6 حكايات توقظ القلوب من غفلتها
ورع حارث الطائف: الخوف من نداء الحق
رُوِيَ عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الطَّائِفِ، كَانَ قَدْ بَذَرَ فِي أَرْضِهِ أَمَلًا، وَتَعَهَّدَ فِيهَا زَرْعًا نَضِيرًا، حَتَّى إِذَا اسْتَوَى الْعُودُ عَلَى سُوقِهِ، وَآذَنَ الثَّمَرُ بِالْقِطَافِ، وَرَقَصَتِ السَّنَابِلُ زَهْوًا بِعَطَائِهَا، طَرَقَتْهُ مِنْ أَقْدَارِ اللهِ طَارِقَةٌ، وَأَصَابَتْهُ آفَةٌ مَاحِقَةٌ، فَاحْتَرَقَ الْجَنَى، وَغَاضَ السَّنَى، وَأَصْبَحَ الْهَشِيمُ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ فِي عَرَصَاتِ الْأَرْضِ كَأَنْ لَمْ يَغْنَ بِالْأَمْسِ.
فَلَمَّا ذَاعَ خَبَرُ نَكْبَتِهِ، هَرَعَ إِلَيْهِ صَحْبُهُ وَمُحِبُّوهُ، يَزُفُّونَ إِلَيْهِ كَلِمَاتِ التَّعْزِيَةِ، وَيَسْكُبُونَ عَلَى قَلْبِهِ شَآبِيبَ التَّسْلِيَةِ، لِيَجْبُرُوا مِنْ كَسْرِهِ وَيُخَفِّفُوا مِنْ رَوْعِهِ. وَلَكِنَّهُمْ أَلْفَوْهُ غَارِقًا فِي بَحْرٍ مِنْ دُمُوعِهِ، يَنْتَحِبُ نَحِيبَ مَنْ أَوْجَعَتْهُ الرَّزَايَا، وَيَبْكِي بُكَاءً يُمَزِّقُ نِيَاطَ الْقُلُوبِ.
ظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ لَوْعَتَهُ إِنَّمَا هِيَ عَلَى مَالٍ فَقَدَهُ، أَوْ كَدٍّ ضَاعَ سُدًى، فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يُهَوِّنُونَ الْخَطْبَ. فَمَسَحَ عَبَرَاتِهِ، وَقَالَ بِلِسَانٍ أَلْجَمَهُ الْوَجَلُ وَزَيَّنَهُ الْوَرَعُ:
"وَيْحَكُمْ! مَا عَلَى ضَيَاعِ الْحَرْثِ أَبْكِي، وَلَا لِحُطَامِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ أَشْتَكِي؛ وَلَكِنَّنِي ذَكَرْتُ نِدَاءَ الْحَقِّ فِي كِتَابِهِ حِينَ يَقُولُ: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} [آل عمران: 117]، فَدَاهَمَنِي الْخَوْفُ، وَتَمَلَّكَنِي الذُّعْرُ؛ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفَةُ، أَوْ أَنْ يَكُونَ مَنْعُ اللهِ لِي عَلَامَةً عَلَى ظُلْمٍ جَنَيْتُهُ عَلَى نَفْسِي.. فَذَاكَ -وَاللهِ- هُوَ الَّذِي أَبْكَانِي، وَأَوْجَلَ جَنَانِي!"
فَلِلَّهِ دَرُّ قَلْبٍ لَمْ تَرُعْهُ صُرُوفُ الدَّهْرِ، بَلْ رَاعَهُ التَّقْصِيرُ فِي حَقِّ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
(المصدر: كِتَابُ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ)
غنى الروح ويقين سليم: صاحب البوري والحصائر
يَرْوِي لَنَا الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قِصَّةَ رَجُلٍ تَقَلَّبَ فِي أَعْطَافِ النَّعِيمِ، وَبُسِطَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِزُخْرُفِهَا، ثُمَّ شَاءَ اللهُ أَنْ يَنْتَزِعَ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ انْتِزَاعًا، فَأَصْبَحَ بَعْدَ السَّعَةِ فِي ضِيقٍ، وَبَعْدَ الدِّثَارِ فِي عُرْيٍ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ مِتَاعٌ يُؤْوِيهِ إِلَّا "بُورِيٌّ" رَثٌّ -وَهُوَ الْحَصِيرُ مِنَ الْقَصَبِ- يَفْتَرِشُهُ بَدَلًا مِنَ الْحَرِيرِ.
وَلَكِنَّ الْعَجَبَ كَانَ فِي قَلْبِهِ الَّذِي لَمْ يَعْرِفِ الْإِمْلَاقَ؛ فَقَدْ كَانَ كُلَّمَا فَقَدَ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، زَادَ لِلَّهِ حَمْدًا، وَكُلَّمَا نَزَلَتْ بِهِ خَصَاصَةٌ، أَسْرَفَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى مَوْلَاهُ، كَأَنَّمَا يَغْرِفُ مِنْ نَبْعِ رِضًا لَا يَنْضُبُ. وَفِي الْمُقَابِلِ، كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ آخَرُ، انْفَتَحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرِّزْقِ، فَسَأَلَهُ مُسْتَنْكِرًا: "أَيْ هَذَا! عَلَامَ تَحَمَدُ اللهَ وَتُثْنِي عَلَيْهِ، وَأَنْتَ لَا تَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا هَذَا الْحَصِيرَ الْبَالِي؟!"
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُ الصَّابِرُ، وَقَالَ بِلَهْجَةٍ تَقْطُرُ يَقِينًا: "أَحْمَدُ اللهَ عَلَى مَا لَوْ أَعْطَيْتُ بَعْضَهُ لِلْخَلْقِ جَمِيعًا مُقَابِلَ مَا أُوتُوا، لَمَا قَبِلْتُ بِهِمْ بَدَلًا!" فَأَجَابَهُ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ: "أَرَأَيْتَ بَصَرَكَ الَّذِي تُبْصِرُ بِهِ؟ أَرَأَيْتَ لِسَانَكَ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ؟ أَرَأَيْتَ يَدَكَ الَّتِي تَبْطِشُ بِهَا؟ أَرَأَيْتَ رِجْلَكَ الَّتِي تَمْشِي عَلَيْهَا؟!" فَأُلْجِمَ الرَّجُلُ حُجَّةً، وَأَدْرَكُ أَنَّ الْغِنَى غِنَى الرُّوحِ لَا وَفْرَةُ الْمَتَاعِ.
(المصدر: تَسْلِيَةُ الْحَزِينِ بِقِصَصِ الصَّابِرِينَ)
كعب دمشق: السقم مغسل للروح
حِينَ أَلَمَّ السَّقَمُ بِجَسَدِ كَعْبٍ -أَبِي إِسْحَاقَ-، وَدَاهَمَتْهُ أَوْجَاعُ الْمَرَضِ فِي أَرْضِ دِمَشْقَ، هَرَعَ إِلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ صَحْبِهِ يَعُودُونَهُ. سَأَلُوهُ بِقُلُوبٍ مِلْؤُهَا الشَّفَقَةُ: "كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ وَكَيْفَ صَبْرُكَ عَلَى مَا نَزَلَ بِكَ؟" فَمَا كَانَ مِنَ الْعَالِمِ الْعَابِدِ إِلَّا أَنْ أَجَابَهُمْ بِلِسَانٍ يَقْطُرُ شَهْدًا وَيَقِينًا:
"أَجِدُنِي بِخَيْرٍ عَمِيمٍ؛ فَإِنَّمَا هَذَا جَسَدٌ أُخِذَ بِذَنْبِهِ، وَارْتُهِنَ بِخَطِيئَتِهِ؛ فَإِنْ شَاءَ رَبُّهُ أَنْزَلَ بِهِ الْعِقَابَ، وَإِنْ شَاءَ شَمِلَهُ بِسَابِغِ الرَّحْمَةِ وَالْغُفْرَانِ. وَإِنَّنِي لَأَرْجُو أَنْ يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَرْقَدِ عِلَّتِهِ هَذِهِ خَلْقًا جَدِيدًا، نَقِيًّا مِنَ الْأَوْزَارِ كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ ذَنْبٌ يُكَدِّرُ صَفْوَ لِقَائِهِ!"
فَيَا لَهُ مِنْ لِسَانٍ حَامِدٍ، لَمْ يَرَ فِي الْمَرَضِ سِجْنًا، بَلْ رَآهُ مَغْسَلًا لِلرُّوحِ وَتَهْذِيبًا لِلنَّفْسِ.
(الْمَصْدَرُ: تَسْلِيَةُ الْحَزِينِ بِقِصَصِ الصَّابِرِينَ)
عمر بن عبد العزيز ونداء الثرى: أكفان لا تبلى
رُوِيَ عَنْ أَبِي قُرَّةَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الزَّاهِدَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَرَجَ يَوْمًا فِي شُيُوعِ جَنَازَةٍ، فَلَمَّا انْقَضَتِ الصَّلَاةُ، انْطَلَقَ بِفَرَسِهِ يَشُقُّ فَيَافِيَ الْقُبُورِ حَتَّى تَوَارَى عَنِ الْأَنْظَارِ. طَالَ انْتِظَارُ النَّاسِ، وَإِذَا بِهِ يُقْبِلُ وَقَدْ احْمَرَّتْ مِنْ طُولِ النَّحِيبِ عَيْنَاهُ، فَسَأَلُوهُ: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ أَبْطأْتَ عَلَيْنَا، فَمَا الَّذِي حَبَسَكَ؟"
فَأَجَابَهُمْ بِلِسَانٍ يَفِيضُ شَجَنًا: "لَقَدْ مَضَيْتُ أُسَلِّمُ عَلَى أَبْنَاءِ آبَائِي فِي مَضَاجِعِهِمْ، فَمَا وَجَدْتُ مِنْهُمْ رَدًّا. فَلَمَّا وَلَّيْتُ، نَادَانِي التُّرَابُ بِلِسَانِ الْحَالِ قَائِلًا: «يَا عُمَرُ، أَلَا تَسْأَلُنِي مَاذَا صَنَعْتُ بِالْأَحِبَّةِ؟». فَقُلْتُ: «وَمَا صَنَعْتَ بِهِمْ؟». قَالَ: «مَزَّقْتُ الْأكْفَانَ، وَأَكَلْتُ الْأَبْدَانَ، وَنَزَعْتُ الْمُقْلَتَيْنِ مِنْ مَحَاجِرِهِمَا، وَفَرَّقْتُ بَيْنَ الْأَوْصَالِ»". ثُمَّ اسْتَطْرَدَ: "وَلَمَّا أَرَدْتُ الِانْصِرَافَ، نَادَانِيَ الثَّرَى ثَانِيَةً: «يَا عُمَرُ، عَلَيْكَ بِأَكْفَانٍ لَا تَبْلَى!». فَقُلْتُ: «وَمَا تِلْكَ الْأكْفَانُ؟». قَالَ: «تَقْوَى اللهِ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ»".
(الْمَصْدَرُ: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)
يحيى بن معاذ وعسكر الموتى: سكرة الدنيا
يَنْفُثُ الْحَكِيمُ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ مِنْ مِشْكَاةِ بَصِيرَتِهِ حِكْمَةً غَرَّاءَ، فَيَقُولُ: "إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا لَيْسَتْ إِلَّا خَمْرَةً عَتِيقَةً صَبَّهَا الشَّيْطَانُ فِي كُؤُوسِ الْأَهْوَاءِ؛ فَمَنْ نَهَلَ مِنْهَا ثَمِلَ، وَمَنْ سَكِرَ بِبَرِيقِهَا لَمْ يَسْتَفِقْ مِنْ غَمْرَتِهِ إِلَّا وَقَدْ حَلَّتْ رِكَابُهُ فِي «عَسْكَرِ الْمَوْتَى»، حَيْثُ لَا يَنْفَعُ نَدَمٌ، وَلَا يُجْدِي بُكَاءٌ بَيْنَ صُفُوفِ الْخَاسِرِينَ".
وَمِنْ أَهْوَنِ مَكْرِ هَذِهِ الدُّنْيَا أَنَّهَا تَسْرِقُ الْقَلْبَ مِنْ مَرَافِئِ مَحَبَّةِ اللهِ. فَإِذَا خَلَا الْقَلْبُ مِنْ أَنْوَارِ الذِّكْرِ، صَارَ قَفْرًا مُوحِشًا، فَاسْتَوْطَنَهُ الشَّيْطَانُ. ثُمَّ إِنَّ مِنِ اسْتِدْرَاجِ اللَّعِينِ، أَنْ يَتْرُكَ لِلْعَبْدِ فُضَالَةً مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ؛ لِيَبْنِيَ حَوْلَ عَيْنَيْهِ جِدَارًا مِنَ الْعُجْبِ، فَيَتَوَهَّمُ الْمِسْكِينُ أَنَّهُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ صُنْعًا، وَهُوَ فِي تِيهِ الْغَفْلَةِ يَعْمَهُ!
(الْمَصْدَرُ: كِتَابُ تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ)
يزيد الرقاشي ومحاسبة النفس: من يصلي عنك بعد موتك؟
كَانَ الزَّاهِدُ الْوَرِعُ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ يَقِفُ مَعَ نَفْسِهِ وَقْفَةَ الْمُحَاسِبِ الشَّدِيدِ، وَيَقُولُ لَهَا مُعَاتِبًا: "وَيْحَكِ يَا نَفْسُ! وَوَيْحَكَ يَا يَزِيدُ! مَنْ ذَا الَّذِي سَيُحْنِي جَبْهَتَهُ فِي الْمِحْرَابِ صَلَاةً عَنْكَ بَعْدَمَا يُوَارِيكَ الرَّمْسُ؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي سَيَطْوِي الْهَجِيرَ صِيَامًا لِيُكْتَبَ فِي صَحِيفَتِكَ بَعْدَ أَنْ يَنْقَطِعَ النَّفَسُ؟"
ثُمَّ يَلْتَفِتُ إِلَى الْجُمُوعِ، فَيَنْفُثُ فِيهِمْ مِنْ لَهِيبِ مَوْعِظَتِهِ: "أَيُّهَا النَّاسُ! أَلَا بَاكٍ عَلَى نَفْسِهِ؟ أَلَا نَائِحٍ عَلَى عُمْرِهِ فِيمَا تَبَقَّى لَهُ مِنْ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ؟ فَيَا عَجَبًا لِمَنْ غَدَا الْمَوْتُ طَالِبَهُ، وَالْقَبْرُ الضَّيِّقُ مَنْزِلَهُ وَمَآبَهُ، وَالتُّرَابُ الْأَغْبَرُ فِرَاشَهُ! كَيْفَ يَكُونُ حَالُ مَنْ يَنْتَظِرُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ صَيْحَةَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ؟" ثُمَّ تَغْلِبُهُ لَوْعَتُهُ، فَيَنْفَجِرُ بَاكِيًا نَحِيبَ مَنْ أَبْصَرَ الْحَقِيقَةَ رَأْيَ الْعَيْنِ.
(الْمَصْدَرُ: كِتَابُ فَصْلِ الْخِطَابِ فِي الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ وَالْآدَابِ)
خاتمة:
إن في هذه الحكايات جلاءً للصدأ عن القلوب، وتذكيراً بأن العمر أنفاس معدودة، وأن السعادة الحقيقية تكمن في الرضا عن الله والعمل لما بعد الموت. جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.