مَعَارِجُ الهَيْبَةِ.. وَفُنُونُ تَوْقِيرِ العُلَمَاءِ
الجُزْءُ الأَوَّلُ: مَعَارِجُ الهَيْبَةِ وَمَرَاتِبُ النُّورِ
لَمْ يَكُنِ العِلْمُ فِي صُدُورِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مُجَرَّدَ مَسَائِلَ تُحْفَظُ، أَوْ نُصُوصٍ تُسْرَدُ، بَلْ كَانَ رُوحًا تَسْرِي فِي الأَوْصَالِ، فَتُحِيلُ الجَوَارِحَ كُلَّهأ أَدَبًا، وَتَكْسُو النُّفُوسَ جَلَالًا وَوَقَارًا. لَقَدْ أَدْرَكُوا أَنَّ العِلْمَ لَا يُؤْتَى إِلَّا بِالذُّلِّ لَهُ، وَأَنَّ حَمَلَةَ الشَّرِيعَةِ هُمْ مَصَابِيحُ الدُّجَى، فَتَفَنَّنُوا فِي إِجْلَالِهِمْ أَيَّمَا تَفَنُّنٍ.
وَمِنْ بَدِيعِ مَا يُرْوَى فِي ذَلِكَ، مَا كَانَ مِنْ شَأْنِ أُولَئِكَ الأَفْذَاذِ حِينَ تَتَلَاقَى أَرْوَاحُهُمْ فِي مَجَالِسِ التَّحْدِيثِ. فَهَذَا إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ يَقُصُّ عَلَيْنَا مَشْهَدًا مِنْ مَشَاهِدِ الأَدَبِ العَالِي، حِينَ رَغِبَ سَلَمَةُ بْنُ عَاصِمٍ أَنْ يَنْهَلَ مِنْ عِلْمِ خَلَفٍ، وَيَسْمَعَ مِنْهُ "كِتَابَ العَدَدِ". فَلَمَّا أَقْبَلَ الطَّالِبُ عَلَى العَالِمِ، وَدَخَلَ مَجْلِسَهُ، أَرَادَ خَلَفٌ –بِكَرَمِ نَفْسِهِ وَتَوَاضُعِهِ– أَنْ يَرْفَعَ مَجْلِسَ سَلَمَةَ، وَأَنْ يُبَوِّئَهُ صَدْرَ المَكَانِ إِكْرَامًا لَهُ.
لَكِنَّ نَفْسَ الطَّالِبِ المُتَأَدِّبَةَ أَبَتْ ذَلِكَ العُلُوَّ الصُّورِيَّ، وَانْتَفَضَتْ فِيهِ رُوحُ التَّلْمِيذِ الَّذِي يَرَى مَقَامَ شَيْخِهِ فَوْقَ كُلِّ مَقَامٍ، فَقَالَ بِلِسَانِ المُحِبِّ المُتَأَدِّبِ: «لَا أَجْلِسُ إِلَّا بَيْنَ يَدَيْكَ»؛ مُعْلِنًا بِذَلِكَ دُسْتُورًا خَالِدًا فِي العَلَاقَةِ بَيْنَ العَالِمِ وَالمُتَعَلِّمِ، قَائِلًا: «هَذَا حَقُّ التَّعْلِيمِ». وَهَنَا تَبَسَّمَ خَلَفٌ، وَكَشَفَ عَنْ سِرٍّ مِنْ أَسْرَارِ هَذَا الأَدَبِ المُتَوَارَثِ، فَقَالَ مُسْتَذْكِرًا مَوْقِفًا شَبِيهًا: «جَاءَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَسْمَعُ حَدِيثَ أَبِي عَوَانَةَ، فَاجْتَهَدْتُ أَنْ أَرْفَعَهُ، فَأَبَى وَقَالَ: لَا أَجْلِسُ إِلَّا بَيْنَ يَدَيْكَ؛ أُمِرْنَا أَنْ نَتَوَاضَعَ لِمَنْ نَتَعَلَّمُ مِنْهُ».
يَا لَلَّهِ! هَذَا الإِمَامُ أَحْمَدُ، جَبَلُ السُّنَةِ، يَجْثُو مُتَوَاضِعًا، يَرْفُضُ التَّصَدُّرَ، مُعْلِنًا أَنَّ التَّوَاضُعَ لِلْعُلَمَاءِ عِبَادَةٌ يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ، وَهَكَذَا كَانُوا يَتَدَاوَلُونَ كُؤُوسَ الأَدَبِ كَمَا يَتَدَاوَلُونَ كُؤُوسَ العِلْمِ، لِيَكُونُوا قُدْوَةً حَيَّةً لِمَنْ خَلْفَهُمْ.
وَلَمْ يَقِفْ الأَمْرُ عِنْدَ حُدُودِ مَجَالِسِ العِلْمِ فَحَسْبُ، بَلْ تَعَدَّاهُ إِلَى كُلِّ لَحْظَةٍ وَحَرَكَةٍ. فَقَدْ رَسَمَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ صُورَةً لِوَالِدِهِ تَخْطَفُ الأَلْبَابَ؛ فَقَدْ كَانَ هَذَا الإِمَامُ العَظِيمُ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ الشَّيَّخُ الكَبِيرُ، أَوِ الشَّابُّ الحَدَثُ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، اسْتَحَالَ أَحْمَدُ إِلَى خَادِمٍ لِمَقَامِهِمْ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْ بَابِ المَسْجِدِ قَبْلَهُمْ قَطُّ، بَلْ يُقَدِّمُهُمْ تَوْقِيرًا وَتَبْجِيلًا، ثُمَّ يَمْشِي خَلْفَهُمْ فِي سَكِينَةٍ وَخُشُوعٍ.
بَلْ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ دَقِيقِ مُرَاعَاتِهِ لِمَشَاعِرِ النَّاسِ وَإِنْزَالِهِمْ مَنَازِلَهُمْ؛ فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَوْلًى لِابْنِ الْمُبَارَكِ –وَالْمَوَالِي عَادَةً لَا يُصَدَّرُونَ فِي الْمَجَالِسِ فِي أَعْرَافِ النَّاسِ– لَكِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَنْظُرْ إِلَى ذَلِكَ، بَلْ نَظَرَ إِلَى نِسْبَتِهِ لِعَالِمٍ جَلِيلٍ، فَسَارَعَ وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا إِكْرَامًا، وَكَانَ مِنْ دَأْبِهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ مَنْ لَهُ حَقٌّ وَقَدْرٌ، نَزَعَ الوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ هُوَ، وَبَسَطَهَا لِضَيْفِهِ! أَمَّا ذُرْوَةُ هَذَا الجَمَالِ الخُلُقِيِّ، فَتَتَجَلَّى حِينَ جَاءَهُ أَبُو هَمَّامٍ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ، فَلَمْ يَكْتَفِ الإِمَامُ أَحْمَدُ بِالتَّرْحِيبِ اللَّفْظِيِّ، بَلْ سَارَعَ بِنَفْسِهِ –وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي عُلُوِّ القَدْرِ– فَأَمْسَكَ لَهُ بِالرِّكَابِ لِيُسَاعِدَهُ! فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ الأَقْرَانِ، وَمَعَ مَنْ هُمْ أَسَنُّ مِنْهُ، ضَارِبًا بِذَلِكَ مَثَلًا شَارِدًا فِي أَنَّ العِلْمَ إِذَا لَمْ يُثْمِرْ تَوَاضُعًا، فَهُوَ هَبَاءٌ مَنْثُورٌ.
الْجُزْءُ الثَّانِي: أَدَبُ الْإِنْصَاتِ وَسُلْطَانُ الْمَهَابَةِ
وَمَا زِلْنَا نَتَقَلَّبُ فِي رِيَاضِ تِلْكَ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ، الَّتِي صَاغَهَا الْعِلْمُ فَأَحْسَنَ صِيَاغَتَهَا. فَإِذَا كَانَ التَّوَاضُعُ فِي الْجُلُوسِ زِينَةً، فَإِنَّ حُسْنَ الْاسْتِمَاعِ وَكَفَّ الْمِرَاءِ هُوَ تَاجُ الْمُرُوءَةِ، وَذُرْوَةُ سَنَامِ الْأَدَبِ مَعَ الرِّجَالِ.
يَرْوِي لَنَا مُعَاذُ بْنُ سَعِيدٍ مَشْهَدًا يَنْبِضُ بِالْحِكْمَةِ مِنْ مَجْلِسِ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-؛ إِذْ بَيْنَمَا كَانُوا جُلُوسًا فِي حَضْرَتِهِ، انْبَرَى رَجُلٌ يَتَحَدَّثُ بِحَدِيثٍ، فَمَا كَانَ مِنْ آخَرَ إِلَّا أَنْ قَاطَعَهُ مُعْتَرِضًا، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَ فَضْلَهُ أَوْ يُصَحِّحَ لَهُ، فَضَاقَ صَدْرُ عَطَاءٍ بِهَذَا الْخَرْقِ لِأَدَبِ الْمُجَالَسَةِ، وَقَالَ مُسْتَنْكِرًا بِنَبْرَةِ الْمُرَبِّي الشَّفِيقِ: «سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا هَذِهِ الْأَخْلَاقُ؟ مَا هَذِهِ الْأَحْلَامُ؟!». ثُمَّ كَشَفَ لَهُمْ عَطَاءٌ عَنْ مَنْهَجٍ فِي النُّبْلِ قَلَّمَا يُدْرِكُهُ الْمُتَعَالِمُونَ، فَقَالَ: «إِنِّي لَأَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنَ الرَّجُلِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ، فَأُرِيهِمْ مِنْ نَفْسِي أَنِّي لَا أُحْسِنُ مِنْهُ شَيْئًا!». يَا لِعَظَمَةِ هَذِهِ النُّفُوسِ! إِنَّهُ يُتْقِنُ "فَنَّ التَّغَابِي" تَكْرِمَةً لِلْمُتَحَدِّثِ، وَجَبْرًا لِخَاطِرِهِ، فَلَا يَكْسِرُ حَدِيثَهُ، وَلَا يُسَفِّهُ قَوْلَهُ، بَلْ يُنْصِتُ إِنْصَاتَ الْمُتَعَلِّمِ وَهُوَ الْعَالِمُ الْخَبِيرُ؛ لِيَسُودَ الْوِئَامُ، وَتَحْفَظَ الْمَوَدَّةُ، وَيَعْلَمَ الْحَاضِرُونَ أَنَّ الْأَدَبَ قَبْلَ الْعِلْمِ.
وَمِنْ أَدَبِ الْإِنْصَاتِ، نَنْتَقِلُ إِلَى مَشْهَدٍ آخَرَ تَخْشَعُ لَهُ الْأَبْصَارُ فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، حَيْثُ تَتَجَلَّى هَيْبَةُ الْعُلَمَاءِ الَّتِي تَفُوقُ هَيْبَةَ الْمُلُوكِ. يُحَدِّثُنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-، ذَلِكَ الْعَلَمُ الَّذِي كَانَ إِذَا وَطِئَتْ قَدَمُهُ أَرْضَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، تَغَيَّرَتْ مَعَالِمُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ! نَعَمْ، تَتَغَيَّرُ؛ إِذْ كَانَتْ قُرَيْشٌ -وَهِيَ سَادَةُ الْعَرَبِ وَأَهْلُ الْفَصَاحَةِ- إِذَا رَأَتْهُ قَدْ جَلَسَ، عَطَّلَتْ مَجَالِسَهَا، وَهَجَرَتْ حِلَقَهَا، وَأَقْبَلَتْ بِوُجُوهِهَا وَقُلُوبِهَا نَحْوَ مَجْلِسِهِ؛ إِعْظَامًا لِقَدْرِهِ، وَإِجْلَالًا لِعِلْمِهِ، وَتَبْجِيلًا لِمَكَانَتِهِ. كَانَ الْمَشْهَدُ مَهِيبًا؛ فَهُمْ يَدُورُونَ فِي فَلَكِهِ كَمَا تَدُورُ النُّجُومُ حَوْلَ الْبَدْرِ، «فَإِنْ قَعَدَ قَعَدُوا، وَإِنْ نَهَضَ نَهَضُوا، وَإِنْ مَشَى مَشَوْا جَمِيعًا حَوْلَهُ». لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْقِدَ مَجْلِسَ ذِكْرٍ فِي حَضْرَتِهِ، لَيْسَ مَنْعًا أَوْ قَهْرًا، وَلَكِنَّهُ الْأَدَبُ الَّذِي يَجْعَلُ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ يَتَلَاشَوْنَ فِي حَضْرَةِ الْكَبِيرِ، فَلَا يَنْعَقِدُ لِسَانٌ، وَلَا يَرْتَفِعُ صَوْتٌ حَتَّى يَخْرُجَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الْحَرَمِ، فَتَعُودُ الْحَيَاةُ إِلَى بَقِيَّةِ الْمَجَالِسِ. إِنَّهُ سُلْطَانُ الْعِلْمِ الَّذِي يُخْضِعُ الْأَعْنَاقَ مَحَبَّةً وَطَوَاعِيَةً، لَا خَوْفًا وَرَهْبَةً.
الْجُزْءُ الثَّالِثُ: عِزَّةُ الْعِلْمِ وَخَبَايَا الْهَيْبَةِ
إِذَا كَانَتِ الْجَوَارِحُ تَتَأَدَّبُ فِي حَضْرَةِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ لِلْعِلْمِ نَفْسِهِ قُدْسِيَّةً لَا يَجُوزُ أَنْ تُنْتَهَكَ، وَحُرْمَةً لَا يَنْبَغِي أَنْ تُبْتَذَلَ فِي الطُّرُقَاتِ. وَفِي هَذَا الْمِضْمَارِ، يَنْقُلُ لَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ مَوْقِفًا حَازِمًا لِلْإِمَامِ الْمُبَارَكِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-. فَقَدْ لَمَحَ رَجُلًا قَدْ خَفَّ عَقْلُهُ عَنْ إِدْرَاكِ مَقَامِ الْمَعْرِفَةِ، فَاقْتَرَبَ مِنَ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَهُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، يُرِيدُ أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ فِي حَدِيثٍ عَابِرٍ، وَكَأَنَّ الْعِلْمَ كَلَامٌ يُلْقَى عَلَى قَوَارِعِ الطَّرِيقِ! هُنَا وَقَفَ الْإِمَامُ، وَلَمْ يُجِبْهُ، بَلْ قَالَ كَلِمَةً صَارَتْ مِيزَانًا: «لَيْسَ هَذَا مِنْ تَوْقِيرِ الْعِلْمِ». نَعَمْ، إِنَّ لِلْعِلْمِ مَجْلِسًا، وَلَهُ سَكِينَةٌ، فَلَا يُؤْخَذُ خَطْفًا وَلَا مَشْيًا. وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي قَلْبِ بِشْرٍ مَوْقِعًا عَظِيمًا، فَاسْتَحْسَنَهَا جِدًّا؛ لِأَنَّهَا أَعَادَتْ لِلْعِلْمِ هَيْبَتَهُ الْمَسْلُوبَةَ.
وَمِنْ دِقَّةِ الشُّعُورِ وَرَهَافَةِ الْحِسِّ، مَا سَطَّرَهُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ذَلِكَ التِّلْمِيذُ الْوَفِيُّ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ. لَقَدْ بَلَغَ بِهِ الْإِجْلَالُ مَبْلَغًا يَعْجِزُ الْوَصْفُ عَنْهُ، فَيَقُولُ بِلِسَانِ الْمُحِبِّ الْهَائِبِ: «مَا اجْتَرَأْتُ أَنْ أَشْرَبَ الْمَاءَ وَالشَّافِعِيُّ يَنْظُرُ إِلَيَّ؛ هَيْبَةً لَهُ!». تَأَمَّلْ هَذَا الْمَشْهَدَ! شَرْبَةُ مَاءٍ حَلَالٍ، تَمْنَعُهُ مِنْهَا الْمَهَابَةُ! لَيْسَ خَوْفًا مِنْ بَطْشٍ، وَلَا رَهْبَةً مِنْ عِقَابٍ، وَلَكِنَّهُ الْحَيَاءُ أَنْ يَرَاكَ مُعَلِّمُكَ مُتَلَبِّسًا بِشَهْوَةِ النَّفْسِ وَلَوْ كَانَتْ شَرْبَةَ مَاءٍ، أَوْ أَنْ تَنْشَغِلَ عَنْهُ بِلَذَّةِ جَسَدِكَ وَهُوَ حَاضِرٌ. إِنَّهُ أَدَبٌ بَاطِنِيٌّ شَفَّافٌ لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا مَنْ مُلِئَ قَلْبُهُ نُورًا.
ثُمَّ نَنْتَقِلُ إِلَى لَوْحَةٍ أُخْرَى تُرَسِّخُ مَفْهُومَ "عِزَّةِ الْعَالِمِ وَتَوَاضُعِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ"، بَطَلُهَا الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ. كَانَ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ -وَهُوَ أَمِيرٌ ذُو جَاهٍ بِبَغْدَادَ- يَتُوقُ لِسَمَاعِ الْعِلْمِ مِنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَطَمِعَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْعَالِمُ إِلَى قَصْرِهِ لِيُحَدِّثَهُ، لَكِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ اعْتَصَمَ بِعِزَّةِ الْعِلْمِ، وَأَبَى الذَّهَابَ، فَمَا كَانَ مِنَ الْأَمِيرِ إِلَّا أَنْ رَضَخَ لِهَذَا السُّلْطَانِ، وَصَارَ هُوَ مَنْ يَأْتِي إِلَى مَنْزِلِ الْعَالِمِ. وَلَكِنْ، انْظُرْ إِلَى الْمُفَارَقَةِ الْعَجِيبَةِ! حِينَ قَدِمَ الْعَالِمَانِ الْجَلِيلَانِ: عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَعَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ، وَأَرَادَا سَمَاعَ كُتُبِ أَبِي عُبَيْدٍ، لَمْ يَنْتَظِرْ أَبُو عُبَيْدٍ قُدُومَهُمَا، بَلْ كَانَ يَحْمِلُ كِتَابَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَيَذْهَبُ بِنَفْسِهِ إِلَى مَنْزِلِهِمَا لِيُحَدِّثَهُمَا! وَلَعَلَّكَ تَسْأَلُ: لِمَ امْتَنَعَ هُنَاكَ وَبَذَلَ نَفْسَهُ هُنَا؟ يُجِيبُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ بِبَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ: «إِنَّمَا امْتَنَعَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنَ الْمُضِيِّ إِلَى مَنْزِلِ طَاهِرٍ تَوْقِيرًا لِلْعِلْمِ -حَتَّى لَا يُذِلَّهُ عِنْدَ أَهْلِ السُّلْطَانِ-، وَمَضَى إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَعَبَّاسٍ تَوَاضُعًا وَتَدَيُّنًا». فَالْأَوَّلُ حِفَاظٌ عَلَى الْكَرَامَةِ، وَالثَّانِي بَذْلٌ لِلْأُخُوَّةِ وَالْفَضْلِ، إِذْ لَا نَقْصَ فِي خِدْمَةِ الْعَالِمِ لِأَخِيهِ الْعَالِمِ، بَلْ هُوَ قِمَّةُ الشَّرَفِ. وَهَكَذَا يَكُونُ الْمِيزَانُ الدَّقِيقُ: شُمُوخٌ أَمَامَ الدُّنْيَا، وَذُلٌّ وَتَوَاضُعٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
الْجُزْءُ الرَّابِعُ: قَدَاسَةُ الْحَدِيثِ وَذَوْبَانُ النُّفُوسِ
لَمْ يَكُنْ تَوْقِيرُ الْعُلَمَاءِ لِلْعِلْمِ مُجَرَّدَ طُقُوسٍ ظَاهِرَةٍ، بَلْ كَانَ عَقِيدَةً رَاسِخَةً تَسْتَوْلِي عَلَى الْجَوَارِحِ حَتَّى فِي أَحْلَكِ اللَّحَظَاتِ، حَتَّى فِي لَحَظَاتِ الْمَرَضِ وَالْأَلَمِ. تَأَمَّلْ مَعِي هَذَا الْمَشْهَدَ الْمُؤَثِّرَ الَّذِي يَرْوِيهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ عَنْ سَيِّدِ التَّابِعِينَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. لَقَدْ زَارَهُ رَجُلٌ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الْمَرَضِ، قَدْ أَنْهَكَهُ الْوَجَعُ وَأَذْوَتْهُ الْعِلَّةُ، فَسَأَلَهُ الرَّجُلُ عَنْ حَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ. فَمَا كَانَ مِنْ سَعِيدٍ إِلَّا أَنْ تَحَامَلَ عَلَى نَفْسِهِ، وَغَالَبَ أَلَمَهُ، وَجَلَسَ مُعْتَدِلًا لِيُحَدِّثَهُ. فَأَشْفَقَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «وَدِدْتُ أَنَّكَ لَمْ تَتَعَنَّ» (أَيْ: تَمَنَّيْتُ لَوْ لَمْ تُتْعِبْ نَفْسَكَ). فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِرَدٍّ يَكْتُبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ: «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحَدِّثَكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مُضْطَجِعٌ!». أَيُّ قَلْبٍ هَذَا؟! يَسْتَحِي أَنْ يَمُرَّ كَلَامُ النَّبِيِّ عَلَى لِسَانِهِ وَجَسَدُهُ فِي حَالَةِ رَاحَةٍ أَوْ اسْتِرْخَاءٍ، فَيَرَى أَنَّ الْأَدَبَ مَعَ كَلَامِ النُّبُوَّةِ أَوْجَبُ مِنْ رَاحَةِ الْجَسَدِ الْعَلِيلِ.
وَمِنْ أَدَبِ الْجَسَدِ إِلَى أَدَبِ الرُّوحِ بَيْنَ الْأَقْرَانِ وَالشُّيُوخِ، حَيْثُ نَقِفُ عَلَى مَشْهَدٍ عَجِيبٍ فِي يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ، أَبْطَالُهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَسَاطِينِ الْعِلْمِ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَشَيْخُهُمَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيُّ. خَرَجُوا جَمِيعًا إِلَى الْمُصَلَّى، وَالنَّاسُ كُثُرٌ، فَلَمَّا انْقَضَتِ الصَّلَاةُ وَعَادُوا، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ لِتِلْمِيذَيْهِ الْجَبَلَيْنِ: «رَأَيْتُ الْيَوْمَ مِنْكُمَا عَجَبًا، لَمْ تُكَبِّرَا!». فَكَانَ الْجَوَابُ الَّذِي يَفِيضُ أَدَبًا: «يَا أَبَا بَكْرٍ، كُنَّا نَنْتَظِرُ هَلْ تُكَبِّرُ، فَنُكَبِّرَ، فَلَمَّا رَأَيْنَاكَ لَمْ تُكَبِّرْ، أَمْسَكْنَا!». لَكِنَّ الْمُفَاجَأَةَ كَانَتْ فِي رَدِّ الشَّيْخِ حِينَ قَالَ: «وَأَنَا كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْكُمَا، هَلْ تُكَبِّرَانِ، فَأُكَبِّرَ!». يَا لَلْعَجَبِ! الشَّيْخُ يَنْتَظِرُ تَلَامِيذَهُ لِيَقْتَدِيَ بِهِمْ إِجْلَالًا لِعِلْمِهِمْ، وَالتَّلَامِيذُ يَنْتَظِرُونَ شَيْخَهُمْ إِجْلَالًا لِسِنِّهِ وَمَكَانَتِهِ، فَسَادَ الصَّمْتُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ يَرَى الْفَضْلَ لِصَاحِبِهِ لَا لِنَفْسِهِ.
وَيَبْلُغُ هَذَا الْحُبُّ ذُرْوَتَهُ، وَتَصِلُ هَذِهِ الْمَشَاعِرُ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ، فِي اللِّقَاءِ الْخَالِدِ بَيْنَ التِّلْمِيذِ النَّجِيبِ وَالْأُسْتَاذِ الْمَهِيبِ: مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ. دَخَلَ مُسْلِمٌ عَلَى الْبُخَارِيِّ، فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ مِنْ فَرْطِ الْمَحَبَّةِ وَالْإِجْلَالِ، فَقَالَ بِصَوْتِ الْمُحِبِّ الْوَالِهِ فِي حُبِّ شَيْخِهِ: «دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَطَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ». إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ "يَدَيْكَ" بَلْ طَلَبَ "الرِّجْلَيْنِ"؛ لِيُعْلِنَ لِلتَّارِيخِ أَنَّ رَأْسَ مُسْلِمٍ -صَاحِبِ الصَّحِيحِ- لَا يَزِيدُهُ شَرَفًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَقْدَامِ الْبُخَارِيِّ.
وَلَا يَفُوتُنَا أَنْ نَعْرُجَ عَلَى أَدَبِ الْخُلَفَاءِ مَعَ الْعُلَمَاءِ، وَكَيْفَ كَانَتِ الزَّلَّةُ تُغْتَفَرُ إِكْرَامًا لِلْعِلْمِ. فَهَذَا الْكِسَائِيُّ -إِمَامُ اللُّغَةِ- يُصَلِّي بِالرَّشِيدِ، فَتَخُونُهُ ذَاكِرَتُهُ وَيُخْطِئُ فِي آيَةٍ خَطَأً لَا يقعُ فِيهِ صَبِيٌّ، إِذْ قَالَ: "لَعَلَّهُمْ يَرْجِعِينَ" (بِالْيَاءِ بَدَلَ الْوَاوِ). فَلَمَّا انْقَضَتِ الصَّلَاةُ، لَمْ يُعَنِّفْهُ الرَّشِيدُ، وَلَمْ يُجَرِّحْهُ، بَلْ سَأَلَهُ بِأَدَبِ الْمُتَعَلِّمِ الْمُتَسَائِلِ: «أَيُّ لُغَةٍ هَذِهِ؟» (كَأَنَّهُ يَلْتَمِسُ لَهُ وَجْهًا). فَرَدَّ الْكِسَائِيُّ بِذَكَاءِ الْعَالِمِ وَاعْتِرَافِ الْمُخْطِئِ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَدْ يَعْثُرُ الْجَوَادُ!». فَقَبِلَ الرَّشِيدُ عُذْرَهُ وَقَالَ: «أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ». سَتَرَ عَلَيْهِ زَلَّتَهُ، وَقَبِلَ عُذْرَهُ؛ لِأَنَّ كَبْوَةَ الْعَالِمِ لَا تُسْقِطُ هَيْبَتَهُ، وَلَا تَمْحُو تَارِيخَهُ.
الْجُزْءُ الْخَامِسُ: مِيزَانُ الْعَدْلِ
لَمْ تَكُنْ هَيْبَةُ الْعُلَمَاءِ تَتَأَتَّى بِالسَّيْفِ وَلَا بِالسَّوْطِ، بَلْ هِيَ رِدَاءٌ إِلَهِيٌّ يُلْبِسُهُ اللَّهُ لِمَنْ أَخْلَصَ. وَخَيْرُ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ عَنْ سَيِّدِ التَّابِعِينَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ فَقَدْ كَانَ حَوْلَهُ هَالَةٌ مِنَ الْجَلَالِ تَجْعَلُ السَّائِلَ يَتَلَعْثَمُ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ، يَقُولُ: «مَا كَانَ إِنْسَانٌ يَجْتَرِئُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ حَّتَّى يَسْتَأْذِنَهُ كَمَا يَسْتَأْذِنُ الْأَمِيرَ». لَيْسَ تَجَبُّرًا مِنْ سَعِيدٍ، وَلَكِنَّهَا نُفُوسُ الطُّلَّابِ الَّتِي أَدْرَكَتْ أَنَّ الْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ كَالْوُقُوفِ فِي بَلَاطِ الْمُلُوكِ، بَلْ أَعْظَمُ.
وَلَكِنْ.. لَيْسَتْ كُلُّ الصُّوَرِ مُشْرِقَةً، فَقَدْ سَاقَ لَنَا التَّارِيخُ دَرْسًا قَاسِيًا فِيمَنْ جَمَعَ الْعِلْمَ وَأَضَاعَ الْأَدَبَ، لِنَعْلَمَ أَنَّ الْعِلْمَ بِلَا خُلُقٍ كَالشَّجَرِ بِلَا ثَمَرٍ، وَقُودٌ لِلنَّارِ. يَحْكِي ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْعَبْدَرِيِّ، وَكَانَ شَيْخًا "حَافِظًا" لِلْعِلْمِ، لَكِنَّ لِسَانَهُ كَانَ سَلِيطًا لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ الْأَئِمَّةُ الْكِبارُ. فَقَدْ تَجَرَّأَ وَوَصَفَ الْإِمَامَ مَالِكًا بِأَنَّهُ «جِلْفٌ جَافٍ»! وَلَمْ يَرْعَ حُرْمَةَ أَبِي عُبَيْدٍ فَقَالَ عَنْهُ: «مَا كَانَ إِلَّا حِمَارًا مُغَفَّلًا!»، بَلْ وَتَطَاوَلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ! دَارَتِ الْأَيَّامُ، وَجَلَسَ هَذَا الشَّيْخُ فِي مَجْلِسِ عِلْمٍ، فَأَطْلَقَ لِسَانَهُ بِالسُّوءِ فِي إِبْرَاهِيمَ الْجَوْزَجَانِيِّ وَكَذَّبَهُ. هُنَا، لَمْ تُطِقْ نُفُوسُ الْحَاضِرِينَ هَذَا الْعَبَثَ بِالْقِمَمِ، فَانْبَرَى لَهُ أَحَدُهُمْ قَائِلًا بِكُلِّ صَرَاحَةٍ: «إِلى كَمْ نَحْتَمِلُ مِنْكَ سُوءَ الْأَدَبِ؟! تَقُولُ فِي إِبْرَاهِيمَ كَذَا، وَفِي مَالِكٍ، وَفِي أَبِي عُبَيْدٍ؟!». فَغَضِبَ الْعَبْدَرِيُّ وَانْتَفَضَتْ فِيهِ كِبْرِيَاءُ النَّفْسِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَسْتَدْعِيَ مَاضِيَهُ الْمُرْعِبَ قَائِلًا: «كَانَ ابْنُ الْخَاضِبَةِ وَالْبَرَدَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا يَخَافُونِي، فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَقُولَ فِيَّ هَذَا؟!». لَكِنَّ الرَّدَّ جَاءَ صَاعِقًا مِنَ الْعَالِمِ الْمُرَبِّي ابْنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، الَّذِي اخْتَصَرَ قَانُونَ الْعَدَالَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي كَلِمَتَيْنِ: «هَذَا بِذَاكَ!». أَيْ: إِنَّ ذَهَابَ هَيْبَتِكَ الْيَوْمَ، وَتَجْرُؤَنَا عَلَيْكَ، هُوَ عِقَابٌ مِنَ اللَّهِ لِتَطَاوُلِكَ عَلَى الْأَئِمَّةِ بِالْأَمْسِ. وَخَتَمَ الطَّالِبُ الْمَشْهَدَ بِقَاعِدَةٍ ذَهَبِيَّةٍ: «إِنَّمَا نَحْتَرِمُكَ مَا احْتَرَمْتَ الْأَئِمَّةَ». فَإِذَا سَقَطَ الْأَدَبُ، سَقَطَتِ السِّيَادَةُ.
وَنَخْتِمُ هَذِهِ الْجَوْلَةَ بِمَشْهَدٍ يُعِيدُ لَنَا الطُّمَأْنِينَةَ، يَرْوِيهِ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ. كَانُوا فِي مَجْلِسِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ جَبَلُ السُّنَةِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. فَحَدَثَ أَنْ ضَحِكَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ مِنْ كَلِمَةٍ قِيلَتْ، فَلَمَّا دَخَلَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ (ابْنُ عُلَيَّةَ) وَرَأَى الضَّحِكَ، غَضِبَ غَضْبَةً مُضَرِيَّةً، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِوُجُودِ أَحْمَدَ! فَقَالَ مُسْتَنْكِرًا: «أَتَضْحَكُونَ وَعِنْدِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ؟!». كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ حَضْرَةَ مِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ تَسْتَوْجِبُ الْخُشُوعَ كَالصَّلَاةِ، فَلَا مَجَالَ لِلَّغْوِ فِي حَضْرَةِ الْكِبَارِ.
الْمَصَادِر
- ((الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ)) لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ: (1/ 198)، (1/ 200)، (1/ 370).
- ((حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الْأَصْفِيَاءِ)) لِأَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ: (2/ 173)، (3/ 207)، (6/ 367)، (8/ 166).
- ((سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ)) لِلْإِمَامِ الذَّهَبِيِّ: (9/ 133)، (9/ 566)، (12/ 432)، (19/ 581).
- ((تَارِيخُ دِمَشْقَ)) لِابْنِ عَسَاكِرَ: (5/ 267)، (53/ 60).
- ((الْآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ)) لِأبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي (1/ 416).
- ((التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ)) لِلنَّوَوِيِّ (ص: 47).
- ((مَنَاقِبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ)) لِأبِي الفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ (ص: 86).