recent
آخر القصص

أعظم الفتوحات والمعارك الإسلامية في شهر رمضان: سجل الأمجاد الخالدة

لَمْ يَكُنْ رَمَضَانُ فِي ذَاكِرَةِ التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ مُجَرَّدَ أَيَّامٍ تَمِيلُ فِيهَا النُّفُوسُ إِلَى الدَّعَةِ وَالسُّكُونِ، بَلْ كَانَ مِضْمَارًا لِلْعَزَائِمِ الَّتِي لَا تَلِينُ. نروي لكم سجل الأمجاد والانتصارات الكبرى من بدر وفتح مكة إلى القادسية وعين جالوت والزلاقة، ملحمة تاريخية توثق عزة الأمة في شهر الصيام.
🔊

ملحمة الصيام: انتصارات المسلمين الخالدة في شهر رمضان

لَمْ يَكُنْ رَمَضَانُ فِي ذَاكِرَةِ التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ مُجَرَّدَ أَيَّامٍ تَمِيلُ فِيهَا النُّفُوسُ إِلَى الدَّعَةِ وَالسُّكُونِ، أَوْ تَلُوذُ فِيهَا الأَجْسَادُ بِالظِّلَالِ الْوَارِفَةِ فِرَارًا مِنْ لَهيبِ الشَّمْسِ وَوَهَجِ الْهَاجِرَةِ.. كَلَّا، بَلْ كَانَ هَذَا الشَّهْرُ الْفُضَيْلُ مِضْمَارًا لِلْعَزَائِمِ الَّتِي لَا تَلِينُ، وَمَوْسِمًا تَتَعَانَقُ فِيهِ لَذَّةُ الْمُنَاجَاةِ فِي الْمَحَارِيبِ مَعَ صَهِلِ الْخَيْلِ فِي سَاحَاتِ الْوَغَى.

لَقَدْ كَانَ الصَّوْمُ -وَمَا يَزَالُ- مَدْرَسَةً تُرَبِّي الرِّجَالَ عَلَى مُكَابَدَةِ الْأَهْوَاءِ، فَمَنْ انْتَصَرَ عَلَى نَفْسِهِ بَيْنَ دَفَّتَيْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، كَانَ عَلَى عَدُوِّهِ أَقْدَرَ وَبِالنَّصْرِ أَجْدَرَ.. وَهَكْذَا فَتَحَ التَّارِيخُ صَفَحَاتِهِ لِيُسَطِّرَ بِمِدَادٍ مِنَ النُّورِ مَلَاحِمَ خَالِدَةً، صَنَعَهَا رِجَالٌ خَوَتْ بُطُونُهُمْ مِنَ الطَّعَامِ، لَكِنَّ قُلُوبَهُمْ امْتَلَأَتْ بِالْيَقِينِ، فَكَانُوا كَالْجِبَالِ الرَّوَاسِي، لَا تَهُزُّهُمْ الرِّيَاحُ، وَلَا تُثْنِيهِمُ الْجِرَاحُ.

يَوْمُ الْفُرْقَانِ.. حِينَ تَنَزَّلَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي بَدْرٍ

فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، لِلسَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هِجْرَةِ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كَانَتْ الْأَرْضُ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ حَدَثٍ فَاصلٍ سَيُغَيِّرُ وَجْهَ الْبَشَرِيَّةِ إِلَى الْأَبَدِ.. إِنَّهَا "غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى".

لَمْ يَكُنْ خُرُوجُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْبِدَايَةِ لِقِتَالٍ، بَلْ كَانُوا يَرُومُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ الَّتِي يَقُودُهَا أَبُو سُفْيَانَ، اسْتِرْدَادًا لِبَعْضِ حُقُوقِهِمُ الْمَسْلُوبَةِ فِي مَكَّةَ، لَكِنَّ إِرَادَةَ السَّمَاءِ شَاءَتْ أَمْرًا آخَرَ.. شَاءَتْ أَنْ تُفْلِتَ الْعِيرُ، وَأَنْ يُقْبِلَ النَّفِيرُ، لِيَتَوَاجَهَ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ وَجْهًا لِوَجْهٍ، بِلَا حِجَابٍ وَلَا سِتَارٍ.

وَقَفَ جَيْشُ الْإِيمَانِ، وَعَدَدُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، لَا يَمْلِكُونَ مِنَ الْعَتَادِ إِلَّا فَرَسَيْنِ وَسَبْعِينَ بَعِيرًا، وَسُيُوفًا مَعْدُودَةً، لَكِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ فِي صُدُورِهِمْ إِيمَانًا يَزِنُ الْجِبَالَ.. وَفِي الْمُقَابِلِ، جَاءَتْ قُرَيْشٌ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، فِي أَلْفِ مُقَاتِلٍ مُدَجَّجِينَ بِالسِّلَاحِ، يَقُودُهُمْ فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ "أَبُو جَهْلٍ"، وَقَدْ أَقْسَمُوا بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى أَنْ لَا يَعُودُوا حَتَّى يَسْتَأْصِلُوا شَأْفَةَ الْمُسْلِمِينَ.

وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ، بَاتَ الْمُسْلِمُونَ يَنْعَمُونَ بِنَوْمَةٍ خَفِيفَةٍ أَمَنَةً مِنَ اللَّهِ، بَيْنَمَا قَامَ الرَّسُولُ الْقَائِدُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي عَرِيشِهِ، يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، مُتَضَرِّعًا، مُنَاجِيًا، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ الشَّرِيفَيْنِ، وَهُوَ يَهْتِفُ بِنَبْرَةٍ تَخْلَعُ الْقُلُوبَ: ((اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي.. اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ)).

فَأَتَاهُ الرَّدُّ الْإِلَهِيُّ سَرِيعًا، حَاسِمًا، كَمَا يَنْزِلُ الْغَيْثُ عَلَى الْأَرْضِ الْجَدْبَاءِ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.

وَالْتَحَمَ الْجَيْشَانِ فِي صَبِيحَةِ السَّابِعَ عَشَرَ.. وَعَلَتْ أَصْوَاتُ التَّكْبِيرِ فَوْقَ صَلِيلِ السُّيُوفِ وَهَمْهَمَةِ الرِّجَالِ.. وَرَأَى الْمُشْرِكُونَ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ؛ رَأَوْا مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ تُقَاتِلُ إِلَى جَانِبِ جُنْدِ الْأَرْضِ، تَضْرِبُ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَتَضْرِبُ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ.

وَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَاتٌ، حَتَّى انْجَلَى غُبَارُ الْمَعْرَكَةِ عَنْ نَصْرٍ مُؤَزَّرٍ لِلْقِلَّةِ الْمُؤْمِنَةِ، وَهَزِيمَةٍ سَاحِقَةٍ لِلْكَثْرَةِ الْمُشْرِكَةِ.. لَقَدْ خَرَّتْ رُؤُوسُ الْكُفْرِ صَرْعَى، وَقُتِلَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ سَبْعُونَ، وَأُسِرَ سَبْعُونَ آخَرُونَ، وَارْتَقَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهِيدًا، رَوَوْا بِدِمَائِهِمْ الزَّكِيَّةِ رِمَالَ "بَدْرٍ"، لِتُصْبِحَ هَذِهِ الْغَزْوَةُ فُرْقَانًا فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَأَعَزَّ بِهِ جُنْدَهُ وَلَوْ كَانُوا قِلَّةً مُسْتَضْعَفِينَ.

لَمْ تَكُنْ بَدْرٌ مُجَرَّدَ مَعْرَكَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ إِعْلَانًا لِمِيلَادِ قُوَّةٍ جَدِيدَةٍ، قُوَّةٍ لَا تَعْتَمِدُ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمَادِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ تَسْتَمِدُّ مَدَدَهَا مِنْ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.. وَهَكَذَا انْقَضَى الْيَوْمُ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَقَدْ ارْتَفَعَتْ رَايَةُ الْإِسْلَامِ خَفَّاقَةً، تُعَانِقُ عَنَانَ السَّمَاءِ.

فَتْحُ مَكَّةَ.. يَوْمَ طَأْطَأَ التَّوَاضُعُ هَامَاتِ الْجِبَالِ

وَدَارَتِ الْأَيَّامُ دَوْرَتَهَا، وَمَضَتِ السِّنُونَ تَتْرَى، حَتَّى أَطَلَّ رَمَضَانُ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، لِيَحْمِلَ فِي طَيَّاتِهِ الْبُشْرَى الَّتِي طَالَمَا اشْرَأَبَّتْ إِلَيْهَا الْأَعْنَاقُ، وَهَفَتْ إِلَيْهَا الْأَرْوَاحُ.. إِنَّهُ مَوْعِدُ الْعَوْدَةِ إِلَى الرِّحَابِ الطَّاهِرَةِ، إِلَى "أُمِّ الْقُرَى" الَّتِي أَخْرَجَتْ خَيْرَ الْوَرَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُكْرَهًا، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَالْعَبَرَاتُ تَخْنُقُهُ قَائِلًا: ((وَاللَّهِ إِنَّكِ لَأَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)).

هَا هُوَ الْيَوْمُ يَعُودُ، لَكِنْ لَيْسَ شَرِيدًا وَلَا طَرِيدًا، وَلَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، بَلْ يَعُودُ قَائِدًا مُظَفَّرًا، تَحُفُّهُ عِشْرَةُ آلَافٍ مِنَ الْأَبْطَالِ، قَدْ مَلَأَ الْإِيمَانُ جَوَانِحَهُمْ، وَأَسْرَجَتِ الْعَزِيمَةُ خُيُولَهُمْ. لَقَدْ نَقَضَتْ قُرَيْشٌ عُهُودَهَا، وَغَرَّتْهَا قُوَّتُهَا، فَحَقَّ عَلَيْهَا وَعْدُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُخْلَفُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾.

فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، تَحَرَّكَ ذَلِكَ الْبَحْرُ الْهَادِرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ صَوْبَ مَكَّةَ.. وَلَمَّا أَشْرَفَ الْجَيْشُ عَلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأُشْعِلَتِ النِّيَارَانُ فِي قِمَمِ الْجِبَالِ، دَبَّ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَأَدْرَكُوا أَنَّ دَوْلَةَ الْأَوْثَانِ قَدْ آذَنَتْ بِالْمَغِيبِ.

وَمِنْ عَجَبِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَشْهُودِ، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ دُخُولَ الْفَاتِحِينَ الْمُتَجَبِّرِينَ، الَّذِينَ تَشْمَخُ أُنُوفُهُمْ كِبْرًا وَخُيَلَاءَ.. كَلَّا، بَلْ دَخَلَهَا عَلَى نَاقَتِهِ "الْقَصْوَاءِ"، وَقَدْ حَنَى رَأَسَهُ الشَّرِيفَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا، حَتَّى إِنَّ لِحْيَتَهُ الْمُبَارَكَةَ لَتَكَادُ تَمَسُّ وَاسِطَةَ رَحْلِهِ، شُكْرًا لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.

وَدَوَتْ فِي الْآفَاقِ كَلِمَاتُ الْأَمَانِ الَّتِي لَمْ يَعْهَدْهَا تَارِيخُ الْحُرُوبِ: ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ)).. يَا لَعَظَمَةِ هَذَا الدِّينِ! قُوَّةٌ بِلَا بَطْشٍ، وَانْتِصَارٌ بِلَا انْتِقَامٍ.

ثُمَّ اتَّجَهَ الرَّكْبُ النَّبَوِيُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ.. هُنَاكَ حَيْثُ كَانَتِ الْأَصْنَامُ تُلَطِّخُ طُهْرَ الْكَعْبَةِ، ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا نُصِبَتْ لِتُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.. فَتَقَدَّمَ الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَفِي يَدِهِ قَوْسٌ، فَجَعَلَ يَطْعَنُ تِلْكَ التَّمَاثِيلَ وَالْأَصْنَامَ، فَتَخِرُّ لِوُجُوهِهَا مُتَحَطِّمَةً، وَهُوَ يَتْلُو بِصَوْتٍ يَفِيضُ جَلَالًا: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.

وَفِي لَحْظَةٍ تَوَقَّفَ لَهَا الزَّمَانُ، أَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِلَالَ بْنَ رَبَاحٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنْ يَرْقَى عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ لِيُؤَذِّنَ.. يَا لَلَّهِ! بِلَالٌ؟ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ يُجَرُّ عَلَى رِمَالِ مَكَّةَ الْمُلْتَهِبَةِ؟ وَتُوضَعُ الصَّخْرَةُ عَلَى صَدْرِهِ لِيَكْفُرَ؟ هَا هُوَ الْيَوْمَ يَعْتَلِي أَطْهَرَ بُقْعَةٍ فِي الْأَرْضِ، لِيُعْلِنَ نِهَايَةَ عَصْرِ الْعُبُودِيَّةِ لِلْبَشَرِ، وَبِدَايَةَ عَصْرِ التَّوْحِيدِ، صَادِحًا بِـ "اللَّهُ أَكْبَرُ.. اللَّهُ أَكْبَرُ"، فَتَرَدَّدَتْ صَدَى كَلِمَاتِهِ فِي جِبَالِ مَكَّةَ، لِتُعْلِنَ أَنَّ الْكِبْرِيَاءَ لِلَّهِ وَحْدَهُ.

وَبَيْنَمَا كَانَتْ الْقُلُوبُ الْوَاجِفَةُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ تَنْتَظِرُ حُكْمَ الْفَاتِحِ الْمُنْتَصِرِ، وَظَنُّوا أَنَّ السُّيُوفَ سَتَحْصُدُ رُؤُوسَهُمْ جَزَاءَ مَا اقْتَرَفُوا مِنْ جَرَائِمَ طِيلَةَ عِشْرِينَ عَامًا، وَقَفَ فِيهِمْ رَسُولُ الرَّحْمَةِ خَطِيبًا وَسَأَلَهُمْ: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟)).. قَالُوا بِصَوْتِ الْمُنْكَسِرِ: "خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ".. فَقَالَ الْكَلِمَةَ الَّتِي خَلَّدَهَا التَّارِيخُ فِي سِجِلَّاتِ النُّبْلِ وَالْعَفْوِ: ((اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ)).

هَكَذَا فُتِحَتْ مَكَّةُ فِي رَمَضَانَ.. لَمْ تُفْتَحْ بِبِحَارٍ مِنَ الدِّمَاءِ، بَلْ فُتِحَتْ بِطُوفَانٍ مِنَ الْأَنْوَارِ، لِيَعْلَمَ الْقَاصِي وَالدَّانِي أَنَّ الْإِسْلَامَ مَا جَاءَ لِيُذِلَّ الرِّقَابَ، بَلْ جَاءَ لِيُحَرِّرَ الْعِبَادَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ الْعِبَادِ.

الْقَادِسِيَّةُ وَالْبُوَيْبُ.. زَئِيرُ الْأُسُودِ عَلَى ضِفَافِ الْفُرَاتِ

وَمَا إِنْ تَوَطَّدَتْ أَرْكَانُ الْجَزِيرَةِ بِنُورِ الْإِسْلَامِ، حَتَّى اشْرَأَبَّتْ هِمَمُ الْفَاتِحِينَ لِتَكْسِرَ الْأَطْوَاقَ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَى الشُّعُوبِ، وَتُحَطِّمَ تِيجَانَ الْجَبَابِرَةِ الَّذِينَ اسْتَعْبَدُوا النَّاسَ. وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ، كَانَتْ أَرْضُ الْعِرَاقِ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ مَلَاحِمَ سَتَظَلُّ تَتَرَدَّدُ أَصْدَاؤُهَا بَيْنَ النَّخِيلِ وَالْأَنْهَارِ.

فَفِي الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ لِسَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ، وَقَفَ الْبَطَلُ الْمِغْوَارُ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى ضِفَافِ الْفُرَاتِ فِي يَوْمِ "الْبُوَيْبِ"، مُوَاجِهًا جَحَافِلَ الْفُرْسِ بِقِيَادَةِ "مِهْرَانَ". كَانَ الْمَشْهَدُ مَهِيبًا، حَيْثُ خَيَّرَ قَائِدُ الْفُرْسِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ الْعُبُورِ إِلَيْهِمْ أَوْ أَنْ يَعْبُرَ الْفُرْسُ، فَاخْتَارَ الْمُثَنَّى -بِحِنْكَتِهِ الْعَسْكَرِيَّةِ- أَنْ يَسْتَدْرِجَهُمْ إِلَى أَرْضِهِ.

وَمَا إِنْ عَبَرَ الْعَدُوُّ، حَتَّى الْتَحَمَ الصَّفَّانِ فِي صِرَاعٍ مَرِيرٍ، وَكَانَ شَهْرُ الصَّوْمِ يُضْفِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ رُوحًا مِنَ الصَّبْرِ وَالْجَلَدِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُثَنَّى، إِشْفَاقًا عَلَى جُنْدِهِ وَحِرْصًا عَلَى الْقُوَّةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، عَزَمَ عَلَيْهِمْ بِالْفِطْرِ لِيَتَقَوَّوْا عَلَى عَدُوِّهِمْ، مُتَأَسِّيًا بِرُخْصَةِ اللَّهِ لِلْمُجَاهِدِينَ.

وَفِي لَحْظَةٍ حَاسِمَةٍ، اعْتَلَى الْمُثَنَّى فَرَسَهُ "الشَّمُوسَ"، وَحَمَلَ عَلَى الْقَوْمِ حَمْلَةً صَادِقَةً، تَبِعَهُ فِيهَا الْأَبْطَالُ الَّذِينَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ، فَتَمَزَّقَتْ صُفُوفُ الْفُرْسِ، وَقُتِلَ قَائِدُهُمْ "مِهْرَانُ"، وَتَحَوَّلَتْ مِيَاهُ الْجِسْرِ إِلَى شَاهِدٍ عَلَى هَلَاكِ آلَافٍ مِنْ جُنُودِ كِسْرَى، بَيْنَ قَتِيلٍ وَغَرِيقٍ، لِيُسَجِّلَ التَّارِيخُ فِي رَمَضَانَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا غَسَلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ أَحْزَانَ مَا سَبَقَ.

وَلَمْ يَمْضِ كَثِيرُ وَقْتٍ حَتَّى عَادَ رَمَضَانُ لِيَشْهَدَ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ فِي هَذَا الصِّرَاعِ، فِي مَعْرَكَةِ "الْقَادِسِيَّةِ" الْخَالِدَةِ فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ (عَلَى الْمَشْهُورِ)، تَحْتَ قِيَادَةِ خَالِ الْمُصْطَفَى وَأَحَدِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

لَقَدْ كَانَتْ أَيَّامًا عَصِيبَةً، وَاجَهَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ أَهْوَالًا لَمْ يَعْهَدُوهَا، إِذْ دَفَعَ الْفُرْسُ بِالْفِيَلَةِ الْعِمْلَاقَةِ الَّتِي أَفْزَعَتِ الْخَيْلَ وَأَرْعَبَتِ النُّفُوسَ، لَكِنَّ قُلُوبَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ كَانَتْ أَثْبَتَ مِنَ الْجِبَالِ. انْبَرَى أَبْطَالُ الْإِسْلَامِ، بِصُدُورٍ عَارِيَةٍ إِلَّا مِنْ دِرْعِ التَّقْوَى، يَقْتَحِمُونَ صُفُوفَ الْفِيَلَةِ، يَقْطَعُونَ خَرَاطِيمَهَا وَيَفْقَؤُونَ عُيُونَهَا، مُسَطِّرِينَ بِطُولَاتٍ تَعْجِزُ عَنْ وَصْفِهَا الْأَقْلَامُ.

وَتَنَزَّلَ النَّصْرُ مِنَ السَّمَاءِ فِي شَهْرِ الْقُرْآنِ، فَتَمَزَّقَ جَيْشُ "رُسْتُمَ" شَرَّ مُمَزَّقٍ، وَتَهَاوَتْ رَايَةُ الْمَجُوسِيَّةِ إِلَى الْأَبَدِ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْمَدَائِنِ، لِيَدْخُلَهَا الْمُسْلِمُونَ مُكَبِّرِينَ، وَلِيُصْبِحَ رَمَضَانُ شَاهِدًا عَلَى سُقُوطِ إِمْبِرَاطُورِيَّةٍ دَامَتْ قُرُونًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَصْمُدْ أَمَامَ قُوَّةِ الْحَقِّ وَعَزِيمَةِ رِجَالٍ صَامُوا عَنِ الشَّهَوَاتِ، فَأَفْطَرُوا عَلَى مَوَائِدِ النَّصْرِ وَالْجَنَّاتِ.

فَتْحُ الْأَنْدَلُسِ.. مِيلَادُ الْفِرْدَوْسِ عَلَى ضِفَافِ "وَادِي لَكَّةَ"

لَمْ يَقِفْ طُمُوحُ الْفَاتِحِينَ عِنْدَ حُدُودِ الصَّحْرَاءِ، بَلْ تَجَاوَزَهَا لِيُعَانِقَ الْغَمَامَ وَيَعْبُرَ الْبِحَارَ.. وَفِي رَمَضَانَ مِنَ الْعَامِ الثَّانِي وَالتِّسْعِينَ لِلْهِجْرَةِ، كَانَ التَّارِيخُ يَتَأَهَّبُ لِكِتَابَةِ فَصْلٍ جَدِيدٍ مُضَمَّخٍ بِعَبَقِ الْحَضَارَةِ فِي شِبْهِ الْجَزِيرَةِ الْأَيْبِيرِيَّةِ.

هُنَاكَ، حَيْثُ وَقَفَ الْقَائِدُ الْفَذُّ طَارِقُ بْنُ زِيَادٍ، وَمَعَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْأَبْطَالِ -جُلُّهُمْ مِنَ الْبَرْبَرِ الَّذِينَ خَالَطَ الْإِسْلَامُ شَغَافَ قُلُوبِهِمْ- قَدْ عَبَرُوا الزُّقَاقَ الْمَائِيَّ، لِيُوَاجِهُوا جَيْشَ الْقُوطِ الْجَرَّارَ بِقِيَادَةِ الْمَلِكِ "رُودْرِيقَ"، الَّذِي جَاءَ يَجُرُّ خُيَلَاءَهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ.

وَعَلَى ضِفَافِ "وَادِي لَكَّةَ"، وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ الْفُضَيْلِ، الْتَقَى الْجَمْعَانِ.. جَمْعٌ يُقَاتِلُ لِلْمُلْكِ وَالْعَصَبِيَّةِ، وَجَمْعٌ صَائِمٌ يَبِيعُ النَّفْسَ لِرَبِّ الْبَرِيَّةِ. وَدَارَتْ رَحَى مَعْرَكَةٍ ضَرُوسٍ، ثَبَتَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ ثَبَاتَ الرَّوَاسِي، فَكَسَرُوا شَوْكَةَ الْقُوطِ، وَغَابَ أَثَرُ مَلِكِهِمْ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْأَنْدَلُسِ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا.

لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُجَرَّدَ فَتْحٍ عَسْكَرِيٍّ، بَلْ كَانَ إِيذَانًا بِمِيلَادِ حَضَارَةٍ أَضَاءَتْ ظُلُمَاتِ أُورُوبَّا لِثَمَانِيَةِ قُرُونٍ، حَيْثُ تَعَانَقَ صَوْتُ الْأَذَانِ مَعَ خَرِيرِ الْمِيَاهِ فِي قُرْطُبَةَ وَغَرْنَاطَةَ، لِيَصْنَعَ الْمُسْلِمُونَ "فِرْدَوْسَهُمُ الْمَفْقُودَ" الَّذِي بَدَأَتْ قِصَّتُهُ فِي رَمَضَانَ.

عَمُّورِيَّةُ.. حِينَ اسْتَنْفَرَ الْجَيْشُ لِدَمْعَةِ امْرَأَةٍ

وَنَطْوِي صَفَحَاتِ الزَّمَنِ لِنَصِلَ إِلَى رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ لِلْهِجْرَةِ، لِنَقِفَ أَمَامَ مَشْهَدٍ مِنْ أَعْظَمِ مَشَاهِدِ النَّخْوَةِ فِي تَارِيخِ الْأُمَمِ.

فِي بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ، وَقَعَتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ فِي أَسْرِ الرُّومِ بِعَمُّورِيَّةَ، فَلَطَمَهَا عِلْجٌ مِنْهُمْ، فَصَرَخَتْ مَلْهُوفَةً مِنْ أَعْمَاقِ قَهْرِهَا: "وَامُعْتَصِمَاه!". لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الصَّرْخَةَ سَتَقْطَعُ الْفَيَافِيَ وَالْقِفَارَ لِتَطْرُقَ أَسْمَاعَ الْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ الْمُعْتَصِمِ بِاللَّهِ فِي قَصْرِهِ بِبَغْدَادَ.

مَا إِنْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، حَتَّى هَبَّ مِنْ مَجْلِسِهِ كَالْأَسَدِ الْهَصُورِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((لَبَّيْكِ.. لَبَّيْكِ)). وَأَمَرَ بِالنَّفِيرِ الْعَامِّ، مُجَهِّزًا جَيْشًا لَجِبًا يَمْلَأُ السَّهْلَ وَالْوَعْرَ، مُتَوَجِّهًا إِلَى "عَمُّورِيَّةَ"، حِصْنِ الرُّومِ الْمَنِيعِ وَمَسْقِطِ رَأْسِ آبَائِهِمْ.

وَقَدْ حَاوَلَ الْمُنَجِّمُونَ -بِخُرَافَاتِهِمْ- أَنْ يُثَبِّطُوهُ، زَاعِمِينَ أَنَّ الْوَقْتَ نَحْسٌ لِلْغَزْوِ، وَأَنَّ النَّضْجَ لَمْ يَحِنْ لِلتِّينِ وَالْعِنَبِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ الْمُعْتَصِمُ بِلِسَانِ الْوَثِيقِ بِنَصْرِ اللَّهِ، وَمَضَى بِجَيْشِهِ لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ إِلَّا الثَّأْرَ لِكَرَامَةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ.

وَفِي شَهْرِ الصَّوْمِ، دَكَّتِ الْمَجَانِيقُ أَسْوَارَ عَمُّورِيَّةَ، وَاقْتَحَمَ الْمُسْلِمُونَ الْحُصُونَ، وَأَذَلُّوا كِبْرِيَاءَ الرُّومِ، حَتَّى وَقَفَ الْمُعْتَصِمُ عَلَى بَابِ السِّجْنِ لِيُحَرِّرَ الْمَرْأَةَ، مُسَطِّرًا بِذَلِكَ دَرْسًا بَلِيغًا لِلْأَجْيَالِ: أَنَّ كَرَامَةَ الْفَرْدِ فِي الْإِسْلَامِ تُعَادِلُ تَحْرِيكَ الْجُيُوشِ، وَأَنَّ سَيْفَ الْحَقِّ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنْ كُتُبِ الْمُنَجِّمِينَ، كَمَا خَلَّدَهَا أَبُو تَمَّامٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْعَصْمَاءِ:

السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ
فِي حَدِّهِ الحَدُّ بَيْنَ الجِدِّ وَاللَّعِبِ

الزَّلَّاقَةُ.. يَوْمَ عَبَرَ "ابْنُ تَاشْفِينَ" لِيُنْقِذَ الْأَنْدَلُسَ

تَقَلَّبَتِ الْأَيَّامُ بِالْأَنْدَلُسِ، وَدَبَّ الْوَهْنُ فِي أَوْصَالِ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ هُنَاكَ بَعْدَ أَنْ تَفَرَّقَتْ كَلِمَتُهُمْ وَصَارُوا طَرَائِقَ قِدَدًا، حَتَّى كَادَ الْمَلِكُ الْأَلْفُونْسُو السَّادِسُ -مَلِكُ قَشْتَالَةَ- أَنْ يَبْتَلِعَ مَا تَبَقَّى مِنَ الثُّغُورِ.. حِينَهَا، ارْتَفَعَتِ الصَّرْخَةُ مُجَدَّدًا، وَاسْتَنْجَدَ الْمُعْتَمِدُ بْنُ عَبَّادٍ بِأُسُودِ الْمَغْرِبِ، قَائِلًا كَلِمَتَهُ الْمَشْهُورَةَ: "لَأَنْ أَرْعَى الْإِبِلَ فِي صَحْرَاءِ الْمَغْرِبِ خَيْرٌ لِي مِنْ أَنْ أَرْعَى الْخَنَازِيرَ فِي قَشْتَالَةَ".

فَلَبَّى النِّدَاءَ أَسَدُ الْمُرَابِطِينَ يُوسُفُ بْنُ تَاشْفِينَ، ذَلِكَ الْشَّيْخُ الْوَقُورُ الَّذِي جَاوَزَ الثَّمَانِينَ، فَعَبَرَ الْبَحْرَ بِجُنُودٍ لَا يَعْرِفُونَ الدَّعَةَ، لِيَلْتَقِيَ بِالْعَدُوِّ فِي سَهْلِ "الزَّلَّاقَةِ".

وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ، دَارَتْ رَحَى مَعْرَكَةٍ لَمْ تَشْهَدِ الْأَنْدَلُسُ مِثْلَهَا.. ثَبَتَ فِيهَا الْمُرَابِطُونَ ثَبَاتَ الْأُسُودِ، وَأَذَاقُوا جَيْشَ قَشْتَالَةَ مَرَارَةَ الْهَزِيمَةِ، حَتَّى لَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الشِّرْذِمَةُ الْقَلِيلَةُ. وَبِهَذَا النَّصْرِ الْعَزِيزِ فِي الشَّهْرِ الْكَرِيمِ، مَدَّ اللَّهُ فِي عُمْرِ الْإِسْلَامِ بِالْأَنْدَلُسِ قُرُونًا أُخْرَى، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ.

عَيْنُ جَالُوتَ.. "وَا إِسْلَامَاه!" الَّتِي أَوْقَفَتِ الطُّوفَانَ

وَمَضَى الزَّمَانُ لِيَشْهَدَ الْعَالَمُ الْإِسْلَامِيُّ أَحْلَكَ لَحَظَاتِهِ، حِينَ زَحَفَ التَّتَارُ (الْمَغُولُ) كَالسَّيْلِ الْجَارِفِ، لَا يُبْقُونَ وَلَا يَذَرُونَ.. سَقَطَتْ بَغْدَادُ، وَقُتِلَ الْخَلِيفَةُ، وَتَضَرَّجَتْ مِيَاهُ دِجْلَةَ بِالدِّمَاءِ، وَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، وَأَنَّ هَذَا الْعَدُوَّ لَا يُقْهَرُ أَبَدًا.

لَكِنَّ مِصْرَ، كِنَانَةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، كَانَ لَهَا رَأْيٌ آخَرُ.. هَبَّ السُّلْطَانُ الْمُظَفَّرُ سَيْفُ الدِّينِ قُطُزُ، فَوَحَّدَ الصُّفُوفَ، وَجَمَعَ الْقُلُوبَ عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَخَرَجَ لِمُلَاقَاةِ التَّتَارِ فِي فِلَسْطِينَ.

وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ لِسَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ، الْتَقَى الْجَمْعَانِ فِي "عَيْنِ جَالُوتَ".. بَدَأَتِ الْمَعْرَكَةُ رَهِيبَةً، وَتَزَلْزَلَتْ صُفُوفُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَوْلِ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، حَتَّى كَادَتِ الدَّائِرَةُ تَدُورُ عَلَيْهِمْ.

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْفَاصِلَةِ، أَلْقَى السُّلْطَانُ قُطُزُ خُوذَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَكَشَفَ عَنْ رَأْسِهِ مُعَرِّضًا نَفْسَهُ لِلْمَوْتِ، وَصَرَخَ صَرْخَةً خَرَجَتْ مِنْ أَعْمَاقِ رُوحِهِ، دَوَّتْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ: ((وَا إِسْلَامَاه!.. وَا إِسْلَامَاه!)).

كَانَتْ صَرْخَةً أَيْقَظَتِ الْإِيمَانَ فِي النُّفُوسِ، فَكَرَّ الْجُنُودُ كَرَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا يُبَالُونَ بِالْمَوْتِ شَوْقًا إِلَى الشَّهَادَةِ.. وَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ، وَحَقَّقَ وَعْدَهُ، فَتَحَطَّمَ غُرُورُ التَّتَارِ، وَقُتِلَ قَائِدُهُمْ "كِتْبُغَا"، وَأُبِيدَ جَيْشُهُمْ عَنْ آخِرِهِ.

وَبَعْدَ أَنِ انْجَلَى الْغُبَارُ، نَزَلَ قُطُزُ عَنْ فَرَسِهِ، وَعَفَّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ سَاجِدًا لِلَّهِ شُكْرًا، بَعْدَ أَنْ حَمَى اللَّهُ بِهَذَا النَّصْرِ الرَّمَضَانِيِّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ فَنَاءٍ مُحَقَّقٍ، وَأَثْبَتَ لِلْعَالَمِ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قَدْ تَمْرَضُ، لَكِنَّهَا لَا تَمُوتُ.

مِنْ تَبُوكَ إِلَى السِّنْدِ.. وَمِنْ "بَلَاطِ الشُّهَدَاءِ" إِلَى "شَقْحَبٍ"

لَمْ يَقْتَصِرِ النَّصْرُ الرَّمَضَانِيُّ عَلَى مَا سَلَفَ، بَلْ امْتَدَّ خَيْطُ النُّورِ لِيَرْبِطَ أَطْرَافَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ.. فَعَلَى صَعِيدِ السِّيرَةِ الْعَطِرَةِ، شَهِدَ رَمَضَانُ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ عَوْدَةَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، بَعْدَ أَنْ مَزَّقَ هَيْبَةَ الرُّومِ دُونَ قِتَالٍ، وَرَسَّخَ قَوَاعِدَ الدَّوْلَةِ، وَفِي الشَّهْرِ نَفْسِهِ بَعَثَ سَرَايَاهُ الْمُبَارَكَةَ لِتُطَهِّرَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ مِنْ رِجْسِ الْأَوْثَانِ، فَهَدَمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ "الْعُزَّى"، وَهَدَمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ "سُوَاعًا"، وَدَكَّ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ "مَنَاةَ"، لِيَصْفُوَ الْجَوُّ لِلتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ.

وَعَلَى تُخُومِ الشَّرْقِ الْبَعِيدِ، وَفِي رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ لِلْهِجْرَةِ، بَرَزَ شَابٌّ فِي مُقْتَبَلِ الْعُمْرِ، لَمْ يَتَجَاوَزِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ، إِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الثَّقَفِيُّ، الَّذِي قَادَ الْجُيُوشَ لِفَتْحِ بِلَادِ السِّنْدِ، فَحَاصَرَ "الدَّيْبُلَ" وَفَتَحَهَا، وَدَانَتْ لَهُ بِلَادُ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ، لِيَدْخُلَ النَّاسُ هُنَاكَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، مُؤَسِّسًا لِحَضَارَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ فِي تِلْكَ الرُّبُوعِ الْآسْيَوِيَّةِ.

وَفِي الْغَرْبِ، كَانَ لِلشَّهَادَةِ طَعْمٌ آخَرُ فِي مَعْرَكَةِ "بَلَاطِ الشُّهَدَاءِ" فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، حَيْثُ وَصَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْغَافِقِيُّ بِجَيْشِهِ إِلَى قَلْبِ فَرَنْسَا، وَرَغْمَ أَنَّ الْمَعْرَكَةَ انْتَهَتْ بِاسْتِشْهَادِهِ وَتَوَقُّفِ الْفَتْحِ، إِلَّا أَنَّهَا ظَلَّتْ شَاهِدًا عَلَى عُلُوِّ الْهِمَّةِ الَّتِي نَاطَحَتِ السَّحَابَ.

حَارِمٌ.. حِطِّينٌ.. شَقْحَبٌ.. سُيُوفٌ لَا تَنْبُو

وَلَمْ تَخْلُ سَاحَاتُ الشَّامِ مِنْ بَرَكَاتِ رَمَضَانَ؛ فَقَدِ انْتَصَرَ السُّلْطَانُ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ فِي مَعْرَكَةِ "حَارِمٍ" سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، حَيْثُ أَسَرَ مُلُوكَ الْفِرِنْجَةِ وَأَذَلَّ كِبْرِيَاءَهُمْ.. ثُمَّ جَاءَ صَلَاحُ الدِّينِ الْأَيُّوبِيُّ لِيُكْمِلَ الْمَسِيرَةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ (وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ) مُكَلِّلًا جُهُودَهُ بِمَلْحَمَةِ "حِطِّينَ" وَمَا تَبِعَهَا مِنْ فُتُوحَاتٍ مَهَّدَتْ لِتَحْرِيرِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

وَفِي مَشْهَدٍ مَهِيبٍ آخَرَ، فِي سَهْلِ "شَقْحَبٍ" قُرْبَ دِمَشْقَ، فِي رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ، الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ بِالتَّتَارِ مَرَّةً أُخْرَى.. وَكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ يَدُورُ بَيْنَ الْجُنُودِ، يَحُثُّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَيُفْتِيهِمْ بِالْفِطْرِ لِيَقْوَوْا عَلَى الْعَدُوِّ، وَيَأْكُلُ أَمَامَهُمْ لِيُطَمْئِنَ قُلُوبَهُمْ، وَيُقْسِمُ بِاللَّهِ: "إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ".. فَتَحَقَّقَ قَسَمُهُ، وَنَصَرَ اللَّهُ عَبِيدَهُ، وَانْكَسَرَ التَّتَارُ كَسْرًا لَمْ يَقُومُوا بَعْدَهُ فِي الشَّامِ.

الخاتمة

خِتَامًا، إِنَّ هَذِهِ الصَّفَحَاتِ الْمُشْرِقَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قِصَصٍ تُحْكَى لِلتَّسْلِيَةِ، بَلْ هِيَ وُقُودٌ لِلْهِمَمِ، وَسِرَاجٌ يُنِيرُ لَنَا الطَّرِيقَ، لِنَعْلَمَ أَنَّ أُمَّتَنَا مَهْمَا كَبَتْ بِهَا الْجِيَادُ، فَإِنَّ فِي رُوحِهَا مَخْزُونًا مِنَ الْعِزَّةِ لَا يَنْفَدُ، يَسْتَمِدُّ بَقَاءَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }.


قائمة المصادر والمراجع

تم استقاء مادة هذه الملحمة التاريخية من بطون أمهات كتب التاريخ والسير، ومن أبرزها:

أولاً: المصادر الحديثية والأصلية:

1. صحيح البخاري؛ للإمام محمد بن إسماعيل البخاري.
2. صحيح مسلم؛ للإمام مسلم بن الحجاج.

ثانياً: كتب السير والتاريخ العام:

3. البداية والنهاية؛ للحافظ ابن كثير (نقل أحداث بدر، القادسية، عين جالوت، شقحب).
4. الكامل في التاريخ؛ لابن الأثير (عمد إليه في تفاصيل فتح عمورية والقادسية).
5. تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري)؛ للإمام الطبري.
6. تاريخ الإسلام؛ للإمام الذهبي.
7. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة؛ لابن تغري بردي (لتفاصيل عين جالوت).
8. السلوك لمعرفة دول الملوك؛ للمقريزي.
9. الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية؛ لأبي شامة المقدسي (لأحداث فتح حارم وحطين).

ثالثاً: المعاجم والكتب المتخصصة:

10. الرحيق المختوم؛ للشيخ صفي الرحمن المباركفوري (المرجع العمدة في السيرة النبوية).
11. معجم البلدان؛ لياقوت الحموي (لضبط أسماء المواضع كحارم وشقحب).
12. التاريخ الأندلسي: من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة؛ للدكتور عبد الرحمن الحجي (من أوثق المراجع في تاريخ الأندلس).
13. الفقه الإسلامي وأدلته؛ للدكتور وهبة الزحيلي.
14. معجم المعارك الحربية؛ لماجد اللحام.
15. موسوعة الحروب؛ لهيثم هلال.
16. العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لابن عبد الهادي (لتفاصيل موقف ابن تيمية في شقحب).

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX