recent
آخر القصص

السيرة الكاملة لصهر الرسول ﷺ | قصة علي بن أبي طالب الذي هربت منه الأبطال خوفا !! #وثائقي

نستعرض معكم سيرة فتى النبوة وليث بني غالب، الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. من نشأته في حجر النبي ﷺ وفدائه العظيم ليلة الهجرة، إلى بطولاته التي زلزلت حصون خيبر ومواقفه في القضاء والعدل والزهد الذي أعجز الملوك. نروي تفاصيل حياته كاملة حتى لحظة استشهاده ووصيته الخالدة التي بقيت منارة للأجيال.
🔊
سِيرَةُ فَتَى النُّبُوَّةِ.. وَلَيْثِ بَنِي غَالِب
تَخَيَّلوا معنا رَجُلًا تَهْرُبُ مِنْهُ الأَبْطَالُ فِي الْمَعَارِكِ خَوْفًا، وَتَهْرُبُ الدُّنْيَا مِنْهُ خَجَلًا!.. يَمْلِكُ كُنُوزَ دَوْلَةٍ مُمْتَدَّةٍ، ثُمَّ يَبِيعُ سَيْفَهُ لِيَشْتَرِيَ طَعَامَ عَشَائِهِ!.. فَارِسٌ لَا يَشُقُّ لَهُ غُبَارٌ فِي النَّهَارِ، وَعَابِدٌ يَبْكِي فِي مِحْرَابِ اللَّيْلِ.. قصتنا يا سادة لَيْسَتْ أُسْطُورَةً خَيَالِيَّةً.. هَذِهِ قِصَّةُ أَسَدِ اللهِ الْغَالِب.. عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب رضي الله عنه..

الْبِدَايَةُ.. فِي كَنَفِ الطُّهْرِ

فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ، حَيْثُ تَتَنَزَّلُ الرَّحَمَاتُ، وَتَعَانِقُ الجِبَالُ السَّمَاءَ بِشُمُوخٍ وَإِبَاءٍ، وَقَبْلَ أَنْ يَبْزُغَ فَجْرُ الرِّسَالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِعَشْرِ سِنِينَ، تَهَلَّلَ وَجْهُ "أَبِي طَالِبٍ" بِمَوْلُودٍ لَيْسَ كَالْوِلْدَانِ، فَتًى هَاشِمِيٌّ مِنْ ذُؤَابَةِ قُرَيْشٍ، اخْتَارَتِ الأَقْدَارُ أَنْ يَتَفَتَّحَ وَعْيُهُ فِي بَيْتٍ هُوَ أَطْهَرُ الْبُيُوتِ، وَأَنْ يَرْتَضِعَ لِبَانَ الفَضِيلَةِ مِنْ نَبْعِ النُّبُوَّةِ قَبْلَ أَنْ تَفِيضَ عَلَى العَالَمِينَ.

إِنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَصِنْوُ رُوحِهِ. شَاءَتِ الحِكْمَةُ الإِلَهِيَّةُ أَنْ تُصِيبَ قُرَيْشًا أَزْمَةٌ وَقَحْطٌ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرٍ وَمَالٍ يَسِيرٍ، فَانْبَرَى الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ - وَهُوَ النِّبْرَاسُ فِي الوَفَاءِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ - لِيَحْمِلَ عَنْ عَمِّهِ بَعْضَ الثِّقْلِ، فَضَمَّ عَلِيًّا إِلَى كَنَفِهِ، لِيَنْشَأَ هَذَا الفَتَى النَّجِيبُ فِي "مَدْرَسَةِ النُّبُوَّةِ" قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَى النَّبِيِّ، فَتَشَرَّبَ أَخْلَاقَ الأَمِينِ، وَتَطَبَّعَ بِطِبَاعِهِ، فَكَانَ كَالظِّلِّ لِصَاحِبِهِ، لَا يُفَارِقُهُ فِي غُدُوٍّ وَلَا رَوَاحٍ، حَتَّى كَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ.


أَوَّلُ السَّابِقِينَ.. وَنَبْضَةُ الإِيمَانِ الأُولَى

وَمَا إِنْ أَشْرَقَ نُورُ الْوَحْيِ فِي غَارِ حِرَاءَ، وَنَزَلَ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِ المُصْطَفَى ﷺ، حَتَّى كَأَنَّ قَلْبَ عَلِيٍّ كَانَ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ هَذَا النُّورِ. ذَاتَ يَوْمٍ، دَخَلَ الفَتَى الَّذِي لَمْ يَتَجَاوَزِ العَاشِرَةَ مِنْ عُمْرِهِ، فَرَأَى ابْنَ عَمِّهِ وَزَوْجَهُ خَدِيجَةَ الطَّاهِرَةَ يَرْكَعَانِ وَيَسْجُدَانِ لِخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فَتَسَاءَلَ بِدَهْشَةِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ: "مَا هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟". فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلِمَاتٍ تَنْسَابُ نُورًا: «دِينُ اللهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، فَأَدْعُوكَ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ تَكْفُرَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى».

وَلِأَنَّ "عَلِيًّا" لَمْ يُدَنِّسْ جَبْهَتَهُ بِسَجْدَةٍ لِصَنَمٍ قَطُّ - وَلِذَا قِيلَ فِيهِ: كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - لَمْ يَتَلَجْلَجْ قَلْبُهُ، وَلَمْ يَطْلُبْ مُهْلَةً لِيُشَاوِرَ أَبَا طَالِبٍ، بَلْ قَذَفَ اللهُ فِي قَلْبِهِ اليَقِينَ، فَأَسْلَمَ، لِيَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَانِ، وَوَاحِدًا مِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي مِيزَانِ اللهِ مُقَرَّبُونَ. وَظَلَّ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ خَوْفًا مِنْ بَطْشِ قُرَيْشٍ، بَيْدَ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى شِعَابِ مَكَّةَ لِيُصَلِّيَا مَعًا، رَفِيقَيْنِ فِي الدَّرْبِ، وَحَبِيبَيْنِ فِي اللهِ.


لَيْلَةُ الفِدَاءِ.. وَالنَّوْمُ فِي مَضْجَعِ الخَطَرِ

وَمَضَتِ السِّنُونَ، وَاشْتَدَّ أَذَى قُرَيْشٍ، وَتَآمَرَ طَوَاغِيتُهَا فِي "دَارِ النَّدْوَةِ" عَلَى قَتْلِ السِّرَاجِ المُنِيرِ ﷺ، وَأَجْمَعُوا أَنْ يَضْرِبُوهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ لِيَتَفَرَّقَ دَمُهُ بَيْنَ القَبَائِلِ. هُنَا، فِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الحَاسِمَةِ، تَجَلَّتْ بُطُولَةُ "عَلِيٍّ" الَّتِي لَا نَظِيرَ لَهَا.

أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبِيتَ فِي فِرَاشِهِ، وَأَنْ يَلْتَحِفَ بِبُرْدِهِ الأَخْضَرِ الحَضْرَمِيِّ، لِيُوَهِّمَ القَوْمَ أَنَّ مُحَمَّدًا لَا يَزَالُ رَاقِدًا، بَيْنَمَا يَمْضِي هُوَ وَصَاحِبُهُ "أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ" - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي طَرِيقِ الهِجْرَةِ.

هَلْ تَرَدَّدَ عَلِيٌّ؟ هَلِ اهْتَزَّ لَهُ جَفْنٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ سُيُوفَ الْغَدْرِ مُصْلَتَةٌ عَلَى هَذَا الفِرَاشِ؟ كَلَّا وَرَبِّ الكَعْبَةِ! بَلْ نَامَ قَرِيرَ الْعَيْنِ، ثَابِتَ الجَنَانِ، مُفْتَدِيًا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِنَفْسِهِ وَرُوحِهِ، مُسَطِّرًا بِذَلِكَ أَعْظَمَ مَلْحَمَةٍ فِي الفِدَاءِ، حَيْثُ اخْتَبَأَ النُّورُ تَحْتَ عَبَاءَةِ الشَّجَاعَةِ. وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مُكَلَّفًا بِمُهِمَّةٍ أُخْرَى لَا تَقِلُّ شَرَفًا، أَلَا وَهِيَ رَدُّ الْوَدَائِعِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أَهْلِهَا؛ فَقَدْ كَانَ المُشْرِكُونَ رَغْمَ عَدَاوَتِهِمْ يَأْتَمِنُونَهُ عَلَى نَفَائِسِهِمْ.

أَدَّى الأَمَانَةَ، وَحَفِظَ الوَصِيَّةَ، ثُمَّ لَحِقَ بِرَكْبِ الحَبِيبِ إِلَى "الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ"، مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ الَّتَيْنِ تَوَرَّمَتَا مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، لِيَبْدَأَ فَصْلٌ جَدِيدٌ مِنْ فُصُولِ العِزَّةِ وَالإِبَاءِ.


فِي رِحَابِ الْمَدِينَةِ.. أَخُوَّةُ الرُّوحِ

وَصَلَ الرَّكْبُ الْمُبَارَكُ إِلَى "طِيبَةَ الطَّيِّبَةِ"، وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا. وَهُنَاكَ، شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤَسِّسُ دَوْلَةَ الإِسْلَامِ عَلَى دَعَائِمِ الْحُبِّ وَالإِخَاءِ، فَآخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، لِيَمْتَزِجَ الدَّمُ بِالدَّمِ، وَالْمَالُ بِالْمَالِ. بَقِيَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يَنْظُرُ بِعَيْنِ الشَّوْقِ، يَتَرَقَّبُ مَنْ سَيَكُونُ أَخَاهُ فِي هَذَا الْعَقْدِ الفَرِيدِ.

لَمْ يَخْتَرْ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا مِنَ السَّابِقِينَ، بَلْ ادَّخَرَهُ لِنَفْسِهِ، وَوَقَفَ أَمَامَ الْمَلَأِ آخِذًا بِيَدِ ابْنِ عَمِّهِ قَائِلًا: «أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». يَا لَهُ مِنْ وِسَامٍ لَا يُدَانِيهِ فَخْرٌ! لَقَدْ كَانَتْ مَنْزِلَةُ عَلِيٍّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَثَابَةِ الرُّوحِ مِنَ الْجَسَدِ، وَهَارُونَ مِنْ مُوسَى - إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ - فَمَشَى عَلِيٌّ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ يَحْمِلُ هَذَا الشَّرَفَ الَّذِي تُطَأْطِئُ لَهُ الْهَامَاتُ.


قِرَانُ النُّورَيْنِ.. وَالْبَيْتُ الْمُبَارَكُ

وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ، كَانَتِ السَّمَاءُ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ فَرَحٍ جَدِيدٍ. تَقَدَّمَ عِلْيَةُ الصَّحَابَةِ لِخِطْبَةِ "الزَّهْرَاءِ" فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، رَيْحَانَةِ الْمُصْطَفَى وَبِضْعَةٍ مِنْهُ، لَكِنَّ الْوَحْيَ كَانَ يَدَّخِرُهَا لِمَنْ هُوَ كُفْؤُهَا.

جَاءَ عَلِيٌّ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ، لَا يَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيَا عَرَضًا وَلَا ذَهَبًا، سِوَى دِرْعِهِ الْحُطَمِيَّةِ وَسَيْفِهِ وَفَرَسِهِ. فَهَشَّ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَبَشَّ، وَزَوَّجَهُ النُّورَ بِالنُّورِ. لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهِمَا فُرُشٌ مِنَ الدِّيبَاجِ، وَلَا أَوَانٍ مِنَ الْفِضَّةِ، بَلْ كَانَ أَثَاثُهُمَا خَشِنًا، وَحَيَاتُهُمَا جِهَادًا؛ تَطْحَنُ الزَّهْرَاءُ بِالرَّحَى حَتَّى مَجِلَتْ يَدَاهَا، وَيَسْتَقِي عَلِيٌّ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِي صَدْرِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْبَيْتَ الْمُتَوَاضِعَ كَانَ مَهْبِطًا لِلْمَلَائِكَةِ، وَمِنْهُ انْبَثَقَ نَسْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، سِبْطَا الرَّحْمَةِ: الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.


أَسَدُ الْمَعَارِكِ.. وَصَلِيلُ "ذِي الْفَقَارِ"

وَمَا إِنْ دُقَّتْ طُبُولُ الْحَرْبِ لِلدِّفَاعِ عَنْ حِيَاضِ الدِّينِ، حَتَّى تَحَوَّلَ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ إِلَى لَيْثٍ هَصُورٍ لَا يَقِفُ فِي وَجْهِهِ أَحَدٌ.

فِي بَدْرٍ الْكُبْرَى: بَرَزَ عَلِيٌّ وَهُوَ شَابٌّ يَفُورُ حَمَاسَةً، فَقَطَفَ رُؤُوسَ الشِّرْكِ، وَكَانَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ افْتَتَحُوا الْمَعْرَكَةَ بِالْمُبَارَزَةِ، فَأَرْدَى خَصْمَهُ "الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ" قَتِيلًا فِي لَمْحِ الْبَصَرِ.

وَفِي أُحُدٍ: حِينَ اضْطَرَبَتِ الصُّفُوفُ، وَأَحَاطَ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، كَانَ عَلِيٌّ كَالْحِصْنِ الْمَنِيعِ، يَذُودُ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَيَضْرِبُ يَمِينًا وَشِمَالًا بِسَيْفِهِ "ذِي الْفَقَارِ"، حَتَّى عَجِبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ ثَبَاتِهِ وَفِدَائِهِ.

وَفِي الْخَنْدَقِ (الْأَحْزَابِ): حِينَ اقْتَحَمَ فَارِسُ الْعَرَبِ "عَمْرُو بْنُ وُدٍّ الْعَامِرِيُّ" الْخَنْدَقَ، وَصَاحَ مُتَغَطْرِسًا: "هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟"، أَحْجَمَ الشُّجْعَانُ لِهُولِ مَنْظَرِهِ، فَقَامَ عَلِيٌّ وَقَالَ: "أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ". وَتَقَدَّمَ الْفَتَى الْمُؤْمِنُ لِمُلَاقَاةِ الطَّاغِيَةِ الْمُدَجَّجِ بِالْحَدِيدِ. دَارَتْ بَيْنَهُمَا رَحَى الْمَوْتِ، وَثَارَ الْغُبَارُ حَتَّى حَجَبَ الرُّؤْيَةَ، فَلَمْ يُسْمَعْ إِلَّا صَوْتُ التَّكْبِيرِ: "اللهُ أَكْبَرُ"، وَإِذَا بِرَأْسِ الطَّاغِيَةِ يَتَدَحْرَجُ، وَإِذَا بِعَلِيٍّ يَمْسَحُ سَيْفَهُ مُتَهَلِّلًا، مُسَجِّلًا نَصْرًا لِلْإِيمَانِ عَلَى الشِّرْكِ.


فَاتِحُ خَيْبَرَ.. الرَّجُلُ الَّذِي يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ

ثُمَّ كَانَتْ "خَيْبَرُ"، حِصْنُ الْيَهُودِ الْمَنِيعُ الَّذِي اسْتَعْصَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيَّامًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَتَهُ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي اشْرَأَبَّتْ لَهَا الأَعْنَاقُ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ». بَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ: أَيُّهُمْ هُوَ؟

فَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ، نَادَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَلِيٍّ، وَكَانَ أَرْمَدَ الْعَيْنَيْنِ لَا يَكَادُ يُبْصِرُ، فَبَصَقَ النَّبِيُّ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ فِي الْحَالِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ. حَمَلَ عَلِيٌّ الرَّايَةَ، وَانْطَلَقَ كَالسَّهْمِ نَحْوَ حِصْنِ "نَاعِمٍ"، فَلَقِيَهُ مَلِكُهُمْ "مَرْحَبٌ" يَرْتَجِزُ مُتَبَاهِيًا بِقُوَّتِهِ، فَأَجَابَهُ عَلِيٌّ بِصَوْتٍ يُزَلْزِلُ الْجِبَالَ:

أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ... كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ أَكِيلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ

وَضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَلَقَتْ هَامَتَهُ، وَاقْتَلَعَ بَابَ الْحِصْنِ الْعَظِيمَ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ الرِّجَالُ، وَجَعَلَهُ تُرْسًا لَهُ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَكَانَ النَّصْرُ الْمُبِينُ.


الْكَاتِبُ الأَمِينُ.. وَالْقَاضِي الْحَكِيمُ

وَمَعَ صَلِيلِ السُّيُوفِ، كَانَ لِعَلِيٍّ قَلَمٌ لَا يَجِفُّ، وَعَقْلٌ لَا يَكِلُّ. فَهُوَ كَاتِبُ الْوَحْيِ، وَكَاتِبُ عَهْدِ "الْحُدَيْبِيَةِ". وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، حِينَ رَفَضَتْ قُرَيْشٌ كِتَابَةَ "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ" وَطَلَبَتْ مَحْوَهَا، امْتَنَعَ عَلِيٌّ أَدَبًا وَحُبًّا أَنْ تَمْتَدَّ يَدُهُ لِمَحْوِ صِفَةِ الرِّسَالَةِ عَنْ اسْمِ حَبِيبِهِ، فَمَحَاهَا النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ.

كَمَا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَاضِيًا إِلَى الْيَمَنِ، فَدَعَا لَهُ بِأَنْ يُثَبِّتَ اللهُ لِسَانَهُ وَيَهْدِيَ قَلْبَهُ، فَكَانَ مِنَ الْفَطَانَةِ وَالْعَدْلِ بِحَيْثُ لَا يُشَقُّ لَهُ غُبَارٌ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِيمَا بَعْدُ: "أَقْضَانَا عَلِيٌّ"، وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ فِي الْمُعْضِلَاتِ، فَيَحُلُّهَا بِبَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ اسْتَمَدَّهَا مِنْ مِشْكَاتِهِ النَّبَوِيَّةِ.


الْوَدَاعُ الدَّامِي.. وَالْفَاجِعَةُ العُظْمَى

فِي السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ، أَظْلَمَتِ الْمَدِينَةُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُضِيئَةً، وَاهْتَزَّتِ الْأَرْكَانُ لِنَبَأٍ طَارَ صَوَابُ الْعُقُولِ لَهُ؛ لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَانْقَطَعَ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ.

كَانَ المُصَابُ جَلَلًا، لَكِنَّ عَلِيًّا - وَهُوَ الصَّابِرُ الْمُحْتَسِبُ - انْبَرَى لِأَشْرَفِ مَهَمَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ بِهَا بَشَرٌ؛ غُسْلُ الْجَسَدِ الشَّرِيفِ. دَخَلَ عَلَيْهِ وَالدُّمُوعُ تَنْحَدِرُ عَلَى لِحْيَتِهِ كَالسَّيْلِ، يُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ بِنَبْرَةٍ تَفَطَّرَ لَهَا القَلْبُ: «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا». وَتَوَلَّى مَعَ الْعَبَّاسِ وَأَبْنَائِهِ تَجْهِيزَ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَتْ يَدُهُ هِيَ الَّتِي لَامَسَتْ ذَلِكَ الْجَسَدَ الطَّاهِرَ فِي لَحَظَاتِهِ الْأَخِيرَةِ فَوْقَ الأَرْضِ، مُودِعًا رُوحَهُ وَمُعَلِّمَهُ وَحَبِيبَهُ.


عَهْدُ الصِّدِّيقِ.. وَحِكْمَةُ لَمِّ الشَّمْلِ

وَحِينَ اجْتَمَعَ الصَّحَابَةُ فِي "سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ"، وَاخْتَارَتِ الْأُمَّةُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - خَلِيفَةً لِرَسُولِ اللهِ، كَانَ عَلِيٌّ فِي شُغْلٍ بِتَجْهِيزِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَزِنَ لِتَأَخُّرِ دَعْوَتِهِ، لَكِنَّهُ - وَهُوَ الْفَقِيهُ الْوَرِعُ الَّذِي يَعْرِفُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ - لَمْ يُنَازِعْ أَبَا بَكْرٍ الْأَمْرَ، بَلْ حَفِظَ لِلصِّدِّيقِ سَابِقَتَهُ وَصُحْبَتَهُ فِي الْغَارِ.

وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى زَالَ الْعَتْبُ، وَذَهَبَ عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، مُعْلِنًا بَيْعَتَهُ، وَوَاضِعًا يَدَهُ فِي يَدِهِ، لِيَقْطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى كُلِّ فِتْنَةٍ، وَلِيُعْلِنَ لِلْعَالَمِ أَنَّ صُفُوفَ الْمُسْلِمِينَ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ. وَقَدْ كَانَ يَقُولُ: «وَاللهِ لَأُسَالِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ». فَعَاشَ فِي كَنَفِ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ نَاصِحًا أَمِينًا، وَجُنْدِيًّا مُخْلِصًا، وَوَزِيرًا صَادِقًا.


فِي عَهْدِ الْفَارُوقِ.. "لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ"

ثُمَّ آَلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، ذَلِكَ الْعِمْلَاقِ الَّذِي فَتَحَ الدُّنْيَا. وَفِي هَذَا الْعَهْدِ الزَّاهِرِ، تَجَلَّى مَعْدِنُ عَلِيٍّ النَّفِيسُ؛ فَقَدْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَشَارَ الْأَوَّلَ لِلْفَارُوقِ فِي الْمُعْضِلَاتِ الْقَضَائِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ.

كَانَ عُمَرُ - بِعَظَمَتِهِ - لَا يَقْطَعُ أَمْرًا دُونَ مَشُورَةِ أَبِي الْحَسَنِ، وَكَانَ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ مَسْأَلَةٌ شَائِكَةٌ، تَلَفَّتَ يَبْحَثُ عَنْ عَلِيٍّ، فَإِذَا رَآهُ انْفَرَجَتْ أَسَارِيرُهُ، وَقَالَ مَقُولَتَهُ الْخَالِدَةَ الَّتِي سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ: «لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ»، وَ«لَا أَبْقَانِيَ اللهُ لِمُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ».

بَلْ إِنَّ الرَّوَابِطَ تَوَثَّقَتْ بِالْمُصَاهَرَةِ، حِينَ زَوَّجَ عَلِيٌّ ابْنَتَهُ "أُمَّ كُلْثُومٍ" (حَفِيدَةَ رَسُولِ اللهِ) مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، لِيَمْتَزِجَ نَسَبُ آلِ الْبَيْتِ بِنَسَبِ الْفَارُوقِ، فِي صُورَةٍ مُشْرِقَةٍ تَنْفِي كُلَّ زَعْمٍ بِالْفُرْقَةِ أَوِ الشِّقَاقِ.


ذُو النُّورَيْنِ.. وَالدِّفَاعُ عَنِ الْخَلِيفَةِ

وَمَضَى عُمَرُ شَهِيدًا، وَاخْتَارَ أَهْلُ الشُّورَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - خَلِيفَةً، فَبَايَعَهُ عَلِيٌّ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَكَانَ لَهُ نِعْمَ الْعَوْنُ وَالسَّنَدُ.

وَلَمَّا هَبَّتْ رِيَاحُ الْفِتْنَةِ السَّوْدَاءُ، وَحَاصَرَ الْمُتَمَرِّدُونَ دَارَ الْخَلِيفَةِ الْمَظْلُومِ عُثْمَانَ، لَمْ يَقِفْ عَلِيٌّ مَوْقِفَ الْمُتَفَرِّجِ، بَلْ تَمَعَّرَ وَجْهُهُ غَضَبًا، وَأَرْسَلَ فَلَذَتَيْ كَبِدِهِ "الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ" لِيَقِفَا بِسَيْفَيْهِمَا عَلَى بَابِ عُثْمَانَ يَدْفَعَانِ عَنْهُ الْغَوْغَاءَ، وَيُقَدِّمَانِ أَرْوَاحَهُمَا دُونَهُ، قَائِلًا لَهُمَا: "اذْهَبَا بِسَيْفَيْكُمَا حَتَّى تَقُومَا عَلَى بَابِ عُثْمَانَ فَلَا تَدَعَا أَحَدًا يَصِلُ إِلَيْهِ".

لَكِنَّ قَدَرَ اللهِ كَانَ نَافِذًا، فَاسْتُشْهِدَ عُثْمَانُ مَظْلُومًا، وَانْفَتَحَ بَابُ الْفِتْنَةِ الَّذِي لَا يُغْلَقُ.


الْبَيْعَةُ تَحْتَ ظِلِّ السُّيُوفِ

فِي هَذِهِ الْأَجْوَاءِ الْمُكْفَهِرَّةِ، حَيْثُ الْمَدِينَةُ تَمُوجُ بِالْفَوْضَى، وَقَتَلَةُ عُثْمَانَ يَجُولُونَ فِيهَا، هُرِعَ النَّاسُ إِلَى "عَلِيٍّ" يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْأَمْرَ لِيُنْقِذَ السَّفِينَةَ قَبْلَ الْغَرَقِ. أَبَى فِي الْبِدَايَةِ زُهْدًا وَتَعَفُّفًا، وَقَالَ: «لَسْتُ بِالرَّاغِبِ فِي هَذَا الْأَمْرِ». لَكِنَّ الصَّحَابَةَ (الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ) أَلَحُّوا عَلَيْهِ، وَرَأَوْا أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِهَذَا الْخَطْبِ الجَلَلِ سِوَاهُ، لِمَكَانَتِهِ وَقُرْبِهِ وَحِكْمَتِهِ.

قَبِلَ عَلِيٌّ الْحِمْلَ الثَّقِيلَ، لَا طَمَعًا فِي سُلْطَانٍ، بَلْ حِمَايَةً لِبَيْضَةِ الإِسْلَامِ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، لِتَبْدَأَ خِلَافَةٌ رَاشِدَةٌ مُثْقَلَةٌ بِالْجِرَاحِ، لَكِنَّهَا مَلِيئَةٌ بِالْعَدْلِ وَالزُّهْدِ الَّذِي لَمْ تَرَ الدُّنْيَا مَثِيلَهُ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ.


الْخِلَافَةُ عَلَى صَفِيحٍ سَاخِنٍ.. وَمُعْضِلَةُ الْقِصَاصِ

تَسَلَّمَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - زِمَامَ الْأُمَّةِ وَهِيَ تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ فِي لَيْلَةٍ عَاصِفَةٍ. كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَغُصُّ بِالْقَتَلَةِ وَالْمُتَآمِرِينَ الَّذِينَ انْدَسُّوا بَيْنَ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ، مُتَدَثِّرِينَ بِثَوْبِ الثُّوَّارِ. كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَرَى بِبَصِيرَتِهِ الثَّاقِبَةِ أَنَّ "الْأَمْنَ قَبْلَ الْقِصَاصِ"؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَهْدِئَةِ الْأَوْضَاعِ، وَاسْتِتْبَابِ الْأَمْرِ لِلدَّوْلَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْهُلُ الْقَبْضُ عَلَى الْجُنَاةِ وَمُحَاكَمَتُهُمْ.

لَكِنَّ فَرِيقًا آخَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ - عَلَى رَأْسِهِمْ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، وَمِنْ بَعْدِهِمْ مُعَاوِيَةُ فِي الشَّامِ - كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ "الْقِصَاصَ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ"، وَأَنَّ دَمَ الْخَلِيفَةِ الْمَظْلُومِ عُثْمَانَ لَا بُدَّ أَنْ يُثْأَرَ لَهُ فَوْرًا.

لَمْ يَكُنْ خِلَافًا عَلَى الدُّنْيَا، حَاشَاهُمْ! بَلْ كَانَ اجْتِهَادًا فِي "إِقَامَةِ الْحَقِّ". عَلِيٌّ يَنْظُرُ لِمَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ الْعُلْيَا وَبَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ لِحُرْمَةِ الدَّمِ وَهَيْبَةِ الشَّرْعِ. وَبَيْنَ هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، كَانَتْ أَيَادِي "الْفِتْنَةِ الْخَفِيَّةِ" (السَّبَئِيَّةُ) تَعْبَثُ لِإِشْعَالِ الْحَرِيقِ كُلَّمَا أَوْشَكَ أَنْ يَنْطَفِئَ.


يَوْمُ الْجَمَلِ.. مَأْسَاةُ الْأَحِبَّةِ

خَرَجَ عَلِيٌّ إِلَى الْعِرَاقِ، وَنَقَلَ الْعَاصِمَةَ إِلَى "الْكُوفَةِ" لِتَوَسُّطِهَا وَكَثْرَةِ جُنْدِهَا. وَفِي الْبَصْرَةِ، الْتَقَى الْجَمْعَانِ: جَيْشُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَيْشُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ. وَمِنْ إِنْصَافِ التَّارِيخِ، أَنَّ "عَلِيًّا" لَمْ يَبْدَأْ بِقِتَالٍ، بَلْ أَرْسَلَ الرُّسُلَ لِلتَّفَاوُضِ، وَكَادَ الصُّلْحُ أَنْ يَتِمَّ، وَبَاتَ الْمُسْلِمُونَ لَيْلَةً هَادِئَةً يَحْمَدُونَ اللهَ عَلَى الْعَافِيَةِ.

لَكِنَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ الْمُنْدَسِّينَ فِي الْجَيْشِ أَدْرَكُوا أَنَّ الصُّلْحَ يَعْنِي هَلَاكَهُمْ، فَقَامُوا فِي غَلَسِ اللَّيْلِ، وَأَشْعَلُوا الْقِتَالَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ بَغْتَةً، فَظَنَّ كُلُّ فَرِيقٍ أَنَّ الْآخَرَ قَدْ غَدَرَ! وَاشْتَعَلَتْ "وَقْعَةُ الْجَمَلِ".. وَكَانَ عَلِيٌّ يَجُولُ بَيْنَ الصُّفُوفِ حَاسِرَ الرَّأْسِ، يَتَأَلَّمُ لِهَذَا الْمَشْهَدِ، وَيُنَادِي: «يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً!».


مَوْقِفُ النُّبْلِ مَعَ الزُّبَيْر

فِي وَسَطِ الْمَعْمَعَةِ، لَمَحَ عَلِيٌّ "الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ" (حَوَارِيَّ رَسُولِ اللهِ)، فَنَادَاهُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِ. الْتَقَى الْفَارِسَانِ بِلَا سُيُوفٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ بِصَوْتِ الْمُذَكِّرِ الْمُشْفِقِ: «يَا زُبَيْرُ، أَنْشُدُكَ اللهَ، أَتَذْكُرُ يَوْمَ مَرَّ بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ بِمَكَانِ كَذَا، فَقَالَ لَكَ: يَا زُبَيْرُ، أَتُحِبُّ عَلِيًّا؟ فَقُلْتَ: أَلَا أُحِبُّ ابْنَ خَالِي وَابْنَ عَمِّي؟ فَقَالَ لَكَ: أَمَا إِنَّكَ سَتُقَاتِلُهُ وَأَنْتَ لَهُ ظَالِمٌ؟». فَارْتَعَدَ الزُّبَيْرُ، وَتَذَكَّرَ النُّبُوءَةَ، وَقَالَ: «اللهُمَّ نَعَمْ.. قَدْ نَسِيتُ هَذَا! وَاللهِ لَا أُقَاتِلُكَ أَبَدًا». وَانْسَحَبَ الزُّبَيْرُ مِنَ الْمَعْرَكَةِ تَوْبَةً وَنَدَمًا، لَكِنَّ يَدَ الْغَدْرِ اغْتَالَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ، فَبَكَى عَلَيْهِ عَلِيٌّ بُكَاءً مُرًّا حِينَ رَأَى سَيْفَهُ، وَقَالَ: «هَذَا سَيْفٌ طَالَمَا فَرَّجَ الْكَرْبَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ»، وَبَشَّرَ قَاتِلَهُ بِالنَّارِ.


إِكْرَامُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ

انْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ، وَانْتَصَرَ جَيْشُ الْإِمَامِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ انْتِصَارَ الْمُتَشَفِّي، بَلْ انْتِصَارَ الْأَبِ الرَّحِيمِ. أَمَرَ أَلَّا يُتْبَعَ مُدْبِرٌ، وَلَا يُجْهَزَ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يُغْنَمَ مَالٌ. ثُمَّ جَاءَ إِلَى هَوْدَجِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ "عَائِشَةَ"، فَسَأَلَ عَنْ حَالِهَا بِكُلِّ أَدَبٍ وَتَوْقِيرٍ، وَجَهَّزَهَا بِمَا يَلِيقُ بِمَقَامِهَا، وَأَرْسَلَ مَعَهَا أَرْبَعِينَ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ الْبَصْرَةِ لِخِدْمَتِهَا، وَوَدَّعَهَا بِنَفْسِهِ، قَائِلًا لِلنَّاسِ: «إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، فَعَادَتْ مُعَزَّزَةً مُكَرَّمَةً، لِيَطْوِيَ بِذَلِكَ صَفْحَةً مِنَ الْأَلَمِ بِأَخْلَاقِ النُّبُوَّةِ.


صِفِّينُ.. حِينَ تَبْكِي السُّيُوفُ

لَمْ تَكَدْ الْجِرَاحُ تَلْتَئِمُ، حَتَّى تَحَرَّكَ "مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ" فِي الشَّامِ، رَافِضًا الْبَيْعَةَ حَتَّى يُقْتَصَّ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ. حَاوَلَ عَلِيٌّ بِالْمُرَاسَلَاتِ أَنْ يَقْنَعَهُ بِالدُّخُولِ فِي الطَّاعَةِ حَقْنًا لِلدِّمَاءِ، لَكِنَّ الْأُمُورَ اسْتَغْلَقَتْ. زَحَفَ الْإِمَامُ بِجَيْشِهِ إِلَى "صِفِّينَ" عَلَى ضِفَافِ الْفُرَاتِ، وَهُنَاكَ الْتَقَى الْجَبَلَانِ.


أَخْلَاقُ الْفُرْسَانِ عِنْدَ الْمَاءِ

سَبَقَ جَيْشُ مُعَاوِيَةَ إِلَى الشَّرِيعَةِ (مَوْرِدِ الْمَاءِ) وَمَنَعُوا جَيْشَ عَلِيٍّ مِنَ الْوُرُودِ. اشْتَدَّ الْعَطَشُ بِأَصْحَابِ عَلِيٍّ، فَحَمَلُوا حَمْلَةً صَادِقَةً كَشَفَتْ أَهْلَ الشَّامِ عَنِ الْمَاءِ وَسَيْطَرُوا عَلَيْهِ. قَالَ بَعْضُ جُنْدِ عَلِيٍّ: «لَا نَسْقِيهِمْ كَمَا مَنَعُونَا». فَنَهَرَهُمْ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - قَائِلًا: «لَا وَاللهِ، لَا نَكُونُ مِثْلَهُمْ، خَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ»، فَشَرِبَ الْجَيْشَانِ مِنْ نَهْرٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّ قُلُوبَهُمْ كَانَتْ تَغْلِي.


لَيْلَةُ الْهَرِيرِ.. وَرَفْعُ الْمَصَاحِفِ: 

دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ أَيَّامًا شِيبَتْ لَهَا الْوِلْدَانُ، خَاصَّةً فِي "لَيْلَةِ الْهَرِيرِ"، حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّفِ الْقِتَالُ حَتَّى الصَّبَاحِ، وَسُمِعَ لَهَرِيرِ الرِّجَالِ (أَصْوَاتِهِمْ مِنَ الشِّدَّةِ) دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ. كَادَ النَّصْرُ أَنْ يَنْعَقِدَ لِجَيْشِ عَلِيٍّ بِفَضْلِ بَطُولَاتِ "الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ"، فَلَجَأَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (فِي جَيْشِ مُعَاوِيَةَ) إِلَى حِيلَةٍ؛ فَرَفَعُوا الْمَصَاحِفَ عَلَى أَسِنَّةِ الرِّمَاحِ، وَنَادَوْا: "لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ.. كِتَابُ اللهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ!".

أَدْرَكَ عَلِيٌّ بِفِرَاسَتِهِ أَنَّهَا "كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ" وَخَدِيعَةٌ لِإِيقَافِ الْهَزِيمَةِ، فَصَاحَ فِي جُنْدِهِ: «يَا عِبَادَ اللهِ، امْضُوا عَلَى حَقِّكُمْ وَقِتَالِكُمْ، فَإِنَّمَا رَفَعُوهَا خَدِيعَةً». لَكِنَّ جَيْشَهُ انْقَسَمَ، وَخَرَجَ عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ (الَّذِينَ صَارُوا خَوَارِجَ فِيمَا بَعْدُ) وَقَالُوا: "أَنُدْعَى إِلَى كِتَابِ اللهِ فَنَأْبَى؟"، وَهَدَّدُوهُ بِتَسْلِيمِهِ لِمُعَاوِيَةَ إِنْ لَمْ يُوقِفِ الْقِتَالَ.


التَّحْكِيمُ.. وَالْجُرْحُ الَّذِي لَمْ يَنْدَمِلْ

أُكْرِهَ الْإِمَامُ عَلَى قَبُولِ التَّحْكِيمِ حَقْنًا لِلدِّمَاءِ وَنُزُولًا عِنْدَ رَغْبَةِ جَيْشِهِ الْمُتَصَدِّعِ. وَاجْتَمَعَ الْحَكَمَانِ: "أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ" (عَنْ عَلِيٍّ) وَ"عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ" (عَنْ مُعَاوِيَةَ). وَانْتَهَى التَّحْكِيمُ بِخِلَافٍ لَمْ يَحْسِمِ الْأَمْرَ، بَلْ زَادَ الطِّينَ بِلَّةً، حَيْثُ عَادَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى بِلَادِهِ، وَبَقِيَ مُعَاوِيَةُ عَلَى الشَّامِ، وَعَلِيٌّ عَلَى الْعِرَاقِ، لَكِنَّ الْأَخْطَرَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ ظُهُورُ "الْخَوَارِجِ" الَّذِينَ كَفَّرُوا عَلِيًّا لِقَبُولِهِ التَّحْكِيمَ، فَانْشَقُّوا عَنْ جَيْشِهِ، لِيَكُونُوا خَنْجَرًا مَسْمُومًا فِي ظَهْرِ الْخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ.


عَظَمَةُ عَلِيٍّ فِي الْمِحْنَةِ

رَغْمَ هَذِهِ الْأَهْوَالِ، بَقِيَ عَلِيٌّ ذَلِكَ الزَّاهِدَ الْعَابِدَ. يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَالِ فَيَكْنِسُهُ بِنَفْسِهِ، وَيَرُشُّهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولُ: «يَا دُنْيَا غُرِّي غَيْرِي». يَمْشِي فِي أَسْوَاقِ الْكُوفَةِ وَحِيدًا، يُرْشِدُ الضَّالَّ، وَيُعِينُ الضَّعِيفَ، لَا تَحْجُبُهُ عَنْ رَعِيَّتِهِ حُجُبٌ، وَلَا تَغُرُّهُ سُلْطَةٌ، يَنَامُ عَلَى التُّرَابِ، وَيَأْكُلُ الْخُبْزَ الْيَابِسَ، بَيْنَمَا هُوَ يَحْكُمُ دَوْلَةً تَمْتَدُّ مِنْ مِصْرَ إِلَى خُرَاسَانَ.


الْمَارِقُونَ.. وَغُصَّةُ النَّهْرَوَانِ

عَادَ الْإِمَامُ مِنْ "صِفِّينَ" وَالْقَلْبُ يَعْتَصِرُ أَلَمًا، لَا لِأَنَّ النَّصْرَ الْعَسْكَرِيَّ قَدْ تَأَجَّلَ، بَلْ لِأَنَّ جُرْحًا جَدِيدًا قَدْ انْفَتَحَ فِي جَسَدِ الْأُمَّةِ. ظَهَرَ "الْخَوَارِجُ"، أُولَئِكَ الَّذِينَ غَلَوْا فِي الدِّينِ حَتَّى مَرَقُوا مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ؛ قُرَّاءٌ لِلْقُرْآنِ لَكِنَّهُ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، شُعْثٌ غُبْرٌ، لَكِنَّ قُلُوبَهُمْ قَدْ أُشْرِبَتِ الْجَهْلَ وَالْقَسْوَةَ.

كَفَّرُوا عَلِيًّا - وَهُوَ الْمُؤْمِنُ السَّابِقُ - لِأَنَّهُ قَبِلَ التَّحْكِيمَ، وَرَاحُوا يَعِيثُونَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، حَتَّى قَتَلُوا الصَّحَابِيَّ الْجَلِيلَ "عَبْدَ اللهِ بْنَ خَبَّابٍ" وَبَقَرُوا بَطْنَ زَوْجَتِهِ!! لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ بُدٌّ مِنْ اسْتِئْصَالِ هَذِهِ الْغُدَّةِ السَّرَطَانِيَّةِ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ عَلَى الْمُجْتَمَعِ، فَالْتَقَى بِهِمْ فِي "النَّهْرَوَانِ". وَقَبْلَ الْمَعْرَكَةِ، حَاوَلَ إِصْلَاحَهُمْ وَنَاصَحَهُمْ، فَعَادَ مِنْهُمْ أُلُوفٌ، وَبَقِيَ عَلَى ضَلَالِهِ آخَرُونَ، فَقَاتَلَهُمْ مَرغَمًا لَا بَطِرًا، وَأَبَادَ شَوْكَتَهُمْ، لَكِنَّهُ بَكَى بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ عَلَى حَالِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَيْفَ صَارَ بَأْسُهَا بَيْنَهَا شَدِيدًا.


نُبُوءَةُ الشَّهَادَةِ.. وَانْتِظَارُ الْقَدَرِ

عَادَ عَلِيٌّ إِلَى الْكُوفَةِ، وَقَدْ خَطَّ الشَّيْبُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَكَانَ دَائِمًا يَمْسَحُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَيَنْظُرُ إِلَى رَأْسِهِ وَيَقُولُ: «مَا يَحْبِسُ أَشْقَاهَا؟ مَتَى تَنْبَعِثُ يَا شَقِيُّ؟». كَانَ يَنْتَظِرُ تَحْقِيقَ نُبُوءَةِ حَبِيبِهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُ: «إِنَّ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ عَاقِرُ النَّاقَةِ، وَإِنَّ أَشْقَى الْآخِرِينَ الَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى رَأْسِهِ - حَتَّى تَبْتَلَّ هَذِهِ مِنْهَا - وَأَشَارَ إِلَى لِحْيَتِهِ -». كَانَ عَلِيٌّ يَعِيشُ أَيَّامَهُ الْأَخِيرَةَ زَاهِدًا مُتَبَتِّلًا، يَعْلَمُ أَنَّ مَوْعِدَ اللِّقَاءِ قَدْ اقْتَرَبَ.


فَجْرُ الْغَدْرِ.. وَالضَّرْبَةُ الْمَسْمُومَةُ

وَفِي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ (سَنَةَ أَرْبَعِينَ لِلْهِجْرَةِ)، اتَّفَقَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ الْخَوَارِجِ عَلَى قَتْلِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَكَفَّلَ "عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ" - لَعَنَهُ اللهُ - بِقَتْلِ عَلِيٍّ. خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ كَعَادَتِهِ، لَا يَحْرُسُهُ حَرَسٌ، وَلَا تَحْجُبُهُ أُبَّهَةٌ، يُنَادِي فِي النَّاسِ: "الصَّلَاةَ.. الصَّلَاةَ". وَبَيْنَمَا هُوَ يَهُمُّ بِالدُّخُولِ إِلَى الْمِحْرَابِ، أَوْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ، انْبَعَثَ أَشْقَى الْآخِرِينَ، وَضَرَبَهُ بِسَيْفٍ مَسْمُومٍ عَلَى رَأْسِهِ الشَّرِيفِ ضَرْبَةً غَادِرَةً، شَقَّتْ هَامَتَهُ. سَالَ الدَّمُ الزَّكِيُّ عَلَى وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَتَحَقَّقَتِ النُّبُوءَةُ، وَصَاحَ الْإِمَامُ - فِي رِوَايَاتِ بَعْضِ الْمُؤَرِّخِينَ -: «فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ».


الْوَصِيَّةُ الْخَالِدَةُ.. وَرَحِيلُ النَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ

حُمِلَ الْإِمَامُ إِلَى بَيْتِهِ، وَالنَّاسُ يَبْكُونَ حَوْلَهُ بُكَاءَ الْيَتَامَى. وَرَغْمَ شِدَّةِ الْأَلَمِ وَسَرَيَانِ السُّمِّ، بَقِيَ "عَلِيٌّ" جَبَلًا لَا يَهْتَزُّ، وَتَجَلَّتْ إِنْسَانِيَّتُهُ وَعَدْلُهُ حَتَّى مَعَ قَاتِلِهِ. نَظَرَ إِلَى "ابْنِ مُلْجَمٍ" وَهُوَ مُوَثَّقٌ، فَقَالَ لِوَلَدِهِ الْحَسَنِ: «يَا بُنَيَّ، أَحْسِنُوا إِسَارَهُ، وَأَطْعِمُوهُ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاسْقُوهُ مِمَّا تَشْرَبُونَ، فَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا أَوْلَى بِدَمِهِ (عَفْوًا أَوْ قِصَاصًا)، وَإِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ بِضَرْبَتِي ضَرْبَةً، وَلَا تُمَثِّلُوا بِالرَّجُلِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ الْمُثْلَةِ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ».

ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبْنَائِه: الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَمُحَمَّدٍ، وَأَوْصَاهُمْ بِوَصِيَّةِ الْمُوَدِّعِ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ.. وَأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا.. وَقُولَا بِالْحَقِّ، وَاعْمَلَا لِلْأَجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْمًا، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْنًا.. اللهَ اللهَ فِي الْأَيْتَامِ.. اللهَ اللهَ فِي جِيرَانِكُمْ.. اللهَ اللهَ فِي الْقُرْآنِ.. اللهَ اللهَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ».

وَفِي لَيْلَةِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاضَتْ تِلْكَ الرُّوحُ الطَّاهِرَةُ إِلَى بَارِئِهَا، لِتَلْحَقَ بِالْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى ﷺ، بَعْدَ حَيَاةٍ حَافِلَةٍ بِالْجِهَادِ وَالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ. دُفِنَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ بِالْكُوفَةِ، لِيَغِيبَ تَحْتَ الثَّرَى جَسَدٌ طَالَمَا تَعِبَ فِي ذَاتِ اللهِ، وَتَبْقَى رُوحُهُ مَنَارَةً لِلْعَالَمِينَ.


الْخَاتِمَةُ: رَجُلٌ بِأُمَّةٍ

مَضَى عَلِيٌّ.. وَتَرَكَ لَنَا مِيرَاثًا لَا يَبْلَى. كَانَ فِي صِبَاهُ آيَةً فِي الْفِدَاءِ، وَفِي شَبَابِهِ أُسْطُورَةً فِي الْبُطُولَةِ، وَفِي كُهُولَتِهِ مَدْرَسَةً فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَضَاءِ، وَفِي خِلَافَتِهِ نَمُوذَجًا فِي الْعَدْلِ وَالزُّهْدِ. رَضِيَ اللهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ، وَزَوْجِ الْبَتُولِ، وَوَالِدِ السِّبْطَيْنِ، وَرَابِعِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَحَشَرَنَا وَإِيَّاكُمْ فِي زُمْرَتِهِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ.


المصادر:

أولاً: أمهات كتب التاريخ والسير (المصادر التراثية)

1. "البداية والنهاية" — للحافظ ابن كثير (ورد ذكره كثيرًا في سرد الأحداث).

2. "تاريخ الأمم والملوك" (تاريخ الطبري) — للإمام الطبري (عمدة المؤرخين).

3. "تاريخ دمشق" — للحافظ ابن عساكر.

4. "الطبقات الكبرى" — لابن سعد.

5. "أسد الغابة في معرفة الصحابة" — لابن الأثير.

6. "الأخبار الطوال" — لأبي حنيفة الدينوري (مصدر أساسي لأحداث الفتنة).

7. "دلائل النبوة" — للبيهقي.

8. "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" — لأبي نعيم الأصبهاني.

9. "السيرة النبوية" — لابن كثير.

10. "السُّنَّة" — لأبي بكر بن الخلال (في باب العقيدة ومواقف الصحابة).

ثانيًا: كتب الحديث والشروح

1. "صحيح البخاري" (ورد الاستشهاد به في الأحاديث).

2. "مسند الإمام أحمد" — للإمام أحمد بن حنبل.

3. "كتاب الزهد" — للإمام أحمد بن حنبل.

4. "فتح الباري شرح صحيح البخاري" — للحافظ ابن حجر العسقلاني.

5. "شرح السيوطي على صحيح مسلم".

6. "المستدرك على الصحيحين" — للحاكم النيسابوري.

ثالثًا: كتب ومؤلفات فكرية/أدبية

1. "عبقرية الإمام علي" — للأديب عباس محمود العقاد.

2. "رجال حول الرسول" — للمفكر خالد محمد خالد.

3. "وداعاً عثمان" — (كتاب آخر لنفس المؤلف "خالد محمد خالد")

4. "صيد الخاطر" — لابن الجوزي.


author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX