طرائف البخلاء: حكايات من التراث عن الشح والذكاء والمكر
قصة زبيدة بن حميد الصيرفي: ثراء فاحش وبخل لا يُصدَّق
يُحكى عن زُبيدة بن حميد الصيرفي، أنَّه كان رجلاً قد موّهت الدنيا عليهِ بذهبها، فاجتمعَ له من المالِ ما ينيفُ على مائةِ ألفِ دينار، يقلِّبُها اتجاراً بالرقيق. غير أنَّ الرجلَ كانَ -على سعةِ ذاتِ يده- أسيراً لشُحٍّ قبيح، وسرعةٍ في التأثّرِ بالراح إذا دارت كؤوسها.
ومن طرائفِ بخلهِ التي سارت بها الركبان، أنَّه استقرضَ ذاتَ صيفٍ من بقّالٍ ببابِ دارهِ درهمين وقيراطاً لعارضٍ ألمَّ به، فلمّا حالَ الحولُ وجاءَ الشتاء، ردَّ الدَّين درهمين وثلاثَ حبّات. فثارت ثائرةُ البقّال وصاح: "سبحان الله! أتمملكُ القناطيرَ المقنطرة وتناقشني في قيراط؟ أقرضتُكَ والوكيلُ غائب، وصبرتُ عليك ستة أشهر، ثم تنقصني حبَّة؟". فتبسَّم زُبيدة ببرودِ العارفِ وقال: "ويحك يا هذا! لا تعجل؛ أخذتُ منك في قيظِ الصيف حبّاتٍ يابسةً عطشى، ورددتُ عليك في الشتاء حبّاتٍ ريَّانةً قد شربت من ندى البرد، وثلاثُ حباتٍ شتوية أثقلُ في الميزان من أربعٍ صيفية، ولو أنصفتُ لطالبتكَ بالفضل، ولكن عفا الله عما سلف!".
وعن سوءِ عشرتهِ لغلمانه، حدَّث أبو الأصبغ الهذلي قال: دخلتُ عليه يوماً فوجدتُه يُوسِعُ غلمانه ضرباً مبرحاً، فأنكرتُ عليه ذلك وقلت: "ارفق بهم، فهم بشرٌ ولهم حُرمة". فقال زُبيدة والغيظُ يأكله: "لو علمتَ جُرمهم لعذرتني؛ لقد جئتُ بأعشابٍ لأصنعَ منها (الهاضوم) وأدويةً للمعدة، فالتهبوها أكلاً قبل أن تُطبخ!". فسألتُ كبيرَ الغلمان عن ذلك، فقال بصوتٍ واهنٍ وهو لا يقوى على القيام: "جُعلت فداك، واللهِ ما أكلناها رغبةً ولا شَرَهًا، ولكنَّ الجوعَ كافر، ونحنُ لا نسمعُ بالشبعِ إلا في الحكايات، فما حاجتُنا لـ(الهاضوم) وأمعاؤنا خاوية لم يدخلها طعامٌ يُهضَم؟".
ومن عجائبِ منطقه، أنَّه كان يصيحُ بهم آمراً بتغطيةِ الماءِ وتبريدهِ للضيوف، فيغمزهُ صديقه غازي أبو مجاهد قائلاً: "يا زُبيدة، لو أمرتَهم بتغطيةِ الخبزِ وتكثيرهِ لكانَ أوجب، فالطعامُ قبل الشراب!".
أما الطامَّةُ الكبرى، فكانت ليلةً لعبت الخمرُ برأسِ زُبيدة، فخلعَ كساءه الثمين ووهبه لنديمٍ له. وفَطِنَ النديمُ لطبعه، وعلمَ أنَّ زُبيدة إذا صحا من سُكره سيستردُّ الهبة، فأسرعَ إلى بيتهِ ودفعَ الكساء لزوجهِ فقصَّتهُ وحوَّرتهُ جلباباً لها. فلما أصبحَ زُبيدة وتطايرت عنهُ أبخرةُ الخمر، تفقدَ الكساء، فذُكِّرَ بأنَّه وهبه لصديقه. فأرسلَ في طلبهِ فوراً وقال له بلهجةِ الناصح: "يا أخي، أما علمتَ أنَّ تصرفاتِ السكران من بيعٍ وهبةٍ لغوٌ لا ينعقد؟ ورُبَّما اتهمَ الناسُ عقلي، فردَّ عليَّ الكساءَ الآن حتى أهبهُ لك وأنا صاحٍ فتطيبَ به نفسُك". فتغافلَ الصديق، فألحَّ زُبيدة: "هاتِ الكساءَ يرحمك الله، فالمزاحُ له حد". قال الصديق: "سبقَ السيفُ العذل؛ ما وضعتُ جنبي حتى صار الكساءُ جلباباً لامرأتي، قُطِعَ وخِيطَ وغُيِّر". قال زُبيدة بلهفة: "هاتِهِ، فما يصلحُ لامرأتِك يصلحُ لامرأتي". قال: "لقد صبغتُه بلونٍ آخر". قال زُبيدة: "أقبلهُ مصبوغاً". قال الصديق محتالاً: "هو عند الصبّاغ ولا أدري أيَّهم، فقد أخذتهُ المرأة".
حينها أيقنَ زُبيدة بضياعِ الكساء، فأسقطَ في يده، وتنهَّد تنهيدةَ المفجوعِ في ماله، ثم تمتمَ مستشهدًا بالحديث الشريف في غيرِ موضعه: "صدقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الخمر أم الخبائث" رواه الطبراني.. قالها متحسرًا على الكساء، لا توبةً من الشراب!
ليلى الناعطية وقميص الرقاع: حين يتحول البخل إلى فلسفة حياة
وممّا يُستظرفُ من أخبارِ البخلاء، حكايةُ ليلى الناعطيّة، تلك التي نُسِبَتْ إلى "ناعِط"، وهو حصنٌ يمانيٌّ منيع؛ فكانت في صيانةِ مالِها أمنعَ من حِصْنِ قومِها. يُحكى أنها ظلّت دهرًا ترقعُ قميصًا لها وتوالي عليه الرِّقاع، حتى انطمسَ نسيجُ الثوبِ الأول، وذهبَ أثرُه، فصارت ترفلُ في قميصٍ هو محضُ رِقاعٍ فوقَ رِقاع، ليس فيه من أصلهِ خيطٌ ولا عقدة. وكان لها كساءٌ كذلك، ما فتئت ترفوهُ كلّما وهَى، وتصلحُه كلما تمزّق، حتى استحالَ الكساءُ كلُّه رفوًا في رفو، وغدا كأنّه شبكةٌ نُسِجَتْ من خيوطِ الإصلاح!
واتفقَ أن طرقَ سمعَها يوماً مترنّمٌ ينشدُ بيتًا يدعو فيه إلى إطراحِ القديم، ويقول:
الْبَسْ قَمِيصَكَ ما اهْتَدَيْتَ لجيبِه *** فإذا أضَلَّكَ جيبُه، فاستبْدِلِ
فهاجت ليلى وماجت، وعدَّت ذلك سفهًا وتبذيرًا، وقالت بلسانِ الحاذقِ في شُحِّه: "إني إذن لَمن الجاهلاتِ الحمقى لو فعلت! ويحكم، أأرمي الثوبَ وفيه رمق؟ واللهِ إني لأرفو الفتقَ، ثم أعودُ فأرفو فتقَ الفتق، وأرقعُ الخرقَ برقعةٍ هي أثقلُ منه، ولا أستبدلُ القميصَ أبدًا ما دامَ لجيبهِ مسلك، وإلى الرأسِ منه سبيل!".
الكندي وفلسفة الاسترزاق من الجيران: دهاء البخل باسم الحكمة
لم يكن الكِنْديُّ فيلسوفاً في الحكمةِ فحسب، بل كان فيلسوفاً في التقتير، يبتدعُ له الحُججَ التي لا تُرَد، ويُنصِّبُ الشِباكَ التي لا فكاك منها. وكان له في استجلابِ طعامِ جيرانهِ مذهبٌ عجيب؛ إذ كان يأتيهم بوجهِ الناصحِ المشفق، مُحذِّراً من "جنايةِ الروائح"، فيقول: "اعلموا أنَّ في دارنا امرأةً حُبلى، والحُبلى كما خَبِرتُم سريعةُ الوحم، دقيقةُ الشمّ، فإذا فاحت ريحُ قُدوركم الطيِّبة، وهاجت شهوتُها ولم تنلْ من طبيخكم نَصيباً، خِفنا عليها أن تُسقِط جنينها من القهر. فإن وقعَ المحذور، فديةُ الجنينِ في أعناقكم، وعليكم كفارةُ عتقِ رقبة، شئتم أم أبيتم!".
فكان السُذَّجُ من الجيرانِ تفرُقُ قلوبُهم، فيُسارعون بإرسالِ القصاعِ اتقاءً للغُرم، وكان الفطنون يتغافلون مُداراةً لجنونه. فإذا اجتمعت الأطعمةُ وتنوَّعت، تبجَّح الكنديُّ على عيالهِ قائلاً: "انظروا إلى فضلِ عيشكم! إنَّ أصحابَ الضياعِ يأكلون لوناً واحداً، وأنتم بفضلِ تدبيري تأكلون ألواناً شتى".
ومن دواهي سرعةِ بديهتهِ في الذودِ عن مائدته، ما رواه عمرو بن نُهيوى، قال: كنتُ يوماً على مائدةِ الكِندي، فدخلَ علينا جارٌ لي وله، فلم يعرض الكنديُّ عليه الغداء، وضنَّ بلقمته، فأخذني الحياءُ وقلتُ للرجل: "هلمَّ يا فلان، ألا تُصيبُ معنا؟". فتعفَّف الجارُ وقال: "قد تغديتُ والله". فما كادَ يلفظُ باليمين حتى بادرَهُ الكنديُّ صائحاً بصوتٍ حاسمٍ قاطع: "ما بعدَ اللهِ شيء!".
قال عمرو: فقيَّد الرجلَ بيمينهِ، وقطعَ عليه خطَّ الرجعة؛ إذ لو مدَّ يدهُ للطعامِ بعد قوله ذاك لصارَ كمن جعلَ مع اللهِ شيئاً، أو حنثَ في يمينٍ عظيم، فحرمهُ الأكلَ بحُجَّةِ التوحيد!
أبو عبد الرحمن الثوري: إمام البخل الذي جعل الإمساك علمًا
كان أبو عبد الرحمن الثوريّ أعجوبةً من أعاجيبِ زمانه؛ جُمعت له فصاحةُ اللسان، وحِدَّةُ الذهن، وسعةُ المال، فكان يملكُ خمسمائة مزرعةٍ من كرائمِ الأرض وأطيبِ التربة. غيرَ أنَّه -على ثرائهِ العريض- كان إماماً في البُخل، ومنظِّراً للشُّح، حتى إنَّه ألَّف في ذلك كتاباً يُنافسُ به كتابَ سهل بن هارون، ينتصرُ فيه للإمساك، ويذمُّ الإنفاق.
حدَّثنا صديقُه الخليلُ السَّلوليّ عن طرفٍ من تدبيره، قال: أقبلَ عليَّ الثوريُّ يوماً وسألني بجديةِ العالِم: "يا خليل، هل جربتَ أن تأتدمَ بماءِ الزيتون مع الخبز قط؟". فقلتُ مستنكراً: "لا والله، وما يفعلُ ذلك عاقل!". فقال بنبرةِ الواثق: "أما واللهِ لو فعلتَه، لما نسيتَه ما حييت!". فقلتُ ساخراً -وهو لا يعي سخريتي-: "أجل والله، لو فعلتُه لظللتُ أذكرُ شؤمَه ما حييت!".
وكانت له في سياسةِ البيتِ مذاهبُ عجيبة، فكان يجمعُ عياله ويخطبُ فيهم قائلاً: "يا قوم، إياكم وهذا السفهَ في رميِ النوى؛ عوِّدوا حلوقكم سعةَ المجرى، وابتلعوا التمرةَ بقلبها. ألا ترون الكلدانيين -وهم أهلُ حكمة- يدقُّونَ النوى لعلفِ الدواب فتسمن؟ وما أصلحَ البقرَ والشاةَ يصلحُ للبشر؛ فإنَّ النوى يعقدُ الشحمَ في الجوف، والشحمُ دِثارٌ للكُلى والكبد، وفيه غُنيةٌ عن الدفءِ بالنار، وعن شُربِ الخمرِ لطلبِ الحرارة. فالشحمُ يبيِّضُ الوجه، ودخانُ النارِ يسوِّدُه، فكونوا كالسائمةِ في أكلِ كلِّ ما نبت، حتى البرسيمِ والشعير، فما بقيَ عليكم لتكملَ صحتكم إلا أن تأكلوا كما تأكلُ الأنعام!".
ومن طريفِ حِكَمهِ الطبية، أنَّه كان يزجرُ من يقشِّرُ الفولَ ويقول: "كُلُوه بقشره؛ فإنَّ الفولَ ينادي بلسانِ الحال: من أكلني بقشري فقد أكلني وانتفع، ومن رماني عارياً فأنا الذي آكلُه! فما حاجتُكم أن تكونوا طعاماً لطعامكم؟".
العنبري وبرودة الماء: حين يُقايَض العطش بالمكر
حدَّث المكيُّ أبو إسحاق -وكان خبيراً بخبايا البخلاء- عن العنبريِّ وشططِهِ في الحرص، قال: كنتُ يوماً في مجلسِ العنبري، والقيظُ قد ألهبَ الجو، فدخلتْ جاريةُ أمّهِ تحملُ كوزاً فارغاً وقالت: "تقرئُكَ والدتُك السلامَ وتقول: بلغني أنكَ احتلْتَ للحرِّ، فلففتَ جرَّتكم بالخيش، وحشوتَ ما بينه وبين الخزفِ تبناً، وواظبتَ على تبليله، فصارَ ماؤكم زلالاً بارداً؛ وقد اشتدَّ عليَّ الهجير، فابعث لي بشربةٍ تطفئُ غُلَّتي في هذا الكوز".
فقطَّب العنبريُّ حاجبيه، وزجرَ الجاريةَ قائلاً: "كذبتِ والله! إنَّ أمي أعقلُ وأحزمُ من أن تبعثَ بكوزٍ فارغٍ لنردَّه ملآناً، فتغنمَ هي ونغرمَ نحن. ارجعي فاملئيه من ماءِ حبِّكم، ثم عودي فأفرغيه في جرَّتنا (بدلاً لما ستأخذين)، ثم املئيهِ لكِ من مائنا البارد؛ فيكونَ شيءٌ بشيء، وماءٌ بماء!".
قال المكيُّ متعجباً: فانظر إلى هذا الفقهِ العجيب؛ أرادَ أن يُقايضَ أمهُ جوهراً بجوهر، فلا تهلكُ من مالهِ قطرة، ولا تربحُ أمهُ منه إلا "البرودة" التي لا وزنَ لها، أما أصلُ الماءِ فمِثْلٌ بمِثْل، وأما أن يجودَ عليها بشربةٍ هنيّةٍ بلا مقابل، فذلك عنده من المُحالات!
تمام بن جعفر: كيف يحاصر البخيل ضيوفه بالمنطق
كان تَمَامُ بن جعفر أسطورةً في البُخل، وداهيةً في الذودِ عن مائدته؛ فما أكلَ أحدٌ خبزَه إلا سلقهُ بلسانٍ حديد، وأقامَ عليه الحُجةَ ليُشعرهُ بالذنبِ مع كلِّ لُقمة. وكان عجيبَ المنطق، يقلبُ الكلامَ كيفما دار، ليجعلَ الحقَّ مع بُخلهِ دائماً.
فكان إن تفاخرَ جليسُه بقوتهِ وقال: "أنا أسرعُ الناسِ مشياً"، قال تَمَام: "وما يمنعُك وقد حشوتَ جوفكَ بوقودِ عشرةِ رجال؟ وهل يحملُ الرجلَ إلا بطنُه؟ لا حَمِدَ اللهُ من يحمدُك!". وإن شكا الجليسُ ضعفَه وعجزهَ عن المشي، قال تَمَام: "تلكَ عقوبةُ الشره! فكيفَ ينطلقُ من كدَّسَ في أمعائهِ أحمالاً يعجزُ عنها العتّالون؟ إنما الخِفَّةُ في الجوع".
وإن أنَّ الضيفُ من وجعِ ضرسِه، قال تَمَام شامتًا: "بل العجبُ كيف بقيتْ في فمك سنٌّ واحدة! إنَّ الرحى الصخرية تكلُّ من دوامِ الطحن، فكيفَ بعظمكَ الرقيقِ أمامَ هذا المضغِ المتصل؟". وإن قال الضيفُ: "أسناني ولله الحمدُ حديد"، قال تَمَام: "لأنَّ كثرةَ العملِ تدبغُ اللثةَ وتقوّيها، ولكن حذارِ.. فإذا سلمتِ الطواحين، هلكتِ المخازن -يعني المعدة-، فارفقْ بنفسك".
أما إن شربَ الضيفُ ماءً كثيراً، صاحَ فيه تَمَام: "لا عجب! فالأرضُ العطشى تحتاجُ سيلاً ليرويها، ومعَ ما أرى من كثرةِ (التراب) الذي التهمته، فلو شربتَ الفراتَ ما كفاك". وإن أمسكَ الضيفُ عن الشرب، قال تَمَام مُحذِّراً: "أتدرِي لِمَ؟ لأنكَ رصصتَ الطعامَ رصاً فلم تدعْ للماءِ مَسلكاً، وتلكَ هي الهلكةُ بعينها!".
فكان الرجلُ يُحاصرُ ضيوفَه، فلا ينجونَ من لومهِ أكلوا أم صاموا، صحُّوا أم مرضوا، فهو لهم بالمرصادِ ما دامت أيديهم تمتدُّ إلى رغيفه!
يوسف بن كلّ خير ورفع الحشمة: كرمٌ لفظي وبخلٌ فعلي
دخلَ عليّ الأعمى على يوسف بن كلّ خير، فبادرهُ يوسف باعتذارِ البخيلِ المستغني: "لو بكَّرتَ يا أبا الحسنِ لأدركتَ، ولكن سبقكَ الغداء! ومع ذلك.. يا جارية، هاتي لأبي الحسنِ ما حضر". فقالت الجارية ببرود: "لم يبقَ عندنا شيء". فقال يوسف بلهجةِ المُبَاسِط: "هاتي ويحكِ الموجود، ولو كان فُتاتاً، فما بيننا وبين أبي الحسنِ كلفة، وقد سقطتِ الحشمة، والشيخُ يعذُر".
فطمعَ عليّ في تلك الكلمات، وحسبَ أنَّ "سقوطَ الحشمة" يعني تقديمَ الطعامِ عفواً بلا ترتيب، فمنَّى نفسَهُ بفضلةِ شواء، أو عظمٍ كسا اللحمُ بعضَه، أو رقاقةٍ غاصت في دسمِ المرق، مما يفضلُ عادةً عن موائدِ الكرام. فجاءت الجاريةُ بطبقٍ يقرقعُ، ليس فيه إلا رغيفٌ يتيمٌ من دقيقِ الأرز، يابسٌ كالجلمود، ووضعتهُ أمامه.
فجالَ الأعمى بيدهِ في الطبقِ جولةَ المستقصي، يلمسُ يمنةً ويسرة، فلم تقع يدهُ إلا على الخشاشِ اليابس، فعلمَ حينها أنَّ يوسف أرادَ بـ"رفع الحشمة" رفعَ المروءةِ والأدب! فصاحَ مغتاظاً: "ويلكم! ليتكم ادَّعيتُمُ العَدَم، لكانَ أسترَ للقبيح! لقد فسَّرتم (رفع الكلفة) بإسقاطِ الحقوقِ جملةً واحدة! تقولون (أبو الحسن يعذر)؟ نعم، يعذرُ في القليل، لا في المستحيل.. قاتلَ اللهُ بخلكم، فقد أطعمتموني اليأسَ قبل الخُبز!".
الغزّال وسمكة الرغيف: عبقرية البخل في أكل الطعم بلا ثمن
من أعاجيب الحيل التي تفتَّق عنها ذهنُ الحرص، وبدائع المكائد التي لا يهتدي إليها إلا شحيحٌ حاذق، ما كان يصنعهُ رجلٌ يُعرف بـ(الغزّال)؛ فقد كان هذا الرجل آيةً في البخل، ومدرسةً قائمةً بذاتها في فنِّ "أكلِ الطعامِ وحفظِ ثمنه".
بدأ عبقريتَه في التقتير بأن شاطرَ سمّاكاً دكانه، ليحطَّ عن نفسه شطرَ الكراء، وليستمتع بمجاورة (الزفر) مجاناً. وكانت له في طعامه طقوسٌ لا تخطر على بال؛ فإذا غلبهُ القرمُ وتاقت نفسُه للإدام، ابتاع من جارهِ أرخصَ سمكةٍ وأردأها، لا ليأكل لحمها، بل ليتخذها "ممسحةً" لخبزه! فكان يمسحُ وجه الرغيف بجلدها ليطيب ريحه، وربما شقَّ جوفها وغمس اللقمة تلو اللقمة في أحشائها ليصيب شيئاً من دسمها، دون أن ينقص من جِرمها مثقال ذرة.
فإذا لاحظ أن بطن السمكة قد ضمر والتصق جانباه من كثرة الغمس، خشي أن يفتضح أمره وينكشف عوار بضاعته، فيعمد إلى ملح السمّاك فيحشو به جوفها حشواً حتى تنتفخ وتعود سيرتها الأولى، موهماً الناظر أن هذا سِمنُها واكتنازُ لحمها. ولا يبيح لنفسه مسّ لحمها إلا في اللقمة الأخيرة، فيقضم "أرنبة أنفها" قضمةً يسيرة، ليختم مجلسه بنكهة الزفر في فمه، موهماً نفسه أنه قد أتى عليها.
حتى إذا فرغ من هذه "الوليمة الوهمية"، وضع السمكة جانباً كأنها لم تُمَس، وتربص لضحاياه. فإذا جاءته امرأة مسكينة تبيع غزلاً، ماكسها وضاغطها، ثم أدخل ثمن تلك السمكة "المعطوبة" في حساب الغزل، وألزمها بها بسعر الصحيحة، فيسترد رأس ماله كاملاً، ويكون قد نال الرائحة والطعم مجاناً، وربح فوق ذلك دهاءه ولؤمه!
أبو يعقوب الدقنان وهندسة القدر: كيف يسكن اللحم أسبوعًا بلا أكل
كان أبو يعقوب الدقنان يتبجّح في المجالس قائلاً: "ما فاتني اللحمُ، ولا انقطعَ ريحُه عن داري يوماً مذ أيسرت". وصدقَ الرجلُ في قوله، وكذبَ في إيهامه؛ إذ كان العارفون ببواطنِ مطبخهِ يعلمون أنَّ بقاءَ اللحمِ في دارهِ كان "بقاءَ مُجالسة" لا "بقاءَ أكل"!
كانت له في "هندسةِ القِدر" طريقةٌ لا يهتدي إليها إلا شحيحٌ ألمعي؛ فإذا جاء يومُ الجمعة، اشترى لحمَ بقرٍ لرخصه -زاهداً في الضأنِ لغلاته- وجمعَ لهُ حاشيةً من رخيصِ الخضار؛ بصلاً وباذنجانًا وقرعاً وجزراً، كلُّ صنفٍ بدانق. ثم يعمدُ إلى القِدرِ فيرصُّ اللحمَ في قاعها، ويصفُّ فوقه الخضراوات طبقاتٍ مرتبةً بحساب، ثم يغمرُ الكلَّ بالماء.
فإذا نضجَ الطبيخ، كان يومُ الجمعةِ مخصصاً لمسحِ "دسمِ الرغوة" بالخبز، وتظلُّ الطبقاتُ مصونةً لم تُمَس. وفي السبتِ يثردونَ الخبزَ بما تيسَّر من المرق. ثم يبدأُ في الأيامِ التاليةِ "توزيعُ الحصص" بالتقسيط؛ فيجعلُ الأحدَ للبصل، والاثنين للجزر، والثلاثاء للقرع، والأربعاء للباذنجان.
حتى إذا أطلَّ يومُ الخميس، وقد تهرَّأ اللحمُ في قاعِ القدرِ من طولِ الحبسِ وكثرةِ الغليان، أفرجَ عنه وأكلهُ هو وعيالُه. وبذلك يبرُّ بيمينه، ويضمنُ أن يظلَّ اللحمُ ضيفاً مقيماً في دارهِ أسبوعاً كاملاً!
أبو القماقم وعشق المعدة: حين يتحول الحب إلى قائمة طعام
مِن طرائفِ "أبي القماقم" التي تكشفُ عن معدنِ طمعه، وفلسفتهِ في الاسترزاقِ بالنساء، أنَّه شُغِفَ بامرأةٍ موسرةٍ ذاتِ يسار، لا ولدَ لها يشغلها، ولا همَّ يكدرها. فتبعَ ظلَّها، وتصنَّع لها لوعةَ العاشقين، وبكى بين يديها بكاءَ المستهام، حتى رقَّ قلبُها له، وظنَّت أنَّه يهواها لذاتها، فوصلتهُ وقرَّبته.
فلما تمكَّن من مجلسها، واستقرَّ به المقام، قال لها يوماً متودداً: "يا سيدتي، لقد بلغني أنكم أحذقُ الناسِ بصنعةِ الهريسة، ونفسي تتوقُ لذوقها من يدك". فسرَّها ذلك وصنعتها له. ولم تمضِ أيامٌ حتى قال: " واللهِ إني لأشتهي الرؤوسَ المشوية، وليس لي مَن يُحسِنُ طبخها سواك". فأتتهُ بها. ثم عادَ فطلبَ ثريداً بالأقطِ والسمن، فلبَّت طلبَه، ثم تشهَّى "العصيدة"، فما قصَّرت.
هنا، فطنَتِ المرأةُ أنَّ الطريقَ إلى قلبِ صاحبنا لا يمرُّ إلا ببطنه، فقالت له بلسانِ العارفة: "ويحكَ يا رجل! لقد علمنا أنَّ العشقَ يحلُّ في القلبِ ويحرقُ الكبد، أما عشقُكَ أنت فلم يتجاوز معدتَك! أنتَ تطلبُ طباخةً تُطعمك، لا خليلًةً تسكنُ إليها، فالزمْ حدودَ بطنك!".
ولم يكن هذا دأبهُ في العشقِ فحسب، بل في الزواجِ أيضاً؛ فقد ذهبَ يخطبُ امرأةً من قوم، فألحَّ في السؤالِ عن ثروتها، فجعلوا يعددون لهُ ضياعها وأموالها وهو يحصيها وعيناه تبرقان. فلما فرغوا قالوا له: "قد عرفتَ مالَ صاحبتنا، فما مالُك أنت لنعلمَ كفاءتك؟". فأجابهم بمنطقِ الطفيليِّ الذي لا يستحي: "وما سؤالُكم عن مالي؟ أليس فيما ذكرتم من مالها ما يكفيني ويكفيها؟ ففيمَ الزيادة إذن؟!".