recent
آخر القصص

ليس عنترة بن شداد.. خفاف بن ندبة "غراب العرب" الذي تحوّل إلى كابوس الأعداء!

نستعرض معكم السيرة المنسية لغراب العرب المغوار، فارس بني سليم وشاعرها خفاف بن ندبة السلمي. قصة رجل صنع من نسبه المظلم مجداً أضاء صفحات التاريخ، وخاض أعنف النقائض الشعرية ضد العباس بن مرداس، وثأر لمقتل ابن عمهم معاوية، قبل أن ينضوي تحت لواء الإسلام ويحمل راية الفتح يوم فتح مكة ويثبت في حروب الردة. نص كامل يوثق حياته وشعره ومصالحه العلمية.
🔊

خفاف بن ندبة السلمي: غراب العرب وفارس بني سليم المغوار

مَاذَا لَوْ قُلْتُ لَكَ إِنَّ أَحَدَ أَشْجَعِ فُرْسَانِ الْعَرَبِ، وَأَكْثَرَهُمْ مَهَابَةً، وَأَفْصَحَهُمْ لِسَانًا، لَمْ يُخَلَّدْ فِي التَّارِيخِ بِاسْمِ أَبِيهِ كَمَا هِيَ عَادَةُ سَادَةِ الْقَبَائِلِ، بَلْ حَمَلَ اسْمَ أُمِّهِ الْحَبَشِيَّةِ السَّوْدَاءِ، لِيَجْعَلَ مِنْهُ أُسْطُورَةً تَرْتَعِدُ لَهَا فَرَائِصُ الْأَبْطَالِ؟

تَخَيَّلْ مَعِي.. كُتْلَةً مِنَ اللَّهَبِ الْأَسْوَدِ يَمْتَطِي صَهْوَةَ الْمَوْتِ، يَشُقُّ صُفُوفَ الْأَعْدَاءِ بِسَيْفٍ قَاطِعٍ، وَيُلْجِمُ خُصُومَهُ بِقَوَافٍ كَأَنَّهَا الشُّوَاظُ! رَجُلٌ لَمْ يَمْنَعْهُ لَوْنُهُ الْحَالِكُ مِنْ أَنْ يَنْتَزِعَ سِيَادَةَ قَوْمِهِ غِلَابًا، فَأَشْعَلَ أَعْنَفَ النَّقَائِضِ الشِّعْرِيَّةِ، وَأَقْسَمَ يَمِينًا مُرْعِبَةً بِأَنْ يَقْطِفَ رَأْسَ سَيِّدِ أَعْدَائِهِ بِيَدَيْهِ ثَأْرًا لِابْنِ عَمِّهِ.. ثُمَّ، وَفِي لَحْظَةٍ فَاصِلَةٍ مِنَ التَّارِيخِ، يَتَحَوَّلُ هَذَا الْبُرْكَانُ الْجَاهِلِيُّ إِلَى فَارِسٍ مِنْ فُرْسَانِ النُّورِ، يَحْمِلُ لِوَاءَ الْقَبِيلَةِ خَفَّاقًا فِي مَقْدَمَةِ جَيْشِ الْمُصْطَفَى يَوْمَ الْفَتْحِ الْأَعْظَمِ، ثُمَّ يَقِفُ كَالطَّوْدِ الشَّامِخِ حِينَ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ!

نَحْنُ الْيَوْمَ لَسْنَا أَمَامَ قِصَّةِ عَنْتَرَةَ بْنِ شَدَّادٍ، بَلْ أَمَامَ مَلْحَمَةِ رَجُلٍ صَنَعَ مِنْ "نَسَبِهِ الْمُظْلِمِ" مَجْدًا أَضَاءَ صَفَحَاتِ التَّارِيخِ.. فَأَرْهِفُوا السَّمْعَ، وَاسْتَعِدُّوا لِاسْتِنْشَاقِ غُبَارِ الْمَعَارِكِ وَرَحِيقِ الْبَيَانِ، فِي السِّيرَةِ الْمَنْسِيَّةِ لِغُرَابِ الْعَرَبِ الْمِغْوَارِ؛ فَارِسِ بَنِي سُلَيْمٍ وَشَاعِرِهَا: "خُفَافِ بْنِ نُدْبَةَ السُّلَمِيِّ"!

الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: نَشْأَةُ فَارِسٍ مِنْ رَحِمِ الصَّحْرَاءِ

فِي قَلْبِ الصَّحْرَاءِ الْعَرَبِيَّةِ الْقَاحِلَةِ، حَيْثُ تَتَلَاشَى الْأَسْمَاءُ الْوَاهِنَةُ مَعَ سَوَافِي الرِّيَاحِ، وَتُخَلَّدُ مَآثِرُ الْأَبْطَالِ بِمِدَادٍ مِنَ الدَّمِ عَلَى شِفَاهِ الرُّوَاةِ، تَبْرُزُ قِصَّةُ فَارِسٍ لَمْ يَكُنْ كَغَيْرِهِ مِنَ الرِّجَالِ. هُوَ بَطَلٌ نَحَتَ مَجْدَهُ بِحَدِّ سَيْفِهِ، وَخَلَّدَ ذِكْرَهُ بِسِحْرِ بَيَانِهِ، فِي عَصْرٍ جَاهِلِيٍّ قَاسٍ لَا يَعْتَرِفُ إِلَّا بِسَطْوَةِ الْقُوَّةِ وَذَلَاقَةِ اللِّسَانِ.

إِنَّهُ "خُفَافُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ السُّلَمِيُّ"، الْفَارِسُ الْمِغْوَارُ، وَالشَّاعِرُ الْمُفْلِقُ، الَّذِي انْحَدَرَ مِنْ أَعْرَقِ بُيُوتَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ، تِلْك الْقَبِيلَةِ الْمُضَرِيَّةِ مَهِيبَةِ الْجَانِبِ، الَّتِي طَالَمَا ضُرِبَ بِهَا الْمَثَلُ فِي الْفُرُوسِيَّةِ وَقُوَّةِ الْمِرَاسِ. وَهُوَ بِذَلِك سَلِيلُ مَجْدٍ؛ إِذْ يَجْمَعُهُ النَّسَبُ بِأَبْنَاءِ عُمُومَتِهِ مِنْ رُمُوزِ الْعَرَبِ: صَخْرٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَالشَّاعِرَةِ الْمُفَجَّعَةِ "الْخَنْسَاءِ".

وَلَكِنَّ التَّارِيخَ، كَمَا هِيَ عَادَتُهُ فِي نَسْجِ الْمُفَارَقَاتِ الْعَجِيبَةِ، لَمْ يُذِعْ صِيتَ هَذَا الْفَارِسِ مُنْتَسِبًا إِلَى أَبِيهِ "عُمَيْرٍ" الَّذِي كَانَ هَادِئَ الذِّكْرِ مَغْمُورَ الزَّعَامَةِ، بَلْ رَبَطَ اسْمَهُ بِأُمِّهِ "نُدْبَةَ" (بِضَمِّ النُّونِ أَوْ فَتْحِهَا أَوْ كَسْرِهَا). لَمْ تَكُنْ نُدْبَةُ سِوَى سَبِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ أَصِيلَةٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، أَغَارَ عَلَيْهِمْ جَدُّهُ الْحَارِثُ بْنُ الشَّرِيدِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْعَرَبِ الدَّامِيَةِ فَسَبَاهَا، ثُمَّ وَهَبَهَا لِابْنِهِ عُمَيْرٍ، فَأَنْجَبَتْ لَهُ "خُفَافًا".

كَانَتْ "نُدْبَةُ" حَبَشِيَّةَ السِّحْنَةِ، سَوْدَاءَ حَالِكَةً، فَوَرِثَ خُفَافٌ عَنْهَا ذَلِكَ السَّوَادَ الشَّدِيدَ، لِيُصْبِحَ رَقْمًا صَعْبًا وَوَاحِدًا مِنْ أَشْهَرِ مَنْ عُرِفُوا فِي التَّارِيخِ الْجَاهِلِيِّ بِلَقَبِ "أَغْرِبَةِ الْعَرَبِ" (وَهُمُ الْفُرْسَانُ الشُّعَرَاءُ الَّذِينَ وَرِثُوا سَوَادَ اللَّوْنِ عَنْ أُمَّهَاتِهِمْ، كَالْفَارِسِ عَنْتَرَةَ بْنِ شَدَّادٍ، وَالسُّلَيْكِ بْنِ السُّلَكَةِ).

وَعَلَى النَّقِيضِ مِمَّا قَدْ يُخَيَّلُ لِلسَّامِعِ، لَمْ يَكُنْ هَذَا السَّوَادُ الْحَالِكُ عُقْدَةً نَفْسِيَّةً تُكَبِّلُ رُوحَهُ أَوْ تُثْنِيهِ عَنْ مَعَالِي الْأُمُورِ، كَمَا كَانَ الْحَالُ فِي بِدَايَاتِ مِحْنَةِ عَنْتَرَةَ. بَلْ نَشَأَ "أَبُو خُرَاشَةَ" -وَهِيَ كُنْيَتُهُ- ذَا نَفْسٍ أَبِيَّةٍ شَمَّاءَ، وَهِمَّةٍ تُعَانِقُ كَوَاكِبَ السَّمَاءِ. كَانَ يَرَى فِي نَفْسِهِ سَيِّدًا مُطَاعًا، لَا يَقِلُّ عَنْ أَقْرَانِهِ شَأْنًا وَلَا قَدْرًا، مُعْتَدًّا بِنَسَبِهِ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ، وَبِسَيْفِهِ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ، حَيْثُ يَقُولُ مُفْتَخِرًا بِمَكَانَتِهِ الَّتِي انْتَزَعَهَا بِرُجُولَتِهِ:

كِلَانَا يَسُودُهُ قَوْمُهُ
عَلَى ذَلِكَ النَّسَبِ الْمُظْلِمِ

يَفْخَرُ الشَّاعِرُ بِأَنَّهُ -وَرَغْمَ سَوَادِ لَوْنِهِ الَّذِي وَصَفَهُ بِالنَّسَبِ الْمُظْلِمِ- قَدْ أَجْبَرَ قَوْمَهُ عَلَى تَتْوِيجِهِ سَيِّدًا عَلَيْهِمْ، لِمَا يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنْ شَجَاعَةٍ طَاغِيَةٍ، وَفُرُوسِيَّةٍ لَا تُشَقُّ لَهَا غُبَارٌ، فَالسِّيَادَةُ هُنَا بِالْأَفْعَالِ لَا بِالْأَلْوَانِ.

لَقَدْ كَانَ خُفَافٌ كُتْلَةً مِنَ اللَّهَبِ الْمُسْتَعِرِ؛ مِمَّا جَعَلَ إِمَامَ اللُّغَةِ الْأَصْمَعِيَّ يُصَنِّفُهُ فِي طَبَقَةٍ رَفِيعَةٍ مَعَ أَعْظَمِ فُرْسَانِ الْعَرَبِ وَشُعَرَائِهِمْ. بَلْ إِنَّ الْجَاحِظَ الْعَظِيمَ عَدَّهُ مَفْخَرَةً مُشِعَّةً مِنْ مَفَاخِرِ السُّودَانِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ ضُرِبَ بِهِمُ الْمَثَلُ فِي شِدَّةِ الْأَبْدَانِ، وَرَبَاطَةِ الْجَأْشِ، وَالْبَأْسِ الَّذِي تَلِينُ لَهُ الْحَدِيدُ.

شَبَّ هَذَا الْفَارِسُ الطَّمُوحُ قَبْلَ مَبْعَثِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ بِنَحْوِ أَرْبَعِينَ عَامًا، تَتَأَجَّجُ فِي صَدْرِهِ نِيرَانُ الزَّعَامَةِ، غَيْرَ أَنَّ طَرِيقَ الْمَجْدِ لَمْ يَكُنْ مُعَبَّدًا بِالرَّيَاحِينِ، بَلْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاطِحَ صَنَادِيدَ بَنِي سُلَيْمٍ؛ لِيُثْبِتَ تَفَوُّقَهُ. وَفِي مَيْدَانِ هَذَا التَّنَافُسِ الشَّرِسِ، بَرَزَ لَهُ نِدٌّ عَنِيدٌ، وَفَارِسٌ شَاعِرٌ لَا يُسْتَهَانُ بِهِ، هُوَ "الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ".

وَمِنْ هُنَا، اشْتَعَلَتْ شَرَارَةُ الْمُنَافَسَةِ بَيْنَ الْعِمْلَاقَيْنِ، لِتُفْرِزَ لَنَا مَلْحَمَةً شِعْرِيَّةً لَاهِبَةً سُطِّرَتْ فِي تَارِيخِ النَّقَائِضِ الْعَرَبِيَّةِ الْأُولَى.. مَلْحَمَةً بَدَأَتْ بِالْكَلِمَاتِ وَالتَّفَاخُرِ، وَكَادَتْ أَنْ تَنْتَهِيَ بِإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْعُمُومَةِ.

فَكَيْفَ بَدَأَتْ تِلْكَ الْمُهَاجَاةُ الطَّاحِنَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ؟ وَمَا هِيَ التُّهَمُ الَّتِي كَالَهَا كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فِي مَجَالِسِ الْعَرَبِ؟ ذَلِكَ مَا سَتَحْمِلُهُ لَنَا رِيَاحُ السَّرْدِ فِي الْجُزْءِ التَّالِي...

الْجُزْءُ الثَّانِي: صِرَاعُ التِّيجَانِ وَسُيُوفُ الْقَوَافِي

كَانَ الْهَوَاءُ فِي مَضَارِبِ "بَنِي سُلَيْمٍ" مُشْبَعًا بِرَائِحَةِ التَّنَافُسِ الْمَحْمُومِ، فَمَقْعَدُ الزَّعَامَةِ لَا يَتَّسِعُ لِفَارِسَيْنِ يَحْمِلُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي صَدْرِهِ قَلْبَ أَسَدٍ. وَفِي مَلَأٍ مِنْ أَشْرَافِ الْقَبِيلَةِ، جَلَسَ "خُفَافٌ" يَرْمِي شَرَارَ الْكَلِمَاتِ، مُنْتَقِصًا مِنْ غَرِيمِهِ وَمُنَافِسِهِ عَلَى السِّيَادَةِ "الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ"، مُتَّهِمًا إِيَّاهُ بِخِصَالٍ تَقْعُدُ بِهِ عَنِ الْمَجْدِ؛ كَاتِّقَائِهِ بِخَيْلِهِ عِنْدَ احْتِدَامِ الْمَوْتِ، وَاسْتِهَانَتِهِ بِسَبَايَا الْعَرَبِ، وَقَتْلِهِ لِلْأَسْرَى، وَمُكَالَبَتِهِ لِلصَّعَالِيكِ عَلَى سَلْبِ الْأَمْوَالِ، بَلْ بَلَغَ بِهِ الْجُسَارَةُ أَنْ قَالَ: "وَلَقَدْ طَالَتْ حَيَاتُهُ حَتَّى تَمَنَّيْنَا مَوْتَهُ!".

وَمَا إِنْ طَارَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ إِلَى مَسَامِعِ "الْعَبَّاسِ"، حَتَّى أَتَاهُ فِي جُمُوعِ قَوْمِهِ، كَاظِمًا غَيْظًا يُشْبِهُ الْبُرْكَانَ قَبْلَ الِانْفِجَارِ، وَأَجَابَهُ بِرَدٍّ مُفْحِمٍ يُفَنِّدُ فِيهِ تُهَمَهُ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى، قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَهُ بِتِلْكَ الْقَذِيفَةِ الشِّعْرِيَّةِ الْخَالِدَةِ مُعَيِّرًا إِيَّاهُ:

أَبَا خُرَاشَةَ إِمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ
فَإِنَّ قَوْمِي لَمْ تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ

يُخَاطِبُهُ الْعَبَّاسُ بِكُنْيَتِهِ "أَبَا خُرَاشَةَ" مُتَحَدِّيًا؛ فَإِنْ كُنْتَ يَا خُفَافُ تَفْتَخِرُ بِعُصْبَتِكَ وَمَنْ حَوْلَكَ مِنَ الرِّجَالِ، فَاعْلَمْ أَنَّ عَشِيرَتِي وَأَهْلِي مَا زَالُوا فِي كَثْرَةٍ وَمَنَعَةٍ، وَلَمْ تُبِدْهُمُ السِّنُونَ الْعِجَافُ وَلَا حُرُوبُ الدَّهْرِ (وَالضَّبُعُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ السَّنَةِ الْمُجْدِبَةِ الْمُهْلِكَةِ).

وَلَمْ يَقِفِ السِّجَالُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلْ تَمَادَى الْخَطْبُ بَيْنَهُمَا حَتَّى كَادَتْ سُيُوفُ الْعَشِيرَةِ الْوَاحِدَةِ أَنْ تَشْرَبَ مِنْ دِمَاءِ بَعْضِهَا، وَتَأَجَّجَتْ نَارُ الْفِتْنَةِ، لَوْلَا حِكْمَةُ الْعُقَلَاءِ. تَدَخَّلَ "الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ"، ثُمَّ كَبِيرُ هَوَازِنَ "دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ"، يُنَاشِدَانِ الْفَارِسَيْنِ حَقْنَ الدِّمَاءِ. وَهُنَا، ثَابَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ إِلَى رُشْدِهِ، وَأَعْلَنَ نَدَامَتَهُ عَلَى مَا كَادَ يُهْلِكُ الْقَبِيلَةَ، فَقَالَ شِعْرًا يَتَقَاطَرُ حِكْمَةً:

أَلَمْ تَرَ أَنِّي كَرِهْتُ الْحُرُوبَ
وَأَنِّي نَدِمْتُ عَلَى مَا مَضَى

نَدَامَةَ زَارٍ عَلَى نَفْسِهِ
لِتِلْكَ الَّتِي عَارُهَا يُتَّقَى

يُعَبِّرُ الْعَبَّاسُ فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ عَنْ تَرَفُّعِهِ عَنِ الْحَرْبِ الْأَهْلِيَّةِ الدَّامِيَةِ، مُعْلِنًا نَدَمَهُ الشَّدِيدَ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ شِقَاقٍ، وَهُوَ نَدَمُ الْعَاقِلِ الَّذِي يَعْتِبُ عَلَى نَفْسِهِ خَشْيَةَ التَّوَرُّطِ فِي حَرْبِ إِبَادَةٍ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْعُمُومَةِ، حَيْثُ لَا يُورِثُ الِانْتِصَارُ فِيهَا سِوَى الْعَارِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُتَّقَى.

لَكِنَّ طَبِيعَةَ "خُفَافٍ" الْمُتَوَثِّبَةَ، وَكِبْرِيَاءَهُ الْعَاصِفَ، أَبَتْ أَنْ تَمُرَّرَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ دُونَ رَدٍّ يُظْهِرُ فِيهِ جَبَرُوتَهُ، فَأَجَابَهُ بِقَصِيدَةٍ تَقْطُرُ كِبْرِيَاءً وَصَلَابَةً:

أَعَبَّاسُ أَمَّا كَرِهْتَ الْحُرُوبَ
فَقَدْ ذُقْتَ مِنْ عَضِّهَا مَا كَفَى

أَلْقَحْتَ حَرْبًا لَهَا دِرَّةٌ
زَبُونًا تُسَعِّرُهَا بِاللَّظَى

يَرُدُّ خُفَافٌ بِقَسْوَةٍ وَتَهَكُّمٍ؛ مُذَكِّرًا الْعَبَّاسَ بِأَنَّ ادِّعَاءَهُ كُرْهَ الْحَرْبِ لَمْ يَأْتِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَذَاقَهُ خُفَافٌ مَرَارَتَهَا وَعَضَّتْهُ بِنَابِهَا، مُتَّهِمًا إِيَّاهُ بِأَنَّهُ هُوَ مَنْ أَشْعَلَ شَرَارَةَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ الْمُسْتَعِرَةِ بِنَارِ اللَّظَى، قَبْلَ أَنْ يَتَرَاجَعَ بَاكِيًا نَادِمًا لَمَّا رَأَى قُوَّةَ بَأْسِ خُصُومِهِ.

وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْعَجْرَفَةُ وَالشَّجَاعَةُ فِي خُفَافٍ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُنْظَمُ فِي دَوَاوِينِ الشِّعْرِ، بَلْ صَدَّقَتْهَا سَاحَاتُ الْوَغَى بِالدَّمِ. فَفِي إِحْدَى الْغَزَوَاتِ الْقَاسِيَةِ، خَرَجَ "مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ" (أَخُو الشَّاعِرَةِ الْخَنْسَاءِ) مُغِيرًا عَلَى قَبَائِلِ مُرَّةَ وَفَزَارَةَ، وَكَانَ فِي رُفْقَتِهِ فَارِسُنَا "خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ". وَفِي خِضَمِّ الْمَعْرَكَةِ، تَكَالَبَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَارِسَانِ هُمَا هَاشِمٌ وَزَيْدٌ ابْنَا حَرْمَلَةَ، فَاسْتَدْرَجَاهُ بِمَكْرٍ حَتَّى قَتَلَاهُ.

وَلَمَّا تَعَالَتِ الصَّيْحَاتُ بِنَعْيِ مُعَاوِيَةَ، انْتَفَضَ "خُفَافٌ" انْتِفَاضَةَ الْأَسَدِ الْجَرِيحِ، وَأَقْسَمَ يَمِينًا غَلِيظَةً تُرَجِّفُ الْقُلُوبَ قَائِلًا: "قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ رِمْتُ مَكَانِي حَتَّى أَثْأَرَ بِهِ!". ثُمَّ انْقَضَّ كَالصَّاعِقَةِ عَلَى "مَالِكِ بْنِ حِمَارٍ"، سَيِّدِ بَنِي شَمْخٍ مِنْ فَزَارَةَ، فَأَرْدَاهُ قَتِيلًا فِي لَمْحِ الْبَصَرِ، ثَائِرًا لِدَمِ ابْنِ عَمِّهِ، وَمُخَلِّدًا هَذَا الْمَشْهَدَ الدَّامِيَ فِي أَبْيَاتٍ تَنْبِضُ بِالْفَخْرِ وَالْوَعِيدِ:

إِنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُهَا
فَعَمْدًا عَلَى عَيْنِي تَيَمَّمْتُ مَالِكَا

وَقَفْتُ لَهُ عُلْوَيَّ وَقَدْ خَانَ صُحْبَتِي
لِأَبْنِيَ مَجْدًا أَوْ لِأَثْأَرَ هَالِكَا

أَقُولُ لَهُ وَالرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَهُ
تَأَمَّلْ خُفَافًا إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا

يُصَوِّرُ خُفَافٌ هُنَا لَحْظَةَ الِانْتِقَامِ الْمُقَدَّسِ عِنْدَهُ؛ فَإِنْ كَانَتْ خَيْلُهُ وَرِجَالُهُ قَدْ أُصِيبُوا بِفَقْدِ الْبَطَلِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ قَصَدَ مُتَعَمِّدًا رَأْسَ الْأَعْدَاءِ وَسَيِّدَهُمْ "مَالِكًا" لِيَقْتُلَهُ، وَاقِفًا فِي وَجْهِهِ بَعْدَ أَنْ تَفَرَّقَ عَنْهُ صَحْبُهُ، بَاحِثًا إِمَّا عَنْ مَجْدٍ خَالِدٍ أَوْ ثَأْرٍ يُبَرِّدُ الْقُلُوبَ. وَفِي الْمَشْهَدِ الْأَخِيرِ، يُصَوِّرُ قُوَّةَ طَعْنَتِهِ الَّتِي ثَنَتْ ظَهْرَ عَدُوِّهِ وَكَسَرَتْهُ (يَأْطِرُ مَتْنَهُ)، صَارِخًا فِي وَجْهِهِ قَبْلَ أَنْ تَفِيضَ رُوحُهُ: اُنْظُرْ جَيِّدًا، أَنَا خُفَافٌ، أَنَا صَانِعُ هَذَا الْمَوْتِ!

الْجُزْءُ الثَّالِثُ: فِي رِحَابِ الْيَقِينِ وَبَيَارِقِ الْفَتْحِ

وَدَارَتْ عَجَلَةُ الزَّمَانِ، وَطَوَتِ الصَّحْرَاءُ صَفْحَةَ الْجَاهِلِيَّةِ بِأَحْقَادِهَا وَثَارَاتِهَا، لِيُشْرِقَ عَلَى الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ نُورُ الْإِسْلَامِ، ذَلِكَ الدِّينُ الَّذِي جَاءَ لِيُهَذِّبَ النُّفُوسَ لَا لِيَكْسِرَهَا، وَلِيُوَجِّهَ تِلْكَ الطَّاقَاتِ الْجَبَّارَةَ وَالْفُرُوسِيَّةَ النَّادِرَةَ نَحْوَ نُصْرَةِ الْحَقِّ.

وَلَمْ يَكُنْ لِقَلْبٍ يَنْبِضُ بِالشَّجَاعَةِ وَالنُّبْلِ كَقَلْبِ "خُفَافِ بْنِ نُدْبَةَ" أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ هَذَا النُّورِ. فَرَغْمَ غُمُوضِ التَّفَاصِيلِ حَوْلَ لَحْظَةِ إِسْلَامِهِ الدَّقِيقَةِ، إِلَّا أَنَّ الْمُؤَرِّخِينَ يُرَجِّحُونَ أَنَّهُ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَائِعًا مُخْتَارًا قُبَيْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ لِيُعْلِنَ إِسْلَامَهُ، قَبْلَ أَنْ تَفِدَ قَبِيلَتُهُ "بَنُو سُلَيْمٍ" فِي عَامِهَا الثَّامِنِ لِلْهِجْرَةِ.

وَفِي يَوْمِ الْفَتْحِ الْأَعْظَمِ، يَوْمَ تَزَيَّنَتْ مَكَّةُ لِاسْتِقْبَالِ جَيْشِ الْإِسْلَامِ، كَانَ فَارِسُنَا "أَبُو خُرَاشَةَ" يَتَصَدَّرُ الْمَشْهَدَ الْمَهِيبَ؛ إِذْ مَنَحَهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ شَرَفًا عَظِيمًا بِأَنْ جَعَلَهُ أَحَدَ حَمَلَةِ رَايَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ الثَّلَاثِ. سَارَ خُفَافٌ بِرَايَتِهِ خَفَّاقَةً، يَحُفُّهُ أَلْفُ مُقَاتِلٍ مِنْ قَوْمِهِ، لِيَشْهَدَ بَعْدَهَا وَقَائِعَ "حُنَيْنٍ" وَ"الطَّائِفِ"، مُسَخِّرًا سَيْفَهُ الَّذِي طَالَمَا ذَادَ بِهِ عَنْ حِمَى الْعَشِيرَةِ، لِيَذُودَ بِهِ عَنْ حِيَاضِ الدِّينِ الْحَنِيفِ.

وَلَقَدْ تَرَكَ خُفَافٌ فِي سِجِلَّاتِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ أَثَرًا طَيِّبًا؛ إِذْ رَوَى عَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا وَاحِدًا، يَعْكِسُ حَيْرَةَ الْفَارِسِ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْ مَوْطِنٍ جَدِيدٍ بَيْنَ إِخْوَتِهِ فِي الدِّينِ. جَاءَ خُفَافٌ يَسْأَلُ الرَّسُولَ الْكَرِيمَ قَائِلًا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى مَنْ تَأْمُرُنِي أَنْ أَنْزِلَ؟ أَعَلَى قُرَيْشٍ، أَمْ عَلَى الْأَنْصَارِ، أَمْ أَسْلَمَ، أَمْ غِفَارٍ؟" فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةِ الْمَبْنَى، عَظِيمَةِ الْمَعْنَى: "يَا خُفَافُ، ابْتَغِ الرَّفِيقَ قَبْلَ الطَّرِيقِ؛ فَإِنْ عَرَضَ لَكَ أَمْرٌ نَصَرَكَ، وَإِنِ احْتَجْتَ إِلَيْهِ رَفَدَكَ". وَهِيَ وَصِيَّةٌ نَبَوِيَّةٌ خَالِدَةٌ، تُرْسِي قَوَاعِدَ الصُّحْبَةِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تُعِينُ الْمَرْءَ عَلَى نَوَائِبِ الدَّهْرِ.

وَمَا إِنِ انْتَقَلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، حَتَّى هَبَّتْ عَلَى الْجَزِيرَةِ عَوَاصِفُ الرِّدَّةِ، فَارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ، وَتَزَلْزَلَتْ أَقْدَامُ الْكَثِيرِينَ. لَكِنَّ خُفَافًا، ذَلِكَ الْجَبَلَ الْأَشَمَّ، ثَبَتَ ثَبَاتَ الرَّوَاسِي، وَلَمْ تُزَعْزِعْهُ الْفِتَنُ. بَلْ إِنَّ إِيمَانَهُ الْعَمِيقَ جَعَلَهُ يَتَبَرَّأُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَنَكَّرَ لِلْحَقِّ مِنْ بَنِي جِلْدَتِهِ.

وَمِنْ أَشْهَرِ مَوَاقِفِهِ فِي عَهْدِ الْخَلِيفَةِ "أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ" رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَوْقِفُهُ مِنْ رَجُلٍ غَادِرٍ يُدْعَى "الْفُجَاءَةَ". كَانَ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ مَكَرَ بِأَبِي بَكْرٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ سَيُقَاتِلُ الْمُرْتَدِّينَ، وَأَخَذَ السِّلَاحَ وَالْمَالَ مِنَ الْخَلِيفَةِ، ثُمَّ خَرَجَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، فَيَقْتُلُ الْمُسْلِمَ وَالْمُرْتَدَّ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ لِيَسْلُبَ أَمْوَالَهُمْ! فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو بَكْرٍ بِغَدْرِهِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ "طَرِيفَةَ بْنَ حَاجِزٍ" فَأَسَرَهُ وَقَتَلَهُ جَزَاءً وِفَاقًا. هُنَا، انْبَرَى "خُفَافٌ" شَاهِرًا سَيْفَ قَصِيدِهِ، لِيَسْتَنْكِرَ خِيَانَةَ الْفُجَاءَةِ، وَيُعْلِنَ بَرَاءَتَهُ التَّامَّةَ مِنْ كُلِّ خَائِنٍ وَمُرْتَدٍّ، فَقَالَ أَبْيَاتًا تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ:

لِمَ يَأْخُذُونَ سِلَاحَهُ لِقِتَالِهِ
وَلِذَاكُمُ عِنْدَ الْإِلَهِ أَثَامُ

لَا دِينُهُمْ دِينِي وَلَا أَنَا مِنْهُمُ
حَتَّى يَسِيرَ إِلَى الصَّرَاةِ شَمَامُ

يَسْتَنْكِرُ الْفَارِسُ خُفَافٌ هُنَا بِشِدَّةٍ فِعْلَةَ أُولَئِك الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السِّلَاحَ بِحُجَّةِ الْجِهَادِ، ثُمَّ يُوَجِّهُونَهُ لِغَدْرِ الْمُسْلِمِينَ وَقِتَالِهِمْ، مُؤَكِّدًا أَنَّ هَذَا صَنِيعٌ غَادِرٌ وَإِثْمٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ يُعْلِنُ فِصَالًا قَاطِعًا مَعَهُمْ قَائِلًا: إِنَّ دِينِي غَيْرُ دِينِهِمُ الْمُفْتَرَى، وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُمْ بَرَاءَةً مُطْلَقَةً وَأَبَدِيَّةً، وَلَنْ أَجْتَمِعَ بِهِمْ حَتَّى يَتَحَرَّكَ جَبَلُ "شَمَامٍ" الْعَظِيمُ مِنْ مَكَانِهِ لِيَذْهَبَ إِلَى نَهْرِ "الصَّرَاةِ"؛ وَهُوَ تَعْبِيرٌ بَلِيغٌ يَعْنِي اسْتِحَالَةَ انْتِمَائِهِ لِهَؤُلَاءِ الْخَوَنَةِ.

هَكَذَا عَاشَ خُفَافٌ بْنُ نُدْبَةَ فِي ظِلِّ الْإِسْلَامِ، سَيْفًا مُشْرَعًا فِي وَجْهِ الْبَاطِلِ، وَصَوْتًا صَادِقًا يَرْثِي الْخَلِيفَةَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حِينَ وَفَاتِهِ بِمَرَاثٍ تُدْمِي الْمُقَلَ، حَتَّى امْتَدَّ بِهِ الْعُمُرُ لِيَشْهَدَ خِلَافَةَ الْفَارُوقِ "عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ" رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِيَطْوِيَ الْمَوْتُ بَعْدَهَا صَفْحَةَ هَذَا الْعِمْلَاقِ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ صَلَابَةِ السَّيْفِ وَرِقَّةِ الْقَصِيدِ.

لَكِنْ، كَيْفَ بَدَا شِعْرُ هَذَا الْأَدِيبِ بَعْدَ أَنْ صَقَلَتْهُ التَّجْرِبَةُ؟ وَكَيْفَ قَيَّمَ جَهَابِذَةُ النُّقَّادِ شَاعِرِيَّتَهُ الْفَذَّةَ الَّتِي اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُدَوَّنَ فِي صَدْرِ الدَّوَاوِينِ؟ ذَلِكَ مَا سَنُسْدِلُ عَلَيْهِ السِّتَارَ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ وَالْأَخِيرِ، مَتْبُوعًا بِمَصَادِرِنَا الَّتِي اسْتَقَيْنَا مِنْهَا هَذَا الرَّحِيقَ...

الْجُزْءُ الرَّابِعُ وَالْأَخِيرُ: عَبْقَرِيَّةُ الشِّعْرِ وَخُلُودُ الْقَصِيدِ

رَغْمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ صَقَلَ رُوحَ "خُفَافٍ" وَأَذْهَبَ عَنْهَا غِلْظَةَ الْجَاهِلِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ جُلَّ شِعْرِهِ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْنَا كَانَ وَلِيدَ تِلْك الْبِئَةِ الْقَدِيمَةِ، حَيْثُ كَانَتِ الْقَصِيدَةُ دِيوَانَ الْعَرَبِ وَسِجِلَّ مَفَاخِرِهِمْ. وَلَعَلَّ أَبْرَزَ مَا تَرَكَهُ لَنَا هَذَا الْفَارِسُ الْمِغْوَارُ هُوَ تِلْك "النَّقَائِضُ" الْمُشْتَعِلَةُ مَعَ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ، وَالَّتِي تُعَدُّ مِنَ الْإِرْهَاصَاتِ الْأُولَى لِهَذَا الْفَنِّ الشِّعْرِيِّ، بِمَا حَمَلَتْهُ مِنْ صُوَرِ التَّكْذِيبِ وَالْمُوَازَنَةِ وَالْفَخْرِ، قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ ذُرْوَتَهُ فِي عُصُورٍ لَاحِقَةٍ.

لَمْ يَكُنْ خُفَافٌ مُجَرَّدَ فَارِسٍ يَحْمِلُ سَيْفًا أَعْمَى، بَلْ كَانَ رَسَّامًا بِالْكَلِمَاتِ، شَغَفَتْهُ الصَّحْرَاءُ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا الْمَهِيبَةِ. فَوَصَفَ الْبَرْقَ الْخَاطِفَ، وَالسَّحَابَ الْمُثْقَلَ، وَالْمَطَرَ الَّذِي يَسْتَخْرِجُ الضِّبَابَ وَالذِّئَابَ مِنْ جُحُورِهَا. وَوَصَفَ السَّيْلَ الْعَرِمَ بِأَبْيَاتٍ تَقْتَرِبُ فِي رَوْعَتِهَا وَتَدَفُّقِهَا مِنْ أَخْيِلَةِ شَاعِرِ الْعَرَبِ "امْرِئِ الْقَيْسِ". كَمَا تَغَزَّلَ عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيِّينَ، فَوَقَفَ عَلَى الْأَطْلَالِ، وَاسْتَحْضَرَ طَيْفَ الْمَحْبُوبَةِ، وَبَكَى أَيَّامَ الشَّبَابِ الْمُوَلِّيَةِ.

وَأَبْدَعَ خُفَافٌ أَيَّمَا إِبْدَاعٍ فِي وَصْفِ الْخَيْلِ، مُلْتَحِقًا بِرَكْبِ كِبَارِ الْوَاصِفِينَ لِلْجِيَادِ كَأَبِي دُوَادٍ الْإِيَادِيِّ وَالطُّفَيْلِ الْغَنَوِيِّ. كَمَا اسْتَخْدَمَ الصَّنْعَةَ اللَّفْظِيَّةَ وَالْمُجَانَسَةَ الْبَدِيعِيَّةَ فِي فَخْرِهِ بِنَفْسِهِ وَقَوْمِهِ، مَعْتَدًّا بِمُرُوءَتِهِ وَنَجْدَتِهِ، حَيْثُ يَقُولُ صَادِحًا:

أَبَى الشَّتْمَ أَنِّي سَيِّدٌ وَابْنُ سَادَةٍ
مَطَاعِينُ فِي الْهَيْجَا مَطَاعِيمُ لِلْجُرْمِ

يَفْخَرُ الشَّاعِرُ هُنَا بِأَنَّ سِيَادَتَهُ وَأَصَالَةَ مَحْتِدِهِ تَمْنَعُهُ مِنَ الِانْحِدَارِ إِلَى سَفَاسِفِ الْأُمُورِ كَشَتْمِ الْخُصُومِ؛ فَهُوَ سَلِيلُ سَادَةٍ أَمَاجِدَ، جَمَعُوا بَيْنَ صِفَتَيْنِ هُمَا غَايَةُ الْمَجْدِ وَنِهَايَةُ السُّؤْدُدِ: "مَطَاعِينُ" أَيْ فُرْسَانٌ أَشِدَّاءُ يَطْعَنُونَ الْأَعْدَاءَ بِرِمَاحِهِمْ دِفَاعًا عَنِ الْقَبِيلَةِ فِي سَاحَاتِ الْوَغَى، وَ"مَطَاعِيمُ" أَيْ كُرَمَاءُ أَسْخِيَاءُ يُطْعِمُونَ الْجِيَاعَ وَيُغِيثُونَ الْمَلْهُوفِينَ فِي سَنَوَاتِ الْجَدْبِ وَالْقَحْطِ.

وَفِي وَصْفِهِ لِقُوَّةِ فَرَسِهِ فِي مَيْدَانِ السِّبَاقِ وَالْحَرْبِ يَقُولُ:

بِالضَّابِعِ الضَّابِطِ تَقْرِيبُهُ
إِذْ وَنَتِ الْخَيْلُ وَذُو الشَّاهِدِ

يَصِفُ خُفَافٌ حِصَانَهُ بِالْقُوَّةِ وَاشْتِدَادِ الْعَصَبِ، فَهُوَ يَعْدُو بِقُوَّةٍ مُتَوَثِّبَةٍ وَانْطِلَاقَةٍ صَارِمَةٍ، مُحَافِظًا عَلَى سُرْعَتِهِ حَتَّى فِي اللَّحَظَاتِ الَّتِي تَتْعَبُ فِيهَا بَقِيَّةُ الْخُيُولِ وَتَفْتُرُ طَاقَتُهَا، فَيَظَلُّ هُوَ حَاضِرًا مُتَقَدِّمًا كَأَنَّهُ يَشْهَدُ سَاحَةَ النَّصْرِ وَحْدَهُ.

أَمَّا مَنْزِلَتُهُ الْفَنِّيَّةُ بَيْنَ فُحُولِ الشِّعْرِ، فَقَدْ تَبَوَّأَ فِيهَا عَرْشًا مَكِينًا. فَهَا هُوَ إِمَامُ اللُّغَةِ وَالرِّوَايَةِ "الْأَصْمَعِيُّ" يَضَعُهُ فِي مَصَافِّ الْعَظَمَةِ جُنْبًا إِلَى جَنْبٍ مَعَ "عَنْتَرَةَ بْنِ شَدَّادٍ" وَ"الزِّبْرِقَانِ بْنِ بَدْرٍ" قَائِلًا إِنَّهُمْ "أَشْعَرُ الْفُرْسَانِ". وَلِشِدَّةِ إِعْجَابِ الْأَصْمَعِيِّ بِشِعْرِهِ، اخْتَارَ لَهُ أَرْبَعَ مُقْطَعَاتٍ بَدِيعَةٍ فِي كِتَابِهِ الشَّهِيرِ "الْأَصْمَعِيَّات". كَمَا جَعَلَهُ "ابْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ" فِي الطَّبَقَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ فُرْسَانِ الشُّعَرَاءِ، بَيْنَمَا نَعَتَهُ "الْآمِدِيُّ" بِـ"الشَّاعِرِ الْمُجِيدِ" الَّذِي تَطْرَبُ لَهُ الْآذَانُ.

وَرَغْمَ تَطَاوُلِ الْأَزْمَانِ وَغِيَابِ ذِكْرِ دِيوَانِهِ الْمُسْتَقِلِّ فِي بَعْضِ الْمُصَنَّفَاتِ الْأُولَى، إِلَّا أَنَّ كِبَارَ الْعُلَمَاءِ كَـ"الْعَيْنِيِّ" وَ"الْبَغْدَادِيِّ" فِي "خِزَانَةِ الْأَدَبِ" أَشَارُوا صَرَاحَةً إِلَى وُجُودِ دِيوَانٍ لَهُ اِعْتَمَدُوا عَلَيْهِ. بَلْ إِنَّ حَظْوَتَهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ تَجَلَّتْ فِي كَثْرَةِ اسْتِشْهَادِ أَصْحَابِ الْمَعَاجِمِ، كَصَاحِبِ "لِسَانِ الْعَرَبِ" وَ"تَاجِ الْعَرُوسِ"، بِأَبْيَاتِهِ دَلِيلًا نَحْوِيًّا وَصَرْفِيًّا مَتِينًا. كُلُّ ذَلِك حَدَا بِالْبَاحِثِينَ -كَجَمِيلِ بْنِ مُصْطَفَى الْعَظْمِ قَدِيمًا، وَالدُّكْتُور نُورِي حَمُّودِي الْقَيْسِي حَدِيثًا- إِلَى نَفْضِ غُبَارِ النِّسْيَانِ عَنْ إِرْثِهِ، وَجَمْعِهِ مِنْ خَبَايَا الْمَخْطُوطَاتِ (كَكِتَابِ مُنْتَهَى الطَّلَبِ، وَالْأَغَانِي).

لِيَعُودَ صَوْتُ أَبِي خُرَاشَةَ مُدَوِّيًا يَقْرَعُ أَسْمَاعَ الزَّمَانِ.. فَارِسًا صَنَعَ التَّارِيخَ بِسَيْفِهِ، وَشَاعِرًا خَلَّدَ نَفْسَهُ بِقَلَمِهِ.


الْمَصَادِرُ وَالْمَرَاجِعُ الْعِلْمِيَّةُ (الَّتِي نُسِجَتْ مِنْهَا خُيُوطُ هَذِهِ الْقِصَّةِ):

  1. أُسْدُ الْغَابَةِ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ - لِلْإِمَامِ عَزِّ الدِّينِ ابْنِ الْأَثِيرِ.
  2. الْأَعْلَامُ - لِلْمُؤَرِّخِ خَيْرِ الدِّينِ الزِّرِكْلِي.
  3. الِاسْتِيعَابُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَصْحَابِ - لِلْإِمَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ.
  4. الشِّعْرُ وَالشُّعَرَاءُ - لِلْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيِّ.
  5. شِعْرُ خُفَافِ بْنِ نُدْبَةَ السُّلَمِيِّ (حَيَاتُهُ وَشِعْرُهُ) - جَمْعُ وَتَحْقِيقُ د. نُورِي حَمُّودِي الْقَيْسِي (وَمَا تَضَمَّنَهُ مِنِ اقْتِبَاسَاتٍ مِنْ كُتُبِ: الْأَغَانِي لِلْأَصْفَهَانِيِّ، وَالْأَصْمَعِيَّاتِ، وَمُنْتَهَى الطَّلَبِ).
  6. بَحْثٌ تَرْتِيبِيٌّ "صَحَابَةٌ مَنْسِيُّونَ: الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ السُّلَمِيُّ".
author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX