recent
آخر القصص

5 طرائف تاريخية مذهلة: أعرابي يطرد الخليفة وشاعر يبيع حذاءه لضيفه!

نستعرض معكم باقة من أجمل نوادر الأعيان وطوائف الشعراء والخلفاء في التراث العربي: صيد الخليفة المهدي مع علي بن سليمان وطرفة أبي دلامة الشهيرة، قصة الأعرابي والشربات الثلاث مع الخليفة، هجاء بشار بن برد لأبان بن عبد الحميد بسبب خبر الفراق، فرج الله على مسلم بن الوليد بعد بيع خفيه، وفراسة داود بن يزيد المهلبية مع راوية مسلم بن الوليد. نص كامل يوثق هذه اللطائف الأدبية الخالدة.
🔊

من نوادر الزمان وملح الأعيان: طرائف الخلفاء ودهاء الشعراء

(1) صَائِدُ الْكَلْبِ وَأَبُو دُلَامَةَ

حُكِيَ فِي نَوَادِرِ الزَّمَانِ، وَمُلَحِ الْأَعْيَانِ..

أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ «الْمَهْدِيَّ» خَرَجَ يَوْمًا يَبْتَغِي الصَّيْدَ وَالْقَنَصَ، وَقَدِ اصْطَحَبَ فِي مَوْكِبِهِ خَالِصَتَهُ وَنَدِيمَهُ «عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ». فَبَيْنَمَا هُمْ فِي مَرَحِ الرِّحْلَةِ وَعُنْفُوَانِ الْمَسِيرِ، إِذْ سَنَحَ لَهُمْ مِنْ بَيْنِ الْأَحْرَاشِ سِرْبٌ مِنَ الظِّبَاءِ الرَّوَاتِعِ، تَخْطِفُ الْأَبْصَارَ بِرَشَاقَتِهَا. فَمَا كَانَ مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا أَنْ أَفْلَتُوا كِلَابَ الصَّيْدِ سِبَاقًا، وَأَهَابُوا بِالْخَيْلِ لِحَاقًا، وَاشْتَدَّتْ حَمِيَّةُ الرِّجَالِ لِلرِّمَايَةِ وَالِاقْتِنَاصِ!

وَهُنَا بَرَزَ التَّبَايُنُ الْعَجِيبُ؛ فَأَمَّا «الْمَهْدِيُّ»، فَقَدْ أَرْسَلَ سَهْمًا سَدِيدًا مِنْ قَوْسِهِ، كَأَنَّهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ لا يُخْطِئُ مَرْمَاهُ، فَشَكَّ بِهِ فُؤَادَ ظَبْيٍ سَمِينٍ فَأَرْدَاهُ صَرِيعًا فِي الْحَالِ. وَأَمَّا صَاحِبُنَا «عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ»، فَقَدْ رَامَ التَّسْدِيدَ وَالتَّقْلِيدَ، فَجَذَبَ وَتَرَهُ، وَأَطْلَقَ سَهْمَهُ الطَّائِشَ الْأَعْمَى، فَلَمْ يَجِدْ هَذَا السَّهْمُ الْبَائِسُ مَهْبَطًا لَهُ إِلَّا رَقَبَةَ كَلْبٍ مِنْ كِلَابِهِمُ الَّتِي خَرَجَتْ تُعَاوِنُهُمْ عَلَى الصَّيْدِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ الْآخَرِ بَدَلًا مِنَ الطَّرِيدَةِ!

وَكَانَ دَاهِيَةُ الشُّعَرَاءِ، وَمُضْحِكُ الْخُلَفَاءِ، «أَبُو دُلَامَةَ» حَاضِرًا، يَرْقُبُ الْمَشْهَدَ بِعَيْنِ السَّاخِرِ الْمُتَلَصِّصِ، فَلَمَّا رَأَى هَذِهِ الْمُفَارَقَةَ الْمُضْحِكَةَ، ابْتَسَمَ بِخُبْثٍ، وَانْفَجَرَتْ قَرِيحَتُهُ بِالشِّعْرِ اللَّاذِعِ الْمُطْرِبِ، فَأَنْشَدَ قَائِلًا بِصَوْتٍ سَمِعَهُ الرَّكْبُ:

قَدْ رَمَى المَهْدِيُّ ظَبْيَاً *** شَكَّ بِالسَّهْمِ فُؤَادَهْ
وَعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَا *** نَ رَمَى كَلْبَاً فَصَادَهْ
فَهَنِيئَـــــاً لَهُمَــــــا *** كُلُّ امْرِئٍ يَأْكُلُ زَادَهْ!

فَمَا إِنْ سَمِعَ «الْمَهْدِيُّ» قُفْلَةَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ الْمَاكِرَةِ، حَتَّى اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ مِنْ شِدَّةِ الضَّحِكِ، وَاهْتَزَّ بَدَنُهُ حَتَّى كَادَ يَهْوِي مِنْ عَلَى سَرْجِ جَوَادِهِ، وَهُوَ يَضْرِبُ كَفًّا بِكَفٍّ وَيَقُولُ بَيْنَ تَقَطُّعِ أَنْفَاسِهِ: «صَدَقْتَ وَاللَّهِ يَا أَبَا دُلَامَةَ! كُلُّ امْرِئٍ يَأْكُلُ مَا صَادَتْ يَدَاهُ!».

ثُمَّ أَمَرَ لِلشَّاعِرِ بِجَائِزَةٍ سَنِيَّةٍ أَسَالَتْ لُعَابَهُ، وَأَمَّا السَّيِّدُ الْمُخْفِقُ «عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ»، فَقَدْ لَزِمَهُ لَقَبُ «صَائِدِ الْكَلْبِ» كَمَا يَلْزَمُ الظِّلُّ صَاحِبَهُ، وَبَاتَتْ طُرْفَةً تَتَنَدَّرُ بِهَا الْعَرَبُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ وَنَادٍ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا!

(2) الأَعْرَابِيُّ وَالشَّرَبَاتُ الثَّلَاثُ

يُحْكَى فِي طَرَائِفِ الْأَخْبَارِ، وَمُلَحِ الْأَسْمَارِ، أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ «الْمَهْدِيَّ» خَرَجَ يَوْمًا يَتَصَيَّدُ، فَأَخَذَتْهُ نَشْوَةُ الْمُطَارَدَةِ حَتَّى غَارَ بِهِ جَوَادُهُ؛ فَانْحَدَرَ فِي بَطْنِ وَادٍ مُقْفِرٍ بَعِيدًا عَنْ حَاشِيَتِهِ. وَهُنَاكَ، أَلْقَتْهُ الْمَقَادِيرُ إِلَى «خِبَاءٍ» مُتَوَاضِعٍ يَسْكُنُهُ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ.

دَنَا الْمَهْدِيُّ مِنَ الْخَيْمَةِ وَنَادَى: «يَا أَخَا الْعَرَبِ! هَلْ مِنْ قِرًى لِعَابِرِ سَبِيلٍ؟» فَانْبَرَى الْأَعْرَابِيُّ بِكَرَمِهِ الْمُعْتَادِ، وَقَدَّمَ لَهُ قُرْصًا مِنْ شَعِيرٍ خَشِنٍ، فَأَكَلَهُ الْخَلِيفَةُ عَنْ طِيبِ خَاطِرٍ بَعْدَ أَنْ مَسَّهُ الْجُوعُ. ثُمَّ أَتْبَعَهُ الْأَعْرَابِيُّ بِفَضْلَةٍ مِنْ لَبَنٍ، قَبْلَ أَنْ يُتَوِّجَ ضِيَافَتَهُ بِـ«رَكْوَةٍ» مِنْ جِلْدٍ تَحْوِي نَبِيذًا يُذْهِبُ عَنَاءَ السَّفَرِ.

  • الشَّرْبَةُ الْأُولَى: فَلَمَّا عَبَّ الْمَهْدِيُّ مِنْهَا الشَّرْبَةَ الْأُولَى، سَرَى الدِّفْءُ فِي عُرُوقِهِ، وَطَابَ لَهُ أَنْ يُمَازِحَ مُضِيفَهُ قَائِلًا: «أَتَدْرِي مَنْ أَنَا يَا أَعْرَابِيُّ؟». فَقَالَ الرَّجُلُ بِبَرَاءَةٍ: «لَا وَاللَّهِ!». فَأَجَابَهُ الْمَهْدِيُّ: «أَنَا مِنْ خَوَاصِّ خَدَمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ!». فَتَهَلَّلَ وَجْهُ الْأَعْرَابِيِّ وَقَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي مَوْضِعِكَ!».
  • الشَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ: ثُمَّ صَبَّ لَهُ الثَّانِيَةَ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ فِي جَوْفِهِ، نَظَرَ إِلَيْهِ الْمَهْدِيُّ وَقَالَ: «أَتَدْرِي مَنْ أَنَا يَا أَعْرَابِيُّ؟». فَقَالَ الرَّجُلُ: «زَعَمْتَ آنِفًا أَنَّكَ مِنْ خَدَمِهِ!». فَقَالَ الْمَهْدِيُّ مُتَرَقِّيًا: «لَا، بَلْ أَنَا مِنْ قُوَّادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ!». فَاتَّسَعَتِ ابْتِسَامَةُ الْأَعْرَابِيِّ وَقَالَ مُرَحِّبًا: «رَحُبَتْ بِلَادُكَ، وَطَابَ مُرَادُكَ يَا سَيِّدِي!».
  • الشَّرْبَةُ الثَّالِثَةُ وَالْقَاضِيَةُ: وَمَا إِنْ سَقَاهُ الثَّالِثَةَ، حَتَّى بَلَغَ الْمَزْحُ ذِرْوَتَهُ، فَسَأَلَهُ الْمَهْدِيُّ: «أَتَدْرِي مَنْ أَنَا يَا هَذَا؟». قَالَ الْأَعْرَابِيُّ وَقَدْ بَدَأَ الشَّكُّ يُسَاوِرُهُ: «أَلَمْ تَزْعُمْ أَنَّكَ مِنْ قُوَّادِهِ؟». فَقَالَ الْمَهْدِيُّ بِنَبْرَةِ الْوَاثِقِ: «لَا؛ بَلْ أَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِشَحْمِهِ وَلَحْمِهِ!».

هُنَا، هَبَّ الْأَعْرَابِيُّ مَذْعُورًا، وَاخْتَطَفَ «الرَّكْوَةَ» مِنْ يَدِهِ، وَشَدَّ وِكَاءَهَا (رَبَطَهَا) بِعُنْفٍ مَانِعًا عَنْهُ قَطَرَاتِهَا، وَصَاحَ بِهِ فِي هَلَعٍ مَمْزُوجٍ بِالسُّخْرِيَةِ: «إِلَيْكَ عَنِّي! فَوَاللَّهِ لَوْ شَرِبْتَ الرَّابِعَةَ لَادَّعَيْتَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ!».

فَانْفَجَرَ الْمَهْدِيُّ ضَاحِكًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ وَكَادَ يَلْفِظُ أَنْفَاسَهُ مِنَ الطَّرَبِ! وَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ تَلَاحَقَتْ خَيْلُ الْخِلَافَةِ، وَتَقَاطَرَ الْأُمَرَاءُ وَالْأَشْرَافُ يُحِيطُونَ بِالْمَكَانِ إِجْلَالًا، فَطَارَ قَلْبُ الْأَعْرَابِيِّ شُعَاعًا مِنَ الْخَوْفِ إِذْ تَبَيَّنَ لَهُ صِدْقُ كَلَامِ ضَيْفِهِ!

إِلَّا أَنَّ الْمَهْدِيَّ، وَقَدْ غَمَرَتْهُ نَشْوَةُ الدُّعَابَةِ، نَظَرَ إِلَيْهِ مُبْتَسِمًا وَهَدَّأَ مِنْ رَوْعِهِ قَائِلًا: «لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، وَلَا خَوْفَ!». ثُمَّ أَجْزَلَ لَهُ الْعَطَاءَ، وَأَمَرَ لَهُ بِكِسْوَةٍ فَاخِرَةٍ، وَمَالٍ وَفِيرٍ جَزِيلٍ، لِيَعُودَ الْأَعْرَابِيُّ سَعِيدًا غَانِمًا بَعْدَ ضِيَافَةٍ لَمْ تَخْطُرْ لَهُ عَلَى بَالٍ!

(3) بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ وَأَبَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ

يُحْكَى فِي مَجَالِسِ الْأُدَبَاءِ، وَمَوَاقِفِ الشُّعَرَاءِ، مَا رَوَاهُ «أَبَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ» قَائِلًا: نَزَلَ بِضَوَاحِي «الْبَصْرَةِ» قَوْمٌ مِنْ أَعْرَابِ «قَيْسِ عَيْلَانَ»، كَانَتْ تَتَقَاطَرُ مِنْ أَفْوَاهِهِمُ الْفَصَاحَةُ، وَيَجْرِي الْبَيَانُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مَجْرَى السَّيْلِ. وَكَانَ الشَّاعِرُ «بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ» يَغْشَاهُمْ دَوْمًا، فَيُنْشِدُهُمْ مِنْ رَوَائِعِ مَدِيحِهِ فِيهِمْ، فَيَرْفَعُونَ قَدْرَهُ، وَيُعَظِّمُونَ فِي الْحَيِّ شَأْنَهُ.

وَمَا زَادَ الطِّينَ بِلَّةً، وَالْقَلْبَ عِلَّةً، أَنَّ حِسَانَ نِسَائِهِمْ كُنَّ يَجْلِسْنَ إِلَيْهِ، يُسَامِرْنَهُ وَيَتَحَدَّثْنَ مَعَهُ، فَيُسْمِعُهُنَّ مِنْ رَقِيقِ غَزَلِهِ مَا يُطْرِبُ النُّفُوسَ وَيَسْلُبُ الْعُقُولَ. وَكُنْتُ أَنَا -وَالْكَلَامُ لِأَبَانٍ- أَتَرَدَّدُ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ الْبَدِيعِ كَثِيرًا، فَأَقْتَبِسُ مِنْ شِعْرِهِ وَمِنْ فَصَاحَتِهِمْ.

وَذَاتَ يَوْمٍ، جِئْتُ مَنَازِلَهُمْ فَإِذَا بِهَا خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا؛ قَدْ طُوِيَتِ الْخِيَامُ، وَارْتَحَلَ الْقَوْمُ! فَانْطَلَقْتُ مُسْرِعًا إِلَى «بَشَّارٍ» أَحْمِلُ لَهُ النَّبَأَ الْيَقِينَ، فَقُلْتُ لَهُ: «يَا أَبَا مُعَاذٍ! أَعَلِمْتَ أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ تَهْوَاهُمْ قَدِ ارْتَحَلُوا؟». فَقَالَ مُتَفَاجِئًا: «لَا!». فَقُلْتُ لَهُ بِتَعَجُّلٍ: «فَاعْلَمْ إِذًا أَنَّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا!». فَمَا كَانَ مِنْهُ، وَقَدْ لَسَعَتْهُ حُرْقَةُ الْفِرَاقِ وَلَوْعَةُ النَّوَى، إِلَّا أَنْ رَمَانِي بِدَعْوَةٍ سَاخِرَةٍ لَاهِبَةٍ قَائِلًا: «قَدْ عَلِمْتُ.. لَا عَلِمْتَ خَيْرًا أَبَدًا!». ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ وَمَضَيْتُ فِي طَرِيقِي.

وَلَمْ تَمْضِ سِوَى أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ عَلَى تِلْكَ الْحَادِثَةِ، حَتَّى سَمِعْتُ النَّاسَ يَتَنَاقَلُونَ قَصِيدَةً عَصَمُوهَا فِي حِفْظِهِمْ، تُشْعِلُ النَّارَ فِي اسْمِي بَيْنَ الرُّكْبَانِ، وَإِذَا بِهِمْ يُنْشِدُونَ:

دَعَا بِفِرَاقِ مَنْ تَهْوَى «أَبَانُ» *** فَفَاضَ الدَّمْعُ وَاحْتَرَقَ الْجَنَانُ
كَأَنَّ شَرَارَةً وَقَعَتْ بِقَلْبِي *** لَهَا فِي مُقْلَتِي وَدَمِي اسْتِنَانُ
إِذَا أُنْشِدْتُ أَوْ نَسَمَتْ عَلَيْهَا *** رِيَاحُ الصَّيْفِ هَاجَ لَهَا دُخَانُ

فَأَدْرَكْتُ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ طَامَّةَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ لَمْ تَخْرُجْ إِلَّا مِنْ قَرِيحَةِ الْمَكْلُومِ «بَشَّارٍ»! فَهَرْوَلْتُ إِلَيْهِ مُعَاتِبًا وَمَذْعُورًا مِنْ سَلِيطِ لِسَانِهِ، وَقُلْتُ: «يَا أَبَا مُعَاذٍ! مَا ذَنْبِي إِلَيْكَ حَتَّى تَجْعَلَنِي سَبَبًا فِي فِرَاقِهِمْ؟». فَأَجَابَنِي بِبُرُودٍ وَدَهَاءٍ: «ذَنْبُكَ يَا هَذَا هُوَ ذَنْبُ غُرَابِ الْبَيْنِ!» (أَيْ أَنَّكَ جِئْتَنِي تَنْعَقُ بِخَبَرِ الْفِرَاقِ كَالْغُرَابِ).

فَقُلْتُ مُتَوَجِّسًا: «وَهَلْ ذَكَرْتَنِي بِسُوءٍ فِي قَصَائِدَ أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ؟». قَالَ: «لَا». فَتَنَفَّسْتُ الصُّعَدَاءَ وَقُلْتُ رَاجِيًا: «أُنْشِدُكَ اللَّهَ أَلَّا تَزِيدَ فِيهَا حَرْفًا!». فَرَقَّ لِحَالِي، وَطَوَى صَفْحَةَ عِقَابِي قَائِلًا بِكِبْرِيَاءِ الشُّعَرَاءِ: «امْضِ لِشَأْنِكَ.. فَقَدْ تَرَكْتُكَ!».

(4) مُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ وَثَمَنُ الْخُفَّيْنِ

يُرْوَى مِنْ عَجَائِبِ الْأَقْدَارِ، وَمُفَارَقَاتِ الْأَخْبَارِ، مَا حَدَّثَ بِهِ الشَّاعِرُ الْمُفْلِقُ «مُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ»؛ قَالَ:

كُنْتُ جَالِسًا ذَاتَ يَوْمٍ أَمَامَ دَارِي أُقَاسِي مَرَارَةَ الْإِمْلَاقِ وَخُلُوَّ الْوِفَاضِ، فَإِذَا بِصَدِيقٍ يَمُرُّ بِي. فَمَا كَانَ مِنِّي -بَدَافِعِ النَّخْوَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي لَا تَعْتَرِفُ بِإِفْلَاسِ الْجُيُوبِ!- إِلَّا أَنْ وَثَبْتُ إِلَيْهِ مُهَلِّلًا، وَأَلْحَحْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ بِدَارِي ضَيْفًا مُكَرَّمًا. وَالْمُصِيبَةُ أَنَّنِي أَدْخَلْتُهُ مَنْزِلِي وَلَيْسَ مَعِي فِي الدُّنْيَا بِرُمَّتِهَا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ أَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ!

فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ عَمَلِيَّةِ إِنْقَاذٍ سَرِيعَةٍ؛ لِئَلَّا أُفْضَحَ فِي مَيْدَانِ الْكَرَمِ. فَسَرَّبْتُ جَارِيَتِي خِلْسَةً، وَبِيَدِهَا «زَوْجُ أَخْفَافٍ» كَانَ عِنْدِي، لِتَبِيعَهُ لِأَحَدِ الْمَعَارِفِ! فَبَاعَتْهُ بِتِسْعَةِ دَرَاهِمَ يَتِيمَةٍ، طِرْتُ بِهَا لِأَشْتَرِيَ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَنَجَوْتُ مِنْ سَيْفِ الْإِحْرَاجِ!

وَبَيْنَمَا نَحْنُ نَلْتَهِمُ ذَلِكَ الطَّعَامَ الْمَغْمُوسَ بِثَمَنِ «الْخُفَّيْنِ»، إِذْ قُرِعَ الْبَابُ طَرْقًا. فَتَلَصَّصْتُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَسْأَلُ: «أَهَذَا مَنْزِلُ مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ؟». فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَنَاوَلَنِي كِتَابًا مِنْ أَمِيرِ الرَّقَّةِ وَقَائِدِ الرَّشِيدِ «يَزِيدَ بْنِ مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيِّ»، فَفَضَضْتُهُ وَيَدَايَ تَرْتَجِفَانِ، فَإِذَا مَكْتُوبٌ فِيهِ: «قَدْ بَعَثْنَا لَكَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ لِتَكُونَ لِنَفَقَةِ مَنْزِلِكَ.. وَثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ تَتَجَمَّلُ بِهَا لِلْقُدُومِ إِلَيْنَا!».

فَطَارَ عَقْلِي رَفْرَفَةً فِي سَماءِ السُّعُودِ، وَأَدْخَلْتُ الرَّسُولَ إِلَى دَارِي مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا، وَأَضَفْتُ إِلَى طَعَامِ الْخُفَّيْنِ مَائِدَةً حَافِلَةً وَفَاكِهَةً طَازَجَةً! وَقَبْلَ أَنْ أُغَادِرَ، نَفَحْتُ ضَيْفِي الْأَوَّلَ مَبْلَغًا دَسِمًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ هَدِيَّةً لِأَهْلِهِ مُوَدِّعًا!

تَوَجَّهْتُ فَوْرًا إِلَى «الرَّقَّةِ»، فَوَجَدْتُ الْأَمِيرَ «يَزِيدَ» قَدْ خَرَجَ لِتَوِّهِ مِنَ الْحَمَّامِ، جَالِسًا يُمَشِّطُ لِحْيَتَهُ. فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْتُ، رَدَّ بِحَفَاوَةٍ بَالِغَةٍ وَقَالَ مُعَاتِبًا: «مَا الَّذِي أَقْعَدَكَ عَنَّا يَا مُسْلِمُ؟». فَأَجَبْتُهُ بِصَرَاحَةِ الْمُفْلِسِ: «قِلَّةُ ذَاتِ الْيَدِ يَا مَوْلَايَ!». ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ قَصِيدَةً عَصَمَاءَ فِي مَدْحِهِ.

فَابْتَسَمَ الْأَمِيرُ ضَاحِكًا وَقَالَ: «أَتَدْرِي لِمَ أَحْضَرْتُكَ عَاجِلًا؟.. كُنْتُ قَبْلَ لَيَالٍ أُسَامِرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ "هَارُونَ الرَّشِيدَ"، فَسَأَلَنِي مُتَعَجِّبًا: يَا يَزِيدُ، مَنِ الْقَائِلُ فِيكَ هَذَا الشِّعْرَ الْفَحْلَ:

سَلَّ الْخَلِيفَةُ سَيْفَاً مِنْ بَنِي مُضَرَ *** يَمْضِي فَيَخْتَرِقُ الْأَجْسَامَ وَالْهَامَا
كَالدَّهْرِ لَا يَنْثَنِي عَمَّـــا يَهُمُّ بِهِ *** قَدْ أَوْسَعَ النَّاسَ إِنْعَامَاً وَإِرْغَامَا

فَأَقْسَمْتُ لِلْخَلِيفَةِ أَنِّي لَا أَدْرِي صَاحِبَهَا! فَانْتَهَرَنِي الرَّشِيدُ قَائِلًا: "سُبْحَانَ اللَّهِ! أَيُقَالُ فِيكَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ الْبَدِيعِ وَلَا تَعْرِفُ مَنْ قَالَهُ؟". فَسَأَلْتُ حَتَّى دُلِلْتُ عَلَيْكَ.. فَقُمْ بِنَا فَوْرًا إِلَى الرَّشِيدِ!».

فَطِرْنَا إِلَى قَصْرِ الْخِلَافَةِ، وَدَخَلْنَا عَلَى الرَّشِيدِ، فَلَثَمْتُ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ مَا قُلْتُهُ فِي قَائِدِهِ. فَطَرِبَ الْخَلِيفَةُ حَتَّى اهْتَزَّ، وَأَمَرَ لِي بِمَبْلَغٍ خَيَالِيٍّ قَدْرُهُ «مِائَتَا أَلْفِ دِرْهَمٍ»! وَهُنَا، أَرَادَ «يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ» أَنْ يُكْرِمَنِي أَيْضًا عَلَى الْمَدِيحِ، فَنَقَدَنِي مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ «مِائَةً وَتِسْعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ»! وَغَمَزَنِي مُبْتَسِمًا بِأَدَبِ الْأُمَرَاءِ مَعَ الْخُلَفَاءِ قَائِلًا: «أَنْقَصْتُهَا عَشَرَةَ آلَافٍ.. لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُسَاوِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْعَطَاءِ!».

(فَسُبْحَانَ مُغَيِّرِ الْأَحْوَالِ، مِنْ ضِيَافَةٍ بِخُفَّيْنِ مُسْتَعْمَلَيْنِ، إِلَى ثَرْوَةٍ جَاوَزَتِ الرُّبْعَ مِلْيُونِ دِرْهَمٍ فِي سَاعَاتٍ وَأَيَّامٍ!)

(5) فِرَاسَةُ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ الْمُهَلَّبِيِّ وَرَاوِيَةُ مُسْلِمٍ

يُرْوَى فِي نَوَادِرِ الْعَرَبِ وَطَرَائِفِ مَجَالِسِهِمْ، أَنَّ أَمِيرَ السِّنْدِ وَفَارِسَهَا الْمِغْوَارَ، «دَاوُدَ بْنَ يَزِيدَ الْمُهَلَّبِيَّ»، كَانَ لَهُ طَقْسٌ مَهِيبٌ مُتَفَرِّدٌ فِي حَضْرَةِ الشُّعَرَاءِ؛ فَلَمْ يَكُنْ يَفْتَحُ لَهُمْ بَابَهُ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا فِي الْحَوْلِ كُلِّهِ! فَتَتَقَاطَرُ عَلَيْهِ قَوَافِلُ الْمَادِحِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، طَمَعًا فِي نَوَالِهِ وَكَرَمِهِ.

وَكَانَ شَاعِرُنَا الْمُفْلِقُ الْمَشْهُورُ «مُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ» قَدْ أَنْشَأَ قَصِيدَةً عَصْمَاءَ بَدِيعَةً، فَأَرْسَلَ بِهَا «رَاوِيَتَهُ» (أَيْ تِلْمِيذَهُ الَّذِي يَحْفَظُ شِعْرَهُ وَيُنْشِدُهُ بِالنِّيَابَةِ عَنْهُ) لِيَمْثُلَ فِي تِلْكَ الْحَضْرَةِ. وَلَكِنَّ صَاحِبَنَا الرَّاوِيَةَ تَبَاطَأَ فِي مَسِيرِهِ بَعْضَ الشَّيْءِ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَى بَابِ الْأَمِيرِ إِلَّا وَقَدِ انْفَضَّ الْمَجْلِسُ، وَوَلَّى الشُّعَرَاءُ الْأَدْبَارَ، وَهَمَّ الْأَمِيرُ بِالْقِيَامِ لِيَنْصَرِفَ!

فَتَقَدَّمَ الشَّابُّ الرَّاوِيَةُ مُسْرِعًا نَحْوَ الْحَاجِبِ، وَحَسَرَ اللِّثَامَ عَنْ وَجْهِهِ فِي اعْتِدَادٍ، ثُمَّ قَالَ: «اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى الْأَمِيرِ!». فَرَمَقَهُ الْحَاجِبُ مُسْتَغْرِبًا وَسَأَلَهُ: «وَمَنْ أَنْتَ يَا هَذَا؟». فَأَجَابَهُ بِكِبْرِيَاءِ الْوَاثِقِ: «أَنَا شَاعِرٌ!». فَقَالَ الْحَاجِبُ بِنَبْرَةِ الْمُشْفِقِ: «قَدِ انْصَرَمَ وَقْتُكَ، وَطَارَتِ الطُّيُورُ بِأَرْزَاقِهَا، وَانْصَرَفَ الشُّعَرَاءُ، وَالْأَمِيرُ الْآنَ عَلَى أُهْبَةِ الْقِيَامِ!».

فَصَاحَ الرَّاوِيَةُ بِحَمَاسَةٍ مُفْتَعَلَةٍ: «وَيْحَكَ! إِنِّي قَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْأَمِيرِ بِشِعْرٍ مَا قَالَتِ الْعَرَبُ مِثْلَهُ قَطُّ!». وَلِحُسْنِ حَظِّ الشَّابِّ، كَانَ ذَلِكَ الْحَاجِبُ ذَوَّاقًا لِلْأَدَبِ، لَهُ أُذُنٌ تُمَيِّزُ سَمِينَ الشِّعْرِ مِنْ غَثِّهِ، فَقَالَ لَهُ: «هَاتِ أَسْمِعْنِي مَزَاعِمَكَ هَذِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بَدِيعًا كَمَا تَدَّعِي، أَوْصَلْتُكَ إِلَيْهِ». فَلَمَّا أَنْشَدَهُ الرَّاوِيَةُ بَعْضًا مِنْ قَصِيدَةِ سَيِّدِهِ، سُقِطَ فِي يَدِ الْحَاجِبِ مِنْ سِحْرِ الْبَيَانِ الَّذِي يَقْصُرُ عَنْهُ الْوَصْفُ! فَهَرْوَلَ نَحْوَ الْأَمِيرِ مَذْهُولًا يَقُولُ: «قَدِمَ عَلَى الْأَمِيرِ فَتًى بِشِعْرٍ مَا نَطَقَتِ الْعَرَبُ بِمِثْلِهِ!». فَقَالَ دَاوُدُ بِفُضُولِ الْأُدَبَاءِ: «أَدْخِلْ قَائِلَهُ!».

وَلَمَّا مَثَلَ الرَّاوِيَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَلْقَى السَّلَامَ، قَالَ فِي غُرُورٍ زَائِفٍ: «قَدِمْتُ عَلَى الْأَمِيرِ -أَعَزَّهُ اللَّهُ- بِمَدْحٍ يَسْمَعُهُ، فَيَعْلَمُ بِهِ يَقِينًا تَقَدُّمِي عَلَى سَائِرِ مَنِ امْتَدَحَهُ!». فَقَالَ لَهُ الْأَمِيرُ بِتَشَوُّقٍ: «هَاتِ مَا عِنْدَكَ!». فَحَنْحَنَ صَاحِبُنَا، وَأَطْلَقَ حَنْجَرَتَهُ يَقُولُ:

لَا تَدْعُ بِي الشَّوْقَ إِنِّي غَيْرُ مَعْمُودِ *** نَهْيَ النُّهَى عَنْ هَوَى الْهَيْفِ الرَّعَادِيدِ

فَمَا إِنْ سَمِعَ الْأَمِيرُ دَاوُدُ هَذَا الْمَطْلَعَ السَّاحِرَ، حَتَّى اعْتَدَلَ فِي جِلْسَتِهِ مَأْخُوذًا، وَأَطْرَقَ رَأْسَهُ كَمَنْ أَصَابَتْهُ نَشْوَةُ الطَّرَبِ، يَسْتَمِعُ فِي صَمْتٍ حَتَّى أَتَى الشَّابُّ عَلَى آخِرِ بَيْتٍ فِي الْقَصِيدَةِ. هُنَا رَفَعَ الْأَمِيرُ رَأْسَهُ، وَتَفَرَّسَ فِي وَجْهِ الشَّابِّ كَمَنْ يَشُمُّ رَائِحَةَ الِاحْتِيَالِ، وَسَأَلَهُ بِمَكْرٍ: «أَهَذَا الشِّعْرُ شِعْرُكَ حَقًّا؟». فَقَالَ الشَّابُّ بِثَبَاتٍ كَاذِبٍ: «نَعَمْ، أَيُّهَا الْأَمِيرُ!».

فَرَمَاهُ الْأَمِيرُ بِشَرَكٍ لَا نَجَاةَ مِنْهُ قَائِلًا: «وَفِي كَمْ مِنَ الزَّمَانِ نَظَمْتَهُ يَا فَتَى؟». فَأَجَابَهُ الْمِسْكِينُ: «فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَبْقَاكَ اللَّهُ!». فَقَالَ الْأَمِيرُ بِحَزْمٍ أَطَارَ قَلْبَهُ: «وَاللَّهِ لَوْ قُلْتَهُ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ لَكُنْتَ فِي عِدَادِ الْمُحْسِنِينَ! وَلَكِنَّنِي أَتَّهِمُكَ؛ لِجَوْدَةِ شِعْرِكَ وَخُمُولِ ذِكْرِكَ! فَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَائِلَهُ يَقِينًا، فَقَدْ أَمْهَلْتُكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أُخْرَى لِتَأْتِيَنَا بِمِثْلِهِ، وَأَمَرْتُ بِإِجْرَاءِ النَّفَقَةِ عَلَيْكَ طَوَالَهَا.. فَإِنْ جِئْتَنَا بِمِثْلِ هَذَا الشِّعْرِ وَهَبْتُ لَكَ "مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ"، وَإِلَّا حَرَمْتُكَ وَفَضَحْتُكَ!».

فَلَمَّا أَدْرَكَ صَاحِبُنَا أَنَّ الْفَخَّ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى عُنُقِهِ، وَأَنَّ الْمَوْقِفَ جِدٌّ لَا هَزْلَ فِيهِ، تَلَعْثَمَ وَتَصَبَّبَ عَرَقًا، وَصَاحَ مُسْتَسْلِمًا مُسْتَغِيثًا: «أَوِ الْإِقَالَةُ أَعَزَّ اللَّهُ الْأَمِيرَ؟» (أَيْ أَقِلْنِي وَأَعْفِنِي مِنْ هَذَا الِاخْتِبَارِ الْمُهْلِكِ!). فَابْتَسَمَ الْأَمِيرُ ضَاحِكًا وَقَالَ: «قَدْ أَقَلْتُكَ، فَانْطِقْ بِالصِّدْقِ!». فَقَالَ الشَّابُّ صَاغِرًا: «الشِّعْرُ لِمُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأَنَا مُجَرَّدُ رَاوِيَتِهِ وَالْوَافِدِ عَلَيْكَ بِشِعْرِهِ!».

فَانْفَرَجَتْ أَسَارِيرُ الْأَمِيرِ، وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِهِ قَائِلًا فِي اعْتِزَازٍ بِفِرَاسَتِهِ: «أَنَا ابْنُ حَاتِمٍ! وَاللَّهِ إِنَّكَ لَمَّا افْتَتَحْتَ الشِّعْرَ قَائِلًا: "لَا تَدْعُ بِي الشَّوْقَ..." سَمِعْتُ كَلَامَ مُسْلِمٍ يُنَادِينِي مِنْ بَيْنِ الْقَوَافِي، فَأَجَابْتُ نِدَاءَهُ وَاسْتَوَيْتُ جَالِسًا إِجْلَالًا لَهُ!».

ثُمَّ الْتَفَتَ الْأَمِيرُ إِلَى غُلَامِهِ بِنَفْسٍ سَخِيَّةٍ يَمْلَؤُهَا الطَّرَبُ وَتُقَدِّرُ الْفَنَّ، وَأَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ تَسِيرُ بِهِ الرُّكْبَانُ قَائِلًا: «يَا غُلَامُ؛ أَعْطِ هَذَا الرَّاوِيَةَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِنَقْلِهِ الْبَدِيعَ، ثُمَّ احْمِلِ السَّاعَةَ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ كَامِلَةً!».

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX