قصص عن الحلم والعفو: حين تقابل الإساءة بالإحسان
رسالة الشافعي في تعزية الثكلى: حين أعاد الشعر قلبًا من حافة الجزع
نزلت بساحةِ أحدِ العباد الصالحينَ نازلةٌ زلزلت كيانَه، وأوهنت أركانه؛ فقد اختطف الموتُ من بين يديه فَلذةَ كبده، وريحانةَ فؤاده، فاستبدَّ به الكَمَدُ، وغلبَه الوجدُ، حتى أظلمت الدنيا في عينيه على رُحبها، وضاق بها ذرعًا.
لم يقف حزنُ الرجل عند دمعةٍ يذرفها، أو زفرةٍ يرسلها، بل تجاوز ذلك إلى "الجزع" الذي كاد أن يورده المهالك؛ فأضرب عن الطعام والشراب، واعتزل الرواح والغدوّ، وانقطع في دارِ حزنه يبكي صِباهُ الذي انقضى بموتِ ولده، وكأنَّ القضاءَ لم ينزل بساحةِ أحدٍ غيره.
فنما الخبرُ إلى أسماع إمام المطلبين، وشمسِ الفقهاء، محمد بن إدريس الشافعي -رضي الله عنه-، فآلمه ما حلَّ بالرجل من فتنة البلاء، وما ركبَه من سورة الجزع، وهو يعلم أنَّ القلوبَ إذا غفلت عن حقيقة "الفناء"، استعظمت "البلاء".
فلم يذهب إليه ليُشافهَهُ بالوعظ، بل أمسك بيراعِهِ، وخطَّ له بمدادِ الحكمةِ رسالةً تهزُّ القلوبَ هزًّا، وتسكبُ فيها بَرْدَ اليقين، فكان مما سطّره له تلك الأبيات التي تفيضُ عِبرةً، حيث قال:
إني أعزيكَ لا أني على ثِقَةٍ *** منَ البَقاءِ ولكنِ سُنَّةُ الدِّينِ
فما المُعزَّى بباقٍ بعدَ صاحبِهِ *** ولا المُعَزّي وإن عاشا إلى حينِ
فما إن وقعت عينا الرجل على كلمات الإمام، حتى انجلت عن قلبه غشاوةُ الذهول؛ فأدرك أنَّ الموتَ غايةُ كلِّ حيّ، وأنَّ المعزِّيَ والـمُعزَّى يسيرانِ في دربٍ واحد، آخرهُ وقوفٌ بين يدي ربِّ العالمين. فمسحَ عن وجهه غبارَ الكآبة، وعاد إلى رُشده، صابرًا محتسبًا، يرجو ما عند الله للصابرين من عظيمِ الأجر ومنازلِ القربى.
الشافعي يضع ميزان الابتلاء والتمكين: الصبر طريق السلطان
أقبل رجلٌ على إمامِ قريش، ومشكاةِ الفقه، محمد بن إدريس الشافعي -رضي الله عنه-، وفي صدره تساؤلٌ يتردد، يبتغي به جلاءَ الحقيقة واستبانةَ معالم الطريق في رحلة الإيمان.
وقف السائلُ بين يدي الإمام، وقد عقد العزمَ على أن يستنطقَ حكمته، فقال في أدبٍ جمّ: "يا أبا عبد الله، أخبرني؛ أيُّ الحالينِ أبهى للمرءِ وأسمى عند الله؟ أن يَمُنَّ الله عليه بالتمكين في الأرض فيغدو شاكرًا لأنعمه، أم يرميه بـمِحنةِ البلاء فيستوي صابرًا على قدَره؟".
أطرقَ الإمامُ الشافعيُّ قليلًا، وكأنما يستعرضُ صفحاتِ التاريخ، ويستشفُّ سُننَ الله في خلقه، ثم رفع رأسه وقد أشرقَ وجهُه بنورِ الفهم، فألقى بكلمةٍ فصلٍ، وقاعدةٍ جليلةٍ تضبطُ موازينَ النفس، فقال:
"هيهات! لا يبلغُ المرءُ ذروةَ التمكينِ حتى يجوزَ قنطرةَ الابتلاء؛ فإنَّ الله -جلَّت حكمتُه- لم يُمكِّن لصفوته من خلقه إلا بعد أن مَحّصهم بالبلاء".
ثم استرسل الإمامُ يربطُ الحاضرَ بـمواكبِ النبوةِ الغابرة، مبيّنًا أنَّ هذا هو الصراطُ الذي سلكه الأوائل، فقال: "لقد ابتلى اللهُ شيخَ المرسلين نوحًا، وخليله إبراهيم، وكليمه موسى، وصفيه محمدًا -صلوات الله عليهم أجمعين-، فما لانت لهم قناة، ولا فترت لهم عزيمة، فلما استعذبوا المرارةَ في سبيل الله، وصبروا على لَأْواءِ الطريق، أورثهم اللهُ الأرضَ ومكّن لهم دينهم".
ثم ختم الإمامُ مقالته بكلمةٍ توقظُ الغافلين، وتُعزّي السالكين، فقال: "فلا يظنَّنَّ أحدٌ -كائنًا من كان- أنه سيخلصُ من ألمِ الكدحِ والمكابدة في هذه الدار أبدًا".
فانصرف الرجلُ وقد وعى الدرسَ بقلبه، وأدرك أنَّ "التمكين" ثمرةٌ ناضجةٌ، لا تُقطفُ إلا من شجرةٍ سُقيت بماء الصبر، وغُذِّيت بـلوعةِ الابتلاء.
سعد بن أبي وقاص يعبر دجلة: يقينٌ جعل البحر طريقًا
وقف "صقرُ القادسية" سعدُ بن أبي وقاص -رضي الله عنه- على ضفافِ دجلةَ الهائج، وقد تلاطمت أمواجُه، واكفهرَّ وجهُه، وبدا وكأنه حائلٌ دونَ الحقِّ وبلوغِ غايته؛ فقد عمدَ الفرسُ -في دهاءٍ ومكرٍ- إلى قطعِ الجسور، وحيازةِ السفن، ولسانُ حالهم يقول: "ليحبسَنَّكم هذا البحرُ الطامي، ولن تجدوا إلى "المدائن" سبيلًا".
ألقى سعدٌ نظرةً فاحصةً على أمواجِ النهر المتدافعة، ثم التفتَ إلى جُنده، فلم يفتش في عُددهم ولا عتادهم، وإنما فتشَ في "ضمائرهم" ونظرَ في "يقينهم"؛ فلما رأى السكينةَ تملأُ الصدور، والذكرَ يلهجُ به الألسنة، واطمأنت نفسه إلى أنَّ الجيشَ "ربانيُّ" الهوى، عزمَ على ما لم تجرؤ عليه خيولُ العربِ من قبل.
هتفَ القائدُ بجيشه هتافَ الواثقِ بنصر الله: "إني قد عزمتُ على قطعِ هذا البحر إليهم"، فما كان من الجندِ إلا أن أجابوا بلسانٍ واحد: "عزمَ الله لك ولنا بالرشد، فافعل ما أردت".
وهنا، وقعت المعجزةُ التي لم تشهدها عينُ "دجلة" من قبل؛ فقد اقتحمَ سعدٌ بفرسهِ اللججَ الغامرة، وتبعهُ الناسُ أفواجًا، فخاضوا الماءَ كأنما يسيرون على أديمِ الأرض! كانت الخيلُ تعومُ بهم، والقلوبُ متصلةٌ ببارئها، وصوتُ سعدٍ يجلجلُ فوقَ عبابِ الماء: "حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصُرَنَّ اللهُ وليَّه، وليُظهِرَنَّ اللهُ دينه، وليهزمنَّ اللهُ عدوه؛ إن لم يكن في الجيش بَغْيٌ أو ذنوبٌ تغلبُ الحسنات".
اجتازَ المسلمون النهرَ العظيم، فما غرقَ منهم أحد، ولا ضاعَ لهم متاع، حتى إنَّ أحدهم ليرفعهُ الموجُ فيقولُ صاحبه: "أتفتقدُ شيئًا؟"، فيجيبُ في سكينة: "لا والله".
وصلوا إلى الضفةِ الأخرى، والفرسُ ينظرون من شرفاتِ إيوانهم في ذهولٍ وقلق، وقد تيقنوا أنهم لا يقاتلون بشرًا، وإنما يقاتلون إيمانًا تخرُّ له الجبال، وتنقادُ له البحار.
علي بن أبي طالب ورؤية الجنة والنار: اليقين بعين النبوة
لم يكن عليُّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- مجردَ فارسٍ صنديدٍ ترهبه الأبطال في الميادين، بل كان صاحبَ قلبٍ شفافٍ، كأنما قُدَّ من ضياء، نُسجت خيوطُ إيمانه في حِجر النبوة، فاستحالَ يقينُه غيبًا مشهودًا، وكأن الحُجُبَ قد رُفعت بينه وبين الملكوت.
جلس "أبو السبطين" يوماً بين أصحابه، فدرجت على لسانه كلمةٌ زلزلت أركانَ الحاضرين، وأطارت لُبَّ السامعين؛ حين قال في وثوقٍ لا يتطرق إليه وهن: "رأيتُ الجنةَ والنارَ حقيقةً!".
انحبست الأنفاسُ في الصدور، واتجهت الأبصارُ نحوه في دهشةٍ واستفهام؛ فكيف لـبشرٍ لم يبرح أرضَ الكوفة أو المدينة أن يرى مقعدَ الأبرار ومثوى الفجار؟ وكيف استقام له أن يبصر ما "لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت"؟
فسأله سائلٌ، والدهشةُ تعقدُ لسانه: "يا أبا الحسن، أنَّى لك ذلك؟ وكيف رأيتهما حقيقةً وأنت بين ظهرانيننا؟".
هنا، أفصح الإمامُ عن سرِّ ذلك اليقين العجيب، وأبان عن فلسفةِ الحبِّ والاتباع التي مَلأت كيانه، فأجاب في سكينةٍ وثبات: "رأيتهما بعينَي رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، ورؤيتي لهما بعينه آثَرُ عندي وأصدقُ من رؤيتي لهما بعيني".
ثم أردفَ -رضي الله عنه- يجلِّي هذا المعنى السامي، مبيناً الفارق بين بصرِ المخلوق وبصيرةِ المعصوم، فقال: "فإنَّ بصري قد يطغى ويزيغ، وقد يخدعني الوهمُ أو يشوبُني الزلل، أما بصرُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فهو الذي لا يزيغُ ولا يطغى، لأنه مسدَّدٌ بالوحي، موصولٌ بفيضِ السماء".
فكانت رؤيةُ "عليٍّ" بـعينِ متبوعه وقائده، أرسخَ في قلبه من رؤيته بـعينِ رأسه؛ لأنَّ العينَ قد تخونُ صاحبها، أما "مشكاةُ النبوة" فلا تُري صاحبها إلا الحقَّ الصراح.
أبو بكر الصديق والسبّ القاتل: كلمة واحدة أسقطت الإهانة
ما كادَ شمسُ هذا الدين تشرقُ بضيائها، حتى اصطفى اللهُ لصحبةِ نبيهِ رجالاً صِيغت قلوبهم من طُهر، وعُجنت نفوسهم بماءِ الوقار والسكينة. وكان على رأسِ هؤلاءِ العُظماء، رفيقُ الغار، وأولُ الأبرار، "أبو بكرٍ الصديق" -رضي الله عنه وأرضاه-.
عُرف الصديقُ بـحِلمٍ يزنُ الجبالَ رزانةً، وبـصمتٍ تكمنُ خلفَه عظمةُ الإيمان. وفي ذاتِ يوم، وبينما هو في شأنٍ من شؤونه، اعترضَ طريقَه رجلٌ قد ملأ الغِلُّ صـدرَه، وأعمتِ الضغينةُ بـصرَه، فراحَ يصبُّ على أبي بكرٍ سياطاً من القولِ الجارح، ويقذفهُ بـمقذوفاتِ السَّبِّ والشماتة.
لم يكتفِ الرجلُ بـفُحشِ القول، بل أراد أن يزرعَ في قلبِ الصديقِ رُعباً من أثرِ كلماتِه، فصاحَ فيه بـغطرسةٍ وكِبر: "واللهِ يا أبا بكر، لأسُبَّنَّكَ سبًّـا يدخلُ معكَ في قـبرك!".
ظنَّ الواهمُ أنَّ كلماتِه ستزلزلُ أركانَ الصديق، أو أنها ستوقدُ في صدرهِ ناراً من الغضبِ لا تنطفئ؛ لكنَّ الصديقَ -الذي تشرَّبت روحُه حكمةَ النبوة- التفتَ إليه في هدوءٍ يزري بالعواصف، ونظرَ إليه بـعينِ المشفقِ لا بـعينِ المحنق.
لم يزِد الصديقُ على أن ألقى بكلمةٍ واحدةٍ، كانت كـحجرٍ أُلقِمَ بـه هذا المتطاول، حين قال في وثوقٍ رصين: "مَعكَ واللهِ يدخلُ لا معي!".
لقد أدركَ الصديقُ بـبصيرتِه النافذةِ أنَّ السِّبابَ والمظالمَ ليست إلا أوزاراً ينوءُ بـحملِها صاحبُها، وأنَّ القبرَ لا يستقبلُ إلا عملَ المرء؛ فإن كان شراً فـشراً، وإن كان خيراً فـخيراً. فـبينما يظنُّ الجاهلُ أنه يُـخزي غيرَه، كان في الحقيقةِ يحفرُ لنفسه حُفرةً من الآثامِ ترافقه في لحدِه، بينما يخرجُ منها الصديقُ طاهراً مبرأً، قد زادَه حِلمُه رفعةً، وصبرُه قدراً.
((الكامل في اللغة والأدب)) للمبرد (3/ 61).
حِلم معاوية بن أبي سفيان: حين يكون العفو سياسة الملوك
اعتلى معاويةُ بنُ أبي سفيان ذروةَ الحِلم، فغدا في قومِه مَضرِبَ الأمثالِ في الأناةِ وسعةِ الصدر، حتى كأنَّ قلبَه بَحرٌ لا تُكدِّرُه الدلاء. ومن عَجيبِ ما أُثِرَ عنه، أنه كان يرى في "العفو" هيبةً لا تُدركُها سطوةُ السيف، وفي "الصبر" حكمةً تليقُ بـسِياسةِ الـمُلوك.
ففي مجلسٍ غصَّ بوجوهِ الناسِ وأعيانِ القوم، أقدمَ رجلٌ قد ركبَ متنَ الجرأة، فاستطالَ بلسانِه على أميرِ المؤمنين، وأسمعَه كلامًا غليظًا تَنبو عنه الأسماع، ونفثَ في وجهِه عباراتٍ تقطرُ مرارةً وتفيضُ قسوة.
فما إن وقعت هذه الكلماتُ الـمُرَّةُ في آذانِ الحاضرين، حتى اشتعلت مراجلُ الغضبِ في صدورِ أهلِ معاوية وخاصتِه، وتطايرَ الشرارُ من أعينِهم حَنقًا على ذلك المتطاولِ الذي لم يَرعَ لـمقامِ الخلافةِ حُرمة، ولا لـسِنِّ الإمامِ توقيرًا.
وهنا، التفتَ إليه بعضُ جُلسائِه وقد بلغت بهم الـمَوجدةُ مَبْلَغَها، وقالوا في حِدَّة: "يا أميرَ المؤمنين، لو سطوتَ عليه وأدَّبتَه، لكان نكالًا لغيرِه من السُّفهاء، وعِبرةً لـمَن تُسوِّلُ له نفسُه التطاولَ على مقامِك!".
فأجالَ معاويةُ بصرَه فيهم في سكينةٍ غامرة، وعَلت وجهَه مَسحةٌ من الوقارِ الذي لا يُزحزِحُه طَيشُ الجاهلين، ثم قال بلسانٍ يَنطقُ بـحكمةِ القادةِ العِظام: "إني لأستحيي أن يضيقَ حلمي عن ذنبِ أحدٍ من رعيتي".
فكانت هذه الكلماتُ أشدَّ وَقعًا من صليلِ السيوف؛ إذ أدركَ الجميعُ أنَّ معاويةَ لا يرى في الحِلمِ ضَعفًا، بل يراهُ واجبًا يفرِضُه عليه حَقُّ الرعيةِ، وأدبًا يَتزيَّنُ به مَن مَلَكَ رِقابَ الناسِ وقُلوبَهم.
الإمام الحسن وعلاج الحقد بالعفو: خُلُقٌ يذيب القلوب
دنا عصامٌ من الإمامِ الحسنِ، وسألَه في جفاءٍ وغِلظة: "أأنتَ ابنُ أبي طالب؟"، فأجابَه الحسنُ بـهدوءٍ يزري بالعواصف: "نعم، أنا ابنُه". وما إن استيقنَ عصامُ الخبَرَ، حتى أطلقَ لـسانَه كـالسَّهمِ المسمومِ، يرمي الحسنَ وأباهُ بـمقذوفاتِ السَّبِّ والشماتة، ويصبُّ عليهما جامَ غضبِه الـمُرِّ.
وقفَ الحسنُ -رضي الله عنه- لا تُحرِّكُه العاصفةُ، ولا يَستفزُّه الجهلُ، بل نَظرَ إلى الرجلِ نظرةَ عاطفٍ رؤوف، كأنما يرى في عينيهِ مرضًا يبتغي له عـلاجًا؛ ثم رتَّلَ في وقارٍ بـعضَ آياتِ الذكرِ الحكيم، مُذكِّرًا بـأدبِ القرآن: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، حتى أتمَّ قولَه تعالى: {فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}.
ثم التفتَ إلى عصامٍ بـوجهٍ طلقٍ، وقال في رِفـقٍ يُذيبُ الجليد: "خفِّضْ عليكَ يا أخي، أستغفرُ اللهَ لي ولكَ.. إنَّك لو استعنْتَ بنا أعنَّاك، ولو استرْفدْتَنا أرفدْناك، ولو استرشدْتَنا أرشدْناك".
لم يكد عصامٌ يسمعُ تلك الكلماتِ التي تفيضُ رُقيًّا ونُبلًا، حتى سقطَ السيفُ من يده، واهتزَّ كـيانُه ندمًا؛ إذ رأى "خُلقَ النبوةِ" يتجسَّدُ أمامَه عفوًا وحِلمًا. تفرَّسَ الحسنُ في وجهِه، فأدركَ مـصْدرَ الداء، فقال متبسِّمًا: "أمنْ أهلِ الشامِ أنت؟ شنشنةٌ أعرفُها من أخزم! حيَّاك اللهُ وبيَّاك، انبسطْ إلينا في حوائجِك، تجدْنا عند أفضلِ ظنِّك".
هنا ضاقت الأرضُ على عصامٍ بـما رحُبت خجلًا من نفسِه، وودَّ لو أنَّها ساخت به من فَرْطِ الحياء، وتسلَّلَ من مـجلسِ الحسنِ لا يَـلوي على شيء، وقد انقشعَ عن قلبِه ظلامُ الحقد، وحلَّ مـحلَّه حبٌّ لا يُدانيه حبّ، وهو يقول: "واللهِ ما على وجهِ الأرضِ أحبُّ إليَّ منهُ ومن أبيه!
عمرو بن العاص وفن إسكات الخصومة: الصمت الذي قهر الخصم
لم يكنْ "عمرُو بنُ العاصِ" مجرَّدَ قائدٍ فذٍّ تَدينُ له الفيافي والقفار، بل كانَ أريبًا لَبِقًا، صِيغَ عقلُه من ذكاءٍ وقَّاد، وجُبلتْ نفسُه على فِطنةٍ نادرةٍ تجعلُه يخرجُ من مَضايقِ الأمورِ كما يَسلُّ الشعرةَ من العجين.
وفي مَجلسٍ من مَجالسِه، انبرى له رجلٌ ممَّنْ أعمتِ الخصومةُ بصيرتَهم، وأرادَ أنْ يستفزَّ جبلَ الحِلمِ الراسخِ في صـدرِ "أبي عبدِ الله"، فصاحَ فيه بـنبرةٍ ملؤُها التحدي والوعيد: "واللهِ يا عمرُو، لأتفرَّغَنَّ لك!".
كانَ الرجلُ يظنُّ أنَّ وعيدَه سيُقلقُ مَضجعَ القائد، أو يَشغلُ بالَه بـالمكائدِ والردود؛ لكنَّ عمرًا -الذي خَبَرَ الرجالَ وعجمَ عُودَ الدهر- لم يزدْ على أنْ نَظرَ إليه بـعينِ الساخرِ المستهين، وأجابَه بـكلماتٍ كـأنَّها وقعُ الحُسام: "هناكَ وقعتَ في الشُّغلِ حقًّا!".
استشاطَ الرجلُ غضبًا، وحسِبَ أنَّ سِهامَ قولِه قد أصابتْ مَقتلاً، فأرادَ أنْ يُثبتَ لسانَه ويُرهبَ جليسه، فقالَ في صَلفٍ وكِبر: "كأنَّك تهدِّدُني؟! واللهِ لئنْ قلتَ لي كلمةً واحدةً، لأقولَنَّ لكَ عشرًا!".
وهنا، تجلَّتْ عظمةُ الصَّحابيِّ الذي أدَّبَه الإسلام، وفطنةُ العربيِّ الذي يزنُ الكلامَ بـميزانِ الذهب؛ فابتسمَ عمرُو بنُ العاصِ ابتسامةً هادئةً، وألقمَ المتطاولَ حجرًا لا يملكُ معه رَدًّا، حينَ قالَ له في وثوقٍ رصين: "وأنتَ واللهِ.. لئنْ قلتَ لي عشرًا، لم أقلْ لكَ واحدةً!".
فانفضَّ المجمعُ وقد وعى الحاضرونَ درسًا في "فقهِ الخصومة"؛ حيثُ يكونُ الصَّمتُ أبلغَ من السِّباب، ويكونُ ترفُّعُ العظيمِ عن مُساجلةِ الصغيرِ هو القهرَ الحقيقيَّ والظفرَ الـمُبين.
أبو إسحاق الزجاج والصبي الطائش: درس الحياء بماء الوجه
في "شارعِ الأنبارِ" بـبغداد، حيثُ تَمورُ الحياةُ وتصطخبُ بالحركة، كانَ الصِّبْيَةُ يَمرحونَ في يومِ "نَيروزٍ"، وقد اتخذوا من لَهوِهم مَيدانًا لِلمُزاحِ الذي قد يتجاوزُ قَدْرَ الحياءِ أحيانًا.
وبينما القومُ في غَمْرَةِ لَهوِهم، إذْ أقبلَ رجلٌ يمتطي صَهوةَ جَوادِه، تلوحُ عليه أماراتُ الوقار، ويُجلِّلُه بَهاءُ العِلمِ والسَّكينة. لم يكنْ يَدري ذلك الرَّاكبُ الوقورُ أنَّ مَوعِدَه مع "اختبارِ الحِلمِ" قد دنا بساحتِه.
فما إن حاذى الصِّبيةَ، حتى انبرى أحدُهم في طَيشٍ جَهُول، فأفرغَ على الرَّجلِ ورِدائِه مَحضَ ماءٍ، فابتلَّت ثيابُه، وتناثرَ الرَّذاذُ على وَجهِه الذي لم يَعرفْ إلا غُبارَ الكُتبِ ونورَ المَحابر.
ظنَّ الحاضرونَ أنَّ الرَّجلَ سيَستشيطُ غَضبًا، أو يُرسلُ على الصَّبيِّ سِياطًا من الزَّجرِ والتَّعنيف؛ لكنَّ الرَّجلَ كبَحَ جِماحَ نَفسِه في أناةٍ عَجيبة، وجعلَ يَنفُضُ الماءَ عن رِدائِه بـهُدوءِ الواثق، ثم رَفعَ بَصرَه وأرسلَ بيتينِ من الشِّعرِ، كأنَّهما قَطراتُ ندىً تَمحو أثَرَ الكَدَر، فقال:
إِذَا قَلَّ مَاءُ الوَجْهِ قَلَّ حَيَاؤُهُ *** وَلا خَيْرَ فِي وَجْهٍ إِذَا قَلَّ مَاؤُهُ
مضى الرَّجلُ لِحالِ سبيلِه، تاركًا خلفَه صَمْتَ الدَّهشةِ يَلفُّ المكان، وعِبْرَةً نُقِشَت في صُدورِ الصِّغارِ قبل الكِبار. فسألَ الصِّبيةُ في لَهفة: "مَن هذا الذي يُقابلُ الأذى بـدُرَرِ الحِكمة؟".
فجاءَهم الجوابُ يَحملُ الفَخار: "هذا هو أبو إسحاق الزَّجَّاج؛ مَن صَفَتْ لغتُه كما يَصفو الزُّجاج، وترفَّعَت نَفسُه عن سَفاسِفِ الأمور". فكان مَوقفُه ذلك أبلغَ درسٍ في النَّحوِ والخُلُقِ معًا؛ إذْ عَلَّمَهم أنَّ "ماءَ الوجهِ" هو أغلى ما يَملِكُه المرء، وأنَّ الحِلمَ عند الغَضبِ هو زينةُ العُلماءِ وشِعارُ النُّبلاء.
قصة إطفاء السراج: إيثار الصالحين حين سبق الجوع الشبع
في قريةٍ من قرى "الرَّيِّ"، حيثُ تَصفو القلوبُ بذكرِ الله، وتتجلى مَعاني الأخوةِ في أبهى صُوَرِها، اجتمعَ عندَ "أبي الحسنِ الأنطاكيِّ" نَيِّفٌ وثلاثونَ رجلاً من عِبادِ اللهِ الصالحين، وقد جمعت بينَهم وشيجةُ الإيمانِ التي هي أوثقُ من رَحِمِ القرابة.
كانَ الوقتُ قد أزفَ لِتَناولِ الطعام، ولم يكنْ بينَ أيديهم إلا أرغفةٌ معدودة، نَزرٌ يسيرٌ لا يَسدُّ رَمقَ هذا الجمعِ الحاشد، ولا يُشبعُ فُضالةَ جُوعِهم؛ فنظرَ القومُ إلى الرُّغفانِ القليلة، ثم نظرَ بعضُهم إلى بعض، وفي نفوسِهم "خَصاصَة" ولكن في قلوبِهم "عظمة".
عَمَدَ القومُ إلى حِيلةٍ تَعلو بها مروءتُهم على مَسغبتِهم؛ فكَسَّروا الخُبزَ قِطَعًا صغيرة، ثم "أطفأوا السِّراج"، وأرخوا على المكانِ سِتارًا من الظُّلمةِ الدامسة. لم يكنْ إطفاؤُهم للنورِ بخلًا بـثمنِ الزيت، بل كانَ سِترًا لـنُبلِ النفس؛ كي يأكلَ الجائعُ وهو في حِلٍّ من الحياء، ويُؤثِرَ الشَّبْعانُ أخاهُ دونَ أن يراهُ أحد.
خَيَّمَ الصمتُ على المكان، وتَحرَّكتِ الأيدي في الظلامِ تَلتمسُ الرُّغفان، ومضى الوقتُ وكلُّ واحدٍ منهم يَظنُّ أنَّ صاحبَه قد أصابَ حاجتَه من الطعام، وهو يَكفُّ يدَه إيثارًا ومحبة، راضيًا بأنْ يبيتَ طاوِيًا لِيَشبعَ خليلُه.
فلما قَضَوا وَطرَهم، ورُفعَتِ الأيدي، وأُسرِجَ المصباحُ من جديد.. كانتِ المفاجأةُ التي تَهزُّ الوجدان! لقد وُجِدَ الطعامُ كما هو بحالِه، لم تَنقُص منه كِسرةٌ، ولم تَمسهُ شَفة!
لقد عَزَّ على كلِّ واحدٍ منهم أنْ يسبقَ أخاهُ إلى اللقمة، فآثَرَ القومُ جميعًا رفقاءَهم على أنفسِهم، وباتوا جِياعَ البطونِ، عِظامَ النفوس، وقد سطروا في عتمةِ ذلك السِّراجِ صفحةً من نور، تبرهنُ أنَّ "لذةَ العطاء" عند الصالحين، تفوقُ بـمراحل "لذةَ الأخذ".