عروة بن الزبير بين البتر وفقد الابن: نموذج الصبر والرضا عند الابتلاء
ما إن يمّم "عروة بن الزبير" وجهه شطر "دمشق" زائرًا للخليفة الوليد بن عبدالملك، حتى كان القدر يخبئ له في طيات سفره هذا بلاءً يزلزل الرواسي، لكنه ما زحزح في نفس عروة إيمانًا ولا وهن له عزمًا.
فبينما هو في الطريق، دبت في رجله "الأكلة"، فجعلت تأكل لحمه صعودًا إلى ساقه، وما إن وصل دمشق حتى كانت الساق قد أُعطِبَت تمامًا. جمع له الخليفة حُذاق الأطباء، فأجمعوا أمرهم على أن الداء عضال، ولا سبيل لنجاته إلا بـ "بتر الساق" قبل أن يسري السم في جسده كله فيرديه قتيلًا.
قصص من السيرة والتاريخ: ثبات الرجال ومواقف العظماء
قال الأطباء لعروة بوجل: "نُسقيك (المرقِد) -وهو شراب يذهب بالعقل- حتى لا تشعر بحد المنشار وهول القطع". فانتفض عروة بشموخ المؤمن قائلًا: "ما كنت أظن أن خلقًا يؤمن بالله يشرب ما يزيل عقله حتى لا يعرف ربه!"، ثم أردف بلسان الذاكر: "امضوا لشأنكم".
وهنا، في مشهدٍ تحبس له الأنفاس، وُضع المنشار على ركبته اليسرى، وجعلت أسنانه الحديدية تنهش العظم واللحم، والناس من حوله واجمون، أما هو.. فلم يُسمع له أنين، ولم تنبس شفتاه إلا بذكر الله وتحميده، حتى فُصلت الساق. فما إن رآها طريحة بين يديه حتى تناولها وقبّلها وهو يقول: "لئن أخذتَ لقد أبقيت، ولئن ابتليتَ لقد عافيت". ولم تمنعه آلام جرحه الغائر من إتمام ورده من القرآن في تلك الليلة القانية.
ولم تكد جراح جسده تسكن، حتى فُجع بفلذة كبده "محمد"؛ إذ ركضته بغلة في إصطبل الخليفة فقضى نحبه لساعته. نزل الخبر كالصاعقة، فما زاد عروة على أن صمت صمت الرضا. ولما قفل راجعًا إلى المدينة، وتوقف بوادي القرى، تمثل بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا﴾.
ثم رفع طرفه إلى السماء، مناجيًا ربه بقلبٍ صفت مرآته: "اللهم إنه كان لي بنون سبعة، فأخذت واحدًا وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة، فأخذت واحدًا وأبقيت ثلاثة، فلئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت".
مضى عروة بن الزبير، ليبقى في تاريخ الإسلام رمزًا فذّاً للصبر الذي لا يلين، والرضا الذي لا تشوبه شائبة السخط، مجسّدًا بصموده أسمى معاني العبودية لله رب العالمين.
(سير أعلام النبلاء)) للذهبي (4/430).
مطرّف بن عبد الله في أدب المصيبة: حين يكون الرضا أعلى من الحزن
في حومةِ الابتلاء، وبينما كانت القلوبُ ترتجف لهول المُصاب، فُجع التابعيُّ العابد "مطرّف بن عبد الله بن الشخير" بموتِ قرّةِ عينه وفلذةِ كبده "عبد الله". وكان من عادة الناس إذ ذاك أن يلبسوا للمصيبةِ أثوابَ الحزن، ويُظهِروا من الانكسار ما يليقُ بمرارةِ الفقد.
لكنَّ "مُطرِّفًا" أتى بما لم تعتده الأبصار؛ إذ خرج على قومه وقد اغتسل وادَّهن، ولبس من جيّد ثيابه وأحسنها، وبدت عليه نضرةٌ لم يعهدوها في مثل هذا مقام. فاشتدّ ذلك على القوم، والتمعت في عيونهم نظراتُ الإنكار، ثم لم يلبثوا أن أطلقوا لألسنتهم العنان قائلين بحدّة: "يموتُ عبد الله، ثم تخرجُ إلينا في ثيابك هذه مُدَّهنًا متزيّنًا؟!".
وقف الشيخُ الوقور في ثباتٍ تفيضُ منه السكينة، ونظر إليهم بعينِ البصيرة التي ترى ما لا يراه الناس، وقال في نبرةٍ تملؤها عظمةُ الإيمان: "ويحكم! أأستكينُ لها وقد وعدني ربي -تبارك وتعالى- عليها ثلاثَ خصالٍ، كلُّ خصلةٍ منها أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها؟".
ثم تلا عليهم قولَ الحقِّ عزّ وجلّ:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
ثم أردف قائلًا بقلبٍ ملأه الرضا حتى فاض على جوارحه: "فأستكينُ لها بعد هذا؟!".
لقد أراد مطرّف بن عبد الله أن يعلّم القوم درسًا بليغًا في "أدب المصيبة"؛ فالمؤمن لا يستسلم للجزع الذي يذهبُ بوقارِ العبودية، بل يتلقى أقدار الله بجمال الصبر، ويزيّنُ ظاهره بالرضا كما يزيّن باطنه باليقين، طمعًا في تلك الصلاة الربانية والرحمة الواسعة التي وعد الله بها الصابرين.
((صفة الصفوة)) لابن الجوزي (2/ 132).
قوة الحِلم عند الغضب: موقف يهز النفوس من سيرة الصالحين
في تلك الربوع التي أضاءتها أنوارُ النبوة، ونشأ في كنفها الرعيلُ الأول من خيرةِ الرجال، جرت واقعةٌ تجسّدُ سموَّ النفس المؤمنة حين تترفعُ عن الدنايا، وتستعلي على جراحِ الكبرياء.
فبينما كان أحدُ أولئك الأبرار يغدو في شأنه، انبرى له رجلٌ طائشُ اللسان، فاحشُ القول، وجعل يكيلُ له السِّبابَ كيلًا، ويقذفه بمرِّ الكلامِ قذفًا، والناسُ من حولهما واجمون، يترقبون كيف يكونُ الردُّ، وكيف يثورُ الغضبُ في عروقِ الرجلِ المشتوم.
أما ذلك الرجلُ الصالح، فما اهتزَّ له ركن، ولا اضطرب له جنان؛ بل وقف كالطود الأشمِّ في وجه العاصفة. غير أنَّ وقعَ الكلامِ كان شديدًا، فترقرقَ العرقُ على جبينه، وتصببَّ من وجهه أثرًا لمجاهدةِ النفسِ وهي تغالبُ كبرياءها. فما كان منه إلا أن بسط يده في سكينةٍ ووقار، ومسح العرق عن وجهه، كأنه يمسحُ بها أثرَ السفهِ والجهالة.
ثم أرسل نظرةً هادئةً، ونطق بلسانٍ لم يلوّثه الغضب، بل زكّاه القرآن، فتلا قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
لقد كانت كلماتُ الله هي البلسم الذي أطفأ لظى الغيظ في صدره، وهي الميزان الذي رزن به عقله في تلك اللحظة الحرجة.
وحين بلغَ الخبرُ إمامَ البصرةِ وسيدَ التابعين "الحسن البصري" -رحمه الله- تهلل وجهه، وقال في إعجابٍ ينمُّ عن تقديرٍ لهذا الفقهِ العمليِّ بالكتابِ الكريم: "عقلها واللهِ وفهمها، إذ ضيَّعها الجاهلون!".
مضى ذلك الرجلُ وقد تركَ وراءه درسًا بليغًا؛ أنَّ القوة ليست في ردِّ الصاعِ صاعين، بل في امتلاكِ النفسِ عند الغضب، والوقوفِ عند حدودِ الآياتِ حين يضلُّ الناسُ في تيهِ الخصومات.
رواه ابنُ أبي الدنيا في ((الصبر والثواب عليه)) (120، 121).
محنة الإمام أحمد بن حنبل: ثبات العقيدة أمام السياط والسجون
أطبقت غمام الفتنة على بغداد، وامتحن الناس في دينهم، وسيق الإمام "أحمد بن حنبل" مصفداً بالأغلال، يُساق سوقاً إلى بلاد الروم حيث يقيم الخليفة "المأمون". لم يكن أحمد في درب الآلام وحده، بل كان يرافقه رفيق الدرب والقيود "محمد بن نوح"، وكلاهما يرسف في حديده، صابرين على لظى الهجير ومرارة الغربة.
وفيما هم في الطريق، جاء الخبر برحيل المأمون إلى دار البقاء، فظنّ الظانون أن الغمة قد انقشعت، لكن الأقدار كانت تخبئ للإمام فصولاً أشد هولاً. ففي طريق العودة، وهن جسد رفيقه "محمد بن نوح" تحت وطأة العناء، ففاضت روحه إلى بارئها، وبقي أحمد وحيداً يواجه مصيره، عائداً إلى قيود السجن وظلمات الزنازين في بغداد.
دخل عليه في محبسه نفرٌ من حُفّاظ الحديث، وقد أشفقت قلوبهم على شيبته، فذكروا له رخص "التقية" علّهم يجدون له مخرجاً، فما كان منه إلا أن زلزل حشدهم بقوله: "وكيف تصنعون بحديث خباب: (إن من كان قبلكم كان يُنشر أحدهم بالمنشار، ثم لا يصده ذلك عن دينه)؟! أخرجه البخاري (3612)، وأبو داود (2649)، وأحمد (21073)"، فعلموا أنهم أمام رجلٍ صاغ قلبه من اليقين.
ثم جاءت اللحظة الرهيبة في حضرة الخليفة "المعتصم"، حيث أُقيم الإمام بين "العقابين" (وهما خشبتان يُعلق بينهما المطلوب تعذيبه). ورأى المعتصمُ من ثبات الإمام وتصميمه، وصلابة عوده ما لم يعهده في الرجال، حتى رَقّ قلبه لأحمد وهَمَّ أن يخلي سبيله.. وهنا انبرى "ابن أبي دؤاد" -رأس الفتنة- وقال للمعتصم مغرياً ومحرضاً: "يا أمير المؤمنين، إن تركته قيل: إنك تركتَ مذهب المأمون وسخطت قوله!".
فهاج المعتصم واستشاط غضباً، وأمر بالجلادين؛ فانقضّت السياط على جسد الإمام النحيل تنهش منه نهشاً، وهو لا يزيد على أن يلهج بذكر الله. وقع ذلك كله في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك لسنة عشرين ومائتين للهجرة؛ فصام الإمام عن الدنيا، وأفطر على الرضا بالقضاء.
لقد وقف أحمد بن حنبل في وجه الفتنة مقام "الصديقين"، فما لانت له قناة، ولا انكسر له لواء، حتى أظهر الله الحق على يديه، وبقي ذكره عطراً يملأ الخافقين، ومحنته مناراً يهتدي بها السائرون على درب العقيدة الصافية.
((صلاح الأمة)) لسيد العفاني (4/409).
عبيد بن يعيش وأخته: ثلاثون عامًا من السهر في خدمة حديث النبي ﷺ
ما إن يُسدل الليل أستاره على الكوفة، ويهجع الناس في مضاجعهم، حتى يسرج المحدث "عبيد بن يعيش" سراج إبداعه، ويجلس بين أوراقه ومحبرته، غارقاً في تدوين حديث رسول الله ﷺ، وكأنَّ بينه وبين الوقت ثأرًا قديمًا، فهو يشحُّ بالدقيقة أن تضيع، ويضنُّ باللحظة أن تذهب في غير طاعةٍ أو علم.
لقد بلغ من شغفه بالعلم، وحرصه على استثمار ساعات ليله، مبلغًا يحيّر الألباب؛ ففي الوقت الذي يرى فيه الناسُ الطعامَ نزهةً للنفس وراحةً للبدن، كان عبيد يراه "قاطعاً" قد يحبس قلمه عن الجريان، ويصرف ذهنه عن دقة البيان.
وهنا تجلت صورةٌ باهرة من صور الوفاء والتعاون على البر، بطلتها "أخته البارة"؛ تلك التي نذرت نفسها لخدمة علم أخيها، فكانت تقف بجانبه وهو مُكبٌّ على طروسه، تمسك باللقمة وتضعها في فمه لقمةً إثر لقمة، ويده الأخرى لا تكاد تفارق قلمها، وعينه لا تزيغ عن سطرها.
يحدثنا "عبيد" عن تلك الملحمة الصامتة التي استمرت عقودًا من الزمان، فيقول بلسان الشاكر المعتز: "أقمتُ ثلاثين سنةً ما أكلتُ بيدي بالليل؛ كانت أختي تلقمني وأنا أكتب!".
ثلاثون عاماً.. والقلم لم يجف، والساعد لم يكل، والهمة لم تفتر. لم يكن عبيد بن يعيش مجرد كاتب للحديث، بل كان نموذجاً فذّاً لرجلٍ عرف قيمة العمر، فأبى إلا أن يشتري بلقيمات الطعام صفحاتٍ خلدها التاريخ، وباعتزال ملاذِ الراحة مجداً يبقى ما بقي الزمان.
فرحم الله عبيداً، وجزى أخته خير ما يجزي به أهل الفضل، فقد قدما للأمة درساً في أنَّ المعالي لا تُنال إلا على جسرٍ من التعب، وأنَّ الوقت هو رأس مال المؤمن الذي لا يجوز التفريط فيه.
((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (11/459).
محمد بن الحسن الشيباني: كيف طارد النوم ليبني صرح الفقه
في تلك الليالي البغدادية الساجية، حين يغرق الناس في كراهم، ويطبق الصمت على الدروب، كان هناك سراجٌ لا ينطفئ، وعقلٌ لا يهدأ. إنه الإمام الفقيه، والمجتهد المحدّث، "محمد بن الحسن الشيباني"، تلميذ الإمام أبي حنيفة وناشر علمه.
لم يكن ليل الشيباني كليل الآخرين؛ فقد كان يقضي سواده مكبّاً على دفاتره، غارقاً في لجة المسائل الفقهية، يغترف من بحورها، ويقيد شواردها. وكان من فقهه لنفسه، وخبرته بطبائع النفوس، أنه يضع بين يديه أصنافاً من الكتب والدفاتر في شتى الفنون؛ فإذا استبدّ به السأم من نوعٍ من العلم، أو ملّت نفسه من مسألةٍ ما، طرح الكتاب جانباً، ومدّ يده إلى آخر، يجد فيه لذةً متجددة، ونشاطاً مستأنفاً، كأنه يروح عن نفسه بالتنقل في رياض العلم من زهرةٍ إلى زهرة.
فإذا غلبه الكرى، وراود النعاس أجفانه عنوة، لم يستسلم لوسادة الراحة، بل كان له مع النوم شأنٌ عجيب. فقد كان يضع بجانبه إناءً فيه ماء، فينضح به وجهه، ويغسل به أثر التعب، وهو يقول في بصيرة العارف: "إنما النوم من الحرارة؛ فتبرّدوا بالماء".
لقد كان يرى أنَّ حرارة الجسد هي التي تجلب الخمول، فكان يطفئها ببرد الماء ليظل عقله متيقظاً، وقلبه حاضراً مع آيات الله وسنة رسوله ﷺ.
هكذا قضى الشيباني ليله؛ يطارد النوم بالماء، ويطرد السأم بتنوع العلم، حتى أضحى جبلاً من جبال الفقه، ومناراً يقصده طالبو الهدى. فما نال تلك المنزلة الرفيعة بـ "راحة الجسم"، بل بسهر الليالي، ومجاهدة النفس، والضنِّ بكل لحظة أن تضيع في غير ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
((قيمة الزمن عند العلماء)) لأبي غدة (ص: 31).
رحلة أبي حاتم الرازي مشيًا على الأقدام: علو الهمة في طلب العلم
لو رأيتَ ذلك الشابَّ الذي لم يجاوز العشرين من عمره، وهو يضربُ في مناكب الأرض، حاملاً بين جنبيه قلباً لا يقرُّ له قرار، ونفساً لا تشبعُ من ميراث النبوة، لعلمتَ أنَّ القدرَ يعدُّه ليكونَ ركناً من أركانِ الإسلام. إنه "أبو حاتم الرازي"، الذي أراد أن يكتبَ بقديمه قصةَ "علو الهمة" قبل أن يكتب بيمينه طروس الحديث.
انطلق الفتى في رحلته الأولى، فغاب عن دياره سبع سنين دأباً، لم يكن يركب فيها الفارهات من الإبل، ولا يسكن فيها إلى الوثير من المهاج؛ بل جعل من "قدميه" مطيته، ومن "اليقين" زاده.
يحدثنا أبو حاتم عن تلك الملحمة التي لا تكاد تصدقها العقول، فيقول بلسانٍ لا يبتغي فخراً بل يصفُ صبراً: "أحصيتُ ما مشيتُ على قدميَّ في سفري الأول، فإذا هو زيادةٌ على ألف فرسخ!". ألف فرسخٍ طواها الشابُّ النحيل، ثم كفَّ عن الإحصاء لمّا أعجز العدُّ الخطوات.
مشى من "الكوفة" إلى "بغداد" مراتٍ لا يحصيها، وضرب من "مكة" إلى "المدينة" كراراً ومراراً. ثم تراه يخرج من "البحرين" قاصداً "مصر" ماشياً على قدميه، ومن "مصر" إلى "الرملة"، ومنها إلى "بيت المقدس"، ثم "عسقلان"، ثم "طبرية"، فـ "دمشق"، فـ "حمص"، فـ "أنطاكية"، حتى انتهى به المسير إلى "طرسوس" على ثغور المسلمين.
ولم يكد يفرغُ من حديث شيوخه هناك، حتى عاد أدراجه صابراً على اللغب، ماشياً إلى "بيسان" فـ "الرقة"، ثم ركب الفرات ليلاً إلى "بغداد". كلُّ هذا العناء، وكلُّ تلك الفيافي والقفار، قطعها ذلك الشاب وهو في مقتبل العمر، يطاردُ "سنةً" نبوية، أو يلاحقُ "إسناداً" عالياً، ضنيناً بدينه أن يأخذه إلا من أفواه الرجال الصادقين.
لقد طاف أبو حاتم بلاد المسلمين شرقاً وغرباً، لا تمنعه فيافي الشام، ولا قفار الحجاز، ولا شواطئ النيل، فغدا "جوالَ الأمة" الذي لم تفتنُه الراحة، ولم يثنهِ التعب. فما رجع إلى أهله إلا وقد حاز في صدره كنزاً لا يفنى، وترك للأجيال درساً يقول: "إنَّ العلمَ لا يُعطيك بعضه، حتى تعطيه كلك".
وصية ابن الجوزي لابنه: العز في القناعة لا في المال
في حلقةٍ من حلقات الذكر بـ "بغداد"، وبينما كان "جمال الدين ابن الجوزي" يفيض على الناس من عذب وعظه، التفت إلى ولده يسكب في روعه خلاصة عمرٍ مديد، ودرسًا في الأنفة لا يمحوه الزمان. أراد الإمام أن يعلّم ولده أنَّ الميراث الحقيقي ليس صِحافًا من ذهب، بل هو عزةٌ في النفس ويقينٌ في الخالق.
قال الإمام وكأنما يستعرض شريط الذكريات: "اعلم يا بني، أنَّ جَدَّك كان امرأً موسرًا، خلَّف وراءه ألوفًا مؤلفة من المال، فلما بلغتُ مبلغ الرجال ودُفعت إليَّ التركة، لم يصبني منها إلا نزرٌ يسير؛ عشرون دينارًا ودارين، قيل لي: هذا مالك كله!".
لم يندب الشاب "ابن الجوزي" حظه، ولم يتطلع إلى ما في أيدي الآخرين، بل نظر إلى تلك الدنانير القليلة بعين "طالب العلم" الذي يعرف أين تكمن الكنوز. فلم يلبث أن مضى بها إلى حوانيت الوراقين، فابتاع بها أمهات الكتب، ثم باع الدارين وأنفقهما في سبيل طلب العلم والرحلة في طلبه، حتى نفد المال كله، وبقي الزادُ الذي لا ينفد: "العلم والعمل".
ثم انتفض الإمامُ بوقار العلماء قائلًا: "يا بني.. ما ذلَّ أبوك في طلب العلم قط!".
لقد رسم ابن الجوزي لولده دستورًا في العيش الكريم؛ فما طاف بالبلدان يستجدي عطاء الناس كما يفعل بعض الوعاظ، ولا سطر رقعةً يسأل فيها وجيهًا أو ذا جاهٍ درهمًا، بل كان يعيش بترفِ القناعة، وعزِّ التوكل.
مضى ابن الجوزي وقد ترك لولده وللأمة من خلفه برهانًا ساطعًا على أنَّ من أقبل على الله بكليته، أقبل الله عليه بفضله؛ مصداقًا لقوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فكانت أموره تجري على السداد، ورأسه لا ينحني إلا لرب العباد.
مصعب بن الزبير ودم أبيه: حين يكون العفو أرفع من الثأر
حين استوت لمصعب بن الزبير ولايةُ العراق، وجلس يوماً يبسط يده بالعطاء للجند، ويوزع عليهم أرزاقهم بإنصافٍ وعدل، كان الزمانُ يعيدُ للأذهان ذكرى والده "حواريّ رسول الله" الزبير بن العوام رضي الله عنه. وفي تلك اللحظة التي تشرئبُّ فيها الأعناقُ طمعاً في نوال الأمير، شقَّ سكونَ الجمع صوتٌ جهوريٌّ يأمر به الأميرُ مناديَه: "نادِ في الناس: أين عمرو بن جرموز؟".
تسمَّر الناسُ في أماكنهم، ووجفت القلوبُ هولاً؛ فـ "ابنُ جرموز" هذا هو الرجل الذي اجترأ على دم الزبير بن العوام فقتله غدراً. ظنَّ الحاضرون أنَّ سيفَ الانتقام قد استُلَّ من غمده، وأنَّ مصعباً يريد أن يثأر لدم أبيه الذي ما يزال يغلي في عروق آل الزبير.
انبرى من وسط الزحام من يقول في وجل: "أيها الأمير، إنَّ الرجل قد توارى عن الأنظار، وتباعد في فجاج الأرض، خوفاً من سطوتك وطلباً لدمه".
وهنا، ارتسمت على محيا مصعب بن الزبير أماراتُ الأنفة التي لا تضاهى، ونطق بكلماتٍ سطرها التاريخ بمداد من العزة والترفع، فقال: "أو يظنُّ الجاهلُ أني أقيدُه بأبي عبد الله؟!".
لقد كان مصعبٌ يرى أنَّ "عمرو بن جرموز" أحقرُ من أن يكون كفؤاً لوالده العظيم، وأنَّ دم الزبير أطهرُ وأغلى من أن يُغسل بدم رجلٍ غادرٍ مثل ابن جرموز. ثم أردف في كبرياءٍ ونبل: "فليظهر آمناً مطمئناً، وليأخذ عطاءه موفراً غير منقوص!".
مضى مصعب بن الزبير في عطائه، تاركاً للناس درساً فذّاً في "عزة النفس"؛ فليس الثأرُ دائماً بإراقة الدماء، بل قد يكون الثأرُ بالترفع عن القاتل، والسمو بالفقيد الغالي عن أن يوضع في ميزانٍ واحدٍ مع قاتلٍ ذليل.
((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (311).
عمر بن عبد العزيز والسمّ: عفو الخليفة العادل عند القدرة
في تلك الأيام المثقلة بالأوجاع، حين بدأ النحولُ يغزو جسد الخليفة الزاهد "عمر بن عبد العزيز"، وتسلل الوهنُ إلى أطرافه التي أتعبها السهرُ على مصالح المسلمين، استشعر الناسُ الخطرَ على إمامهم، وجعلت الشائعاتُ تروح وتغدو في أزقة "دير سمعان".
أقبل الإمام "مجاهد" على الخليفة، فنظر إليه عمرُ بعينين يملؤهما اليقين والهدوء، وسأله في رفق: "يا مجاهد، ما يقول الناسُ فيَّ وفي هذا الداء الذي نزل بي؟". أطرق مجاهدٌ برأسه قليلاً، ثم قال بصوتٍ خفيض: "يقولون يا أمير المؤمنين: إنك مسحور".
ابتسم عمرُ ابتسامةً باهتةً يغلفها الرضا، وهزَّ رأسه نافياً وهو يقول: "ما أنا بمسحور يا مجاهد..". فقد كان عمرُ أعلم الناسِ بوجعه، وأبصرهم باليد التي امتدت إليه بالسوء.
لم يتوانَ الخليفةُ العادل، فاستدعى غلاماً له كان يخدمه، ونظر في عينيه نظرةً عاتبةً رحيمة، وقال له: "ويحك! ما الذي حملك على أن تسقيني السم؟". ارتعدت فرائص الغلام، وسقط القناعُ أمام هيبة الخليفة، فاعترف والدموعُ تسبق كلماتِه: "حملني على ذلك ألفُ دينار أُعطيتها، ووعدٌ بأن أُعتقَ وأغدو حراً!".
لم يغضب عمر، ولم يأمر بالجلادين ليقطعوا عنق الغلام الذي تآمر على حياته، بل تجلت في تلك اللحظة عظمةُ النفس التي طُلقت الدنيا. قال للغلام بوقارٍ مذهل: "هاتِ الدنانير..". فلما أُحضرت، لم يضعها عمر في جيبه، ولا أنفقها على دوائه، بل أمر بها فأُلقيت في "بيت مال المسلمين"؛ لأنها مالٌ نبت من غدرٍ فلا حقَّ له فيه.
ثم التفت إلى الغلام الذي كان ينتظر حكم الموت، فقال له في سماحةٍ لا يقدر عليها إلا الكبار: "اذهب حيث لا يراك أحد..". لقد منحه الحرية التي طمع فيها، لكنه عتقٌ مشوبٌ بمرارة الندم، وأمره بالفرار بعيداً حتى لا تدركه أيدي الناس بالقصاص بعد رحيله.
مضى عمر بن عبد العزيز إلى ربه، مخلفاً وراءه أروع الأمثلة في أنَّ القائد الحقَّ هو من يغلب عفوُه غضبَه، ومن يرى في بيت مال المسلمين أحقَّ بكل درهم، حتى وإن كان ثمناً لحياته هو.
((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (57/ 19).
محمد بن البعيث والمتوكل: كيف أنقذت الفصاحة رقبة صاحبها
أُدخل "محمد بن البعيث الربعي" على الخليفة العباسي "المتوكل"، والقيودُ تثقله، والموتُ يرفرف فوق رأسه. لم تكن هذه جنايته الأولى؛ فقد خرج على الدولة، فذُيق مرارة السجن، لكنه ما إن وجد ثغرةً حتى فرّ عائداً إلى تمرده وشقاقه، فجِيء به هذه المرة لِيُضرب عنقه صبراً أمام ناظري الخليفة، وليكون نكالاً لمن تسول له نفسه العبث بأمن الخلافة.
وقف "ابن البعيث" بين يدي المتوكل، والسيافُ قد أعدّ نِطعه، والقلوبُ بلغت الحناجر. نظر إليه المتوكل بعين الغضب الحانق وسأله: "يا محمد، ما الذي حملك على ما صنعت؟! أبعد العفو تمرداً؟ وبعد الإحسان نكراناً؟".
هنا، والأنفاسُ محبوسة، لم يركن ابن البعيث إلى الوجل الذي يخرس الألسن، بل استجمع شتات نفسه، وأطلقَ لخياله العنان في رحاب الفصاحة، فقال بلسانٍ يقطر ذلاً للحق وعزةً بالبيان: "الشِّقوة يا أمير المؤمنين! غلبت عليّ شقوتي فغويتُ، وأنت الحبلُ الممدود بين الله وبين خلقه، وإن لي بك لظنّين؛ أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو".
ثم تنفس الصعداء، وألقى بين يدي الخليفة بيتين كأنهما السحر، يلامسان كبرياء الملوك برقة الاستعطاف:
تضاءَل ذنبي عِندَ عَفوِك قِلَّةً *** فمُنَّ بعَفوِك فالعَفْوُ أفضَلُ
لم أتوسَّمْ غيرَ ما أنت أهلُهُ *** وأنَّك بي خيرَ الفَعَالَينِ تَفعَلُ
سكن غضبُ المتوكل، وانكسرت حدةُ السيف أمام رقة الكلمة. لقد عرف ابن البعيث كيف ينفذ إلى قلب الخليفة من باب الجود والترفع، فأدرك المتوكل أنَّ من ملك هذا البيان لا يُقتل، وأنَّ العفو عند المقدرة هو شيمةُ الملوك العظام.
أشار الخليفة بيده إلى السياف أن كفّ، وأمر بفك قيود الرجل، قائلاً بلسان الصفح: "عفونا عنك". فخرج ابن البعيث وقد وهبته الفصاحةُ عُمراً جديداً، وبقي موقفه شاهداً على أنَّ "جمال المنطق" قد يفتح من أبواب النجاة ما لا تفتحه القوة والمنعة.
((ربيع الأبرار)) للزمخشري (2/ 109).
الأحنف بن قيس وفن الإقناع: كلمة واحدة فتحت أبواب السجون
دخل "الأحنف بن قيس" -سيد تميم وواحدٌ من دهاة العرب وحكمائهم- على الأمير "مصعب بن الزبير" في قصر إمرته بالعراق. وكان في صدر الأحنف حاجةٌ لقومه الذين غصت بهم جدران السجن، وأثقلت كواهلهم القيود، بعد أن نالوا من غضب الأمير ما نالوا.
وقف الأحنف أمام مصعب بوقاره المعهود، وسكينته التي تزلزل الجبال، ولم يلجأ إلى الصياح أو استدرار العواطف بمذلة، بل أراد أن يشرع للأمير باباً من أبواب المنطق والعدل، لا يجد المرءُ منه مهرباً.
تفرّس الأحنف في وجه مصعب، ثم ألقى بكلماته الرصينة التي وُزنت بميزان الذهب، قائلاً: "أصلح الله الأمير.. إنَّ هؤلاء الذين خلف القضبان لا يخرج حالهم عن أمرين: إن كانوا قد حُبسوا في باطلٍ وظلم، فعدلُ الله والحقُّ الذي قامت عليه السموات والأرض يوجبان إخراجهم.. وإن كانوا قد حُبسوا في حقٍّ وجناية، فإنَّ عفوك الذي وسع الناس والآفاق يسعهم بلا ريب".
كانت الكلمات كوقع السهم في مرماه؛ فقد وضع الأحنفُ الأميرَ أمام خيارين أحلاهما نصرٌ للفضيلة: إما إمضاءُ الحق، وإما إعلاءُ شأن العفو. فلم يجد مصعب بن الزبير أمام هذه الحجة الدامغة، وهذا الأدب الرفيع في النصيحة، إلا أن يبتسم إعجاباً برجاجة عقل الأحنف، وأصدر أمره لساعته: "خلوهم للأحنف".
خرج القومُ إلى النور بفضل كلمةٍ طيبة، حوت من معاني السياسة والشرع ما يعجز عنه الخطباء، ليبقى الأحنف بن قيس مدرسةً للأجيال في كيف تُفتح مغاليق القلوب بمفاتيح الحكمة والبيان.
((ربيع الأبرار)) للزمخشري (3/ 82).
أبو العتاهية في السجن: أبيات هزّت قلب هارون الرشيد
في غياهب السجن، حيث يلفُّ الصمتُ والوحشةُ أبا العتاهية، كان الخليفةُ "هارون الرشيد" قد أطبق عليه العقاب، بعد أن ناله منه ما استوجب الحبسَ والضيق. ولم يكن الرشيدُ ليغفل عن حال سجينه؛ فأمر صاحبَ خَبَرٍ أن يلازمه، ويرقبَ أنفاسه، وينقلَ إليه كل ما يخطُّه قلمه أو يلهج به لسانه، علّه يجد في قوله ندمًا أو إنابة.
مضت الأيامُ ثقيلةً، وفي ليلةٍ من الليالي سكنت فيها الرقابة، استجمع الشاعرُ جراحه، ونطق بلسان الحكمة الذي لا يخبو، وجعل ينشدُ أبياتًا تقطرُ يقينًا، وتهزُّ أركانَ النفوس الغافلة. فما كان من "الرقيب" إلا أن أسرع بالكلمات إلى مسامع الخليفة، وكأنها شررٌ من نار.
قرأ الرشيدُ ما جادت به قريحةُ الشاعر في مِحنته، فإذا بها كلماتٌ تخترقُ حجاب الكبرياء:
أمَا واللَّهِ إنَّ الظُّلمَ لُومٌ *** وما زال المُسيءُ هو الظَّلومُ
إلى دَيَّانِ يومِ الدِّينِ نَمضي *** وعندَ اللَّهِ تجتَمِعُ الخُصومُ
وقعت الأبياتُ في قلب الرشيد وقع الصاعقة، واهتزت لها جوانحه؛ فقد تذكر في تلك اللحظة عظمة "الديَّان" الذي لا يظلم مثقال ذرة، ورأى نفسه خصمًا أمام شاعرٍ أعزل لا يملك إلا صوته. فلم يملك الخليفةُ دموعه التي انهمرت على لحيته، وداخلته رقةٌ لم يعهدها.
لم يتوانَ الرشيد, فأمر بإحضار أبي العتاهية من سجنِه لساعته. فلما وقف بين يديه، وجد في عينيه نظرةَ الصفحِ والخشية، فأمر بإطلاقه فورًا، بل وأجزل له العطاء بألفي دينار، لتكون بلسمًا لجراحه، وشاهدًا على أنَّ "تذكرة الآخرة" هي السيفُ الوحيد الذي يغلبُ صولة الملوك.
خرج أبو العتاهية إلى النور، وهو يعلم أنَّ "كلمة الحق" هي التي فكت أغلاله، وأنَّ من جعل اللهَ خصمه ضاع، ومن استجار بعدل اللهِ نجى وخاب ظالمه.
داود الطائي: زهد طويل عاش به ثلاثين عامًا بأربع مئة درهم
في أزقة الكوفة العريقة، حيث تعبق الأنفاس بذكر الله، نشأ "داود الطائي" في بيتٍ لا يبتغي أهله من الدنيا إلا ما يُقيم الأود، ويُعين على طاعة المعبود. فلما ارتحل والداه إلى جوار ربهما، خلّفا له تركةً يسيرة؛ داراً تأويه، وبضعة دنانير ودراهم هي كل ما ملكت يداه من حطام هذه الأرض.
لكنَّ داود -الذي ذاق حلاوة الإيمان- لم ينظر إلى تلك الدنانير بعين الطمع، ولا إلى الدار بعين الرغبة في التشييد والزخرفة؛ بل جعل من قناعته حصناً منيعاً لا تبلغه رياح الترف.
عاش داود في داره تلك حياةً يملؤها السكون والرضا؛ فكان كلما وهن ركنٌ من أركان البيت، أو تداعى سقفُ غرفةٍ من غرفه، أعرض عن ترميمه، وانتقل إلى بيتٍ آخر (غرفة أخرى) داخل الدار، معتزلاً صخب الدنيا، زاهداً في إصلاح ما مآله إلى الزوال. لقد كان يرى أنَّ العمر أقصر من أن يُفنى في "طينٍ وحجر"، وأنَّ دار البقاء هي التي تستحق عناء البناء.
أما تلك الدراهم الأربعمائة التي ورثها، فقد سطر بها ملحمةً في العفاف؛ إذ مكث يتقوّتها ثلاثين عاماً! نعم.. ثلاثين عاماً وهو يوزعها على أيامه توزيع الشحيح بوقته، السخيّ بقلبه، حتى إذا نفدت تلك الدراهم ولم يبقَ له ما يسد به الرمق، بدأ ينقض خشب سقوف بيته المتداعي ليبيعه ويشتري به ما يقيمه.
يُروى أنه عاش عشرين سنة بثلثمائة درهم فقط! فما عرفت يده الإسراف، وما عرف قلبه التطلع لما في أيدي الناس. وظل على حاله تلك، يقتصد في مطعمه ومشربه، ويضنُّ بدنانيره عن كل ترف، حتى إذا وافته المنيةُ ولفظ أنفاسه الأخيرة، وُجد أنَّ آخر درهمٍ من تركة أبيه هو الذي اشتُري به "كفنه" الذي لُفَّ فيه.
مضى داود الطائي إلى ربه، مخلفاً وراءه داراً خربةً في ظاهرها، لكنها عامرةٌ بذكر الله في باطنها، وتاركاً للأجيال درساً بليغاً في أنَّ "الغنى غنى النفس"، وأنَّ المؤمن الحق هو من يسكن الدنيا ببدنه، وقلبه معلقٌ بالعرش، لا تفتنه دارٌ فانية، ولا دنانيرُ زائلة.
عروة بن أذينة وهشام بن عبد الملك: حين سبق التوكل عطاء الملوك
يمّم الشاعرُ الفقيهُ "عروة بن أُذينة" وجهه شطر دمشق في جماعة من الشعراء، يقصدون باب الخليفة الأموي "هشام بن عبد الملك". فلما دخلوا عليه، وأخذ الشعراء ينشدون من جيّد قصائدهم، وقع بصرُ الخليفة على عروة، وكان يعرف فضلَه ورزانة شعره، فاستحضر في ذاكرته بيتين طالما سيرا بين الناس من قول عروة في القناعة والرزق.
أراد هشامٌ أن يمازح عروة أو يختبر صدق قوله بفعله، فقال له بلهجةِ المُنكر: "ألستَ أنت القائل يا عروة:
لقد عَلِمتُ وما الإسرافُ مِن خُلُقي *** أنَّ الذي هو رِزقي سوف يأتيني
أسعى له فيُعَنِّيني تطلُّبُه *** ولو قعَدْتُ أتاني لا يُعَنِّيني
ثم أردف الخليفة متهكماً: "فما الذي أقدمك إلينا من الحجاز إلى الشام؟ وهلا جلستَ في بيتك حتى يأتيك رزقك؟!".
فما كان من عروة إلا أن صمت، وما ردَّ على الخليفة بكلمة، بل أضمر في نفسه أمراً. فلما انفض المجلسُ وخرج الشعراء، لم ينتظر عروة نوالاً ولا جائزة، بل امتطى راحلته من فوره، وضرب في عرض الفيافي عائداً إلى مدينته، مؤثراً كرامة نفسه على عطاء الملوك.
سأل هشامٌ عن عروة حين أمر بجوائز الشعراء، فقيل له: "لقد انصرف الأميرُ عائداً إلى الحجاز". فأدرك هشامٌ أنَّ الأنفة قد حملت الرجل على الرحيل، وأنه أراد أن يصدق قوله بفعله، فقال الخليفة في إعجاب: "لا جرم، والله ليعلمنَّ أنَّ ذلك الرزق سيأتيه".
لم يكتفِ هشامٌ بإرسال جائزة عروة إليه, بل أمر له بضعف ما أعطى أحداً من رفاقه، وكتب له بـ "فريضتين" (راتبين)، وبعث بها مع بريدٍ سريع يطوي الأرض طياً حتى أدركه في دارِه بالمدينة.
فلما دخل البريدُ على عروة يحمل عطاء الخليفة، تبسّم تبسّم الواثق بربه، وأدرك أنَّ من صدق الله في توكله، سخر له الملوك ليسوقوا إليه رزقه وهو في عقر داره، ليبقى عروة بن أُذينة مدرسةً في الجمع بين "جمال البيان" و"عزة الجنان".
رسالة أبي حازم الأعرج إلى الأمراء: أدب الاستغناء عن الدنيا
في حلقةٍ من حلقات العلم بـ "المسجد النبوي"، حيث تخفقُ القلوبُ بذِكر الله وتشرئبُّ الأعناقُ لسماع المواعظ، كان التابعيُّ الجليل "أبو حازم الأعرج" يُرسل كلماتِه حِكمًا تُوقظُ الغافلين، وتُبصّرُ التائهين بـ "حطام الدنيا" الفاني. ولقد بلغت شهرتُه وزهدُه الآفاق، حتى تهيبَه الملوك، وتودد إليه الأمراء، طمعاً في بركته أو رغبةً في نيلِ رضاه.
بَعث إليه أحدُ أمراءِ بني أمية برقعةٍ يملؤها الودُّ الممزوجُ بالإصرار، يعزمُ فيها على أبي حازم -عزيمةَ المحبِّ والمُكرم- ألا يترددَ في رَفْعِ حوائجه إليه، ماديةً كانت أو دنيوية، ليقضيها له موفورةً ميسورة، وكأن لسان حال الأمير يقول: "أبشر يا أبا حازم، فقد فُتحت لك خزائنُ الدنيا!".
تأمَّل أبو حازم تلك الرقعة بقلبٍ لا يرى في بريق الذهب إلا لونه، ولا في سطوة الجاه إلا زوالها. لم تأخذْه نشوةُ العطاء، ولم تهتزَّ في نفسه ذرةُ رغبةٍ فيما عند الناس؛ بل استمسك بعروةِ التوكل الوثقى، وأمسك بقلمه ليخطَّ جواباً صار درساً خالداً في "أدب الاستغناء".
كتَبَ أبو حازم بمدادِ العزة: "أما بعد؛ فقد جاءني كتابُك تعزمُ عليَّ أن أرفعَ إليك حوائجي.. وهيهاتَ! هيهاتَ يا هذا!".
ثم أردف بكلماتٍ كأنها الياقوتُ رصانةً وجلالاً: "لقد رفعتُ حوائجي كُلَّها إلى ربي ومن بيده ملكوتُ كل شيء؛ فما أعطاني منها قبلتُه شاكراً، وما أمسكه عني منها قنعتُ به صابراً".
لقد ألقى أبو حازم بتلك الكلمات درساً بليغاً للأمير وللأجيال من بعده؛ أنَّ المؤمن الذي استغنى بخالقه لا يرى أحداً سواه قادراً على كشف ضره أو سوق نفعه. فخرجت الرسالة من المدينة لتصل إلى قصور الخلافة، حاملةً معها ريح العزة التي لم تلوثها المطامع، لتؤكد أنَّ "سلطان النفس" أقوى من "سلطان الجاه"، وأنَّ من ملأ قلبه باليقين، لم يجد في نفسه مكاناً لطلبٍ من غير الله.
نصيحة جارية غيّرت حياة أبي محرز الطفاوي: عز القناعة
في ريعان شبابه، حين تشرئبُّ النفسُ إلى سعة الرزق وتباري الأقران في زينة الحياة، نزل الضيقُ بساحة "أبي محرز الطفاوي"، فضاقت عليه الأرضُ بما رحبت، وأحسَّ بمرارةِ الحاجةِ تغصُّ بها نفسه. ولم يجد الشابُّ بساطاً يبثُّ عليه شجونه إلا جاريةً صالحةً في دارهم، كانت قد صهرتها الأيامُ وهذّبتها القناعة.
أقبل عليها أبو محرز والهمُّ بادي الصِفاح على وجهه، وجعل يشكو إليها ضيقَ مكسبه، وقلةَ ما في يده، وكأنه يرجو منها كلمةَ مواساةٍ أو باباً من أبواب الأمل الماديّ.
نظرت إليه تلك المرأةُ الحكيمةُ نظرةً يملؤها العطفُ والرزانة، ولم تزدْ على أن سكبت في روعه كلماتٍ لو وُزنت بالذهب لرجحت به، فقالت في أدبٍ بليغ: "يا بنيّ.. استعن بعِزِّ القناعةِ عن ذُلِّ المطالب؛ فكثيراً والله ما رأيتُ القليلَ عاد سليماً!".
كانت كلماتها كوقع الندى على الأرض الظمأى؛ فقد نبهته إلى "العزِّ" الحقيقي الذي لا يملكه الملوك، وهو الاستغناءُ عما في أيدي الناس، وحذّرته من "الذلِّ" الذي يسكنُ قلوبَ الطامعين. ثم ذكّرته بحقيقةٍ خبرتها السنون؛ أنَّ المال القليل الذي تصحبه السكينةُ والرضا، يعودُ على صاحبه بالسلامة والبركة في دينه وبدنه، بخلاف الكثير الذي قد تتبعه الفتنُ والآثام.
يحدثنا أبو محرز عن أثر تلك النصيحة الغالية التي نبعت من قلبٍ مؤمن، فيقول بامتنان: "ما زلتُ بعدُ أعرفُ بركةَ كلامِها في قنوعي".
لقد تحول ضيقُ العيش في عينه إلى سعةٍ في الرضا، وغدا كلامُ تلك الجارية مناراً يهتدي به كلما عصفت به رياحُ الحاجة، ليبقى أبو محرز الطفاوي شاهداً على أنَّ الحكمة قد ينطق بها لسانٌ بسيط، فتُغيّرُ مجرى حياةٍ بأكملها.
محمد بن واسع وخبز الماء: الحرية الحقيقية في القناعة
في مدينة البصرة، حيث كان الصالحون يتسابقون إلى مغفرةٍ من ربهم ورضوان، برز التابعيُّ الجليل "محمد بن واسع" مناراً في الزهد، وجبلاً في الورع. لم يكن يبحثُ عن الصيت أو الجاه، بل كان هَمُّه أن يلقى الله بقلبٍ سليم، ونفسٍ لم تتلوث بأدران الطمع أو ذلِّ الحاجة إلى غير الخالق.
رآه الناسُ يوماً وقد جلس إلى مائدته، فما وجدوا فيها طعاماً يُشهى، ولا لوناً من ألوانِ النعيم؛ بل رأوا بين يديه كِسَراً من "الخبز اليابس" الذي جفَّ منه اللين، وعجزت عنه الأسنان. فلم يزد هذا العابدُ الشاكرُ على أن غمس تلك الكِسَر في قليلٍ من الماء، حتى تلين له فيأكلها، والرضا يفيضُ من وجهه كما يفيضُ النور من السراج.
تأمله الناظرون في دهشةٍ، وهم يرون سيداً من سادات العلم والعبادة يكتفي بهذا القوتِ اليسير، فالتفت إليهم وكأنه يقرأ ما في صدورهم من عجب، وأطلق كلمته الخالدة التي غدت قانوناً لكلِّ عزيزِ نفس: "من قنع بهذا، لم يحتج إلى أحد!".
لقد اختصر محمد بن واسع فلسفة "الحرية الحقيقية" في رغيفِ خبزٍ يابس؛ فالمؤمن الذي يُروّضُ نفسه على الكفاف، ويقنعُ بما يقيمُ الرمق، يملكُ من القوة ما لا يملكه أصحابُ القصور؛ إذ يتحررُ من قيودِ الرجاء في عطايا الخلق، ويقطعُ طمعه فيما بأيديهم، ليظلَّ جبهته شامخةً لا تنحني إلا لله رب العالمين.
مضى ابنُ واسع، وبقيت كِسراتُ خبزهِ المبلولة بالماءِ شاهدةً على أنَّ "شبعَ الروح" لا يحتاجُ إلى موائدَ حافلة، وأنَّ مَن ملأ قلبَه باليقين، رأى في الخبز والماءِ ملكاً لا يُضاهى، وعزاً لا يُدانى.
ابن الجوزي يخاطب نفسه: محاسبة دقيقة بين الدنيا والآخرة
في ساعةٍ من ساعاتِ الصفاء، اختلى الإمامُ العلامة "ابن الجوزي" بنفسه، ليفتحَ معها سِجلَّ الحساب، لا حسابَ الدنانيرِ والدراهم، بل حسابَ الأخلاقِ والمقاصد. نظر الإمامُ إلى نفسه وهي تتطلعُ إلى حطام الدنيا، وتتوقُ إلى جَمْعِ المالِ من وجوهٍ قد لا يسلمُ ظاهرُها من شُبهة، فانتفضَ فيها ناصحاً ومعاتباً، وأطلقَ صرخةَ اليقينِ في روعها قائلاً:
"ويحكِ يا نفسُ! اسمعي لِمَا أقول: هبْ أنكِ جمعتِ من الدنيا كنوُزاً من وجهٍ تعتريه الشبهة، فهل أنتِ على يقينٍ من إنفاقه والتمتعِ به؟".
أطرقتْ نفسه واجمةً، وقالت في انكسار: "لا". فاستأنف الإمامُ هجومَه الظافر: "إذن فهي المحنةُ بعينها! أن يحظى بمالكِ غيرُكِ من الوارثين، ولا تنالينَ أنتِ إلا الكدَرَ في الدنيا، والوزرَ الثقيلَ الذي لا تُؤمنُ عواقبه في الآخرة!".
ثم أخذَ يشدُّ على يدها بواعظِ الورع: "ويحكِ! اتركي هذا الذي يمنعُ منه الورعُ إجلالاً لله، وعامليه بتركِ المشتبهات، فما تَرَكَ أحدٌ لله شيئاً إلا عوّضه خيراً منه. أتراكِ لا تتركنَ إلا المحرّمَ الصِّرف؟ فأين رتبةُ الصديقين؟".
ولكي يقطعَ عليها خطوطَ الرجعة، ضربَ لها الأمثلةَ من واقعِ الناس، فتساءل في مرارة: "أما لكِ عبرةٌ في أقوامٍ جمعوا فاستحوذَ على جَمْعِهم سواهم؟ وأمَّلوا فما بلغوا مُناهم؟ كم من عالمٍ كدّسَ الكتبَ فما انْتَفَعَ بها! وكم من طالبِ عِلمٍ مباركٍ ما عنده إلا نُزيٌر يسيرٌ فبارك الله له فيه! وكم من غنيٍّ يملكُ القناطيرَ وهو منغَّصُ العيشِ، وكم من بسيطِ الحالِ لا يملكُ دينارين وهو طيِّبُ النفسِ قريرُ العين!".
ثم ختمَ "ابن الجوزي" مناجاته بلمحةٍ ذكيةٍ تخاطبُ العقلَ والواقع، فقال: "أما لكِ فطنةٌ تتلمحُ أحوالَ من يترخّصُ في كسبِ المالِ من وجهٍ مريب، فيُسلبُ منه أضعافُه من أوجُهٍ شتى؟ فربما نزل المرضُ بصاحبِ الدارِ أو بأهله، فأنفقَ في سنةٍ واحدةٍ أضعافَ ما جمعه بالترخُّصِ والشبهة.. أما المتقي، فإنه في كنفِ اللهِ مُعافى!".
مضى ابنُ الجوزي بعد هذه الخلوة وقد هذَّبَ نَفْسَه بصقيلِ الموعظة، ليبقى كلامُه مناراً لكلِّ من أراد أن يزنَ حياته بميزانِ "الآخرة"، مؤثراً سلامةَ الدينِ على عَرَضِ الدنيا الزائل.
زهد ابن تيمية: كيف ملك القلوب حين زهد في الدنيا
لو وقفتَ برجلٍ من عامة الناس في أقصى بقاع الأرض، وسألته بلسان المسترشد: "مَن هو أزهدُ أهل هذا العصر، وأكملُهم ترفُّعاً عن فُضول العيش، وأشدهم شوقاً إلى دار البقاء؟"؛ لما تردد في أن يجيبك بملء فيه: "إنه أحمد بن تيمية!".
لقد طار صيتُ ابن تيمية في الآفاق، لا بعلمه الغزير فحسب، بل بهذا الزهد العجيب الذي ملك عليه أقطار نفسه، وما استقرَّ له هذا الثناء في قلوب الخلق إلا لشدة مبالغته في الإعراض عن الدنيا مع صدق النية وإخلاص السريرة.
تأملْ في حياة هذا الإمام، تجدْ رجلاً عاش بين الناس ببدنه، ورحل عنهم بقلبه؛ فما سُمع عنه يوماً أنه رغب في زوجةٍ حسناء، ولا تطلع إلى سريةٍ حوراء، ولا اشتهى السكنى في "دارٍ قوراء" (واسعة)، ولا ملك بساتينَ ولا عقاراً. لم يشدَّ يده على دينارٍ ولا درهم، ولم يلتفت إلى دوابَّ ولا نعم، ولا تزين بثيابٍ فاخرةٍ ناعمة، ولا استكثر من الخدم والحشم.
والأعجبُ من ذلك كله، أنه لم يزاحم يوماً على "رئاسة"، ولا رُئي ساعياً في تحصيل المباحات التي يتنافس عليها الناس، مع أنَّ الدنيا قد أقبلت عليه وهي صاغرة؛ فكان الملوك والأمراء، والتجار والكبراء، طوع أمره، خاضعين لقوله، وادّين من أعماق قلوبهم أن يتقربوا إليه بما استطاعوا، بل كان كلُّ واحدٍ منهم يرجو أن يؤهله الإمامُ ليبذل ماله كله بين يديه إجلالاً لقدره وتعظيماً لشأنه.
لكنَّ ابن تيمية كان يرى أنَّ "حبس النفس" عن فضول الدنيا هو السبيل الأقصر إلى نصرة الحق؛ فترك للأمراء قصورهم، وللتجار أموالهم، واكتفى من الدنيا بـ "بلغة المسافر"، ليتفرغ لبناء حصون العقيدة والذود عن حياض السنة.
مضى ابن تيمية، وبقيت سيرته مناراً لكل عالمٍ أراد أن يكون "ربانياً"، يثبت للدنيا أنَّ عزة العلم لا تكتمل إلا بـ "عزة النفس"، وأنَّ العالم الحقيقي هو الذي يملك الدنيا بزهده فيها، ولا تملكه هي ببريقها الزائل.