روائع من التراث: مواقف خالدة وحكم لا تُنسى
من طلب فضل الله ومن طلب فضل العباد
في طريقٍ من طرقِ بغدادَ الممتدة، حيثُ يغدو الناسُ ويروحون، اتخذ رجلان ضريران مجلسًا لهما، يلتمسان الرزقَ من أكفِّ المحسنين.
كان أحدهما قد علّق رجاءه بالله وحده، فكان لا يفتأ يُردد بصوتٍ يملؤه اليقين: "اللهم ارزقني من فضلك". أما الآخرُ، فقد تناهى إلى سمعه ما عُرفت به السيدة زبيدة "أم جعفر" من جودٍ وسخاء، فصرف وجهه شطرها، وجعل نداءه: "اللهم ارزقني من فضل أم جعفر".
وكانت السيدةُ زبيدة -على جلالة قدرها- تمرُّ بهما، أو يبلغها خبرهما، فتسمعُ دعاءَ الأولِ ونداءَ الثاني. فأرادت أن تُجريَ اللهُ على يديها درسًا لا يُنسى.
فكانت إذا أصبح الصباح، بعثت للذي طلب "فضل الله" درهمين ليس غير. وأما الذي لاذ بـ "فضل أم جعفر"، فكانت تُرسل إليه دجاجةً مشويةً شهية، قد حشت جوفها بعشرة دنانير ذهبية، إكرامًا له وإجابةً لطلبه.
ولكن، لله في خلقه شؤون! فقد كان صاحبُ "فضل أم جعفر" إذا تسلّم دجاجته، زهد فيها واستقلَّ شأنها، ثم يلتفت إلى صاحبه ذي الدرهمين قائلاً: "أتشتري مني هذه الدجاجة بدرهمين؟". فيسارعُ الآخرُ إلى شرائها، طمعًا في طيب طعامها، ليعود هو بالدرهمين فرحًا مسرورًا، وهو لا يدري أنه باع كنزًا ثمينًا بثمانٍ بخس!
ومضت على ذلك عشرةُ أيامٍ متوالية.. الذي يطلبُ فضل الله يزدادُ غنىً بالدنانير والدجاج، والذي يطلبُ فضل أم جعفر لا يعودُ إلا بالدرهمين اللذين قُسما لغيره ابتداءً.
فلما انقضت الأيامُ العشرة، أقبلت السيدة زبيدة عليهما، ووقفت على صاحب ندائها قائلة: "يا هذا.. أما أغناك فضلنا؟". قال الرجلُ في عجب: "وما فضلكم؟". قالت: "مئة دينارٍ ذهبية في عشرة أيام!". فضرب الرجلُ كفاً بكفٍ وقال بحسرة: "لا والله، بل كانت دجاجةً أبيعها لصاحبي هذا بدرهمين!".
هنا، نظرت أم جعفر إليه نظرةَ مُعتبِر، وألقت كلمتها التي سارت مثلاً: "هذا طلبَ من فضلنا فحرمه الله.. وذاك طلبَ من فضل الله فأعطاه الله وأغناه".
ذكاء غلام وسرعة بديهته
مضى "ثمامة" يوماً لزيارة خليلٍ له قد ألمّت به عِلّة، يؤدي حقَّ الصحبـة وواجبَ العيادة.
ولمّا بلغَ الدار، أناخَ حماره عند الباب، وتركه وليس معه غلامٌ يحرسه أو عينٌ ترعاه، ثقةً منه بالأمان أو انشغالاً بزيارة صاحبه. وما إن قضى وطره من الزيارة وخرج، حتى راعه منظرٌ لم يكن في الحسبان؛ إذ ألفى صبياً صغيراً قد اعتلى ظهر حماره، وكأنه قد ملك زمامه واستتب له أمره.
فانتهره ثمامة قائلاً في حدة: "ويحك يا غلام! أركبتَ حماري بغير إذنٍ مني؟".
فأجابه الغلام بلسانٍ ذَلِقٍ وبديهةٍ حاضرة: "مهلاً يا عماه.. ما ركبته عبثاً، ولكني خشيتُ عليه أن يِشردَ ويذهب، فجعلتُ نفسي له حارساً وحفظته لك".
فقال ثمامة وقد اشتد به الغيظ: "واللهِ لَأن يذهبَ الحمارُ ويضيع، أحبُّ إليَّ من بقائه وأنت فوق ظهره!".
هنا، التفت الغلام إليه بذكاءٍ وقّاد، وألقى حجته التي ألجمت ثمامة، فقال: "إن كان هذا رأيك فيه، وهذا مبلغ زهدك به، فاعتبره قد ذهب، وهَبْهُ لي.. واربح بذلك شكري وثناء الناس عليك!".
بهت ثمامة من فِطنة الغلام وسرعة جوابه، ووقف مأخوذاً لا يدري بمَ يجيب، وقد غلبه الصغيرُ بالمنطق والحجة!
حمامة عمرو بن العاص وتأسيس الفسطاط
لما دانت أرضُ الكنانة للفاتح العظيم عمرو بن العاص، وتمَّ له فتحُ حصنِ بابليون المنيع، عزم القائدُ المظفرُ على التوجه شطرَ الإسكندرية ليدكَّ آخر معاقل الروم هناك.
كان ذلك في شهر ربيع الأول من السنة العشرين للهجرة.. وصدر الأمرُ للجيش بالرحيل، فقُوضت الخيام، وحُملت الأمتعة، واستعد الجندُ للمسير. فلما همَّ الغلمانُ بتقويض فسطاطِ الأمير (خيمته الكبيرة)، توقفوا فجأةً أمام مشهدٍ رقيقٍ استوقفهم.
لقد وجدوا حمامةً وديعةً قد اتخذت من أعلى الفسطاط مسكناً، وباضت فيه، وهي مطمئنةٌ آمنة في كنفِ جيش المسلمين. رُفع الأمرُ إلى "داهية العرب" وقائدهم، فما كان منه -رضي الله عنه- إلا أن نظر إليها نظرةَ من يعرفُ حقَّ الجوار، وقال بكلماتٍ خلدها التاريخ: "لقد تحرّمت بجوارنا! دعوها.. أقرّوا الفسطاطَ مكانه حتى تطيرَ فراخها".
ولم يكتفِ عمرو بذلك، بل أمر أن يبقى فسطاطه قائماً شامخاً كما هو، لا تمسه يدٌ بسوء، ووكل به من يحرسه ويمنع الناس عنه؛ حتى لا تُراع الحمامة، إلى أن تخرج الفراخُ من بيضها، ويشتد عودها، وتطير في فضاء الله الواسع.
سار الجيشُ إلى غايته، وبقي الفسطاطُ وحيداً شاهداً على رحمة الإسلام ووفاء أهله.. وحول تلك الخيمة المباركة، وعقب عودة عمرو من الإسكندرية، خطَّ المسلمون دورهم، لتنشأ مدينةٌ عظيمةٌ عُرفت بـ "الفسطاط"، تخليداً لذكرى حمامةٍ لاذت بجوار صحابيٍّ كريم، فأمّن روعها، وحفظ جوارها، وخلّد قصتها.
تكبر في موضع التواضع فأذله الله
يحدثنا عمرو بن شيبة عن مشهدٍ عجيبٍ استوقف بصره وهو في رحاب البيت العتيق، حيث تتساوى الرؤوس وتخشع القلوب.
فبينما هو يسعى بين الصفا والمروة، إذ برجلٍ قد شقَّ صفوف الساعين وهو يمتطي بغلةً فارهة، تحيط به هالةٌ من الخدم والحشم، يزجرون الناس بين يديه، ويدفعونهم عنه في غلظةٍ وقسوة، وكأنهم يفسحون الطريق لملكٍ مطاع، لا لعبدٍ فقيرٍ جاء يرجو رحمة ربه! عجب عمرو من هذا الكبرياء في موضع العبودية، ومضى المشهدُ لحال سبيله.
ودارت الأيام دورتها.. وحطَّ عمرو رحاله في بغداد. وبينما هو يعبر جسرها يوماً، وقعت عيناه على رجلٍ بائس، حافي القدمين، حاسر الرأس، قد طال شعره ورثَّت حاله، والذلةُ تكسو ملامحه. تفرّس فيه عمرو ملياً، وأطال النظر كمن يسترجع طيفاً قديماً. فانتبه الرجل لنظراته وقال بلسانٍ منكسر: "ما لك تحدق بي هكذا؟". قال عمرو: "لا شيء.. غير أني شبهتك برجلٍ ذي شأنٍ رأيته يوماً بمكة، ووصف له هيئته وما كان من جبروته".
هنا، تنفّس الرجلُ الصعداء، وقال بصوتٍ يملؤه الندم: "أنا ذلك الرجلُ يا هذا..".
دهش عمرو وسأله: "وما الذي صيّرك إلى ما أرى؟ وما فعل الله بك؟". فأجابه الرجل بكلماتٍ كُتبت بماء العظة: "إني ترفعتُ وتكبرتُ في موضعٍ يتواضع فيه الناس لله.. فوضعني الله وأذلني في موضعٍ يترفع فيه الناس!".
عمر بن الخطاب يؤدب نفسه
في يومٍ من أيام المدينة المنورة، وقد دانت للدولة الإسلامية الأمصار، وأقبلت الوفودُ على عاصمة الخلافة سامعةً مطيعة، تجديداً للعهد وولاءً لأمير المؤمنين.
في غمرةِ هذا العزِّ والتمكين، لمح التابعيُّ الجليل عروة بن الزبير مشهداً أذهلهُ وعقد لسانه.. لقد رأى خليفةَ المسلمين، عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، الذي يهتز لذكر اسمه كسرى وقيصر، يسيرُ في طرقات المدينة وقد حمل على عاتقه قِربة ماءٍ ثقيلة، ينوءُ بحملها وسط الناس!
لم يتمالك عروةُ نفسه، فدنا منه مشفقاً ومستنكراً، وقال: "يا أمير المؤمنين.. أكرمك الله، لا ينبغي لمثلك هذا! وكيف تفعل هذا بنفسك والناسُ رهنُ إشارتك؟".
فالتفت إليه الفاروقُ، ومسح العرقَ عن جبينه، ثم كشف له عن سرِّ صنيعه هذا قائلاً بصدقِ العارفِ بخبايا النفوس: "يا عروة.. لقد جاءتني الوفودُ سامعةً مطيعة، فشعرتُ بنخوةِ الملك وعظمةِ السلطان تتسربُ إلى قلبي.. فأحببتُ أن أكسرَ هذه النفس، وأن أذلَّ كبرياءها قبل أن تستفحل".
ثم ترك عروةَ مكانه، ومضى يحملُ قربته بعزيمةٍ لا تلين، حتى انتهى إلى دار امرأةٍ فقيرةٍ من الأنصار، فأفرغ الماء في إنائها بيده، ليعود بعدها وقد روّض نفسه، وردّها إلى مقام العبودية والتواضع.
إبراهيم بن أدهم.. عزة النفس في انكسارها
يُحدّثنا سلطانُ الزاهدين إبراهيم بن أدهم عن ليلةٍ ليست كباقي الليالي، وعن موقفٍ يراهُ أعظمَ مغانمه في هذه الدنيا.
فقد أدركه المبيتُ ليلةً في مسجدٍ صغيرٍ بإحدى قرى الشام، وكان قد ألمَّ به وجعٌ شديدٌ في بطنه (إسهال)، أقعده عن الحركة، وألجأه إلى البقاء في المسجد متمدداً يُعاني سكراتِ الألم وغربةَ المكان.
فلما جاء المؤذنُ ورآه على تلك الحال، لم يرَ فيه إلا رجلاً غريباً ثقيلاً، ولم يدرِ أن أمام "ابن أدهم" الذي زهد في مُلكِ الدنيا. فما كان من المؤذن إلا أن أمسك برِجلِ إبراهيم، وجرَّه جراً عنيفاً على الأرض، حتى أخرجه من المسجد ورمى به في العراء!
في تلك اللحظة، التي يرى فيها الناسُ قمةَ الذلِ والهوان، وجد إبراهيمُ فيها قمةَ الانتصارِ على النفس الأمارةِ بالسوء والكبرياء. فقد سُئل عن أسعدِ لحظاتِ حياته، فقال بصدقِ من طلّق الدنيا: "ما فزتُ في الدنيا ولا سُررتُ قط إلا مرةً واحدة؛ تلك الليلة التي بِتُّ فيها بمسجدٍ، فجرَّ المؤذنُ رِجلي حتى أخرجني منه!".
لقد رأى في ذلك انكساراً لنفسه، وتجريداً لها من حظوظها، فكان ذلك عنده أعظمَ الفوز.
أنس بن النضر.. صدق العهد مع الله
يروي لنا خادمُ رسول الله، أنسُ بن مالك، نبأ عمه الذي سُمّي باسمه، البطل "أنس بن النضر" رضي الله عنهما.
كانت غُصَّةٌ قد اعترضت حلقَ أنس بن النضر، وألمٌ اعتصر قلبه؛ إذ فاته أن يشهد "بدراً"، تلك المعركة الأولى والفيصل بين الحق والباطل، فغاب عن أول مشهد شهده رسول الله ﷺ. فكان يُقلّب كفيه ندماً ويقول: "غبتُ عن أول قتال قاتل فيه رسول الله المشركين! لئن أشهدني الله قتالاً ليرينَّ اللهُ ما أصنع!". قالها بقلبٍ محترق، وهاب أن يزيد في الكلام، خشية أن يسبق قوله فعله، أو أن تعجز همته عن مقالته.
ودارت الأيام، وجاء يومُ "أُحُد" بما فيه من بلاءٍ وتمحيص.. فانطلق أنس بن النضر كالليث الهصور، وقد انشرح صدره للقاء الله. وفي خضم المعركة، استقبله سعدُ بن معاذ، فقال له أنس واليقين يملأ جنباته: "يا أبا عمرو.. واهاً لريح الجنة! إني لأجد ريحها دون أُحُد".
قالها ثم انغمس في صفوف القوم، لا يلوي على شيء، ولا يطلب إلا الشهادة. فقاتل قتال المُستميت، حتى لقي ربه مقبلاً غير مدبر. فلما انجلت المعركة، تفقدوه بين القتلى، فوجدوا به بضعاً وثمانين، ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وقد مُثّل به حتى خفيت ملامحه على أقرب الناس إليه.
تقول أخته الربيع بنت النضر بأسىً وفخر: "فما عرفت أخي إلا ببنانه". لقد صدق اللهَ فصدقه الله، ومن فوق سبع سماوات، نزل الوحيُ يُخلّد ذكره، ويُثبّت صدق عهده، في آيات تُتلى إلى يوم القيامة: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}.
الصدق منجاة: ربعي بن حراش والحجاج
كان التابعيُّ الجليلُ ربعيُّ بن حراش رجلاً قد أخذ على نفسه عهداً وثيقاً ألا يكذبَ قط، فعاش دهرهُ صادقَ اللهجة، نقيَّ السريرة، لا تعرفُ الزندقةُ إلى لسانه سبيلاً.
وشاءت الأقدارُ أن تضعَ هذا العهدَ في كفة، وحياةَ فلذاتِ أكباده في الكفة الأخرى. فقد خرج ابنانِ له على الحجاج بن يوسف الثقفي في زمنِ فتنة، ولما وضعتِ الحربُ أوزارها، وجدَ الحجاجُ في طلبهما، فتواريا عن الأنظار، واختبأا في بيتِ أبيهما يترقبانِ المصير.
وبينما الحجاجُ يبعثُ العيونَ في طلبهما، قال له بعضُ جلسائه ناصحاً: "أيها الأمير.. إن أباهما ربعيَّ بن حراش رجلٌ لم يكذب قط، ولن يكذبَ أبداً، فلو أرسلتَ إليه فسألتَه عنهما، لصدقك الخبر".
أرسل الحجاجُ في طلبِ الشيخ، فلما مَثُلَ بين يديه، رماه بنظرةٍ فاحصة، ثم باغته بالسؤال الذي يطيرُ لهولِه الصواب: "يا ربعي.. أين ابناك؟".
كانت لحظةً تتوقفُ فيها الأنفاس، فالكذبُ نجاةٌ للأبناء، والصدقُ طريقٌ إلى الهلاك، ولكنَّ "ربعيّاً" كان يرى النجاةَ الحقةَ في الصدقِ مع الله. فلم يتردد، ولم يتلعثم، بل أجاب بقلبٍ ثابت: "هما في البيت.. يلوذانِ بظله، ويفرّان من بطشك".
وقعَ الجوابُ من الحجاجِ موقعَ الدهشةِ والإعجاب، وهزهُ هذا الصدقُ العاري من أيِّ توريةٍ أو خداع، فقال وقد لانَ جانبُه: "لله درك! قد عفونا عنهما لصدقك".
وهكذا، كان الصدقُ الذي خافهُ الناسُ سبباً في النجاة، وعادَ ربعيٌّ إلى بيتهِ وقد حفظَ دينه، وحفظَ اللهُ له بصدقهِ دماءَ بنيه.
فقه إبراهيم النخعي في التحرز من الكذب
كان فقيهُ الكوفة وعابدها، إبراهيمُ النخعي، رجلاً قد هذّب الإسلامُ مسالكه، وصاغ التقوى قلبه، فكان أشدَّ ما يكون حذراً من زلات اللسان وآفات الكذب.
وكان -على سعة صدره- يعرضُ له ما يعرضُ للناس؛ إذ يطرقُ بابه أحياناً مَن يثقُلُ عليه لقاؤه، أو من لا يجدُ في نفسه رغبةً للخروج إليه. فكان يقعُ بين نارين: نارِ الخروج لمن يكره، ونارِ الاعتذار بالكذبِ بادعاء عدم الوجود!
فإذا ألمَّ به هذا الموقف، لجأ إلى حيلةٍ شرعيةٍ لطيفة، ومخرجٍ ذكيٍّ يُنجيه من الكذب ولا يوقعه في الحرج. فكان يلتفتُ إلى جاريته مُعلماً وموجهاً ويقول: "يا جارية.. إذا سألَ عني، فإياكِ أن تقولي: (اطلبه في المسجد)؛ فتكوني قد كذبتِ.. ولكن قولي له: (اطلبه في المسجد)".
لقد أراد النخعيُّ -بفقهه الدقيق- أن يُعلّمها الفرقَ بين الخبرِ والإنشاء؛ فقولها "ليس هاهنا" خبرٌ كاذب، أما قولها "اطلبه في المسجد" فهو توجيهٌ وأمرٌ بالبحث عنه هناك، لا يحتملُ الصدقَ والكذب. وهكذا كان يدرأ عن نفسه ثقلَ المجالسة، ويدرأ عن صحيفته وزرَ الكلمةِ الكاذبة، ولو كانت في أمرٍ يسير.
حكمة الخالق: أذنان ولسان واحد
يُروى عن أحدِ الحكماءِ من أولي البصيرة، أنه أبصرَ رجلاً قد استهواه الكلام، فأطلقَ للسانهِ العِنان.
كان الرجلُ يكثرُ القولَ ويُقلُّ الصمت، يصولُ بلسانه ويجول، وكأنه خُلق ليتكلمَ لا ليسمع. فأشفقَ عليه الحكيم، وأرادَ أن يلفتهُ إلى حكمةِ الخالقِ في خلقهِ بأسلوبٍ رقيقٍ ومنطقٍ قويم، فدنا منه وقال: "يا هذا.. هل تفكّرتَ يوماً لِمَ جعلَ اللهُ لك أذنين اثنتين، ولم يجعل بين فكيك إلا لساناً واحداً؟".
سكت الرجلُ لحظةً، فأردف الحكيمُ مُجيباً ومُعلّماً: "إنما فعلَ ذلك -جلّت حكمتُه- ليكونَ نصيبُك من السمعِ ضِعفَ نصيبكَ من الكلام.. وليكونَ ما تعيه بقلبكَ وتسمعهُ بأذنيك، أكثرَ مما يلفظه فوك وتثرثرُ به شفتاك".
الحسن البصري وكلام الناس
يحدثنا الربيعُ بن صبيح عن موقفٍ جرى لسيدِ التابعين وإمامِ البصرة الحسن البصري، يكشفُ عن نفسٍ قد طُلّقت التكلف، واطمأنت إلى حقيقةِ البشر.
فقد دنا منه رجلٌ ذات يوم، والهمُّ يعلو وجهه، وقال بنبرةِ المُشفق: "يا أبا سعيد.. إني لأرى في مجلسك أمراً أكرهه، ويضيقُ به صدري!". قال الحسنُ بهدوءِ العارف: "وما ذاك يا ابن أخي؟". قال الرجل: "أرى أقواماً يحضرون مجلسك، لا ليتعظوا أو يتعلموا، وإنما ليحصوا عليك سقطاتِ كلامك، ويتصيدوا زلاتك، ثم يمضون فيعيبونك بها بين الناس!".
ابتسم الحسنُ ابتسامةً خفيفة، ومسح على كتف الرجل قائلاً: "هوّن عليك يا ابن أخي، ولا يَكْبُرنَّ هذا في صدرك.. فإني مُخبرك بما هو أعجب!".
تلهف الرجل وقال: "وما ذاك يا عماه؟". فأجابه الحسن بكلماتٍ تُكتب بماء الذهب: "يا بني.. لقد جاهدتُ نفسي على أن تطمع في جوار الرحمن، ومرافقة الأنبياء، والنجاة من النيران، فأطاعتني واستجابت.. ثم جاهدتُها على أن تسلم من ألسنة الناس، فلم تطاوعني ولم أظفر منها بذلك!".
ثم نظر إليه نظرةً عميقة وأردف قائلاً: "يا ابن أخي.. إنه لو سَلِمَ من الناس أحدٌ، لسَلِمَ منهم خالقهم الذي أوجدهم ورزقهم؛ فإذا لم يسلم الربُّ -جل جلاله- من ألسنة خلقه، فالمخلوقُ من باب أولى أجدر ألا يسلم!".
وهكذا، ألقى الحسنُ في روع تلميذه درساً بليغاً: أنَّ إرضاء الناس غايةٌ لا تُدرك، وأن السلامة من ألسنتهم مطلبٌ عزَّ حتى على رب العالمين، فكيف يطمع فيه عبدٌ فقير؟
أدب عمرو بن عبيد مع الوشاة
أقبل رجلٌ يسعى إلى العالم الزاهد عمرو بن عبيد، وقد حمل في جعبته حديثاً ظاهرهُ النصيحة، وباطنهُ الوقيعة.
دنا الرجلُ من عمرو وقال له: "يا أبا عثمان.. إن الأسواريَّ ما يزالُ يذكركَ في قصصهِ ومجالسهِ بشرٍ، وينالُ من عرضك!".
نظر إليه عمرو نظرةَ العارفِ الذي لا تستخفهُ الوشايات، ولم يغضب لنفسه، بل غضبَ لمروءةٍ ضُيّعت، وأمانةٍ خينت. فالتفت إلى الرجل وقال له معاتباً: "يا هذا.. ما رعيتَ حقَّ مجالسةِ الرجلِ حين نقلتَ إلينا حديثه وكشفتَ ستره.. ولا أديتَ حقي حين أسمعتني عن أخي ما أكره، وملأت قلبي عليه غيظاً!".
ثم سكتَ هنيهة، وقال بصوتٍ يملؤه اليقينُ بالآخرة: "ولكن.. عُد إليه وأعلمه: أن الموتَ يعمنا، والقبرَ يضمنا، والقيامةَ تجمعنا.. واللهُ -تعالى- يحكمُ بيننا وهو خيرُ الحاكمين".
لقد لقنه درساً بليغاً؛ فالنميمةُ لا تضرُ إلا صاحبها، والموعدُ الله، وهنالك يخسرُ المبطلون.
عمرك رأس مالك.. فأنفقه فيما شئت
جاء رجلٌ إلى العابدِ الزاهدِ المعافى بن عمران، يستفتيه في شأنِ الشعرِ والأدب.
سأله عن الرجلِ ينصرفُ همّهُ إلى قرضِ الشعرِ ونظمِ القوافي، أيحسُنُ به ذلك؟ أم أن في الوقتِ ما هو أولى؟
لم يشأ المعافى أن يُدخلَ السائلَ في دهاليزِ الأحكامِ الفقهية من حلالٍ وحرام، بل أراد أن يضعهُ أمام حقيقةِ وجوده، وقيمةِ أنفاسه. فنظر إليه نظرةَ مُشفقٍ ناصح، وأجابه بكلماتٍ قليلةٍ تُوزن بميزانِ الذهب:
"يا هذا.. إنما هو عُمرك، ورأسُ مالك.. فأفْنِهِ بما شئت!".
كأنه يقول له: إن حياتك وعاءٌ محدود، ودقائقك معدودة، فإن اخترتَ أن تُبليها في الشعر فلك ذلك، وإن اخترتَ ما هو أبقى فلك ذلك.. فالخيارُ خيارك، والحسابُ أمامك.