الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: شَيْخُ الإِسْلَامِ وَعُمْدَةُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ
فِي رِحَابِ التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ، تَتَلَأْلَأُ نُجُومٌ لَمْ يَخْبُ بَرِيقُهَا رَغْمَ تَعَاقُبِ العُصُورِ، رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَخَلَّدَ الزَّمَانُ ذِكْرَهُمْ. وَمِنْ بَيْنِ هَذِهِ الكَوَاكِبِ الدُّرِّيَّةِ، يَبْرُزُ اسْمٌ عَظِيمٌ، شَاعَ ذِكْرُهُ فِي الآفَاقِ، وَلَمْ يَخْلُ بَيْتٌ مُسْلِمٌ مِنْ أَثَرٍ مِنْ آثَارِهِ الْمُبَارَكَةِ؛ إِنَّهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ، وَعُمْدَةُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ، وَصَفْوَةُ الأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، الإِمَامُ مُحْيِي الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ شَرَفِ بْنِ مُرِّي بْنِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمُعَةَ بْنِ حِزَامٍ النَّوَوِيُّ، الحِزَامِيُّ الحَوْرَانِيُّ الشَّافِعِيُّ. كُنِّيَ بِأَبِي زَكَرِيَّا عَلَى عَادَةِ العَرَبِ تَيَمُّنًا بِنَبِيِّ اللَّهِ يَحْيَى وَأَبِيهِ، إِذْ لَمْ يَتَزَوَّجْ قَطُّ طِيلَةَ حَيَاتِهِ لِانْشِغَالِهِ بِالعِلْمِ عَنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا.
مَهْدُ النَّشْأَةِ وَشُعَاعُ الفَجْرِ الأَوَّلِ
فِي قَرْيَةِ "نَوَى"، تِلْكَ البُقْعَةِ الوَادِعَةِ مِنْ قُرَى حَوْرَانَ فِي رُبُوعِ سُورِيَةَ، وَفِي العَشْرِ الأُوَلِ مِنْ شَهْرِ المُحَرَّمِ لِسَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ (631 هـ)، أَشْرَقَتْ شَمْسُ هَذَا الوَلِيدِ المُبَارَكِ فِي كَنَفِ أَبَوَيْنِ صَالِحَيْنِ اتَّسَمَا بِالخَيْرِ وَالسَّتْرِ وَالصَّلَاحِ. كَانَ وَالِدُهُ الشَّيْخُ شَرَفٌ رَجُلًا دُكَّانِيًّا زَاهِدًا، يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، مُسْتُورَ الحَالِ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِي رِزْقِهِ. وَقَدْ لَاحَتْ مَخَايِلُ النَّجَابَةِ وَالعِنَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ عَلَى الصَّبِيِّ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ؛ فَيُُرْوَى عَنْ وَالِدِهِ أَنَّ الصَّبِيَّ لَمَّا بَلَغَ السَّابِعَةَ مِنْ عُمْرِهِ، وَقَامَ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ بِجَانِبِ أَبِيهِ، أَيْقَظَهُ وَقَالَ: "يَا أَبَتِ، مَا هَذَا الضَّوْءُ الَّذِي قَدْ مَلَأَ الدَّارَ؟" فَاسْتَيْقَظَ أَهْلُهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَعَرَفَ أَبُوهُ أَنَّهَا لَيْلَةُ القَدْرِ، وَأَنَّ رِعَايَةَ اللَّهِ تَحُفُّ هَذَا الفَتَى.
طُفُولَةٌ لَمْ تَعْرِفْ عَبَثَ الصِّبَا
وَلَمَّا بَلَغَ الفَتَى يَحْيَى عَشْرَ سِنِينَ مِنْ عُمْرِهِ، أَوْكَلَ إِلَيْهِ وَالِدُهُ مُهِمَّةَ مُعَاوَنَتِهِ فِي الدُّكَّانِ، لَكِنَّ رُوحَهُ الْمُشْرِقَةَ لَمْ تَكُنْ تَتَعَلَّقُ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ، بَلْ كَانَ يَنْشَغِلُ عَنْ ذَلِكَ بِحِفْظِ القُرْآنِ الكَرِيمِ وَتِلَاوَتِهِ. وَهُنَا تَتَجَلَّى لَوْحَةٌ عَجِيبَةٌ تَرْسُمُ طَبِيعَةَ هَذَا الفَتَى؛ إِذْ كَانَ صِبْيَانُ القَرْيَةِ يَشُدُّونَهُ إِلَى اللَّعِبِ شَدًّا، فَيَهْرُبُ مِنْهُمْ بَاكِيًا مُنْتَحِبًا لِإِكْرَاهِهِمْ إِيَّاهُ، مُعَانِقًا كِتَابَ اللَّهِ تِلَاوَةً وَحِفْظًا. وَسَاقَتِ المَقَادِيرُ فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ الشَّيْخَ العَارِفَ "يَاسِينَ بْنَ يُوسُفَ المَرَّاكُشِيَّ" لِيَمُرَّ بِقَرْيَةِ نَوَى، فَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى هَذَا المَشْهَدِ الآسِرِ لِلصَّبِيِّ وَهُوَ يَفِرُّ مِنَ اللَّعِبِ بَاكِيًا يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَوَقَعَتْ مَحَبَّتُهُ فِي قَلْبِهِ. فَمَا كَانَ مِنَ الشَّيْخِ إِلَّا أَنْ تَقَدَّمَ نَحْوَ مُعَلِّمِهِ فِي الكُتَّابِ وَقَالَ لَهُ بِفِرَاسَةِ المُؤْمِنِ الصَّادِقِ: "هَذَا الصَّبِيُّ يُرْجَى أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَأَزْهَدَهُمْ، وَيَنْتَفِعَ النَّاسُ بِهِ". فَتَعَجَّبَ المُعَلِّمُ وَسَأَلَهُ: "أَمُنَجِّمٌ أَنْتَ؟" فَأَجَابَ: "لَا، وَإِنَّمَا أَنْطَقَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ". وَسُرْعَانَ مَا نُقِلَتْ هَذِهِ البِشَارَةُ إِلَى وَالِدِهِ الَّذِي ازْدَادَ حِرْصًا عَلَى وَلَدِهِ وَتَفْرِيغِهِ لِلْعِلْمِ، حَتَّى أَتَمَّ حِفْظَ القُرْآنِ الكَرِيمِ وَهُوَ عَلَى أَعْتَابِ البُلُوغِ.
الرِّحْلَةُ إِلَى مَهْدِ العُلَمَاءِ (دِمَشْقَ)
لَمْ تَتَّسِعْ قَرْيَةُ "نَوَى" لِشَغَفِ الفَتَى بَعْدَ أَنْ نَهَلَ مِنْ مَعِينِ مَشَايِخِهَا، فَتَطَلَّعَتْ هِمَّتُهُ نَحْوَ قِبْلَةِ العِلْمِ وَالعُلَمَاءِ. وَفِي عَامِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ (649 هـ)، حَزَمَ الشَّابُّ الَّذِي بَلَغَ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ أَمْتِعَتَهُ، وَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ "دِمَشْقَ" الفَيْحَاءِ صُحْبَةَ وَالِدِهِ؛ لِيَبْدَأَ رِحْلَةَ الكِفَاحِ وَالتَّحْصِيلِ العِلْمِيِّ الجَادِّ الَّتِي غَيَّرَتْ مَجْرَى حَيَاتِهِ وَحَيَاةِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بَعْدَهُ. هُنَاكَ، فِي ذَلِكَ العَصْرِ المُزْدَهِرِ بِالْعُلَمَاءِ حَتَّى عُدَّ قَمَرَ العَوَاصِمِ، حَطَّتْ رِحَالُهُ فِي "المَدْرَسَةِ الرَّوَاحِيَّةِ" المُلاصِقَةِ لِلْجَامِعِ الأُمَوِيِّ مِنْ جِهَةِ الشَّرْقِ، حَيْثُ نَزَلَ فِي بَيْتٍ لَطِيفٍ، لِيَبْدَأَ عَهْدًا مِنَ الانْقِطَاعِ الكَامِلِ لِلْعِلْمِ الَّذِي صَارَ مَضْرِبَ الأَمْثَالِ، حَتَّى أَنَّهُ بَقِيَ سَنَتَيْنِ لَمْ يَضَعْ جَنْبَهُ إِلَى الْأَرْضِ لِيَنَامَ إِلَّا عَنْ غَلَبَةٍ.
رِحْلَةُ الحَجِّ المُبَارَكَةِ وَالفَيْضُ الرَّبَّانِيُّ
وَمَا إِنِ اسْتَقَرَّ الشَّابُّ يَحْيَى فِي "دِمَشْقَ" يَغْتَرِفُ مِنْ مَنَاهِلِهَا سَنَتَيْنِ، حَتَّى اشْتَاقَتْ رُوحُهُ إِلَى رِحَابِ البَيْتِ العَتِيقِ. وَفِي عَامِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ (651 هـ)، شَدَّ الرِّحَالَ مَعَ وَالِدِهِ مُلَبِّيًا نِدَاءَ الحَجِّ. وَفِي تِلْكَ الرِّحْلَةِ الَّتِي انْطَلَقَتْ فِي رَجَبٍ، أَصَابَتْهُ حُمَّى شَدِيدَةٌ لَمْ تُفَارِقْهُ حَتَّى يَوْمِ عَرَفَةَ، بَيْدَ أَنَّهُ كَانَ طَوْدًا شَامِخًا فِي صَبْرِهِ، لَمْ يَتَأَوَّهْ قَطُّ، وَلَمْ يُبْدِ جَزَعًا. وَقَدْ أَقَامَ فِي تِلْكَ الدِّيَارِ المُقَدَّسَةِ، فِي المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ المُنَوَّرَةِ، شَهْرًا وَنِصْفَ الشَّهْرِ، يَتَنَسَّمُ عَبَقَ النُّبُوَّةِ. وَلَمَّا قَضَى مَنَاسِكَهُ وَعَادَ أَدْرَاجَهُ إِلَى "دِمَشْقَ"، أَفَاضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ بِحَارِ العِلْمِ فَيْضًا لَا يَنْقَطِعُ، وَصَبَّ عَلَيْهِ المَعَارِفَ صَبًّا عَجِيبًا.
هِمَّةٌ تُعَانِقُ الجَوْزَاءَ وَجِدٌّ يُذِيبُ الصَّخْرَ
عَادَ النَّوَوِيُّ إِلَى مَدْرَسَتِهِ "الرَّوَاحِيَّةِ" بِرُوحٍ تَشْتَعِلُ ظَمَأً لِلْمَعْرِفَةِ؛ فَكَانَ آيَةً فِي الاِنْكِبَابِ عَلَى العِلْمِ لَيْلًا وَنَهَارًا، هَاجِرًا لَذِيذَ الكَرَى إِلَّا حِينَمَا تَغْلِبُهُ جُفُونُهُ. لَقَدْ مَرَّتْ عَلَيْهِ حِقْبَةٌ مِنَ الزَّمَانِ، قِيلَ إِنَّهَا سَنَتَانِ، لَمْ يَضَعْ فِيهَا جَنْبَهُ إِلَى الْأَرْضِ نَائِمًا، بَلْ كَانَ إِذَا غَلَبَهُ النُّعَاسُ، اسْتَنَدَ إِلَى كُتُبِهِ لَحْظَةً لِيَغْفُوَ إِغْفَاءَةَ العُصْفُورِ، ثُمَّ يَهَبُّ مُنْتَبِهًا لِيُكْمِلَ سَيْرَهُ فِي رِيَاضِ العِلْمِ.
وَكَانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ مُذْهِلَةٌ تَنُوءُ بِهَا العُصْبَةُ أُولُو القُوَّةِ؛ فَقَدْ رَوَى تِلْمِيذُهُ البَارُّ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ العَطَّارِ، أَنَّ شَيْخَهُ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى أَشْيَاخِهِ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَيْ عَشَرَ دَرْسًا، شَرْحًا وَتَصْحِيحًا وَضَبْطًا. وَكَانَتْ هَذِهِ الدُّرُوسُ بَحْرًا عَمِيقًا تَتَنَوَّعُ أَمْوَاجُهُ بَيْنَ:
- دَرْسَيْنِ فِي كِتَابِ "الوَسِيطِ".
- وَدَرْسٍ ثَالِثٍ فِي كِتَابِ "المُهَذَّبِ".
- وَدَرْسٍ فِي "الجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ".
- وَخَامِسٍ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ".
- وَدَرْسٍ فِي كِتَابِ "اللُّمَعِ" لِابْنِ جِنِّي فِي النَّحْوِ.
- وَدَرْسٍ فِي كِتَابِ "إِصْلَاحِ المَنْطِقِ" لِابْنِ السِّكِّيتِ فِي اللُّغَةِ.
- وَدَرْسٍ فِي عِلْمِ الصَّرْفِ.
- وَدَرْسٍ فِي أُصُولِ الفِقْهِ، تَارَةً فِي "اللُّمَعِ" لِأَبِي إِسْحَاقَ، وَتَارَةً فِي "المُنْتَخَبِ" لِلْفَخْرِ الرَّازِيِّ.
- وَدَرْسٍ فِي عِلْمِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ.
- وَدَرْسٍ فِي أُصُولِ الدِّينِ.
وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَمِعًا عَابِرًا، بَلْ كَانَ يُقَيِّدُ كُلَّ شَارِدَةٍ وَوَارِدَةٍ، فَيَكْتُبُ الشُّرُوحَ، وَيُوَضِّحُ العِبَارَاتِ المُشْكِلَةَ، وَيَضْبِطُ غَرَائِبَ اللُّغَةِ. وَفِي تِلْكَ البِدَايَاتِ الصَّارِمَةِ، حَفِظَ كِتَابَ "التَّنْبِيهِ" فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ فَقَطْ، وَحَفِظَ رُبُعَ العِبَادَاتِ مِنْ كِتَابِ "المُهَذَّبِ" فِي بَقِيَّةِ عَامِهِ. حَتَّى إِنَّ أُسْتَاذَهُ الكَمَالَ أَبَا إِبْرَاهِيمَ إِسْحَاقَ بْنَ أَحْمَدَ المَغْرِبِيَّ، أُعْجِبَ بِهِ أَيَّمَا إِعْجَابٍ حِينَمَا أَذْهَلَتْهُ مُلَازَمَتُهُ لِلْعِلْمِ وَابْتِعَادُهُ عَنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَاللَّهْوِ، فَقَرَّبَهُ وَأَحَبَّهُ وَجَعَلَهُ "مُعِيدَ الدَّرْسِ" فِي حَلْقَتِهِ العِلْمِيَّةِ.
حَادِثَةُ الطِّبِّ.. حِينَ يَأْبَى النُّورُ أَنْ يَخْبُوَ
تَتَخَلَّلُ هَذِهِ الرِّحْلَةَ قِصَّةٌ بَلِيغَةٌ تَكْشِفُ عَنْ شَفَافِيَّةِ رُوحِ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ؛ فَقَدْ خَطَرَ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ يُوَسِّعَ مَدَارِكَهُ بِدِرَاسَةِ عِلْمِ الطِّبِّ، فَاشْتَرَى كِتَابَ "القَانُونِ" لِابْنِ سِينَا. لَكِنَّ قَلْبَهُ المُعَلَّقَ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَالنُّصُوصِ المُقَدَّسَةِ لَمْ يَسْتَسِغْ ذَلِكَ الْأَمْرَ؛ فَقَدْ شَعَرَ بِظُلْمَةٍ تَعْتَرِي صَدْرَهُ، وَبَقِيَ أَيَّامًا مَسْلُوبَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّشَاطِ وَالِاشْتِغَالِ. فَلَمَّا تَأَمَّلَ فِي حَالِهِ، أَلْهَمَهُ اللَّهُ أَنَّ دُخُولَ هَذَا العِلْمِ عَلَيْهِ هُوَ السَّبَبُ، فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ بَاعَ الكِتَابَ وَأَخْرَجَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَعَادَتْ إِلَيْهِ أَنْوَارُ قَلْبِهِ، وَانْقَشَعَتْ عَنْهُ تِلْكَ الغُمَّةُ، لِيَتَيَقَّنَ أَنَّ مَيْدَانَهُ الْأَوْحَدَ هُوَ فِقْهُ الدِّينِ وَسُنَّةُ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ.
مَشَايِخُهُ.. أَسَانِيدُ النُّورِ المَتِينَةِ
لَمْ يَتَخَرَّجِ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إِلَّا مِنْ بَيْنِ يَدَيْ صَفْوَةِ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ، الَّذِينَ كَانُوا أَئِمَّةً فِي العِلْمِ وَالزُّهْدِ. فَمِنْ شُيُوخِهِ الأَفْذَاذِ فِي مَيْدَانِ الفِقْهِ:
- تَاجُ الدِّينِ الفَزَارِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي عُرِفَ بِالفِرْكَاحِ.
- وَالإِمَامُ إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ المَغْرِبِيُّ مُحَدِّثُ المَدْرَسَةِ الرَّوَاحِيَّةِ.
- وَمُفْتِي دِمَشْقَ، أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُوحٍ المَقْدِسِيُّ الدِّمَشْقِيُّ.
- وَأَبُو الحَسَنِ سَلَّارُ بْنُ الحَسَنِ الإِرْبِلِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، إِمَامُ المَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي عَصْرِهِ.
وَأَمَّا شُيُوخُهُ الَّذِينَ أَسْنَدَ عَنْهُمْ عِلْمَ الحَدِيثِ وَنَهَلَ مِنْهُمُ الرِّوَايَةَ فَهُمْ جَمْعٌ غَفِيرٌ، أَبْرَزُهُمْ:
- الإِمَامُ الحَافِظُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِيسَى المُرَادِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ.
- وَالإِمَامُ المُفِيدُ الحَافِظُ أَبُو البَقَاءِ خَالِدُ بْنُ يُوسُفَ النَّابُلُسِيُّ.
- وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، شَيْخُ الشُّيُوخِ.
- وَأَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عُمَرَ المَقْدِسِيُّ، الَّذِي كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ فِي عَصْرِهِ.
- وَعِمَادُ الدِّينِ عَبْدُ الكَرِيمِ الحَرَسْتَانِيُّ قَاضِي القُضَاةِ وَخَطِيبُ دِمَشْقَ.
- وَأَبُو مُحَمَّدٍ تَقِيُّ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ التَّنُوخِيُّ، كَبِيرُ المُحَدِّثِينَ وَمُسْنِدُهُمْ.
وَفِي عِلْمِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، جَلَسَ التِّلْمِيذُ النَّجِيبُ بَيْنَ يَدَيِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ سَالِمٍ المِصْرِيِّ، وَالفَخْرِ المَالِكِيِّ، حَتَّى صَارَ النَّوَوِيُّ بَحْرًا زَاخِرًا بِمُفْرَدَاتِ العَرَبِيَّةِ وَقَوَاعِدِهَا.
ثِمَارُ العِلْمِ.. تَلَامِيذُ نَشَرُوا النُّورَ فِي الآفَاقِ
وَلَمَّا طَابَ غَرْسُ هَذَا الإِمَامِ فِي رِيَاضِ العِلْمِ، وَأَيْنَعَتْ قُطُوفُهُ، تَحَلَّقَ حَوْلَهُ طُلَّابُ المَعْرِفَةِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ يَسْتَظِلُّونَ بِظِلِّهِ، وَيَنْهَلُونَ مِنْ مَعِينِ حِكْمَتِهِ وَفِقْهِهِ. فَأَخَذَ عَنْهُ جَمْعٌ غَفِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ غَدَوْا مَنَائِرَ يُهْتَدَى بِهَا، وَمِنْ أَبْرَزِ هَؤُلَاءِ الْأَفْذَاذِ:
- تِلْمِيذُهُ البَارُّ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ العَطَّارِ.
- الحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ المِزِّيُّ.
- قَاضِي القُضَاةِ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ.
- أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ فَرْحٍ الإِشْبِيلِيُّ.
- شَمْسُ الدِّينِ بْنُ النَّقِيبِ، وَشَمْسُ الدِّينِ بْنُ جَعْوَانَ، وَشَمْسُ الدِّينِ بْنُ القَمَّاحِ، وَرَشِيدُ الدِّينِ الحَنَفِيُّ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ خَلَائِقَ لَا يُحْصِيهِمُ العَدُّ.
أَخْلَاقُهُ وَصِفَاتُهُ.. مَلَاكٌ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ
لَمْ يَكُنِ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ مُجَرَّدَ وِعَاءٍ لِلْعِلْمِ؛ بَلْ كَانَ قُرْآنًا يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ، وَمِثَالًا حَيًّا لِتَطْبِيقِ مَا يَعْلَمُ. فَقَدْ أَجْمَعَتْ كُتُبُ التَّرَاجِمِ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ هَذَا العَلَمَ كَانَ رَأْسًا فِي الزُّهْدِ، وَقُدْوَةً لَا تُضَاهَى فِي الوَرَعِ وَالتَّقْوَى. انْتَقَلَ مِنْ بِيئَةِ حَوْرَانَ البَسِيطَةِ إِلَى دِمَشْقَ، حَيْثُ مَبَاهِجُ الدُّنْيَا وَنَعِيمُهَا، وَهُوَ فِي عُنْفُوَانِ الشَّبَابِ، بَيْدَ أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ كُلِّ زَخَارِفِهَا صَائِمًا عَنْ شَهْوَةِ الْمَأْكَلِ وَالمَلْبَسِ وَالزَّوَاجِ، بَاحِثًا عَنْ لَذَّةِ الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالعِبَادَةِ. يُرْوَى أَنَّهُ سُئِلَ مَرَّةً: لِمَ لَمْ تَتَزَوَّجْ؟ فَأَجَابَ بِبَسَاطَةِ الْمُنْشَغِلِينَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الْأُولَى: "نَسِيتُ".
وَرَعٌ يَقْشَعِرُّ لَهُ الْقَلْبُ وَيَتَعَجَّبُ مِنْهُ الْعَقْلُ
تَتَجَلَّى صُوَرُ وَرَعِهِ فِي مَوَاقِفَ تَكَادُ لَا تُصَدَّقُ؛ فَقَدْ كَانَ يَرْفُضُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ فَوَاكِهِ دِمَشْقَ. وَحِينَمَا سُئِلَ عَنْ سِرِّ هَذَا الِامْتِنَاعِ، أَجَابَ بِيَقِينِ العَارِفِينَ: إِنَّ بَسَاتِينَ دِمَشْقَ مَلِيئَةٌ بِالْأَوْقَافِ، وَبِأَمْلَاكِ مَنْ هُمْ تَحْتَ الحَجْرِ الشَّرْعِيِّ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا لَا يَجُوزُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الغِبْطَةِ وَالمَصْلَحَةِ، وَالْمُعَامَلَةُ فِيهَا عَلَى وَجْهِ الْمُسَاقَاةِ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالَّذِينَ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ يَشْتَرِطُونَ الْمَصْلَحَةَ وَالْغِبْطَةَ لِلْيَتِيمِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَالنَّاسُ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى جُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ لِلْمَالِكِ، مُخْتَتِمًا قَوْلَهُ بِسُؤَالٍ يَنْضَحُ بِالْخَشْيَةِ: "فَكَيْفَ تَطِيبُ نَفْسِي؟". اخْتَارَ السَّكَنَ فِي الْمَدْرَسَةِ الرَّوَاحِيَّةِ عُزُوفًا عَنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ بِنَاءِ بَعْضِ التُّجَّارِ. وَكَانَ غَايَةً فِي التَّعَفُّفِ، لَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً وَلَا عَطِيَّةً مِنْ أَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ إِلَّا إِنْ كَانَ مُحْتَاجًا وَتَحَقَّقَ مِنْ دِينِ صَاحِبِهَا. بَلْ رَفَضَ أَنْ يَتَقَاضَى أَيَّ رَاتِبٍ مَالِيٍّ لِقَاءَ عَمَلِهِ فِي مَدْرَسَةِ دَارِ الحَدِيثِ رَغْمَ أَنَّ لَهَا رَاتِبًا كَبِيرًا مُغْرِيًا. كَانَ يَجْمَعُ هَذَا الرَّاتِبَ عِنْدَ نَاظِرِ الْمَدْرَسَةِ، فَإِذَا حَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ وَصَارَ لَهُ حَقُّ سَنَةٍ؛ اشْتَرَى بِهِ مِلْكًا أَوْ كُتُبًا ثُمَّ وَقَفَهَا عَلَى الْمَدْرَسَةِ نَفْسِهَا لَا يَأْخُذُ شَيْئًا. وَلَمْ يَكُنْ يَشْرَبُ الْمَاءَ الْمُبَرَّدَ قَطُّ. وَرَضِيَ بَالْمَبِيتِ فِي غُرْفَتِهِ تِلْك الَّتِي سَكَنَهَا أَوَّلَ مَقْدَمِهِ لِدِمَشْقَ، لَا يَبْتَغِي وَرَاءَ ذَلِكَ أَيَّ شَيْءٍ.
عِبَادَةُ الْعَارِفِينَ وَبُكَاءُ الْخَاشِعِينَ
لَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ مُجَرَّدَ حَرَكَاتٍ تُؤَدَّى لِإِسْقَاطِ الْفَرِيضَةِ، بَلْ كَانَتْ مُنَاجَاةَ قَلْبٍ هَامَ حُبًّا بِخَالِقِهِ وَرَجَفَ خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ. يَرْوِي الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ الْبَعْلِيُّ الْحَنْبَلِيُّ أَنَّهُ شَاهَدَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي أَوَاخِرِ اللَّيْلِ، قَائِمًا فِي جَامِعِ دِمَشْقَ مُسْتَنِدًا إِلَى سَارِيَةٍ فِي عَتْمَةِ الظُّلْمَةِ. كَانَ الإِمَامُ يُرَدِّدُ قَوْلَهُ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} مِرَارًا وَتَكْرَارًا بِبُكَاءٍ وَحُزْنٍ عَمِيقٍ وَخُشُوعٍ آسِرٍ، حَتَّى خَفَقَ لَهَا قَلْبُ الرَّائِي وَحَصَلَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَشْهَدِ الْمَهِيبِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ. وَمَعَ كُلِّ هَذَا الزُّهْدِ الَّذِي جَعَلَهُ أَقْرَبَ إِلَى الْعُبَّادِ الْمُنْقَطِعِينَ بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ الدُّنْيَا، كَانَ صَوْتُهُ يَعْلُو كَالرَّعْدِ صَدَّاعًا بِالْحَقِّ فِي وَجْهِ السَّلَاطِينِ وَأَعْتَى الْمُلُوكِ، لَا يَخْشَى فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
مَوْقِفُهُ مَعَ السُّلَاطِينِ.. شَجَاعَةٌ لَا تَعْرِفُ الْمُدَاهَنَةَ
كَانَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- صَدَّاعًا بِالْحَقِّ، مَهِيبَ الْجَانِبِ، لَا يَهَابُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، يَتَوَجَّهُ بِنُصْحِهِ لِلْحُكَّامِ وَالسَّلَاطِينِ بِكُلِّ شَجَاعَةٍ وَتَجَرُّدٍ وَإِخْلَاصٍ. وَتَتَجَلَّى ذِرْوَةُ شَجَاعَتِهِ فِي وُقُوفِهِ كَالطَّوْدِ الشَّامِخِ فِي وَجْهِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ بَيْبَرْسَ، ذَلِكَ الْقَائِدِ الْمَهِيبِ الَّذِي قَهَرَ التَّتَارَ وَدَحَرَ الصَّلِيبِيِّينَ.
حِينَمَا أَرَادَ السُّلْطَانُ فَرْضَ مَا يُسَمَّى بِـ "الْحَوْطَةِ" عَلَى بَسَاتِينِ دِمَشْقَ بَعْدَ طَرْدِ التَّتَارِ، بِزَعْمِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا تَعُودُ مِلْكِيَّتُهُ لِلدَّوْلَةِ، وَطَالَبَ النَّاسَ بِإِثْبَاتِ مِلْكِيَّتِهِمْ، ضَجَّ الْأَهَالِي وَلَجَؤُوا إِلَى الشَّيْخِ فِي دَارِ الْحَدِيثِ. فَكَتَبَ الإِمَامُ إِلَى السُّلْطَانِ كِتَابًا يُحَذِّرُهُ فِيهِ مِنْ هَذَا الظُّلْمِ مُؤَكِّدًا: "فَهَذِهِ الْحَوْطَةُ لَا تَحِلُّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ مَنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَهُوَ مِلْكُهُ لَا يَحِلُّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ وَلَا يُكَلَّفُ إِثْبَاتَهُ". لَمَّا لَمْ يُفِدِ الْكِتَابُ، مَشَى الإِمَامُ بِنَفْسِهِ إِلَى مَجْلِسِ السُّلْطَانِ وَقَابَلَهُ وَكَلَّمَهُ كَلَامًا شَدِيدًا غَلِيظًا. فَغَضِبَ بَيْبَرْسُ مِنْ جُرْأَتِهِ، وَأَمَرَ بِقَطْعِ رَوَاتِبِهِ وَعَزْلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: "إِنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْخِ رَاتِبٌ وَلَيْسَ لَهُ مَنْصِبٌ". وَهَمَّ السُّلْطَانُ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ وَحَمَاهُ وَصَرَفَ قَلْبَ السُّلْطَانِ عَنْهُ، فَأَبْطَلَ أَمْرَ الْحَوْطَةِ وَخَلَّصَ النَّاسَ مِنْ شَرِّهَا. وَقَدْ كَانَ بَيْبَرْسُ يَقُولُ لِمَنْ حَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ النَّوَوِيِّ: "أَنَا أَفْزَعُ مِنْهُ".
وَفِي مَوْقِفٍ آخَرَ تَخِرُّ لَهُ الْجِبَالُ رَهْبَةً، حِينَ خَرَجَ بَيْبَرْسُ لِقِتَالِ التَّتَارِ، طَلَبَ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ فَرْضِ ضَرَائِبَ عَلَى الرَّعِيَّةِ لِلِاسْتِنْصَارِ بِهَا، فَأَفْتَاهُ عُلَمَاءُ الشَّامِ خَوْفًا، وَلَمَّا طُلِبَ مِنَ النَّوَوِيِّ أَنْ يَكْتُبَ خَطَّهُ مَعَهُمْ، رَفَضَ رَفْضًا قَاطِعًا وَقَالَ: "لَا". فَلَمَّا سَأَلَهُ السُّلْطَانُ عَنْ سَبَبِ امْتِنَاعِهِ، أَجَابَهُ بِكَلِمَاتٍ حَازِمَةٍ تَفْضَحُ حُطَامَ الدُّنْيَا: "أَنَا أَعْرِفُ أَنَّكَ كُنْتَ فِي الرِّقِّ لِلْأَمِيرِ بُنْدُقْدَارَ وَلَيْسَ لَكَ مَالٌ... وَسَمِعْتُ أَنَّ عِنْدَكَ أَلْفَ مَمْلُوكٍ كُلُّهُمْ عِنْدَهُ حِيَاصَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَعِنْدَكَ مِئَتَا جَارِيَةٍ لِكُلِّ جَارِيَةٍ حَقٌّ مِنَ الْحُلِيِّ، فَإِذَا أَنْفَقْتَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَبَقِيَتْ مَمَالِيكُكَ بِالْبُنُودِ الصُّوفِ... وَلَمْ يَبْقَ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ... أَفْتَيْتُكَ بِأَخْذِ الْمَالِ مِنَ الرَّعِيَّةِ". فَاسْتَشَاطَ السُّلْطَانُ غَضَبًا وَأَمَرَ بِطَرْدِهِ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى نَوَى، فَقَالَ الْإِمَامُ: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ". وَحِينَ سُئِلَ بَيْبَرْسُ، كَيْفَ لَمْ يَقْتُلْهُ أَوْ يَبْطِشْ بِهِ، أَجَابَ بِرُعْبٍ ظَاهِرٍ: "كُلَّمَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ أَرَى عَلَى عَاتِقِهِ سَبْعَيْنِ يُرِيدَانِ افْتِرَاسِي".
غَزَارَةُ الإِنْتَاجِ.. بَرَكَةٌ تُعَانِقُ الخُلُودَ
أَمَّا فِي مَيْدَانِ التَّصْنِيفِ، فَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ مُعْجِزَةَ زَمَانِهِ؛ إِذْ بَدَأَ رِحْلَتَهُ مَعَ التَّأْلِيفِ عَامَ سِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ (660 هـ)، وَقَدْ بَلَغَ الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ. رَغْمَ أَنَّ حَيَاتَهُ لَمْ تَتَجَاوَزْ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ أَوْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ بَارَكَ فِي أَوْقَاتِهِ بَرَكَةً أَدْهَشَتِ الْأَلْبَابَ، فَأَذَابَ عُصَارَةَ فِكْرِهِ فِي مُؤَلَّفَاتٍ عَظِيمَةٍ سَطَعَتْ حُجَّتُهَا، وَعَذُبَتْ عِبَارَتُهَا، وَحَقَّقَتْ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ بِالْقَبُولِ. يَذْكُرُ الْإِسْنَوِيُّ تَعْلِيلًا لَطِيفًا لِهَذِهِ الْغَزَارَةِ، مُوَضِّحًا أَنَّ النَّوَوِيَّ "جَعَلَ مَا يُحَصِّلُهُ وَيَقِفُ عَلَيْهِ تَصْنِيفًا... فَجَعَلَ تَصْنِيفَهُ تَحْصِيلًا وَتَحْصِيلَهُ تَصْنِيفًا". وَمِنْ عَجَائِبِ بَرَكَتِهِ، أَنَّهُ لَوْ قُسِمَتِ الصَّفَحَاتُ الَّتِي خَطَّهَا قَلَمُهُ عَلَى أَيَّامِ عُمْرِهِ كُلِّهَا مُنْذُ وِلَادَتِهِ لَكَانَ النَّاتِجُ كُرَّاسَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعِينَ صَفْحَةً لِكُلِّ يَوْمٍ. مِنْ أَبْرَزِ مَا خَلَّفَهُ لِلْأُمَّةِ ثَلَاثَةُ كُتُبٍ صَارَتْ زَادًا يَوْمِيًّا لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْهَا بَيْتٌ مُسْلِمٌ: "الْأَرْبَعُونَ النَّوَوِيَّةُ"، وَ"رِيَاضُ الصَّالِحِينَ مِنْ كَلَامِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ"، وَ"الْأَذْكَارُ". كَمَا أَبْدَعَ فِي "الْمَجْمُوعِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ"، وَ"رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ وَعُمْدَةِ الْمُفْتِينَ"، وَ"الْمِنْهَاجِ فِي الْفِقْهِ"، وَكَذَلِكَ كِتَابُهُ الْفَذُّ "شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ" الَّذِي جَاءَ شَرْحًا وَافِيًا مُتْقَنًا بَارِعًا أَعْجَبَ كِبَارَ الْعُلَمَاءِ.
الرِّحْلَةُ الْأَخِيرَةُ.. عَطَاءٌ مَوْصُولٌ وَأَمَانَاتٌ تُرَدُّ
لَمْ يُعَمِّرِ الشَّيْخُ طَوِيلًا كَمَا هُوَ شَأْنُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، لَكِنَّهُ أَوْدَعَ فِي عُمْرِهِ الْقَصِيرِ مَا عَجَزَ عَنْهُ الْعَشَرَاتُ عَبْرَ قُرُونٍ. وَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ (676 هـ)، أَحَسَّ الْإِمَامُ بِدُنُوِّ الرَّحِيلِ، فَقَامَ بِرَدِّ جَمِيعِ الْكُتُبِ الْمُسْتَعَارَةِ لَدَيْهِ مِنْ مَكْتَبَاتِ الْأَوْقَافِ. ثُمَّ شَدَّ الرِّحَالَ زَائِرًا مَقَابِرَ شُيُوخِهِ بِدِمَشْقَ فَدَعَا لَهُمْ وَبَكَى، وَوَدَّعَ أَصْحَابَهُ الْأَحْيَاءَ كَمُفَارِقٍ لَا يَعُودُ. يَمَّمَ شَطْرَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَدِينَةِ الْخَلِيلِ مُعَانِقًا أَرْضَ الْأَنْبِيَاءِ، قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَسْقَطِ رَأْسِهِ فِي قَرْيَةِ "نَوَى". هُنَاكَ حَيْثُ وُلِدَ، حَلَّ بِهِ الْمَرَضُ الْأَخِيرُ، لِيَرْتَقِيَ إِلَى رَبِّهِ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ، الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، مُلَبِّيًا نِدَاءَ مَوْلَاهُ. لَمَّا وَصَلَ نَعْيُهُ إِلَى دِمَشْقَ، ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ وَمَا حَوْلَهَا بِالْبُكَاءِ، وَعَمَّ الْحُزْنُ أَصْقَاعَ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ، وَنُودِيَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ. كَمَا تَوَجَّهَ قَاضِي الْقُضَاةِ عِزُّ الدِّينِ بْنُ الصَّائِغِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ الْأَصْحَابِ إِلَى "نَوَى" لِلصَّلَاةِ عَلَى قَبْرِهِ الَّذِي بَاتَ مَعْلَمًا ظَاهِرًا، مُرَدِّدِينَ مَرَاثِيَ تَفَطَّرَتْ لَهَا الْقُلُوبُ. فَرَحِمَ اللَّهُ الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ رَحْمَةً وَاسِعَةً، طَوَى صَفْحَةَ الْحَيَاةِ بِجَسَدِهِ، لَكِنَّهُ تَرَكَ كُنُوزًا أَضَاءَتْ مَدَارِكُ الْعُقُولِ، لِيَحْشُرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
شَهَادَاتُ الْأَئِمَّةِ.. حِينَ تَنْطِقُ الْجِبَالُ بِثَنَاءِ الْجِبَالِ
لَمْ يَمْضِ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي سَمَاءِ الْأُمَّةِ مُرُورَ الشِّهَابِ الَّذِي يَلْمَعُ ثُمَّ يَنْطَفِئُ، بَلْ كَانَ شَمْسًا أَسْفَرَتْ عَنْ نَهَارِ عِلْمٍ لَمْ يَعْرِفِ الْغُرُوبَ. وَقَدْ وَقَفَ كِبَارُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَجَهَابِذَةُ التَّارِيخِ إِجْلَالًا لِهَذَا الطَّوْدِ الشَّامِخِ، يُسَطِّرُونَ فِي مَنَاقِبِهِ عِبَارَاتٍ تَتَنَادَى بِهَا الرُّكْبَانُ، حَتَّى بَاتَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ إِجْمَاعًا لَا يَشُذُّ عَنْهُ إِلَّا مُكَابِرٌ. وَإِلَيْكَ قَطَرَاتٍ مِنْ بَحْرِ مَا قَالُوهُ فِي وُصْفِهِ:
- إِمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: يَقِفُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ خَاشِعًا أَمَامَ عَظَمَةِ النَّوَوِيِّ، فَيَقُولُ بِلِسَانِ الْعَارِفِ الْخَبِيرِ: "الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ، الْحَافِظُ الزَّاهِدُ، الْعَابِدُ الْفَقِيهُ، الْمُجْتَهِدُ الرَّبَّانِيُّ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، حَسَنَةُ الْأَنَامِ". وَيُضِيفُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مُتَعَجِّبًا مِنْ كَمَالِ صِفَاتِهِ: "مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُجَاهَدَةِ بِنَفْسِهِ، وَالْعَمَلِ بِدَقَائِقِ الْوَرَعِ وَالْمُرَاقَبَةِ، وَتَصْفِيَةِ النَّفْسِ مِنَ الشَّوَائِبِ... كَانَ حَافِظًا لِلْحَدِيثِ وَفُنُونِهِ وَرِجَالِهِ وَصَحِيحِهِ وَعَلِيلِهِ، رَأْسًا فِي مَعْرِفَةِ الْمَذْهَبِ". كَمَا وَصَفَهُ بِأَنَّهُ: "سَيِّدُ هَذِهِ الطَّبَقَةِ".
- مُؤَرِّخُ الْإِسْلَامِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ كَثِيرٍ: أَمَّا الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ، فَقَدْ نَقَشَ شَهَادَتَهُ بِمِدَادٍ مِنَ الذَّهَبِ قَائِلًا: "الشَّيْخُ الْإِمَامُ، الْعَلَّامَةُ الْحَافِظُ، الْفَقِيهُ النَّبِيلُ، مُحَرِّرُ الْمَذْهَبِ وَمُهَذِّبُهُ، وَضَابِطُهُ وَمُرَتِّبُهُ، أَحَدُ الْعُبَّادِ وَالْعُلَمَاءِ الزُّهَّادِ". ثُمَّ يَصِفُ حَالَهُ مَعَ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: "كَانَ عَلَى جَانِبٍ كَبِيرٍ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالزُّهْدِ وَالتَّقَشُّفِ، وَالِاقْتِصَادِ فِي الْعَيْشِ وَالصَّبْرِ عَلَى خُشُونَتِهِ، وَالتَّوَرُّعِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ فِي زَمَانِهِ وَلَا قَبْلَهُ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ". وَشَهِدَ لَهُ بِالتَّفَرُّدِ قَائِلًا: "وَمَنْ حَازَ قَصَبَةَ السَّبْقِ دُونَ أَقْرَانِهِ".
- شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: وَفِي كَلِمَاتٍ تَفِيضُ بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّوْقِيرِ، يَقُولُ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ يَلْخَصُ مَكَانَتَهُ الرُّوحِيَّةَ وَالْعِلْمِيَّةَ: "بِالْجُمْلَةِ: كَانَ قُطْبَ زَمَانِهِ، وَسَيِّدَ وَقْتِهِ، وَسِرَّ اللَّهِ بَيْنَ خَلْقِهِ".
- تِلْمِيذُهُ الْبَارُّ ابْنُ الْعَطَّارِ: وَلَا أَحَدَ أَعْرَفُ بِالشَّيْخِ مِنْ تِلْمِيذِهِ الَّذِي لَازَمَهُ كَظِلِّهِ، فَيَصِفُهُ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ الْعَطَّارِ قَائِلًا: "شَيْخِي وَقُدْوَتِي، الْإِمَامُ ذُو التَّصَانِيفِ الْمُفِيدَةِ وَالْمُؤَلَّفَاتِ الْحَمِيدَةِ، أَوْحَدُ دَهْرِهِ، وَفَرِيدُ عَصْرِهِ الصَّوَّامُ الْقَوَّامُ، الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، صَاحِبُ الْأَخْلَاقِ الرَّضِيَّةِ، وَالْمَحَاسِنِ السَّنِيَّةِ". وَأَضَافَ مُبَيِّنًا مَدَى تَبَحُّرِهِ: "كَانَ حَافِظًا لِلْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَوَاعِدِهِ وَأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَمَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَوِفَاقِهِمْ وَإِجْمَاعِهِمْ".
- الْإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَحَتَّى بَعْدَ مُرُورِ الْأَجْيَالِ، ظَلَّ الْقَبُولُ الَّذِي وُضِعَ لِلنَّوَوِيِّ فِي الْأَرْضِ مَحَلَّ عَجَبٍ، فَقَدْ رَوَى السَّخَاوِيُّ أَنَّ شَيْخَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ ابْنَ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيَّ كَانَ شَدِيدَ الْأَدَبِ مَعَ النَّوَوِيِّ، حَتَّى سُمِعَ مِرَارًا يَقُولُ: "لَا أَعْرِفُ نَظِيرَهُ أَوْ لَا أَعْلَمُ نَظِيرَهُ فِي قَبُولِ مَقَالِهِ عِنْدَ سَائِرِ أَرْبَابِ الطَّوَائِفِ".
- الْإِمَامُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ: أَمَّا السُّيُوطِيُّ، فَقَدْ لَخَّصَ سِيرَتَهُ فِي "طَبَقَاتِ الْحُفَّاظِ" بِكَلِمَاتٍ جَامِعَةٍ مُعَبِّرَةٍ: "وَكَانَ إِمَامًا بَارِعًا حَافِظًا مُتْقِنًا، أَتْقَنَ عُلُومًا شَتَّى وَبَارَكَ اللَّهُ فِي عِلْمِهِ وَتَصَانِيفِهِ لِحُسْنِ قَصْدِهِ، وَكَانَ شَدِيدَ الْوَرَعِ وَالزُّهْدِ، أَمَّارًا بِالْمَعْرِوفِ نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ".
شَهَادَاتُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ الْحَدِيثِ.. نَهْرٌ مُتَّصِلٌ مِنَ الْوَفَاءِ
وَلَمْ يَقْتَصِرْ هَذَا الثَّنَاءُ الْعَطِرُ عَلَى عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، بَلِ امْتَدَّ هَذَا الْغَيْثُ لِيَسْقِيَ عُقُولَ الْمُعَاصِرِينَ، فَظَلَّ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ نِبْرَاسًا تَسْتَضِيءُ بِهِ الْأَجْيَالُ الْمُتَلَاحِقَةُ، وَحِصْنًا عِلْمِيًّا تَتَفَيَّأُ ظِلَالَهُ الْأُمَّةُ فِي عَصْرِنَا الْحَاضِرِ. وَإِلَيْكَ مَا سَطَّرَتْهُ أَقْلَامُ بَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ فِي بَيَانِ فَضْلِهِ:
الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يَتَحَدَّثُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ عَنْ إِخْلَاصِ الْإِمَامِ وَقَبُولِهِ فِي الْأَرْضِ فَيَقُولُ: "النَّوَوِيُّ رَجُلٌ نَاصِحٌ، وَلَهُ قَدَمُ صِدْقٍ بِالْإِسْلَامِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِك قَبُولُ مُؤَلَّفَاتِهِ؛ حَتَّى إِنَّكَ لَا تَجِدُ مَسْجِدًا مِنْ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا تَجِدُ فِيهِ كِتَابَهُ (رِيَاضَ الصَّالِحِينَ)".
الْأَدِيبُ وَالْعَالِمُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الطَّنْطَاوِيُّ: وَفِي مَعْرِضِ الْحَدِيثِ عَنْ بَرَاعَةِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِهِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ، يَقُولُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الطَّنْطَاوِيُّ بِإِعْجَابٍ شَدِيدٍ وَتَقْدِيرٍ عَمِيقٍ لِهَذَا الْجُهْدِ: "وَأَمَّا شَرْحُ مُسْلِمٍ فَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ، لَا أَعْرِفُ فِي الشُّرُوحِ أَجَلَّ مِنْهُ إِلَّا شَرْحَ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى الْبُخَارِيِّ".
خَاتِمَةُ الْمَطَافِ.. بَحْرٌ يَطْوِي الزَّلَّاتِ
وَخِتَامًا، فَإِنَّ يَنَابِيعَ الْكَمَالِ لَمْ تَصْفُ يَوْمًا لِبَشَرٍ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَلَا يُوجَدُ فِي طَيَّاتِ التَّارِيخِ عَالِمٌ مَهْمَا شَامَخَتْ ذُرَاهُ، وَاتَّسَعَتْ فِي الْعِلْمِ رُؤَاهُ، إِلَّا وَتَعْتَرِيهِ بَعْضُ الْهَفَوَاتِ، وَتَقَعُ مِنْهُ زَلَّاتٌ هِيَ مِنْ صَمِيمِ الطَّبِيعَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. لَكِنَّ الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- قَدْ شَيَّدَ بِإِخْلَاصِهِ الْعَمِيقِ وَعَمَلِهِ الدَّؤُوبِ صَرْحًا عِلْمِيًّا مَهِيبًا، حَتَّى غَدَتْ أَيُّ هَفْوَةٍ قَدْ تُؤْخَذُ عَلَيْهِ قَطْرَةً تَتَلَاشَى فِي بَحْرِ عِلْمِهِ الزَّاخِرِ، وَذَرَّةً تَذُوبُ فِي مُحِيطِ فَضْلِهِ الْغَامِرِ وَوَرَعِهِ النَّادِرِ.
إِنَّ مَنْ يُبْصِرُ تُرَاثَهُ الْعَظِيمَ، وَمُؤَلَّفَاتِهِ الَّتِي سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ لِتُنِيرَ دُرُوبَ السَّالِكِينَ، يُدْرِكُ بِيَقِينٍ لَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ أَنَّ مَحَاسِنَهُ قَدْ طَغَتْ عَلَى كُلِّ نَقْصٍ، وَأَنَّ حَسَنَاتِهِ الْعِظَامَ قَدْ غَمَرَتْ كُلَّ مَأْخَذٍ أَوْ اجْتِهَادٍ لَمْ يُصِبْ فِيهِ كَبِدَ الصَّوَابِ. فَهَذَا النَّابِغَةُ وَالْقَامَةُ الْعِلْمِيَّةُ الشَّامِخَةُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَشَرًا يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، لَكِنَّهُ وَهَبَ حَيَاتَهُ لِلَّهِ دِينًا وَعِلْمًا وَعَمَلًا.
فَلَيْسَ لَنَا مَعَ هَذَا الْجَبَلِ الْأَشَمِّ وَالْعَلَمِ الْمُفْرَدِ، إِلَّا أَنْ نَحْفَظَ لَهُ قَدْرَهُ الْمَكِينِ، وَأَنْ نَبَرَّهُ بِالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ، مُغْتَرِفِينَ مِنْ صَافِي نَبْعِهِ الَّذِي لَمْ تُعَكِّرْهُ الْأَيَّامُ. فَرَحِمَ اللَّهُ إِمَامَنَا قُدْوَةَ الْعَامِلِينَ، جَزَاءَ مَا قَدَّمَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَسْكَنَهُ فِي عَلْيَاءِ جَنَّاتِهِ، حَيْثُ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
قال الإمام الذهبي رحمه الله :
" وَلَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ - مَعَ صِحَّةِ إِيْمَانِهِ، وَتَوَخِّيْهِ لاتِّبَاعِ الحَقِّ - أَهْدَرْنَاهُ، وَبَدَّعنَاهُ، لَقَلَّ مَنْ يَسلَمُ مِنَ الأَئِمَّةِ مَعَنَا، رَحِمَ اللهُ الجَمِيْعَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ." انتهى ، من "سير أعلام النبلاء" (14/376)
الْمَصَادِرُ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْقِصَّةُ:
- مُقَدِّمَةُ تَحْقِيقِ كِتَابِ "الْأَذْكَارِ النَّوَوِيَّةِ" لِلشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ مِسْتُو.
- مَقَالَةٌ مَنْشُورَةٌ بِعُنْوَانِ: "الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ هُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْعَالِمُ الْمُحَدِّثُ...".
- مَقَالَاتٌ عِدَّةٌ تَتَنَاوَلُ أَخْلَاقَهُ وَمَوَاقِفَهُ مِثْلُ: "أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ شَرَفٍ النَّوَوِيُّ".
- تَرَاجِمُ تَارِيخِيَّةٌ حَوْلَ "مَنَاقِبُ النَّوَوِيِّ وَحَيَاتُهُ العِلْمِيَّةُ".
- مَقَالَةٌ مُعَاصِرَةٌ تَضَمَّنَتْ رُدُودًا وَشَهَادَاتٍ حَدِيثَةً تَحْتَ عُنْوَانِ: "الإِمَامُ النَّوَوِيُّ.. أَصْلُهُ وَنَشْأَتُهُ".
- الْكِتَابُ الْمُرْفَقُ كَمَصْدَرٍ أَسَاسِيٍّ مُوَثَّقٍ: "الإمام النووي شيخ الإسلام والمسلمين.pdf" لِلْمُؤَلِّفِ عَبْدِ الْغَنِي الدَّقْرِ (إِصْدَارُ دَارِ الْقَلَمِ).