recent
آخر القصص

السيرة النبوية قبل البعثة: كيف تهيأت الأرض لاستقبال خاتم الأنبياء؟

نبدأ معكم رحلة إيمانية في رحاب السيرة النبوية العطرة، "الرحيق المختوم". نروي قصة الأرض والنسب؛ من جغرافية جزيرة العرب وحصنها المنيع، إلى جُذور الأقوام البائدة والعاربة والمستعربة. نقتفي أثر الخليل إبراهيم وبناء الكعبة، ونسب نبي الرحمة ﷺ الذي اصطفاه الله من خيار خيار. نص كامل يجمع بين عبق التاريخ ونور النبوة.
🔊

نَبْضُ المُشْتَاقِينَ وَسُلْوَانُ المُحِبِّينَ

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَحَ بِذِكْرِ الحَبِيبِ الصُّدُورَ، وَأَنَارَ بِبَعْثَتِهِ ظُلُمَاتِ العُصُورِ، وَجَعَلَ مَحَبَّتَهُ سَبِيلاً لِلْفَوْزِ وَالعُبُورِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ تَشْتَاقُ إِلَيْهِ الأَرْوَاحُ قَبْلَ العُيُونِ، وَتَهْفُو لِلِقَائِهِ الأَفْئِدَةُ وَالقُلُوبُ الشَّجُونُ.

أَلَا يَا أَيُّهَا المُحِبُّ الَّذِي يَنْبِضُ قَلْبُهُ بِذِكْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ.. هَلُمَّ مَعِي فِي رِحْلَةٍ لَيْسَتْ كَالرِّحَلَاتِ، رِحْلَةٍ تَطْوِي بِنَا بَيَادِرَ الزَّمَانِ، لِنَقِفَ عَلَى أَعْتَابِ السِّيرَةِ العَطِرَةِ، حَيْثُ يَتَبَدَّدُ دُجَى الجَاهِلِيَّةِ بِشَمْسِ النُّبُوَّةِ. إِنَّ دِرَاسَةَ سِيرَتِهِ لَيْسَتْ سَرْداً لِأَحْدَاثٍ مَضَتْ، بَلْ هِيَ حَيَاةٌ تُبْعَثُ فِي عُرُوقِ أُمَّةٍ مَاتَتْ قُلُوبُهَا، فَأَحْيَاهَا اللهُ بِنُورِ رِسَالَتِهِ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». (تَخْرِيجُ الحَدِيثِ: رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابُ حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الإِيمَانِ، حَدِيثٌ رَقْم 15، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، حَدِيثٌ رَقْم 44).

وَلِكَيْ نُدْرِكَ عَظَمَةَ هَذَا النُّورِ الَّذِي انْبَثَقَ مِنْ غَارِ حِرَاءٍ، لَا بُدَّ لَنَا أَنْ نَتَأَمَّلَ فِي شِدَّةِ الظَّلَامِ الَّذِي سَبَقَهُ، وَأَنْ نُطِيلَ النَّظَرَ فِي المَسْرَحِ الَّذِي اخْتَارَتْهُ العِنَايَةُ الإِلَهِيَّةُ لِيَكُونَ مَهْدًا لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ الخَاتِمَةِ.. جَزِيرَةِ العَرَبِ.

الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَرْضُ العَرَبِ.. حِصْنُ العِنَايَةِ وَمَهْبِطُ الرِّسَالَةِ

إِنَّ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ -عَلَى صَاحِبِهَا أَزْكَى الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ- هِيَ فِي جَوْهَرِهَا تِلْكَ الرِّسَالَةُ الخَالِدَةُ الَّتِي حَمَلَهَا رَسُولُ الهُدَى ﷺ لِيُنْقِذَ بِهَا البَشَرِيَّةَ مِنْ تِيهِهَا، وَيُخْرِجَهَا مِنْ دَيَاجِيرِ الظُّلُمَاتِ إِلَى فَجْرِ النُورِ، وَمِنْ ذُلِّ عِبَادَةِ العَبِيدِ إِلَى عِزِّ عِبَادَةِ رَبِّ العَبِيدِ. وَلَنْ يَتَسَنَّى لَنَا أَنْ نُدْرِكَ جَلَالَ هَذِهِ الصُّورَةِ الرَّائِعَةِ بِتَمَامِهَا، إِلَّا إِذَا عَقَدْنَا مُقَارَنَةً بَلِيغَةً بَيْنَ خَلْفِيَّاتِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ قَبْلَ انْبِلَاجِهَا، وَبَيْنَ آثَارِهَا العَظِيمَةِ بَعْدَ إِشْرَاقِهَا.

سِرُّ اخْتِيَارِ المَكَانِ:

إِذَا نَطَقْنَا كَلِمَةَ «العَرَبِ» فِي اللُّغَةِ، فَإِنَّنَا نَسْتَحْضِرُ فِي أَذْهَانِنَا صُورَةَ الصَّحَارِي المُتَرَامِيَةِ، وَالقِفَارِ المُوحِشَةِ، وَتِلْكَ الأَرْضِ المَجْدَبَةِ الَّتِي لَا يَجْرِي فِيهَا مَاءٌ وَلَا يَنْبُتُ فِيهَا كَلَأٌ. وَمُنْذُ أَغْوَارِ التَّارِيخِ، ارْتَبَطَ هَذَا الِاسْمُ بِشِبْهِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، وَانْسَحَبَ عَلَى قَوْمٍ شُجْعَانٍ أَلِفُوا قَسْوَةَ هَذِهِ الأَرْضِ، فَاتَّخَذُوهَا وَطَناً يَحْضُنُهُمْ، وَمَلَاذاً يَأْوِيهِمْ.

لَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الجَزِيرَةُ مُحَاطَةً بِسِيَاجٍ عَجِيبٍ مِنْ صُنْعِ الخَالِقِ؛ فَهِيَ مَحْدُودَةٌ غَرْبًا بِأَمْوَاجِ البَحْرِ الأَحْمَرِ وَشِبْهِ جَزِيرَةِ سِينَاءَ، وَشَرْقًا بِالخَلِيجِ العَرَبِيِّ وَتُخُومِ العِرَاقِ الجَنُوبِيَّةِ، وَجَنُوبًا بِبَحْرِ العَرَبِ، وَشِمَالًا بِبِلَادِ الشَّامِ وَأَطْرَافِ العِرَاقِ. هَذِهِ المِسَاحَةُ الشَّاسِعَةُ الَّتِي تُرْبِي عَلَى المِلْيُونِ مِيلٍ مُرَبَّعٍ، لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ جُغْرَافِيَا صَمَّاءَ، بَلْ كَانَتْ مَسْرَحاً عَبْقَرِيّاً هَيَّأَهُ اللَّهُ لِحَدَثٍ جَلَلٍ.

الحِصْنُ المَنِيعُ وَمُلْتَقَى العَالَمِ:

تَخَيَّلْ مَعِي أَيُّهَا المُسْتَمِعُ الكَرِيمُ ذَلِكَ الوَضْعَ المُتَفَرِّدَ؛ صَحَارَى لَاهِبَةٌ وَرِمَالٌ ذَهَبِيَّةٌ تَلُفُّ الجَزِيرَةَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، لِتَجْعَلَ مِنْهَا حِصْنًا مَنِيعًا تَتَحَطَّمُ عَلَى أَعْتَابِهِ أَطْمَاعُ الغُزَاةِ، وَتَتَعَثَّرُ فِيهِ خُيُولُ الفَاتِحِينَ الأَجَانِبِ. وَلِذَلِكَ، عَاشَ ابْنُ الصَّحْرَاءِ حُرًّا أَبِيّاً كَالصَّقْرِ فِي سَمَائِهِ، لَا يَدِينُ لِسُلْطَانٍ سِوَى شَرَفِهِ وَقَبِيلَتِهِ، رَغْمَ وُجُودِ إِمْبَرَاطُورِيَّتَيْنِ طَاغِيَتَيْنِ كَانَتَا تَطْحَنَانِ العَالَمَ آنَذَاك (الفُرْسَ وَالرُّومَ)، وَمَا مَنَعَهُمَا مِنْ اجْتِيَاحِ العَرَبِ إِلَّا هَذَا السَّدُّ الصَّحْرَاوِيُّ المَنِيعُ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ حَوْلَهُمْ.

وَمَعَ هَذَا الِانْعِزَالِ الحَامِي الدَّاخِلِيِّ، كَانَتِ الجَزِيرَةُ مِنْ حَيْثُ مَوْقِعُهَا العَالَمِيُّ بِمَثَابَةِ «القَلْب» لِقَارَّاتِ العَالَمِ القَدِيمِ! بَرًّا وَبَحْرًا، تَلْتَقِي عِنْدَهَا أَفْرِيقِيَا وَأُورُوبَّا وَآسِيَا. فَمَوَانِئُهَا تَعُجُّ بِالسُّفُنِ، وَشَمَالُهَا وَجَنُوبُهَا كَانَا مَهْبِطًا لِلْأُمَمِ وَمَرْكَزًا تَتَقَاطَعُ فِيهِ خُطُوطُ التِّجَارَةِ وَالثَّقَافَاتِ وَالأَدْيَانِ، مِمَّا جَعَلَ العَرَبَ أُمَّةً تَعْرِفُ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا دُونَ أَنْ تَخْضَعَ لِأَحَدِهِمَا.

أَقْوَامُ العَرَبِ: جُذُورٌ ضَارِبَةٌ فِي عُمْقِ الزَّمَانِ

قَسَّمَ جَهَابِذَةُ التَّارِيخِ شُعُوبَ العَرَبِ وَسُلَالَاتِهِمْ إِلَى ثَلَاثَةِ فُرُوعٍ رَئِيسِيَّةٍ، كَشَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ امْتَدَّتْ جُذُورُهَا فِي عُمْقِ التَّارِيخِ، وَتَشَعَّبَتْ فُرُوعُهَا فِي رِحَابِ الصَّحْرَاءِ:

1. العَرَبُ البَائِدَةُ (أُسْطُورَةُ الصَّحْرَاءِ الَّتِي طَوَاهَا النِّسْيَانُ): وَهُمُ الأَجْدَادُ الأَوَائِلُ الَّذِينَ غَبَرُوا فِي زَوَايَا الزَّمَانِ المَجْهُولِ، أُمَمٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ تَمْشِي عَلَى نَفْسِ هَذِهِ الأَرْضِ ثُمَّ طَوَاهَا الرَّدَى، وَلَمْ يُبْقِ لَنَا التَّارِيخُ مِنْ يَقِينِ أَخْبَارِهِمْ إِلَّا شَذَرَاتٍ. قَوْمُ «عَادٍ» ذَوُو القُوَّةِ البَاطِشَةِ، وَ«ثَمُودَ» الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالوَادِ، وَطَسْمٍ، وَجَدِيسٍ، وَعِمْلَاقٍ.. قَدْ بَادُوا جَمِيعاً، وَأَصْبَحَتْ قِصَصُهُمْ عِبْرَةً تُرَدِّدُهَا الرِّيَاحُ بَيْنَ الكُثْبَانِ.

2. العَرَبُ العَارِبَةُ (أَبْنَاءُ قَحْطَانَ.. شُيُوخُ اليَمَنِ وَأَسْيَادُهَا): وَهُمُ العَرَبُ الأَصِيلُونَ الَّذِينَ يَنْحَدِرُونَ مِنْ صُلْبِ (يَعْرُبَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ قَحْطَانَ). كَانَ مَهْدُهُمْ الأَوَّلُ تِلْكَ الأَرْضِ السَّعِيدَةَ المُخْضَرَّةَ.. «بِلَادَ اليَمَنِ». هُنَاكَ حَيْثُ السُّدُودُ وَالجَنَّاتُ، تَشَعَّبَتْ قَبَائِلُهُمْ، وَارْتَفَعَتْ رَايَاتُهُمْ، وَاشْتَهَرَتْ مِنْهُمْ شَجَرَتَانِ عَظِيمَتَانِ: (حِمْيَر) وَ(كَهْلَان).

شَتَاتُ كَهْلَانَ وَحِكْمَةُ المَقَادِيرِ:

لَمْ يَدُمْ صَفْوُ العَيْشِ فِي اليَمَنِ؛ فَقَدْ حَلَّتْ نَكْبَةٌ بِتِجَارَتِهِمْ بِسَبَبِ ضَغْطِ الرُّومَانِ الَّذِينَ سَيْطَرُوا عَلَى مَسَارِبِ التِّجَارَةِ البَحْرِيَّةِ، وَأَفْسَدُوا الطُّرُقَ البَرِّيَّةَ بَعْدَ احْتِلَالِهِمْ لِمِصْرَ وَالشَّامِ. وَوَقَعَتْ بَيْنَ (كَهْلَانَ) وَ(حِمْيَرَ) مُنَافَسَاتٌ وَمُخَاشَنَاتٌ أَدَّتْ فِي النِّهَايَةِ إِلَى قَرَارٍ قَاسٍ.. الجَلَاءُ! هَاجَرَتْ كَهْلَانُ قُبَيْلَ حَادِثَةِ «سَيْلِ العَرِمِ» المَشْهُورَةِ، فَتَفَرَّقُوا أَيَادِي سَبَا، وَانْتَشَرُوا فِي شِعَابِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ فِي هِجْرَاتٍ صَاغَهَا القَدَرُ لِغَايَاتٍ كُبْرَى:

الأَزْدُ: سَارُوا خَلْفَ سَيِّدِهِمْ (عِمْرَانَ بْنِ عَمْرٍو مُزَيْقِبَاءَ)، فَمِنْهُمْ مَنْ حَطَّ رِحَالَهُ فِي عُمَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَزَلَ تِهَامَةَ، بَيْنَمَا انْطَلَقَ (ثَعْلَبَةُ بْنُ عَمْرٍو) نَحْوَ الحِجَازِ لِيَسْتَوْطِنَ «يَثْرِبَ»، لِيَكُونَ مِنْ نَسْلِهِ «الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ» الَّذِينَ سَيُصْبِحُونَ بَعْدَ قُرُونٍ «أَنْصَاراً» لِنَبِيِّ الرَّحْمَةِ ﷺ، فَيَا لَهَا مِنْ هِجْرَةٍ خَطَّتْ أُولَى صَفَحَاتِ النُّصْرَةِ فِي كِتَابِ الغَيْبِ! كَمَا انْشَقَّ مِنْهُمْ (خُزَاعَةُ) الَّذِينَ اسْتَوْلَوْا عَلَى مَكَّةَ، وَسَارَ (جَفْنَةُ بْنُ عَمْرٍو) إِلَى الشَّامِ لِيُؤَسِّسَ مُلْكَ الغَسَاسِنَةِ.
لَخْمٌ وَجُذَامُ: اتَّجَهُوا شِمَالاً حَتَّى كَانَ مِنْهُمُ المَنَاذِرَةُ مُلُوكُ الحِيرَةِ فِي العِرَاقِ.
بَنُو طَيِّئٍ: ارْتَحَلُوا حَتَّى أَلْقَوْا عَصَا التَّرْحَالِ بَيْنَ جَبَلَيْ (أَجَأَ وَسَلْمَى)، فَعُرِفَا بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ.
كِنْدَةُ: تَقَلَّبَتْ بِهِمُ الدِّيَارُ مِنْ حَضْرَمَوْتَ إِلَى نَجْدٍ، حَيْثُ أَقَامُوا حُكُومَةً عَظِيمَةً سُرْعَانَ مَا انْدَثَرَتْ.

وَهَكَذَا أَيُّهَا المُشْتَاقُ، رَأَيْنَا كَيْفَ هَيَّأَ اللهُ الأَرْضَ وَوَزَّعَ القَبَائِلَ.. وَلَكِنَّ السِّرَّ الأَعْظَمَ وَالقِصَّةَ الأَشْوَقَ لَمْ تَبْدَأْ بَعْدُ! فَكَيْفَ قَدِمَ نَبِيُّ اللهِ إِبْرَاهِيمُ الشَّيْخُ الكَبِيرُ إِلَى وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ؟ وَكَيْفَ تَفَجَّرَتْ زَمْزَمُ تَحْتَ قَدَمَيْ إِسْمَاعِيلَ الصَّغِيرِ لِتُنْبِتَ مِنْ بَعْدِهِ شَجَرَةَ النَّسَبِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ؟

نَسَائِمُ الخَلِيلِ وَبَشَائِرُ التَّنْزِيلِ

سُبْحَانَ مَنْ طَهَّرَ الأَنْسَابَ، وَاصْطَفَى مِنْ خَلْقِهِ الأَحْبَابَ، وَجَعَلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ نَسَباً لَا يُطَاوَلُ، وَحَسَباً فِي ذُرَى المَجْدِ يَتَنَاوَلُ. أَيُّهَا السَّامِعُ الكَرِيمُ، إِنَّنَا حِينَ نَقْتَفِي أَثَرَ النَّسَبِ النَّبَوِيِّ، فَإِنَّنَا لَا نَقْرَأُ حُرُوفاً فِي صَفَحَاتٍ مُصْفَرَّةٍ، بَلْ نُشَاهِدُ عِنَايَةَ اللَّهِ كَيْفَ صَاغَتْ هَذِهِ السُّلَالَةَ الطَّاهِرَةَ مِنْ ظُهُورِ الأَنْبِيَاءِ إِلَى بُطُونِ الصَّالِحَاتِ، حَتَّى أَشْرَقَتْ أَنْوَارُهُ ﷺ عَلَى جَبِينِ الكَوْنِ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». (تَخْرِيجُ الحَدِيثِ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الفَضَائِلِ، بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ، حَدِيثٌ رَقْم 2276، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضاً).

الفَصْلُ الثَّانِي: العَرَبُ المُسْتَعْرِبَةُ.. غَرْسُ السَّمَاءِ فِي الأَرْضِ الجَدْبَاءِ

وَبَعْدَ الحَدِيثِ عَنِ انْتِشَارِ القَبَائِلِ القَحْطَانِيَّةِ، نَأْتِي الآنَ إِلَى (العَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ)، وَهُمُ القَلْبُ النَّابِضُ فِي جَسَدِ هَذِهِ الأُمَّةِ، إِذْ يَنْتَهِي نَسَبُهُمْ إِلَى الجَدِّ الأَعْلَى.. خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

مِنْ أَرْضِ الرَّافِدَيْنِ إِلَى أَرْضِ الكِنَانَةِ:

كَانَ مَوْطِنُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بِلَادِ العِرَاقِ، فِي بَلْدَةٍ تُسَمَّى «أُرْ» عَلَى الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ لِنَهْرِ الفُرَاتِ، بِالْقُرْبِ مِنْ لُؤْلُؤَةِ العِرَاقِ (الكُوفَةِ). وَمِنْ هُنَاكَ، هَاجَرَ الخَلِيلُ بِدِينِهِ إِلَى (حَارَانَ)، ثُمَّ اتَّجَهَ شَطْرَ (فِلَسْطِينَ) المَقْدِسِيَّةِ، مُتَّخِذًا مِنْهَا قَاعِدَةً لِنَشْرِ أَنْوَارِ التَّوْحِيدِ.

وَفِي إِحْدَى رِحْلَاتِهِ، قَدِمَ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِلَى (مِصْرَ) وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ الصِّدِّيقَةُ أُمُّ المُّؤْمِنِينَ «سَارَّةُ». هُنَاكَ حَيْثُ حَاوَلَ فِرْعَوْنُ مِصْرَ، بِطُغْيَانِهِ وَجَبَرُوتِهِ، أَنْ يَمْتَدَّ بِيَدِ السُّوءِ إِلَى ذَاتِ الصَّوْنِ وَالعَفَافِ. وَلَكِنَّ أَنَّى لِلْمَكْرِ أَنْ يُصِيبَ مَنْ تَدَثَّرَتْ بِحِمَايَةِ الجَبَّارِ؟ فَرَدَّ اللَّهُ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَشُلَّتْ يَدُهُ. فَلَمَّا أَدْرَكَ فِرْعَوْنُ أَنَّ لِسَارَّةَ صِلَةً قَوِيَّةً بِرَبِّهَا لَا تُقْهَرُ، قَدَّمَ لَهَا ابْنَتَهُ «هَاجَرَ» جَارِيَةً لَهَا، اعْتِرَافًا بِفَضْلِهَا، وَرَهْبَةً مِنْ مَقَامِهَا. فَأَخَذَتْهَا سَارَّةُ، وَزَوَّجَتْهَا لِإِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ-. (تَخْرِيجُ القِصَّةِ: القِصَّةُ مَرْوِيَّةٌ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ، حَدِيثٌ رَقْم 3358، وَقَدْ حَقَّقَ بَعْضُ العُلَمَاءِ أَنَّ هَاجَرَ كَانَتْ حُرَّةً وَابْنَةً لِفِرْعَوْنَ).

الهِجْرَةُ الكُبْرَى لِلْوَادِي المُقَدَّسِ:

رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى فِلَسْطِينَ، وَأَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ مِنْ زَوْجِهِ الطَّاهِرَةِ (هَاجَرَ) بِغُلَامٍ زَكِيٍّ هُوَ «إِسْمَاعِيلُ». وَهُنَا، دَبَّتْ غَيْرَةُ النِّسَاءِ المَجْبُولَةِ فِي صَدْرِ سَارَّةَ، حَتَّى أَلْجَأَتْ إِبْرَاهِيمَ إِلَى إِبْعَادِ هَاجَرَ وَرَضِيعِهَا. فَتَأَمَّلْ مَعِي أَيُّهَا المُشْتَاقُ هَذَا المَشْهَدَ المَهِيبَ؛ أَبٌ شَيْخٌ، يَأْخُذُ فَلْذَةَ كَبِدِهِ وَزَوْجَتَهُ الضَّعِيفَةَ، وَيَضْرِبُ بِهِمَا فِي فَيَافِي الصَّحْرَاءِ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمَا الحِجَازَ.

هُنَاكَ، حَيْثُ لَا أَنِيسَ وَلَا جَلِيسَ، وَلَا قَطْرَةَ مَاءٍ، وَلَا شَجَرَةَ تَسْتَرُهُمْ.. فِي وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، عِنْدَ بَيْتِ اللَّهِ المُحَرَّمِ الَّذِي كَانَ يَوْمَئِذٍ مُجَرَّدَ تَلَّةٍ حَمْرَاءَ تَأْتِيهَا السُّيُولُ فَتَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهَا وَشِمَالِهَا. وَضَعَهُمَا إِبْرَاهِيمُ تَحْتَ شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ عِنْدَ مَوْقِعِ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَتَرَكَ عِنْدَهُمَا جِرَاباً بِهِ تَمَرَاتٌ، وَسِقَاءً فِيهِ قَلِيلٌ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ وَلَّى شَطْرَ فِلَسْطِينَ! وَهَلْ يُتْرَكُ الرَّضِيعُ فِي قَلْبِ الصَّحْرَاءِ؟ نَعَمْ، إِذَا كَانَ المُسْتَوْدَعُ هُوَ رَبَّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى نَفِدَ التَّمْرُ، وَغَاضَ المَاءُ، وَبَكَى الرَّضِيعُ بُكَاءً يُفَطِّرُ كَبِدَ أُمِّهِ. وَهُنَاكَ، تَفَجَّرَتْ يَنَابِيعُ الرَّحْمَةِ، وَنَبَعَتْ «بِئْرُ زَمْزَمَ» بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تَحْتِ قَدَمَيِ الغُلَامِ، لِتَكُونَ قُوتًا وَرِيّاً لَهُمَا إِلَى حِينٍ. (تَخْرِيجُ القِصَّةِ: قِصَّةُ زَمْزَمَ وَهَاجَرَ مَرْوِيَّةٌ بِطُولِهَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ، حَدِيثٌ رَقْم 3364).

وُفُودُ جُرْهُمَ.. صُحْبَةُ الوَادِي:

وَبَيْنَمَا هُمَا فِي هَذَا الاطْمِئْنَانِ الرَّبَّانِيِّ، سَاقَ اللَّهُ لَهُمَا الأُنْسَ. جَاءَتْ قَبِيلَةٌ يَمَانِيَّةٌ تُرْتَجَى لَهَا الأَمْجَادُ، وَهِيَ (جُرْهُمُ الثَّانِيَةُ). لَمِحُوا طَيْراً يَحُومُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ يَحُومُ عَلَى مَاءٍ، فَأَرْسَلُوا مُسْتَطْلِعاً، فَإِذَا بِهِمْ يَجِدُونَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ. اسْتَأْذَنُوهَا أَنْ يَسْكُنُوا جِوَارَهَا فَأَذِنَتْ، بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ لَهُمْ حَقٌّ فِي عَيْنِ المَاءِ، فَقَبِلُوا وَقَطَنُوا مَكَّةَ، لِيَنْشَأَ إِسْمَاعِيلُ فِي كَنَفِهِمْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُمُ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ الأَصِيلَةَ.

اِخْتِبَارَاتُ الخَلِيلِ وَبِنَاءُ الكَعْبَةِ:

كَانَ قَلْبُ الأَبِ الشَّيْخِ، إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَخْفِقُ بِالشَّوْقِ لِرُؤْيَةِ تَرِكَتِهِ، فَكَانَ يَرْتَحِلُ بَيْنَ الفَيْنَةِ وَالأُخْرَى لِيَتَفَقَّدَهُمَا. وَقَدْ حَفِظَتْ لَنَا المَصَادِرُ أَرْبَعَ رِحْلَاتٍ عِظَامٍ:

1. الرِّحْلَةُ الأُولَى (بَلَاءٌ مَبِينٌ): وَهِيَ عِنْدَمَا رَأَى فِي المَنَامِ أَنَّهُ يَذْبَحُ وَلَدَهُ. وَرُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ حَقٌّ. وَقَدْ خَلَّدَ القُرْآنُ الكَرِيمُ هَذَا المَوْقِفَ المَهُولَ حِينَ قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصَّافَّاتُ: 103-107].
2. الرِّحْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ (عَتَبَةُ البَابِ): لَمَّا شَبَّ إِسْمَاعِيلُ وَتَزَوَّجَ مِنَ الجُرْهُمِيِّينَ، وَتُوُفِّيَتْ أُمُّهُ هَاجَرُ، جَاءَ إِبْرَاهِيمُ زَائِرًا فَلَمْ يَجِدْهُ. سَأَلَ زَوْجَتَهُ عَنْ حَالِهِمْ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ ضِيقَ العَيْشِ وَشِدَّةَ الحَالِ. فَقَالَ لَهَا: "إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ". فَلَمَّا عَادَ إِسْمَاعِيلُ فَهِمَ حِكْمَةَ أَبِيهِ، فَطَلَّقَهَا. ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً أُخْرَى كَرِيمَةً هِيَ (ابْنَةُ مُضَاضَ بْنِ عَمْرٍو كَبِيرِ جُرْهُمَ). وَفِي الزِّيَارَةِ الثَّالِثَةِ، لَقِيَ إِبْرَاهِيمُ الزَّوْجَةَ الجَدِيدَةَ، فَسَأَلَهَا، فَحَمِدَتِ اللَّهَ وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "قُولِي لَهُ فَلْيُثْبِتْ عَتَبَةَ بَابِهِ". (تَخْرِيجُ القِصَّةِ: قِصَّةُ عَتَبَةِ البَابِ مَرْوِيَّةٌ فِي صَحِيحِ البُخاريِّ، حَدِيثٌ رَقْم 3364).
3. الرِّحْلَةُ الرَّابِعَةُ (رَفْعُ القَوَاعِدِ): وَهِيَ اللِّقَاءُ الأَجْمَلُ! حَيْثُ جَاءَ إِبْرَاهِيمُ فَوَجَدَ إِسْمَاعِيلَ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ شَجَرَةٍ قَرِيباً مِنْ زَمْزَمَ. فَلَمَّا رَآهُ، قَامَ إِلَيْهِ فَتَعَانَقَا. وَفِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ العَظِيمَةِ، تَعَاوَنَا عَلَى بِنَاءِ (الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ)، وَرَفَعَا قَوَاعِدَهَا، وَأَذَّنَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ.

مِنْ هَذَا الزَّوَاجِ المُبَارَكِ بَيْنَ إِسْمَاعِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَابْنَةِ مُضَاضَ الجُرْهُمِيَّةِ، رَزَقَهُ اللَّهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ وَلَدًا، شَكَّلُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً عَظِيمَةً انْتَشَرَتْ فِي الآفَاقِ... وَمِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الأَبْنَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، كَانَ هُنَاكَ ابْنَانِ بِالْخُصُوصِ، امْتَدَّتْ مِنْ أَصْلَابِهِمَا أَنْسَابٌ سَتُغَيِّرُ وَجْهَ التَّارِيخِ.. وَمِنْهُمْ سَيَخْرُجُ (عَدْنَانُ)، وَتَتَفَرَّعُ (مُضَرُ)، لِنَصِلَ إِلَى القَبِيلَةِ الَّتِي اصْطَفَاهَا اللَّهُ.. «قُرَيْش»!

شَجَرَةُ النُّورِ الَّتِي أَظَلَّتِ العَالَمِينَ

سُبْحَانَ مَنْ أَوْدَعَ فِي الأَصْلَابِ الطَّاهِرَةِ نُورَ نَبِيِّهِ، وَنَقَلَهُ مِنْ خِيَارٍ إِلَى خِيَارٍ، يَتَلَأْلَأُ فِي جِباهِ السَّادَةِ وَالأَشْرَافِ، حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي بَطْنِ آمِنَةَ! أَيُّهَا المُسْتَمِعُ الكَرِيمُ، لَوْ أَنَّكَ تَأَمَّلْتَ حَرَكَةَ الزَّمَانِ، وَكَيْفَ كَانَتِ العِنَايَةُ الإِلَهِيَّةُ تَحْرُسُ هَذَا النَّسَبَ الشَّرِيفَ قَرْناً بَعْدَ قَرْنٍ، لَأَدْرَكْتَ أَنَّ مِيلَادَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ وَلِيدَ صُدْفَةٍ، بَلْ كَانَ «ثَمَرَةَ» شَجَرَةٍ ضَارِبَةٍ جُذُورُهَا فِي عُمْقِ التَّارِيخِ.

الفَصْلُ الثَّالِثُ: مِنْ صُلْبِ إِسْمَاعِيلَ إِلَى مَطْلَعِ شَمْسِ قُرَيْشٍ

وَبَعْدَ أن تَزَوَّجَ نَبِيُّ اللَّهِ إِسْمَاعِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنِ ابْنَةِ مُضَاضَ الجُرْهُمِيَّةِ. وَمِنْ هَذَا البَيْتِ المُبَارَكِ، رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى (اثْنَيْ عَشَرَ وَلَداً ذَكَراً) كَانُوا كَالْكَوَاكِبِ فِي سَمَاءِ الجَزِيرَةِ، وَهُمْ: نَابِتٌ (أَوْ بَنَايُوطُ)، قِيدَارُ، أَدْبَائِيلُ، مِبْشَامُ، مِشْمَاعُ، دُومَا، مِيشَا، حُدُدُ، يَتْمَا، يَطُورُ، نُفَيْسُ، وَقَيْدُمَانُ.

تَشَعَّبَتْ مِنْ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ اثْنَتَا عَشْرَةَ قَبِيلَةً عَظِيمَةً، سَكَنَتْ كُلُّهَا مَكَّةَ لِحِقْبَةٍ مِنَ الزَّمَنِ. ثُمَّ كَمَا هِيَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الكَوْنِ، انْتَشَرُوا فِي أَرْجَاءِ الجَزِيرَةِ، وَطَوَتْ غَيَاهِبُ الزَّمَانِ أَخْبَارَ مُعْظَمِهِمْ، إِلَّا نَسْلَ رَجُلَيْنِ مِنْهُمَا خَلَّدَ التَّارِيخُ ذِكْرَهُمَا: (نَابِتٌ، وَقِيدَارُ).

أَمَّا نَسْلُ «نَابِتٍ»، فَقَدْ زَحَفُوا نَحْوَ شِمَالِ الحِجَازِ، وَشَيَّدُوا حَضَارَةً شَامِخَةً عُرِفَتْ بِـ(حَضَارَةِ الأَنْبَاطِ)، وَاتَّخَذُوا مِنْ مَدِينَةِ «البَتْرَاءِ» عَاصِمَةً لَهُمْ.

السِّلْسِلَةُ الذَّهَبِيَّةُ (نَسْلُ قِيدَارَ وَظُهُورُ عَدْنَانَ):

وَأَمَّا «قِيدَارُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ»، فَقَدْ بَقِيَ أَبْنَاؤُهُ مُرَابِطِينَ فِي مَكَّةَ، حَتَّى خَرَجَ مِنْ صُلْبِهِمْ طَوْدٌ عَظِيمٌ اسْمُهُ «عَدْنَانُ» وَوَلَدُهُ «مَعَدُّ». وَ«عَدْنَانُ» هُوَ الجَدُّ الحَادِي وَالعِشْرُونَ فِي سِلْسِلَةِ النَّسَبِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ. وَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا حَبِيبُ الرَّحْمَنِ ﷺ، إِذَا انْتَسَبَ فَأَوْصَلَ نَسَبَهُ إِلَى «عَدْنَانَ» يُشْرِقُ وَجْهَهُ، ثُمَّ يُمْسِكُ عَنْ تَعْدَادِ مَنْ قَبْلَهُ وَيَقُولُ كَمَا رُوِيَ: «كَذَبَ النَّسَّابُونَ».

الِاصْطِفَاءُ الرَّبَّانِيُّ.. حَتَّى بُزُوغِ قُرَيْشٍ:

مِنْ (مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ) جَاءَ ابْنُهُ (نِزَارٌ)، الَّذِي تَفَرَّعَتْ مِنْهُ أَرْبَعُ قَبَائِلَ: إِيَادٌ، أَنْمَارٌ، رَبِيعَةُ، وَمُضَرُ. وَمِنْ صُلْبِ (إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ) خَرَجَتْ قَبَائِلُ كُبْرَى كَتَمِيمٍ وَهُذَيْلٍ وَأَسَدٍ وَبُطُونِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَمِنْ هُنَا... مِنْ جَوْفِ كِنَانَةَ... وُلِدَتْ «قُرَيْشٌ» المَجِيدَةُ! وَهُمْ أَوْلَادُ (فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ). وَتَفَرَّعَتْ قُرَيْشٌ إِلَى قَبَائِلَ شَتَّى، ثُمَّ اصْطَفَى اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ (عَبْدَ مَنَافٍ)، الَّذِي أَنْجَبَ: عَبْدَ شَمْسٍ، نَوْفَلَ، المُطَّلِبَ، وَهَاشِماً. وَبَيْتُ «هَاشِمٍ».. هُوَ البَيْتُ الَّذِي اخْتَارَهُ رَبُّ العَالَمِينَ لِيَكُونَ مِنْهُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشاً، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». (رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ رَقْم 2276).

وَلَمَّا كَثُرَ أَوْلَادُ عَدْنَانَ، تَنَاثَرُوا فِي رُبُوعِ الجَزِيرَةِ؛ فَسَكَنَتْ عَبْدُ القَيْسِ بِلَادَ (البَحْرَيْنِ)، وَاسْتَقَرَّتْ بَنُو حَنِيفَةَ فِي (اليَمَامَةِ)، وَامْتَدَّتْ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ عَلَى سَوَاحِلِ الخَلِيجِ. أَمَّا قُرَيْشٌ، فَقَدْ ظَلَّتْ فِي مَكَّةَ وَضَوَاحِيهَا، حَتَّى نَبَغَ فِيهِمْ ذَلِكَ الزَّعِيمُ العَبْقَرِيُّ (قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ)، فَجَمَعَ شَتَاتَهُمْ، وَأَسَّسَ لَهُمْ كِيَاناً وَوَحْدَةً.. لِيَتَهَيَّأَ المَسْرَحُ تَمَاماً لِوِلَادَةِ فَجْرِ البَشَرِيَّةِ الأَعْظَمِ.


قَائِمَةُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ

  • صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيِّ (كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ).
  • صَحِيحُ مُسْلِمٍ، لِلْإِمَامِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجَّاجِ (كِتَابُ الفَضَائِلِ).
  • سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ، لِلْإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ (أَبْوَابُ المَنَاقِبِ وَفَضْلِ النَّبِيِّ ﷺ).
  • تَارِيخُ الأُمَمِ وَالمُلُوكِ (تَارِيخُ الطَّبَرِيِّ)، لِلْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ.
  • مُحَاضَرَاتُ تَارِيخِ الأُمَمِ الإِسْلَامِيَّةِ، لِلشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الخُضَرِيِّ.
  • رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ، لِلْعَلَّامَةِ القَاضِي مُحَمَّدٍ سُلَيْمَانَ المَنْصُورْفُورِيِّ.
  • تَفْهِيمُ القُرْآنِ، لِلسَّيِّدِ أَبِي الأَعْلَى المَوْدُودِيِّ.
  • قَلْبُ جَزِيرَةِ العَرَبِ.
  • تَارِيخُ أَرْضِ القُرْآنِ، لِلسَّيِّدِ سُلَيْمَانَ النَّدْوِيِّ.
  • الأَعْلَامُ، لِخَيْرِ الدِّينِ الزِّرِكْلِيِّ.
author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX