recent
آخر القصص

66 قصة وحكمة ووصية | قصص العظماء والزهاد والأذكياء

نستعرض معكم باقة عطرة من مواقف السلف الصالح في الإخلاص، وعلو الهمة، والزهد. من قصة الإمام الذي صام 40 عاماً دون أن يعلم أهله، إلى ورع محمد بن يوسف الأصبهاني مع الخبازين، ولذة الخمول عند ابن المبارك. نصوص كاملة تروي حكماً ومواعظ تضيء القلوب وتحث على العمل الصالح.
🔊

روائع من حياة السلف: قصص في الإخلاص وعلو الهمة

في هذا المقال، نجمع لكم باقة عطرة من قصص التابعين والصالحين، ومواقفهم في الإخلاص وطلب العلم والزهد، لتكون نبراساً يضيء القلوب ويحث على العمل الصالح.

عبقرية الإخفاء: صيام 40 سنة في الخفاء

الصيام عبادة خفية تتوقف على نية المرء وترك شهواته، كما أنه مدرسة للإخلاص وميدان للتسابق نحو العمل الخفي. وما أشد دهشتنا حينما نرى قامة من قامات التابعين تمارس هذه العبادة الجليلة أربعة عقود كاملة دون أن يدرك أقرب الناس إليه سر صنيعه. إنه الإمام داود بن أبي هند، أحد رجال الزهد والصدق.

الذي ضرب أروع الأمثلة في إخفاء العمل حتى عن أهل بيته الذين يساكنونه. لقد ظل داود بن أبي هند صائماً لله تعالى 40 سنة. نعم 4 عقود، وكأنما كانت حياته كلها يوم عرفة أو يوم عاشوراء، ولم يعلم أحد من أهله بصيامه طوال هذه المدة. فكيف له أن يخفي هذا الأمر العظيم عن زوجه وأولاده الذين يجالسونه يومياً؟ لقد كان الأمر يحتاج إلى عبقرية في الإخفاء وصدق في النية.

كان الإمام داود بن أبي هند يخرج كل صباح إلى سوقه أو مهنته كغيره من الرجال، يأخذ معه غداءه الذي جهزته له زوجه أو أهله في المنزل، فيتوهمون جميعاً أنه مفطر كباقي الناس، وأن هذا الطعام هو زاد يومه. لكنه ما إن يبتعد عن أنظارهم حتى يتصدق بهذا الغداء على فقير أو مسكين محتاج يلقاه، ليتحول طعامه الذي أعد لجوفه إلى صدقة يضاعف أجرها، ثم يرجع آخر النهار إلى بيته عند حلول وقت العشاء.

فيأكل مع أهله طعامهم، وبذلك يكتمل المشهد أمامهم بأنه رجل طبيعي يأكل طعام الغداء والعشاء، وما علموا أنه طوى يومه بجوعه وظمئه، وأن طعام غدائه قد نال به أجر الصدقة ونال بصيامه أجر القربة الخفية. يا له من إخلاص عظيم، يا لها من عزيمة قوية صامتة. لقد كان داود بن أبي هند حريصاً على ألا يفسد عمله الطويل بآفة الشهرة، فكانت أيامه كلها سراً مخبأً شاهداً له بين يدي الله تعالى.

الهروب من الجاه: قصة الإمام والخباز

إن الإمام الصادق لا يكتفي بإخفاء عمله الصالح، بل يتعدى ذلك إلى التحصن من كل ما يخشى أن يكون باباً للدناءة، ولو كان شيئاً يسيراً يتعلق بمعاشه وخبز يومه. ومن هذه القامات الشامخة، نجد الإمام العابد والزاهد الجليل محمد بن يوسف الأصبهاني الذي كان يخاف على دينه حتى من مظاهر التقدير والإجلال.

لقد كان هذا الإمام رحمه الله تعالى في غاية الورع والدقة في التعامل مع أدنى شؤون حياته اليومية. كان يدرك مكانته في نفوس الناس، فهم يعرفونه عالماً ورعاً وإماماً جليلاً. يخشى أن يؤدي هذا التقدير إلى أن ينتقص من حق أحد، أو أن يقع في شبهة أكل الدنيا بالدين. لهذا السبب العجيب كان محمد بن يوسف الأصبهاني لا يشتري خبزه اليومي من خباز واحد بعينه، ولا يستقر على محل بيع واحد. كان يتنقل بين الخبازين والمتاجر ويتباعد بين شرائه حتى لا يعتادوا رؤيته.

وعندما سئل عن هذا الأمر الذي يبدو غريباً في سلوك رجل مثله، أجاب بعبارة تكشف عن عمق ورعه وشدة حرصه، قال لهم: "لعلهم يعرفوني فيجلوني". ثم فصل في سبب هذا التجوال، فقال: "إنه إذا جئت الخباز لأول وهلة، فإنه لا يعرف أني فلان الذي يسمع الناس عن فضله وعلمه، فلا تقع لي المحاباة أو التسهيل أو الزيادة في الوزن على حساب غيري".

كان يخشى النتيجة العظمى لهذا التهاون فيقول: "فأكون بذلك ممن يعيش بدينه". إنه يخشى أن يتلقى معاملة تفضيلية أو زيادة في خبزه مجاناً بسبب شهرته وتقواه، فيكون قد استخدم مكانته الدينية في تحصيل منفعة دنيوية ولو كانت كسرة خبز. يا له من ورع دقيق عظيم. لقد كان يرى أن مجرد القبول بزيادة بسيطة في خبز بسبب جاهه هو بمثابة المشاع على الدين الذي يجب أن يتنزه عنه، فترك المحاباة والمدح ليصون دينه عن كل شائبة.

لذة الخمول: عبد الله بن المبارك والزحام

على النقيض من كل أولئك الذين يتهافتون على الشهرة والجاه، نجد أعلاماً من أئمة الأمة يتلذذون بالخمول، ويعدون العيش الحقيقي هو العيش في ظل التواضع بعيداً عن ثناء الناس وتبجيلهم. لقد كانت هذه صفة الإمام الجامع عبد الله بن المبارك. الذي رأيناه فارساً متخفياً في الميدان، وها نحن نراه زاهداً مزاحماً بين العامة.

يروي لنا أحد رفقائه وهو الحسن مشهداً يلخص فلسفة ابن المبارك في الحياة، فيقول: كنت يوماً مع الإمام عبد الله بن المبارك، فمررنا على سقاية عامة، وهي مكان يرتاده الناس للشراب والارتواء من ماء زلال. كان الناس يتزاحمون على هذه السقاية، وقد أصابهم جميعاً العطش، فدنا منها الإمام ليأخذ نصيبه من الماء كواحد من جموع الحاضرين الذين لا يعرفونه ولا يعرفون قدره.

يقول الحسن: وفي تلك اللحظة لم ينج الإمام من هجمة العوام وتدافعهم، فقد زحموه ودفعوه كأي شخص عادي يحاول الوصول إلى الماء، ولم يجد التوقير ولا التسهيل الذي كان يجده حينما يجلس على كرسي الفتوى والتدريس. ولما خرج الإمام من زحمة الناس وقد نال من الماء بغيته، التفت إلى صاحبه وعلت وجهه ابتسامة هادئة ورضى عجيب، قال له كلمة صارت من الحكم والأمثال: "ما العيش إلا هكذا".

يشرح الحسن قصد الإمام الجليل بهذه الكلمة المدهشة، قائلاً: لقد كان يعني أن العيش الهنيء الصافي هو العيش حيث لم نُعرف ولم ينلنا التقدير والتبجيل. لقد وجد ابن المبارك الراحة والسعادة في أن يعامله الناس معاملة الند للند وأن يزاحموه كما يزاحموا غيره دون أن يعلموا أنه هو الإمام العلم، ليضمن بذلك سلامة قلبه من الاغترار والمن، وأن يكون عمله في الظاهر والباطن لله وحده. هكذا كان الإخلاص في نفوسهم؛ يطلبون الزحام في الدنيا، ليتفردوا بالقبول بإذن الله في الآخرة.

السر المكنون: ليلة في خيمة الجهاد

إن الإخلاص الحقيقي هو الذي لا يطاق صونه إلا بشيء من الحذر والمداراة، حتى لا ينكشف سر العمل الصالح. ها نحن نعود إلى صاحب السر الإمام عبد الله بن المبارك في قصة رواها رفيق دربه في الجهاد، محمد بن أعين.

يقول محمد بن أعين: كنا ذات ليلة ونحن في غزو بلاد الروم والجنود قد استراحوا بعد عناء يوم طويل، فذهب الإمام عبد الله بن المبارك ليضع رأسه على فراشه ليريني أنه ينام ويستريح كباقي المجاهدين. لقد أدرك ابن أعين ما يرمي إليه الإمام، وكأنه شعر بالسر المكنون خلف هذا التظاهر بالنوم، فقرر أن يشاركه في إخفاء السر، فقال: فوضعت رأسي أنا أيضاً على رمحي لأريه أني أنام كذلك.

كانت لعبة صامتة بين رفيقين هدفها واحد. يقول محمد بن أعين: فظن الإمام أني قد نمت واستغرقت في النوم، فقام بعد حين وأخذ في صلاته ينادي ربه بقلب خاشع يتهجد ويقف لله تعالى سراً وقد أظلم المكان وبات الجميع غارقين في نومهم. بقي ابن أعين يرقبه وهو على وضعه قائماً لا ينام، يرمقه بعينه. ظل الإمام على حاله يصلي خاشعاً حتى طلع الفجر، فكانت ليلة كاملة قضاها الإمام بين يدي ربه، وهو يظن أنه وحيد لا يراه إلا خالقه.

فلما طلع الفجر أيقظه الإمام بلطف، وهو لا يزال يظن أنه كان نائماً، قال له: "يا محمد". فرد عليه ابن أعين صراحة، كانت صراحته هذه بمثابة كشف للسر الذي بذل الإمام حياته لإخفائه، فقال محمد: "إني لم أنم".

يقول محمد بن أعين: فلما سمعها مني ما رأيته بعد ذلك يكلمني ولا ينبسط إلي في شيء من غزاته كلها. لقد تغيرت معاملة الإمام تماماً كأنه لم يعجبه ذلك مني لما فطنت له من العمل الصالح الذي كان يحرص أن يكون بينه وبين ربه وحده. يختم محمد بن أعين شهادته بعبارة جامعة: "فلم أزل أعرفها فيه حتى مات، ولم أر رجلاً أسر بالخير منه".

خطبة قس بن ساعدة في سوق عكاظ

"أيها الناس، اجتمعوا واسمعوا وعوا. من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. أما بعد.. فإن في السماء لخبراً وإن في الأرض لعبراً؛ نجوم تغور، وبحار تمور ولا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع. أقسم قس قسماً بالله وما أثم، لتطلبن من الأمر شحطاً، ولئن كان بعض الأمر رضا، إن لله في بعضه سخطاً، وما بهذا لعب، وإن من وراء هذا عجباً. يا معشر إياد، أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ أين المعروف الذي لم يشكر والظلم الذي لم ينكر؟ أقسم قس قسماً بالله وما أثم، إن لله ديناً هو أرضى من دين نحن عليه".

الغلام الفصيح والخليفة هشام

حكي أن البادية قحطت في أيام هشام، فقدمت عليه العرب فهابوا أن يكلموه، وكان فيهم درواس بن حبيب، وهو ابن ست عشرة سنة، له ذؤابة وعليه شملتان. فوقعت عليه عين هشام، فقال لحاجبه: ما شاء أحد أن يدخل علي إلا دخل حتى الصبيان! فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقاً فقال: "يا أمير المؤمنين، إن للكلام نشراً وطياً، وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره، فإن أذن لي أمير المؤمنين أن أنشره نشرته". فأعجب بكلامه وقال له: انشره لله درك.

فقال: "يا أمير المؤمنين، إنه أصابتنا سنون ثلاث؛ سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة دقت العظم. وفي أيديكم فضول مال؛ فإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين". فقال هشام: ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذراً. فأمر للبوادي بمئة ألف دينار، وله بمئة ألف درهم.

دهاء وبلاغة الملوك

قيل للرشيد: إن عبد الملك بن صالح يعد كلامه ويفكر فيه، فلذلك بانت بلاغته. فأنكر ذلك الرشيد وقال: هو طبع فيه. ثم أمسك حتى جاء يوماً ودخل عبد الملك، فقال الرشيد للفضل بن الربيع: إذا قرب من سريري فقل له "ولد لأمير المؤمنين في هذه الليلة ابن ومات له ابن".

فقال له الفضل ذلك، فدنا عبد الملك، فقال: "يا أمير المؤمنين، سرك الله فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرك، وجعلها واحدة بواحدة، ثواب الشاكرين وأجر الصابرين". فلما خرج قال الرشيد: أهذا الذي زعموا أنه يتصنع للكلام؟ ما رأى الناس أطبع من عبد الملك في الفصاحة قط.

حوار الأجيال: 8 مسائل تلخص الحياة

سأل أحد العلماء تلميذه: منذ متى صاحبتني؟ فقال التلميذ: منذ 33 سنة. فقال العالم: فما تعلمت مني في هذه المدة؟ فقال التلميذ: 8 مسائل.

  • الأولى: نظرت إلى الخلق، فرأيت كل واحد يتخذ صاحباً، فإذا ذهب إلى القبر فارقه صاحبه، فصاحبت الحسنات، فإذا دخلت القبر دخلت معي.
  • الثانية: نظرت في قول الله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}، فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله.
  • الثالثة: نظرت إلى الخلق، فرأيت أن كل من معه شيء له قيمة حفظه حتى لا يضيع، ثم نظرت إلى قول الله تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق}، فكلما وقع في يدي شيء له قيمة وجهته لله ليحفظه عنده.
  • الرابعة: نظرت إلى الخلق، فرأيت كلاً يتباهى بماله أو حسبه أو نسبه، ثم نظرت إلى قول الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، فاجتهدت في تحصيل التقوى حتى أكون عند الله كريماً.
  • الخامسة: نظرت إلى الخلق وهم يتحاسدون على نعيم الدنيا، فنظرت إلى قول الله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا}، فعلمت أن القسمة من عند الله فتركت الحسد عني ورضيت بما قسمه الله لي لأكون أغنى الناس.
  • السادسة: نظرت إلى الخلق يعادي بعضهم بعضاً، ونظرت إلى قول الله تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً}، فتركت عداوة الخلق وتفرغت لعداوة الشيطان وحده لعلمي أنه العدو الأكبر.
  • السابعة: نظرت إلى الخلق، فرأيت كل واحد منهم يكابد نفسه في طلب الرزق، فنظرت إلى قول الله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}، فاشتغلت بمال الله علي، وتركت مالي عنده، وأعلم أنه لا شك رازقي.
  • الثامنة: نظرت إلى الخلق، فرأيت كل مخلوق منهم متوكلاً على مخلوق مثله، ونظرت إلى قول الله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}، فتركت التوكل على المخلوق، واجتهدت في التوكل على الله الخالق.

روائع الشعر في الزهد واليقين

إن كنت تغدو في الذنوب جليداً *** وتخاف في يوم المعاد وعيداً
فلقد أتاك من المهيمن عفوه *** وأفاض من نعم عليك مزيداً
لا تيأسن من لطف ربك في الحشا *** في بطن أمك مضغة ووليداً
لو شاء أن تصلى جهنم خالداً *** ما كان ألهم قلبك التوحيداً
إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفاً *** فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحة *** وفي القلب صبر للحبيب وإن جفا
سلام على الدنيا إذا لم يكن بها *** صديق صدوق صادق الوعد منصفاً

درر الحكم: أقوال مأثورة في النية والعمل

  • أبو الدرداء: "أخوف ما أخاف أن يقال لي يوم القيامة: أعلمت أم جهلت؟ فإن قلت علمت، لا تبقى آية آمرة أو زاجرة إلا أخذت بفريضتها... فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ونفس لا تشبع".
  • عبد الله بن عمر: "إن الناس قد أحسنوا القول، فمن وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه، ومن لا يوافق قوله فعله فذاك الذي يوبخ نفسه".
  • ابن القيم: "العمل بغير إخلاص ولا اقتداء، كالمسافر يملأ جرابه رملاً، يثقله ولا ينفع".

ختاماً

قال سعيد بن جبير: "لا يزال الرجل عالماً ما تعلم، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده، فهو أجهل ما يكون".

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX