recent
آخر القصص

قصة اللغز الذي كاد أن يُفقد جحا عقله.. أين اختفى الحمار التاسع؟!

نستعرض معكم نادرة من نوادر جحا "الحمار الناقص"، حيث واجه لغزاً عجيباً في عدّ حمير القافلة. قصة تجمع بين الفكاهة والحكمة، وتكشف كيف يمكن للغفلة أن تحجب عنا الحقائق القريبة جداً منا. نص كامل يوثق رحلة القافلة إلى الطاحونة، وتدخل الرجل الحكيم لحل اللغز، والدروس المستفادة في تغيير زاوية النظر للأمور.
🔊

جحا والحمار الناقص: حين تضيع الحقيقة تحت أقدام الغفلة

بَابُ التَّكْلِيفِ بِالْمُهِمَّةِ وَرِحْلَةِ الْقَوَافِلِ الْمُهِمَّةِ

يُحْكَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَسْرَارِ الْغَيْبِ وَخَفَايَا الصُّدُورِ، أَنَّهُ فِي زَمَانٍ غَابِرٍ، حَيْثُ كَانَتِ الْأَيَّامُ تَمْضِي بِسُكُونٍ، وَالْأَعْمَالُ تَتَوَالَى بِتَعَاوُنٍ وَتَكَاتُفٍ، كَانَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْبَلْدَةِ الَّتِي يَقْطُنُهَا شَيْخُنَا (جُحَا)، أَنْ يَتَدَاوَلُوا مُهِمَّةً عَظِيمَةً بَيْنَهُمْ. تِلْكَ الْمُهِمَّةُ لَمْ تَكُنْ خَوْضَ غِمَارِ حَرْبٍ، وَلَا قِيَادَةَ جَيْشٍ، بَلْ كَانَتْ أَمْرًا يَمَسُّ الْقُوتَ وَالْعَصَبَ؛ وَهِيَ جَمْعُ مَحَاصِيلِ الْقَمْحِ كُلَّ أُسْبُوعٍ، وَالسَّيْرُ بِهَا ضُحًى نَحْوَ الْبَلْدَةِ الْمُجَاوِرَةِ، حَيْثُ رَحَى الطَّاحُونَةِ الَّتِي لَا تَهْدَأُ، لِتَحْوِيلِ تِلْكَ السُّنْبُلَاتِ الذَّهَبِيَّةِ إِلَى دَقِيقٍ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ، تَقَرُّ بِهِ عُيُونُ النِّسَاءِ فِي الْمَخَابِزِ، وَتَمْتَلِئُ بِهِ الْبُطُونُ الْخَاوِيَةُ.

وَدَارَتْ عَجَلَةُ الْأَيَّامِ، حَتَّى حَلَّ يَوْمٌ مَوْعُودٌ، جَاءَتْ فِيهِ النَّوْبَةُ عَلَى صَاحِبِنَا (جُحَا)، لِيَحْمِلَ أَمَانَةَ الْبَلْدَةِ عَلَى كَاهِلِهِ. فَتَجَمْهَرَ أَهَالِي الدَّارِ تَبَعًا لِذَلِكَ، وَسَاقُوا تِسْعَةَ حَمِيرٍ قَوِيَّةِ الْبُنْيَانِ، شَدِيدَةِ الْمِرَاسِ، قَدْ نَاءَتْ ظُهُورُهَا بِأَكْيَاسِ الْقَمْحِ الْمُكَدَّسَةِ.

وَهُنَا، تَقَدَّمَ عُمْدَةُ الْبَلْدَةِ، رَجُلٌ مَهِيبُ الطَّلْعَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، فَنَظَرَ إِلَى جُحَا نَظْرَةً حَادَّةً تَخْتَرِقُ الْأَعْمَاقَ، وَقَالَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ يَشُوبُهُ التَّحْذِيرُ: "اسْمَعْ يَا رَجُلُ! إِلَيْكَ سَلَّمْنَا أَرْوَاحَنَا وَقُوتَنَا فِي هَذِهِ الْقَافِلَةِ الْمُكَوَّنَةِ مِنْ تِسْعَةِ حَمِيرٍ. فَبِاللَّهِ عَلَيْكَ، ثُمَّ بِاللَّهِ عَلَيْكَ، إِيَّاكَ أَنْ يَطِيشَ لَكَ عَقْلٌ، أَوْ يَغْفُلَ لَكَ جَفْنٌ! كُنْ لَهَا حَارِسًا كَمَا تَحْرُسُ الْعَيْنُ بَؤْبُؤَهَا، فَلَا نُرِيدُ أَنْ نَفْقِدَ حِمَارًا وَاحِدًا، وَلَا حَبَّةَ قَمْحٍ فِي دُرُوبِ السَّفَرِ!"

ابْتَسَمَ جُحَا ابْتِسَامَةَ الْوَاثِقِ الْمُجَرِّبِ، وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ، وَرَدَّ قَائِلًا وَنَبْرَةُ الْفَخْرِ تَمْلأُ صَوْتَهُ: "اطْمَئِنَّ يَا سَيِّدِي الْعُمْدَةَ! نَمْ قَرِيرَ الْعَيْنِ أَنْتَ وَأَهْلُ الْبَلْدَةِ. فَوَاللَّهِ لَأَسُوقَنَّهَا سَوْقًا رَفِيقًا، وَلَأَعُودَنَّ بِهَا كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، مُحَمَّلَةً بِالدَّقِيقِ النَّاعِمِ، لِتَعْبَقَ بُيُوتُكُمْ بِرَائِحَةِ الْخُبْزِ الطَّازَجِ وَالْفَطَائِرِ الشَّهِيَّةِ الَّتِي تَسُرُّ النَّاظِرِينَ!"

وَدَّعَ الْجَمِيعُ جُحَا بِالدَّعَوَاتِ، فَامْتَطَى صَهْوَةَ أَحَدِ تِلْكَ الْحَمِيرِ، وَسَاقَ الثَّمَانِيَةَ الْبَاقِيَةَ أَمَامَهُ، وَسَارَ فِي الدَّرْبِ الطَّوِيلِ، يَقْطَعُ الْبِيدَاءَ، وَالشَّمْسُ تُرْسِلُ أَشِعَّتَهَا الذَّهَبِيَّةَ عَلَى ظَهْرِ الْقَافِلَةِ الصَّغِيرَةِ. وَبَيْنَمَا كَانَ الطَّرِيقُ يَمْتَدُّ وَيَمْتَدُّ، وَرَتَابَةُ السَّيْرِ تُورِثُ الْمَلَلَ، خَطَرَ فِي بَالِ جُحَا خَاطِرٌ حَذِرٌ؛ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: "لِأُعِدَّ هَذِهِ الدَّوَابَّ، فَلَعَلَّ ذِئْبًا غَادِرًا أَوِ انْشِغَالًا طَارِئًا قَدْ أَذْهَبَ بِأَحَدِهَا!". فَالْتَفَتَ يَمِينًا وَيَسَارًا، وَبَدَأَ يُحْصِي الْحَمِيرَ الَّتِي تَسِيرُ أَمَامَهُ: "وَاحِدٌ.. اثْنَانِ.. ثَلَاثَةٌ.." حَتَّى بَلَغَ نِهَايَةَ الْعَدِّ، فَإِذَا بِهَا.. ثَمَانِيَةٌ فَقَطْ!

بَابُ الْحِمَارِ الْعِفْرِيتِ وَذَهَابِ الْعَقْلِ بِالتَّشْتِيتِ

صُعِقَ جُحَا، وَطَارَ صَوَابُهُ، وَزَاغَ بَصَرُهُ، وَشَعَرَ بِأَنَّ قَلْبَهُ يَكَادُ يَقْفِزُ مِنْ بَيْنِ ضُلُوعِهِ! فَقَالَ فِي نَفْسِهِ مَذْعُورًا وَقَدْ تَمَلَّكَهُ الْهَلَعُ: "يَا وَيْلَتَا! يَا خَرَابَ الدِّيَارِ! أَيْنَ ذَهَبَ الْحِمَارُ التَّاسِعُ؟ كَيْفَ سَأُقَابِلُ أَهْلَ الْبَلْدَةِ وَقَدْ خُنْتُ الْأَمَانَةَ وَضَيَّعْتُ الدَّابَّةَ؟ لَقَدْ حَذَّرَنِي الْعُمْدَةُ فَمَا رَعَيْتُ عَهْدَهُ!" أَوْقَفَ جُحَا الْقَافِلَةَ عَلَى عَجَلٍ، وَتَرَجَّلَ عَنْ حِمَارِهِ مَذْعُورًا، وَطَفِقَ يَرْكُضُ يَمِينًا وَيَسَارًا كَالْمَلْسُوعِ، يَبْحَثُ خَلْفَ الْأَشْجَارِ الْمُتَنَاثِرَةِ، وَيَسْتَطْلِعُ خَبَايَا الصُّخُورِ وَالتِّلَالِ، وَلَكِنْ دُونَ جَدْوَى، فَلَا أَثَرَ لِحِمَارٍ شَارِدٍ، وَلَا صَوْتَ لِدَابَّةٍ ضَائِعَةٍ.

وَقَفَ جُحَا يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ الْمُتَلَاحِقَةَ، وَقَرَّرَ أَنْ يُعِيدَ حِسَابَ الْقَافِلَةِ، فَأَشَارَ بِسَبَّابَتِهِ نَحْوَ الْحَمِيرِ، صَائِحًا بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ: "وَاحِدٌ، اثْنَانِ، ثَلَاثَةٌ... ثَمَانِيَةٌ، تِسْعَةٌ!". تِسْعَةُ حَمِيرٍ بِالتَّمَامِ وَالْكَمَالِ تَقِفُ أَمَامَهُ تَمْضُغُ بَعْضَ الْحَشَائِشِ! فَمَسَحَ عَرَقَ جَبِينِهِ، وَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، وَانْفَرَجَتْ أَسَارِيرُهُ وَقَالَ مُبْتَسِمًا: "سُبْحَانَ اللَّهِ! يَبْدُو أَنَّ التَّعَبَ قَدْ نَالَ مِنِّي، أَوْ أَنَّ الشَّمْسَ لَعِبَتْ بِبَصَرِي، فَأَخْطَأْتُ الْحِسَابَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى".

عَادَ صَاحِبُنَا فَامْتَطَى صَهْوَةَ حِمَارِهِ مُطْمَئِنَّ الْبَالِ، وَهَزَّ رِجْلَيْهِ لِيَحُثَّ الْقَافِلَةَ عَلَى الْمَسِيرِ، فَمَضَتِ الْحَمِيرُ تَتَبَخْتَرُ فِي مَشْيِهَا. وَمَا إِنْ سَارَ مَسَافَةً قَلِيلَةً حَتَّى عَاوَدَهُ شَيْطَانُ الشَّكِّ، فَوَسْوَسَ لَهُ أَنْ يَتَيَقَّنَ مَرَّةً أُخْرَى قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الطَّاحُونَةِ. فَالْتَفَتَ إِلَى الْخَلْفِ -وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى ظَهْرِ حِمَارِهِ- وَبَدَأَ يَعُدُّ مِنْ جَدِيدٍ... فَإِذَا بِالْفَاجِعَةِ تَتَكَرَّرُ وَالْكَارِثَةِ تَحُلُّ! "إِنَّهَا ثَمَانِيَةُ حَمِيرٍ فَقَطْ!". بُهِتَ جُحَا، وَفَغَرَ فَاهُ مِنْ شِدَّةِ الدَّهْشَةِ، وَتَحَدَّثَ إِلَى نَفْسِهِ بِغَضَبٍ يَشُوبُهُ الْحَيْرَةُ: "وَيْحِي! مَا هَذِهِ اللَّعْبَةُ السَّخِيفَةُ الَّتِي يَلْعَبُهَا مَعِي هَذَا الْحِمَارُ التَّائِه؟! أَيُجَنِّنُنِي أَمْ يَسْخَرُ مِنِّي فِي هَذِهِ الْفَلَاةِ؟".

قَفَزَ جُحَا إِلَى الْأَرْضِ مَرَّةً ثَالِثَةً، وَأَخَذَ يَعُدُّهَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى قَدَمَيْهِ، فَإِذَا بِهَا -يَا لَلْعَجَبِ- تِسْعَةُ حَمِيرٍ، لَا يَنْقُصُ مِنْهَا شَيْءٌ! كَادَ عَقْلُهُ أَنْ يَطِيرَ شَعَاعًا، وَشَعَرَ أَنَّ جِنِّيًّا مِنَ الْجَانِّ الْخَفِيِّ، أَوْ خَيَالًا مِنَ السِّحْرِ يُدَاعِبُهُ وَيَتَلَاعَبُ بِحَوَاسِّهِ. فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ تَرَكَ قِيَادَةَ الْقَافِلَةِ، وَتَرَبَّعَ عَلَى التُّرَابِ، مُعْتَمِدًا عَلَى عَصَاهُ، وَشَخَصَ بِبَصَرِهِ نَحْوَ الْحَمِيرِ، يُرَاقِبُهَا بِحَذَرٍ قَائِلًا بِنَبْرَةِ الْمُتَحَدِّي: "وَاللَّهِ لَأَجْلِسَنَّ هُنَا يَقِظًا، عَيْنِي لَا تَطْرِفُ، حَتَّى أَرَى بِأُمِّ عَيْنِي كَيْفَ يَنْشَقُّ الْفَضَاءُ، وَيَخْتَفِي هَذَا الْحِمَارُ الْعِفْرِيتُ عَنِ الْأَنْظَارِ!".

بَابُ الرَّجُلِ الْحَكِيمِ وَانْكِشَافِ اللُّغْزِ الْعَظِيمِ

وَبَعْدَ أَنْ طَالَ بِجُحَا الْمَقَامُ مُتَرَبِّعًا عَلَى التُّرَابِ، وَلَمْ يُبْصِرْ سِحْرًا وَلَا اخْتِفَاءً، نَهَضَ يَنْفُضُ الْغُبَارَ عَنْ ثِيَابِهِ، وَرَكِبَ حِمَارَهُ مُسْتَعِيذًا بِاللَّهِ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَسَاقَ الْحَمِيرَ أَمَامَهُ لِيُدْرِكَ مَا فَاتَهُ مِنَ الْوَقْتِ. وَفِي مُنْتَصَفِ الدَّرْبِ، أَبَتْ نَفْسُهُ الْمُتَشَكِّكَةُ إِلَّا أَنْ تَعُدَّ الْقَطِيعَ لِلْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ! فَالْتَفَتَ يَعُدُّ.. وَيَا لَلْمُصِيبَةِ، إِنَّهَا ثَمَانِيَةٌ لَا تَزِيدُ!

فَأَوْقَفَ الْقَافِلَةَ، وَقَدْ بَلَغَ بِهِ الْغَيْظُ وَالْحَنَقُ مَبْلَغَهُ، وَإِذَا بِرَجُلٍ عَجُوزٍ، قَدْ خَطَّ الشَّيْبُ لِحْيَتَهُ، وَوَقَّرَتِ الْحِكْمَةُ مَشْيَتَهُ، يُقْبِلُ عَلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ. فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ، رَأَى حَيْرَةَ جُحَا وَاضْطِرَابَهُ، فَسَأَلَهُ مُسْتَفْسِرًا بِنَبْرَةٍ حَانِيَةٍ: "مَا خَطْبُكَ يَا عَابِرَ السَّبِيلِ؟ وَمَا سَبَبُ حَيْرَتِكَ فِي هَذِهِ الْفَلَاةِ؟" فَأَجَابَهُ جُحَا بِصَوْتٍ مَخْنُوقٍ بِالْقَهْرِ، بَعْدَ أَنْ نَزَلَ مِنْ فَوْقِ ظَهْرِ حِمَارِهِ: "يَا عَمُّ، أَلَا يَكْفِينِي بَنُو الْبَشَرِ بِمَكْرِهِمْ؟ حَتَّى الْحَمِيرُ تُرِيدُ أَنْ تَعْبَثَ بِعَقْلِي وَتَسْخَرَ مِنِّي!!". فَتَبَسَّمَ الْعَجُوزُ بِتَعَجُّبٍ وَقَالَ: "وَمَا شَأْنُ الْحَمِيرِ بِكَ يَا رَجُلُ؟ إِنَّهَا دَوَابُّ بَهْمَاءُ لَا تَفْهَمُ مَكْرًا وَلَا كَيْدًا!". قَالَ جُحَا مُشْتَكِيًا: "وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا حَكِيمُ، وَعِنْدِي حِمَارٌ عِفْرِيتٌ، يَخْتَفِي تَارَةً، وَيَظْهَرُ تَارَةً أُخْرَى؟!". وَسَرَدَ عَلَيْهِ مُعَانَاتَهُ.

فَنَظَرَ الْعَجُوزُ إِلَى الْقَافِلَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يَعُدُّهَا بِصَوْتٍ عَالٍ، ثُمَّ ضَحِكَ ضِحْكَةً رَدَّدَتْهَا أَصْدَاءُ الصَّحْرَاءِ، وَقَالَ: "يَا هَذَا! لَقَدْ عَدَدْتُهَا السَّاعَةَ، فَوَجَدْتُهَا تِسْعَةً بِالتَّمَامِ وَالْكَمَالِ، لَا تَنْقُصُ شَعْرَةً أَوْ قَطْرَةً! هَيَّا ارْكَبْ حِمَارَكَ، وَتَوَكَّلْ عَلَى خَالِقِكَ، وَلَا تَدَعْ وَهْمَ الشَّيْطَانِ يَعْبَثُ بِأَفْكارِكَ!". رَكِبَ جُحَا حِمَارَهُ، وَسَارَ خُطْوَتَيْنِ، ثُمَّ الْتَفَتَ يَعُدُّهَا وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى عَادَتِهِ، فَوَجَدَهَا ثَمَانِيَةً! فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ مُسْتَغِيثًا بِالْعَجُوزِ قَبْلَ أَنْ يَبْتَعِدَ، مُلَوِّحًا بِيَدِهِ: "يَا حَكِيمُ! يَا حَكِيمُ! أَدْرِكْنِي.. انْظُرْ بِنَفْسِكَ، إِنَّهَا مَا زَالَتْ ثَمَانِيَةً، وَوَاللَّهِ لَسْتُ بِوَاهِمٍ وَلَا مَجْنُونٍ!".

هُنَا اقْتَرَبَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ، وَقَدْ أَدْرَكَ السِّرَّ الدَّفِينَ وَالْعِلَّةَ الْخَفِيَّةَ، فَرَبَتَ عَلَى كَتِفِ جُحَا، وَقَالَ وَالِابْتِسَامَةُ لَا تُفَارِقُ شَفَتَيْهِ: "يَا أَخَا الْعَرَبِ، إِنَّك بِصِحَّةِ عَقْلٍ وَسَلَامَةِ بَصَرٍ، وَلَكِنَّ آَفَتَكَ أَنَّكَ حِينَ تَعُدُّ الْحَمِيرَ وَأَنْتَ وَاقِفٌ عَلَى الْأَرْضِ، تَعُدُّهَا كُلَّهَا فَتَكُونُ تِسْعَةً.. أَمَّا إِذَا امْتَطَيْتَ الصَّهْوَةَ، فَإِنَّكَ تَعُدُّ الَّتِي تَمْشِي أَمَامَكَ، وَتَنْسَى أَنْ تَعُدَّ الْحِمَارَ الَّذِي تَجْلِسُ فَوْقَ ظَهْرِهِ! وَهَذَا هُوَ سِرُّ نُقْصَانِهَا!".

وَمَا إِنْ سَمِعَ جُحَا هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، حَتَّى كَأَنَّمَا رُفِعَتْ عَنْ عَيْنَيْهِ غِشَاوَةٌ كَثِيفَةٌ! فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى جَبِينِهِ ضَرْبَةً قَوِيَّةً رَنَّتْ مِثْلَ الطَّبْلِ، وَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ مُسْرِعًا، فَقَبَّلَ رَأْسَ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ طَرَبًا وَشُكْرًا، وَقَدْ غَمَرَتْهُ سَعَادَةٌ بَالِغَةٌ بِنَجَاةِ عَقْلِهِ وَحِفْظِ أَمَانَتِهِ. وَدَّعَ جُحَا الْحَكِيمَ، وَأَتَمَّ رِحْلَتَهُ بِسَلَامٍ حَتَّى بَلَغَ الطَّاحُونَةَ، فَطَحَنَ الْقَمْحَ، ثُمَّ قَفَلَ رَاجِعًا إِلَى بَلْدَتِهِ بِمَوْكِبِهِ الْمَيْمُونِ، يَقْدُمُهُمُ الْبَيَاضُ.

فَلَمَّا دَخَلَ الْبَلْدَةَ، اسْتَقْبَلَهُ أَهْلُهَا بِالتَّرْحَابِ وَالتَّهْلِيلِ. وَهُنَا تَقَدَّمَ الْعُمْدَةُ يَسْأَلُهُ عَنْ مَشَاقِّ السَّفَرِ وَأَهْوَالِ الدَّرْبِ. فَاعْتَدَلَ جُحَا وَقَدْ تَقَمَّصَ ثَوْبَ الْفَلَاسِفَةِ، وَأَجَابَهُ بِمَقُولَةٍ خُلِّدَتْ فِي مَجَالِسِ الْقَوْمِ: "يَا سَيِّدِي الْعُمْدَةَ! مَا أَكْثَرَ الْمَصَاعِبَ الْبَشَرِيَّةَ الَّتِي نَجْلِبُهَا لِأَنْفُسِنَا، حِينَ تُحْجَبُ الْحَقِيقَةُ عَنْ عُقُولِنَا بِحِجَابِ الْغَفْلَةِ! فَلَقَدْ كِدْتُ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، أَخْسَرُ حِمَارًا لَا لِأَنَّهُ ضَاعَ.. بَلْ لِأَنَّنِي كُنْتُ أَرْكَبُهُ فَلَمْ أُبْصِرْهُ!".


الْفَوَائِدُ الْفَرِيدَةُ وَالدُّرَرُ الْمُفِيدَةُ مِنْ حِكَايَةِ "الْحِمَارِ النَّاقِصِ":

١. الْبَحْثُ فِي الْبَعِيدِ وَإِغْفَالُ الْقَرِيبِ: كَثِيرًا مَا يُسَيْطِرُ الْوَهْمُ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَيَبْحَثُ عَنْ حُلُولٍ لِمَشَاكِلِهِ فِي الْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ، بَيْنَمَا يَكُونُ الْحَلُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُبْصِرُهُ لِفَرْطِ قُرْبِهِ مِنْهُ.
٢. خُطُورَةُ حِجَابِ الْغَفْلَةِ: لَيْسَ كُلُّ غُمُوضٍ نَاتِجًا عَنْ سِحْرٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الْخَلَلُ مُجَرَّدَ خَطَأٍ فِي "زَاوِيَةِ النَّظَرِ" الَّتِي نَرَى بِهَا الْأُمُورَ.
٣. فَضْلُ الْمُسْتَشَارِ وَالنَّاظِرِ مِنَ الْخَارِجِ: لَمْ يَسْتَطِعْ جُحَا أَنْ يَكْتَشِفَ خَطَأَهُ لِأَنَّهُ "جُزْءٌ مِنَ الْمُشْكِلَةِ"، بَيْنَمَا اسْتَطَاعَ الْعَجُوزُ حَلَّ اللُّغْزِ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ لِلْمَشْهَدِ مِنْ "خَارِجِ الْإِطَارِ".
٤. الِاعْتِرَافُ بِالْخَطَأِ فَضِيلَةٌ تُنْجِي: جُحَا لَمْ يُكَابِرْ بَلْ فَرِحَ وَاعْتَرَفَ بِفَضْلِ مُنْقِذِهِ؛ فَالْبَحْثُ عَنِ الْحَقِيقَةِ أَهَمُّ مِنَ الِانْتِصَارِ لِلذَّاتِ.

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX