النسخة الصوتية للمقالة
ابن سمعون البغدادي: المُنْطَقُ بِالحِكْمَةِ
هَلْ سَمِعْتُمْ يَوْمًا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي أَسْكَتَ الرَّبَابِعَةَ بِصَمْتِهِ، وَأَبْكَى الجَبَابِرَةَ بِلَحْظِهِ؟ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ خَفَايَا النُّفُوسِ كَأَنَّهَا صَفَحَاتٌ مَنْشُورَةٌ، وَيُخَاطِبُ القُلُوبَ فَتُجِيبُهُ بِالدُّمُوعِ؟ إِنَّهُ 'المُنْطَقُ بِالحِكْمَةِ' الَّذِي لَمْ تَبْلَ أَكْفَانُهُ فِي قَبْرِهِ صِيَانَةً مِنْ رَبِّهِ، وَلَمْ تَمُتْ كَلِمَاتُهُ فِي دَهْرِهِ عِزَّةً لِدِينِهِ.. رَجُلٌ قِيلَ فِيهِ إِجْلَالاً لِقَدْرِهِ:
رجلٌ بلغ من المهابة حداً جثا عنده الجبابرةُ خشوعاً، ومن الطهارة مقاماً أبى الترابُ معه أن يمسَّ جسدَه سوءاً.. هو المنطقُ بالحكمة، الذي صدق فيه قولُ (أبي الطيب المتنبي):
"فإن كان الكتابُ خيرَ جليس، فكيف بمن صار لُبَّ الكتب، وجوهرَ الحكمة، ومنطقَ الحق؟ تعالوا نكشفُ الأسرار الكامنة خلف جلالةِ القدرِ، وعظيمِ الأثر، في قصةِ (ابن سمعون البغدادي)."
(الجُزْءُ الأَوَّلُ: مَنْبِتُ الطُّهْرِ وَبِدَايَةُ المَسِيرِ)
فِي بَغْدَادَ، مَنَارَةِ العِلْمِ وَحَاضِرَةِ الدُّنْيَا، وَفِي سَنَةِ ثَلَاثِمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، بَزَغَ فَجْرُ أَبِي الحُسَيْنِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، المَعْرُوفُ بِـ "ابْنِ سَمْعُونَ". وَ"سَمْعُونُ" هَذَا لَيْسَ إِلَّا لَقَبًا لِجَدِّهِ إِسْمَاعِيلَ، الَّذِي حُرِّفَ اسْمُهُ لِيَصِيرَ وَسْمًا عَلَى جَبِينِ هَذِهِ السُّلَالَةِ المُبَارَكَةِ.
نَشَأَ هَذَا الفَتَى العَبْقَرِيُّ فِي أَحْضَانِ العِفَّةِ وَالقَنَاعَةِ، وَكَانَتْ يَدَاهُ الطَّاهِرَتَانِ تَنْسَخَانِ الكُتُبَ بِالأُجْرَةِ، لَا لِيَكْنِزَ مَالًا، بَلْ لِيُقِيمَ أَوَدَ نَفْسِهِ وَيَحْمِلَ عِبْءَ أُمِّهِ البَرَّةِ. وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ، تَحَرَّكَتْ لَوَاعِجُ الشَّوْقِ فِي فُؤَادِهِ نَحْوَ البَيْتِ العَتِيقِ، فَقَالَ لِأُمِّهِ بِأَدَبِ البَارِّينَ: "يَا أُمَّاهُ، أُحِبُّ أَنْ أَحُجَّ". نَظَرَتْ إِلَيْهِ الأُمُّ بِعَيْنِ العَطْفِ وَالحَيْرَةِ قَائِلَةً: "وَكَيْفَ يُمْكِنُكَ ذَلِكَ وَنَحْنُ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ؟".
وَلَكِنَّ عَيْنَ اللهِ لَا تَنَامُ؛ فَمَا إِنْ أَغْفَتِ الأُمُّ لَحَظَاتٍ حَتَّى رَأَتْ فِي مَنَامِهَا سَيِّدَ الخَلْقِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَقُولُ لَهَا بِلِسَانِ النُّبُوَّةِ: "دَعِيهِ يَحُجَّ؛ فَإِنَّ الخَيْرَ لَهُ فِي حَجِّهِ". اسْتَيْقَظَتِ الأُمُّ وَالدُّمُوعُ تَنْحَدِرُ عَلَى خَدَّيْهَا، وَزَفَّتْ لِوَلَدِهَا البُشْرَى، فَفَاضَتْ رُوحُهُ فَرَحًا، وَبَاعَ دَفَاتِرَهُ -وَهِيَ أَعَزُّ مَا يَمْلِكُ- لِيُجَهِّزَ نَفْسَهُ، وَيَتْرُكَ لِأُمِّهِ مَا يَكْفِيهَا، ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَ الرَّكْبِ نَحْوَ الحِجَازِ.
لَمْ تَكُنْ رِحْلَةً نَاعِمَةً، بَلْ كَانَتْ مِحْنَةً صَهَرَتْ مَعْدِنَهُ؛ فَقَدْ هَجَمَتِ الأَعْرَابُ عَلَى القَافِلَةِ وَسَلَبُوا مَا فِيهَا، حَتَّى بَقِيَ ابْنُ سَمْعُونَ عُرْيَانًا لَا يَسْتُرُهُ إِلَّا عَبَاءَةٌ وَهَبَهُ إِيَّاهَا أَحَدُ الحُجَّاجِ. كَانَ يَتَقَوَّتُ عَلَى كِسَرِ الخُبْزِ التي يَجُودُ بِهَا المُحْسِنُونَ، وَأَحْرَمَ فِي تِلْكَ العَبَاءَةِ البَسِيطَةِ، لَكِنَّ قَلْبَهُ كَانَ مَكْسُوًّا بِأَنْوَارِ الرِّضَا وَاليَقِينِ.
وَمَا كَانَ جَزَاءُ هَذَا الصَّبْرِ إِلَّا فَتْحًا مُبِينًا؛ فَعِنْدَ عَوْدَتِهِ، كَانَ الخَلِيفَةُ يَبْحَثُ عَنْ رَجُلٍ "مَسْتُورٍ" وَصَالِحٍ لِيُزَوِّجَهُ جَارِيَةً كَانَ قَدْ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَوَقَعَ الاخْتِيَارُ عَلَى ابْنِ سَمْعُونَ. فَتَبَدَّلَ حَالُهُ مِنَ الضِّيقِ إِلَى السَّعَةِ، وَصَارَ يَقِفُ فِي مَجَالِسِ الوَعْظِ يَسْرِدُ قِصَّتَهُ لِلنَّاسِ عِبْرَةً، فَيَقُولُ بِلِسَانِ الشَّاكِرِ: "خَرَجْتُ حَاجًّا كَمَا رَأَيْتُمْ، وَهَا أَنَا اليَوْمَ عَلَيَّ مِنَ الثِّيَابِ مَا تَرَوْنَ!".
(الجُزْءُ الثَّانِي: المُنْطَقُ بِالحِكْمَةِ وَهَيْبَةُ المَقَامِ)
اتَّسَعَتْ شُهْرَةُ أَبِي الحُسَيْنِ ابْنِ سَمْعُونَ حَتَّى طَبَّقَتِ الآفَاقَ، وَصَارَ كُرْسِيُّ وَعْظِهِ مَقْصِدًا لِلْقُلُوبِ الظَّمْآنَةِ، وَمَحَجَّةً لِلْعُقُولِ الحَائِرَةِ. كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ، كَأَنَّمَا يَنْفُثُ فِي الرُّوحِ سِحْرًا حَلَالًا، وَإِذَا صَمَتَ، خَيَّمَ الوَقَارُ كَأَنَّ عَلَى الرُّؤُوسِ الطَّيْرَ. لَمْ يَكُنْ وَعْظُهُ مُجَرَّدَ سَرْدٍ، بَلْ كَانَ نَفَاذًا إِلَى "عِلْمِ الخَوَاطِرِ"، فَيُخْبِرُ النَّاسَ بِمَا يَجُولُ فِي أَعْمَاقِهِمْ كَأَنَّمَا يَقْرَأُ مِنْ كِتَابٍ مَفْتُوحٍ.
وَمِنْ عَجِيبِ هَيْبَتِهِ أَنَّهُ دَخَلَ يَوْمًا عَلَى الخَلِيفَةِ "الطَّائِعِ للهِ"، وَكَانَ الخَلِيفَةُ حِينَئِذٍ قَدِ اسْتَشَاطَ غَضَبًا لِمَا رُفِعَ إِلَيْهِ -زُورًا- أَنَّ ابْنَ سَمْعُونَ يَنْتَقِصُ مِنْ قَدْرِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ-. دَخَلَ الشَّيْخُ بَيْنَ يَدَيِ الطَّائِعِ، وَالغَضَبُ يَتَلَظَّى فِي عَيْنَيِ المَلِكِ، فَمَا كَانَ مِنِ ابْنِ سَمْعُونَ إِلَّا أَنْ سَلَّمَ بِالخِلَافَةِ، ثُمَّ انْطَلَقَ لِسَانُهُ بِمَجَالِي الفَضْلِ، فَابْتَدَأَ مَجْلِسَهُ بِذِكْرِ مَنَاقِبِ الإِمَامِ عَلِيٍّ رضي الله عنه، وَرَوَى عَنْهُ الأَحَادِيثَ وَالحِكَمَ، وَأَعَادَ وَأَبْدَى فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، حَتَّى انْقَلَبَ غَضَبُ الخَلِيفَةِ خُشُوعًا، وَتَحَوَّلَتْ حِدَّتُهُ شَهِيقًا وَبُكَاءً، حَتَّى ابْتَلَّ مِحْرَمُهُ مِنْ فَيْضِ دُمُوعِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ الطَّائِعُ لِمَنْ حَوْلَهُ: "لَقَدْ وُفِّقَ هَذَا الرَّجُلُ، وَلَعَلَّهُ كُوشِفَ بِمَا كَانَ فِي نَفْسِي!".
وَلَمْ يَقِفْ طُوفَانُ بَيَانِهِ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ وَاجَهَ "عَضُدَ الدَّوْلَةِ" حِينَ دَخَلَ بَغْدَادَ فِي زَمَنِ الفِتْنَةِ، وَكَانَ قَدْ مَنَعَ القُصَّاصَ وَالوُعَّاظَ وَهَدَّدَ بِسَفْكِ دَمِ مَنْ يُخَالِفُ. لَكِنَّ ابْنَ سَمْعُونَ -المُؤَيَّدَ بِاللهِ- لَمْ يَكْتَرِثْ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ يَعِظُ النَّاسَ. فَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الجَبَّارِ، فَدَخَلَ وَعَلَيْهِ سِيمَاءُ الصَّالِحِينَ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى دَارِ "عِزِّ الدَّوْلَةِ" -التي شَهِدَتْ مَصْرَعَ صَاحِبِهَا- فَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى:
{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ}
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَقَرَأَ:
{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}
هَذَّتْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ أَرْكَانَ المَلِكِ، فَارْتَجَفَتْ رُوحُهُ وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَثِيَابٍ فَاخِرَةٍ، وَاشْتَرَطَ عَلَى الوَزِيرِ شَرْطًا مَهُولًا: "إِنْ قَبِلَهَا فَقُلْ لَهُ يُفَرِّقُهَا فِي أَصْحَابِهِ، وَإِنْ أَمْسَكَهَا لِنَفْسِهِ فَجِئْنِي بِرَأْسِهِ!". فَمَا كَانَ رَدُّ ابْنِ سَمْعُونَ؟ قَالَ بِأَنَفَةِ العُلَمَاءِ: "ثِيَابِي هَذِهِ فُصِّلَتْ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَفِيهَا بَقِيَّةٌ، وَنَفَقَتِي مِنْ أُجْرَةِ دَارٍ خَلَّفَهَا أَبِي، فَمَا أَصْنَعُ بِمَالِكُمْ؟". فَلَمَّا بَلَغَ الرَّدُّ المَلِكَ، قَالَ: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي سَلَّمَهُ مِنَّا وَسَلَّمَنَا مِنْهُ!".
(الجُزْءُ الثَّالِثُ: نُورُ الكَرَامَاتِ وَدَقَائِقُ الإِشَارَاتِ)
لَمْ يَكُنِ ابْنُ سَمْعُونَ -رَحِمَهُ اللهُ- وَاعِظاً بِاللسَانِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ "قُطْبَ رَحَى" القُلُوبِ، كَأَنَّمَا كُشِفَ لَهُ عَنْ مَكْنُونِ الصُّدُورِ بِإِذْنِ بَارِئِهَا. فَمِنْ عَجِيبِ مَا نُقِلَ عَنْهُ، مَا جَرَى مَعَ "أَبِي الفَتْحِ القَوَّاسِ"، ذَلِكَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الَّذِي ضَاقَتْ بِهِ سُبُلُ الرِّزْقِ يَوْماً، حَتَّى لَمْ يَجِدْ فِي دَارِهِ مَا يَبِيعُهُ لِيَقْتَاتَ إِلَّا قَوْسَهُ وَخُفَّيْهِ.
عَزَمَ أَبُو الفَتْحِ عَلَى البَيْعِ، لَكِنَّ شَوْقَهُ لِمَجْلِسِ ابْنِ سَمْعُونَ غَلَبَهُ، فَقَالَ: "أَحْضُرُ المَجْلِسَ ثُمَّ أَبِيعُ". وَمَا إِنِ انْقَضَى المَجْلِسُ وَهَمَّ الرَّجُلُ بِالقِيَامِ، حَتَّى نَادَاهُ الشَّيْخُ مِنْ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَأَمَامَ الجَمْعِ: "يَا أَبَا الفَتْحِ؛ لَا تَبِعِ الخُفَّيْنِ وَالقَوْسَ، فَإِنَّ اللهَ سَيَأْتِيكَ بِرِزْقٍ مِنْ عِنْدِهِ!". فَانْذَهَلَ الرَّجُلُ، إِذْ كَيْفَ لِلشَّيْخِ أَنْ يَعْلَمَ بِمَا طَوَاهُ فِي نَفْسِهِ؟ وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى فَتَحَ اللهُ لَهُ أَبْوَابَ الرِّزْقِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحتَسِبُ.
وَلَا تَقِفُ عَجَائِبُهُ عِنْدَ اليَقَظَةِ بَلْ تَعَدَّتْهَا إِلَى مَنَامَاتِ الصَّالِحِينَ؛ فَقَدْ جَلَسَ أَبُو الفَتْحِ يَوْماً إِلَى جَانِبِ كُرْسِيِّ الوَعْظِ، فَغَلَبَهُ النُّعَاسُ وَغَرِقَ فِي نَوْمِهِ، فَأَمْسَكَ ابْنُ سَمْعُونَ عَنِ الكَلَامِ فَوْراً، وَسَادَ الصَّمْتُ المَجْلِسَ الطَّوِيلَ حَتَّى اسْتَيْقَظَ أَبُو الفَتْحِ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ بَاسِماً وَسَأَلَهُ: "أَرَأَيْتَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي نَوْمِكَ؟" قَالَ: "نَعَمْ". فَقَالَ الشَّيْخُ بِلَطَافَةِ العَارِفِينَ: "لِذَلِكَ أَمْسَكْتُ، خَوْفاً أَنْ تَنْزَعِجَ وَتَنْقَطِعَ عَمَّا كُنْتَ فِيهِ!".
أَمَّا حَالُهُ مَعَ نَفْسِهِ، فَقَدْ كَانَ يُرَوِّضُهَا رِيَاضَةَ الزُّهَّادِ الكِبَارِ؛ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَتَى بَيْتَ المَقْدِسِ وَمَعَهُ تَمْرٌ جَافٌّ، فَاشْتَهَتْ نَفْسُهُ الرُّطَبَ الجَنِيَّ، فَلَامَهَا وَأَدَّبَهَا. فَلَمَّا حَانَ وَقْتُ إِفْطَارِهِ، وَمَدَّ يَدَهُ إِلَى التَّمْرِ اليَابِسِ، وَجَدَهُ بِقُدْرَةِ اللهِ رُطَباً سُكَّرِيّاً! فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ تَرَكَهُ زُهْداً وَتَعَفُّفاً حَتَّى عَادَ تَمْراً فِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ فَأَكَلَهُ.
وَمِنْ بَاهِرِ حِكْمَتِهِ، كَلِمَاتٌ خَلَّدَهَا التَّارِيخُ، حَيْثُ يَقُولُ: "رَأَيْتُ المَعَاصِيَ نَذَالَةً، فَتَرَكْتُهَا مُرُوءَةً، فَاسْتَحَالَتْ دِيَانَةً". وَقَالَ لِرَجُلٍ اسْمُهُ حَسَنٌ: "قَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الِاسْمَ، فَسَلْهُ المَعْنَى!". كَانَ -رَحِمَهُ اللهُ- يَرَى أَنَّ الصِدْقَ مَعَ اللهِ لَا يَتَنَافَى مَعَ المَظْهَرِ الحَسَنِ، فَكَانَ يَلْبَسُ فَاخِرَ الثِّيَابِ وَيَأْكُلُ الطَّيِّبَ، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ قَوْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ: "كُلُّ مَا يُصْلِحُكَ لِلهِ فَافْعَلْهُ إِذَا صَلُحَ حَالُكَ مَعَ اللهِ".
(الجُزْءُ الرَّابِعُ وَالأَخِيرُ: رَحِيلُ الشَّمْسِ وَبَقَاءُ الضِّيَاءِ)
بَعْدَ حَيَاةٍ حَافِلَةٍ بِالتَّسْبِيحِ وَالوَعْظِ وَنَشْرِ الحِكْمَةِ، دَنَا الأَجَلُ المَحْتُومُ لِلإِمَامِ ابْنِ سَمْعُونَ. وَفِي نِصْفِ ذِي القَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ، أَسْلَمَ الرُّوحَ إِلَى بَارِئِهَا بَغْدَادِيُّ المَنْشَأِ وَالمَدْفَنِ، بَعْدَ أَنْ مَلأَ طِبَاقَ الأَرْضِ ذِكْراً جَمِيلاً.
دُفِنَ الشَّيْخُ فِي دَارِهِ بِشَارِعِ "العَتَّابِيِّينَ"، وَظَلَّ جُسْمَانُهُ الطَّاهِرُ هُنَاكَ عُقُوداً مِنَ الزَّمَانِ، حَتَّى كَانَتِ السَّنَةُ السَّادِسَةُ وَالعِشْرُونَ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، حِينَ نُقِلَ رُفَاتُهُ إِلَى مَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" لِيُجَاوِرَ الإِمَامَ المُبَجَّلَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ. وَهُنَا تَجَلَّتْ آيَةٌ بَاهِرَةٌ؛ فَقَدْ نُقِلَ عَنِ الثِّقَاتِ أَنَّ أَكْفَانَهُ لَمْ تَبْلَ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ، كَأَنَّمَا نَامَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لِيَشْهَدَ العَالَمُ أَنَّ اللهَ يَحْفَظُ أَوْلِيَاءَهُ فِي المَحْيَا وَالمَمَاتِ.
لَقَدْ كَانَ ابْنُ سَمْعُونَ لِسَانَ وَقْتِهِ، وَمِيزَانَ عَصْرِهِ، لَمْ يَنْتَمِ لِأُسْتَاذٍ وَاحِدٍ بَلْ كَانَ نِبْرَاساً يَسْتَقِي مِنْ أَنْوَارِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَانَ كَمَا قَالَ عَنْهُ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: "شَيْخُ زَمَانِهِ بِبَغْدَادَ". وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا نُخْتَمُ بِهِ حَيَاتَهُ هُوَ مَا رَآهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي مَنَامِهِ، حَيْثُ رَأَى رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: "أَفِي أُمَّتِكَ مِثْلُ هَذَا؟" وَأَشَارَ إِلَى ابْنِ سَمْعُونَ، فَسَكَتَ عِيسَى إِجْلَالاً لِقَدْرِ هَذَا الفَتَى.
رَحِمَ اللهُ أَبَا الحُسَيْنِ، فَقَدْ عَاشَ فَرِيداً، وَمَاتَ ثَابِتاً، وَبَقِيَ فِي قُلُوبِ العَارِفِينَ مَلِكاً مُتَوَّجاً بِتَاجِ الوَقَارِ.
📚 ثَبَتُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ:
(1) «حَيَاةُ التَّابِعِينَ» - ص (2275).
(2) «تَارِيخُ بَغْدَادَ» - لِلخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ.
(3) «المَقْصِدُ الأَرْشَدُ فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ» - لِابْنِ مُفْلِحٍ الحَنْبَلِيِّ.
(4) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» - لِلإِمَامِ الذَّهَبِيِّ.
(5) «الأَعْلَامُ» - لِلزِّرِكْلِيِّ.
(6) «البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ» - لِابْنِ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيِّ.