسده مع ما ينتظره في الآخرة من الخزي والهوان وعذاب النيران. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها"، لأنه كان أول من سن القتل.
الرحيل والعودة إلى المنازل الأولى
وفاة آدم عليه السلام.. ولما عاش آدم عليه السلام ما قضى الله له من عمر، أتته المنية والأجل المحتوم (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ). فهل نسدل الستار على قصة آدم ونشاهد آخر مشهد فيها وهو مشهد الموت والرحيل؟ عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: "لما احتضر آدم قال لبنيه: انطلقوا فاجنوا لي من ثمار الجنة. فخرج بنوه واستقبلتهم الملائكة فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: بعثنا أبونا لنجتني له من ثمار الجنة. قالوا: ارجعوا فقد كفيتم. فرجعوا معهم حتى دخلوا على آدم، فلما رأتهم حواء ذعرت فجعلت تدنو إلى آدم فتلزق به، فقال لها آدم: خلِّ بيني وبين ملائكة ربي. فقبضوا روحه ثم غسلوه وكفنوه وحنطوه، ثم صلوا عليه وحفروا له ثم دفنوه، فقالوا: يا بني آدم هذه سنتكم في موتاكم فكذاكم فافعلوا".
وهكذا كانت النهاية إلى جنات النعيم كما كانت البداية، فما أشبه الليلة بالبارحة، خُلق آدم في الجنة ثم كان مصيره ومآله إليها (نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ). إن الجنة هي الدار الأولى وإليها المستقر إن شاء الله، وما أصدق ما قيل:
فحيَّ على جنات عدن فإنها *** منازلنا الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى *** نعود إلى أوطاننا ونسلم
ومن أصدق من الله قيلاً: (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهَىٰ).