recent
آخر القصص

أدهى المحتالين وأكرم الأمراء | 4 مواقف تاريخية ستصدمك من دهاء العر

نستعرض معكم مجموعة من نوادر العرب وطرائفهم التي جمعت بين الدهاء والبلاغة والطمع الطريف. من عزة نفس الفرزدق وجرير أمام هجاء الأحوص، إلى حيل أشعب العجيبة مع الجدي الرضيع ودعواته المستجابة، وصولاً إلى اختبار معن بن زائدة للأعرابي صاحب القثاء. قصص كاملة توثق ذكاء العرب وسرعة بديهتهم في مواقف لا تُنسى.
🔊

من نوادر العرب وطرائفهم: مواقف في الدهاء والبلاغة

حرمة الإبداع: الفرزدق وجرير أمام هجاء الأحوص

تَحْكِي لَنَا بَطُونُ الْكُتُبِ أَنَّ الشَّاعَرَ الْأَحْوَصَ نَضَحَ مِدَادَهُ هَجَاءً فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُدْعَى ابْنَ بَشِيرٍ، وَكَانَ هَذَا الْأَنْصَارِيُّ ذَا ثَرْوَةٍ عَرِيضَةٍ وَجَاهٍ مَكِينٍ. فَاضَ صَدْرُهُ غَيْظًا مِنْ سِهَامِ الْهَجَاءِ الَّتِي مَزَّقَتْ عِرْضَهُ، فَيَمَّمَ شَطْرَ الْبَصْرَةِ يَنْشُدُ النَّصْرَةَ عِنْدَ فَحْلِ الشُّعَرَاءِ الْفَرَزْدَقِ.

حَمَلَ ابْنُ بَشِيرٍ إِلَى الْفَرَزْدَقِ نَفَائِسَ الْهَدَايَا، فَقَبِلَهَا الْفَرَزْدَقُ وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ. وَحِينَ سَأَلَهُ عَنْ حَاجَتِهِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ بِلَوْعَةِ الْمَظْلُومِ: "جِئْتُكَ مُسْتَجِيرًا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ مِنْ شَاعِرٍ أَوْجَعَنِي هَجَاءً!". فَأَجَابَهُ الْفَرَزْدَقُ بِنَخْوَةٍ: "قَدْ أَجَارَكَ اللهُ وَكَفَاكَ مَئُونَتَهُ، فَمَنْ هَذَا الَّذِي اجْتَرَأَ عَلَيْكَ؟". فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ الْأَحْوَصُ، أَطْرَقَ الْفَرَزْدَقُ مَلِيًّا، ثُمَّ تَرَنَّمَ بِقَوْلِ الْأَحْوَصِ:

«أَلَا قِفْ بِرَسْمِ الدَّارِ فَاسْتَنْطِقِ الرَّسْمَا .. فَقَدْ هَاجَ أَحْزَانِي وَذَكَّرَنِي نُعْمَا»

ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ قَائِلًا بِيَقِينِ الْمُبْدِعِ: "وَاللهِ لَا أَهْجُو رَجُلًا هَذَا شِعْرُهُ!".

لَمْ يَيْأَسِ ابْنُ بَشِيرٍ، فَانْطَلَقَ إِلَى خَصْمِ الْفَرَزْدَقِ اللَّدُودِ، جَرِيرٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ هَدَايَا أَفْخَمُ وَأَجْزَلُ. فَلَمَّا سَمِعَ جَرِيرٌ شَكْوَاهُ، سَأَلَهُ عَنْ خَصْمِهِ، فَقَالَ: "هُوَ ابْنُ عَمِّكَ الْأَحْوَصُ". فَصَمَتَ جَرِيرٌ بُرْهَةً، ثُمَّ رَدَّدَ قَوْلَ الْأَحْوَصِ يَفْتَخِرُ بِنَسَبِهِ:

تَمَشَّى بِشَتْمِي فِي أَكَارِيسَ مَالِكٍ .. تُشِيدُ بِهِ كَالْكَلْبِ إِذْ يَنْبَحُ النَّجْمَا
فَمَا أَنَا بِالْمَحْسُوسِ فِي جِذْمِ مَالِكٍ .. وَلَا بِالْمُسَمَّى ثُمَّ يَلْتَزِمُ الْإِسْمَا
وَلَكِنَّ بَيْتِي إِنْ سَأَلْتَ وَجَدْتَهُ .. تَوَسَّطَ مِنْهَا الْعِزَّ وَالْحَسَبَ الضَّخْمَا

فَهَزَّ جَرِيرٌ رَأْسَهُ إِعْجَابًا وَقَالَ: "فَلَا وَاللهِ لَا أَهْجُو شَاعِرًا هَذَا شِعْرُهُ!". عِنْدَهَا أَدْرَكَ ابْنُ بَشِيرٍ أَنَّ لِلْإِبْدَاعِ حُرْمَةً لَا تَهْتِكُهَا الْخُصُومَاتُ، فَعَادَ إِلَى الْأَحْوَصِ بِهَدَايَا تَلِيقُ بِمَقَامِ شَاعِرٍ أَذَلَّ الْعُمَالِقَةَ بِقَرِيضِهِ، وَأَهْدَاهَا إِلَيْهِ حَتَّى طَابَتِ النُّفُوسُ وَتَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا. 

(الْمَصْدَرُ: كتاب قصص العرب)

حيلة أشعب والجدي الرضيع: مئتا دينار ثمن الروعة

تَحْكِي لَنَا أَرَاجِيزُ النَّوَادِرِ أَنَّ أَشْعَبَ، ذَاكَ الطَّمَّاعَ الَّذِي لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، عَمَدَ إِلَى جَدْيٍ صَغِيرٍ فَغَذَّاهُ بِلَبَنِ أُمِّهِ حَتَّى تَرَوَّى، ثُمَّ زَادَ فِي تَدْلِيلِهِ فَأَمَرَ زَوْجَتَهُ أَنْ تُرْضِعَهُ مِنْ لَبَنِهَا حَتَّى بَلَغَ مِنَ السِّمَنِ وَالْفَرَاهَةِ غَايَةً. فَلَمَّا اسْتَغْلَظَ الْجَدْيُ وَصَارَ مِلْءَ الْعَيْنِ، حَمَلَهُ أَشْعَبُ وَيَمَّمَ شَطْرَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَقَالَ لَهُ بِلِسَانٍ يَمْتَزِجُ فِيهِ الْجِدُّ بِالْهُزَالِ: "تَاللَّهِ يَا سَيِّدِي، إِنَّ هَذَا لَيْسَ بَهِيمَةً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ ابْنِي؛ رَضَعَ مِنْ لَبَنِ زَوْجَتِي، وَقَدْ جِئْتُكَ بِهِ هَدِيَّةً تَلِيقُ بِمَقَامِكَ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَسْتَأْهِلُهُ سِوَاكَ!".

تَفَرَّسَ إِسْمَاعِيلُ فِي هَذَا "الِابْنِ" الْمَزْعُومِ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ إِلَّا لَحْمًا نَضِيرًا، فَأَمَرَ بِذَبْحِهِ عَلَى الْفَوْرِ غَيْرَ آكِلٍ لِطُعْمَةِ أَشْعَبَ. حِينَئِذٍ انْتَفَضَ أَشْعَبُ يَطْلُبُ ثَمَنَ كَرَمِهِ، فَمَا كَانَ مِنْ إِسْمَاعِيلَ إِلَّا أَنْ قَالَ: "مَا عِنْدِي الْيَوْمَ مَا أُجَازِيكَ بِهِ، وَنَحْنُ مَنْ تَعْرِفُ سَخَاءَهُمْ، فَلَا يَفُوتَنَّكَ مِنَّا الْخَيْرُ لَاحِقًا".

لَمْ يَرْتَضِ أَشْعَبُ أَنْ يَعُودَ صِفْرَ الْيَدَيْنِ، فَمَثَّلَ دَوْرَ الْمَفْجُوعِ، وَدَخَلَ عَلَى جَعْفَرٍ (وَالِدِ إِسْمَاعِيلَ) وَهُوَ يَشْهَقُ نَحِيبًا حَتَّى كَادَتْ أَضْلَاعُهُ تَنْحَنِي مِنْ لَوْعَتِهِ، فَذُعِرَ جَعْفَرٌ وَسَأَلَهُ مُسْتَفْهِمًا عَنْ خَبَرِهِ، فَقَالَ أَشْعَبُ بَيْنَ زَفَرَاتِهِ: "لَقَدْ وَثَبَ ابْنُكَ إِسْمَاعِيلُ عَلَى ابْنِي فَذَبَحَهُ ظُلْمًا وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ!".

ارْتَاعَ جَعْفَرٌ وَظَنَّ أَنَّ دَمًا بَشَرِيًّا قَدْ أُرِيقَ، فَأَسْرَعَ إِلَى اسْتِرْضَاءِ أَشْعَبَ قَائِلًا: "وَيْحَكَ! لَا يَسْمَعَنَّ هَذَا أَحَدٌ، خُذْ هَذِهِ الْمِائَتَيْ دِينَارٍ جَبْرًا لِمُصَابِكَ، وَلَكَ عِنْدَنَا مَا تُحِبُّ". وَبَيْنَمَا أَشْعَبُ يَخْرُجُ جَذِلًا بِمَالِهِ، أَقْبَلَ إِسْمَاعِيلُ، وَكَشَفَ لَهُ خَبِيئَةَ "الْجَدْيِ الرَّضِيعِ". عِنْدَهَا سَكَنَ رَوْعُ جَعْفَرٍ وَتَبَدَّلَ خَوْفُهُ صَفَاءً، فَقَالَ لِأَشْعَبَ: "رَوَّعْتَنِي رَاعَكَ اللَّهُ! فَوَاللَّهِ لَقَدْ كَانَتْ رَوْعَةُ ابْنِكَ (الْجَدْيِ) فِينَا، أَعْظَمَ مِنْ رَوْعَتِكَ الَّتِي كَلَّفَتْنَا الْمِائَتَيْ دِينَارٍ!". 

(الْمَصْدَرُ: كِتَابُ نِهَايَةِ الْأَرَبِ فِي فُنُونِ الْأَدَبِ)

أشعب والتوبة المستقالة: غين.. لام.. ألف.. ميم!

يُحْكَى أَنَّ أَشْعَبَ، رَائِدَ الطَّمَعِ الَّذِي سَارَتْ بِذِكْرِهِ الرُّكْبَانُ، وَقَفَ يَوْمًا يَرْجُو الْخَلَاصَ مِنْ نَفْسِهِ، فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، وَنَادَى رَبَّهُ بِقَلْبٍ وَجِلٍ: «اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنِّي دَاءَ الْحِرْصِ، وَاقْطَعْ مِنْ نَفْسِي ذُلَّ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ!». وَمَا إِنْ فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ وَخَرَجَ، حَتَّى طَافَ عَلَيْهِمْ مَلِيًّا، فَلَمْ يَمُدَّ إِلَيْهِ أَحَدٌ يَدًا بِعَطَاءٍ. فَعَدَ إِلَى أُمِّهِ يَمْشِي الْهُوَيْنَا وَالْخَيْبَةُ تَقْفُو أَثَرَهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ صِفْرَ الْيَدَيْنِ، قَالَتْ: «مَا لَكَ عُدْتَ كَمَا ذَهَبْتَ؟». فَأَخْبَرَهَا بِمَا كَانَ مِنْ دُعَائِهِ، فَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَّا أَنْ صَاحَتْ بِهِ: «وَيْحَكَ! ارْجِعْ فَاسْتَقِلْ رَبَّكَ، فَلَا تَدْخُلْ عَلَيَّ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْكَ هَذَا الزُّهْدُ الْمُجْدِبُ!».

رَجَعَ أَشْعَبُ إِلَى مَقَامِهِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ ضَارِعًا: «يَا رَبِّ، أَقِلْنِي مِنْ دَعْوَتِي، وَأَعِدْ إِلَيَّ حِرْصِي!». وَسُبْحَانَ مَنْ يَبْسُطُ الرِّزْقَ! فَمَا مَرَّ بِمَجْلِسٍ إِلَّا وَأُمْطِرَ بِالْهَدَايَا، حَتَّى وُهِبَ لَهُ "غُلَامٌ" وَأَحْمَالٌ مُوقَرَةٌ مِنَ الْمَتَاعِ وَالْخَيْرَاتِ. وَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَى أُمِّهِ، سَأَلَتْهُ بِدَهْشَةٍ: «أَيُّ شَيْءٍ هَذَا يَا أَشْعَبُ؟». فَخَافَ عَلَيْهَا أَنْ يَنْصَدِعَ قَلْبُهَا فَرَحًا، فَجَعَلَ يُقَلِّطُ لَهَا الْحُرُوفَ تَسْكِينًا لِرَوْعِهَا، قَائِلًا: «غَيْنٌ..»، قَالَتْ: «أَيُّ شَيْءٍ؟»، قَالَ: «لَامٌ..»، قَالَتْ: «ثُمَّ مَاذَا؟»، قَالَ: «أَلِفٌ..»، قَالَتْ: «وَمَا بَعْدُ؟»، قَالَ: «مِيمٌ!». فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ فِي عَقْلِهَا وَعَلِمَتْ أَنَّهُ "غُلَامٌ"، سَقَطَتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا. فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَشْعَبُ وَقَالَ: «لَوْلَا أَنِّي قَطَّعْتُ لَهَا الْحُرُوفَ، لَمَاتَتْ فَرَحًا لَا مَحَالَةَ!». 

(الْمَصْدَرُ: كِتَابُ نِهَايَةِ الْأَرَبِ فِي فُنُونِ الْأَدَبِ)

معن بن زائدة والأعرابي: ذكاء القثاء وثمن الصبر

خَرَجَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ -ذَاكَ الْجَوَادُ الَّذِي ضُرِبَتْ بِسَخَائِهِ الْأَمْثَالُ- فِي كَوْكَبَةٍ مِنْ خَوَاصِّهِ يَنْشُدُونَ الصَّيْدَ. انْفَرَدَ مَعْنٌ خَلْفَ ظَبْيٍ نَفُورٍ حَتَّى انْقَطَعَ عَنْ أَصْحَابِهِ وَتَاهَ فِي مَجَاهِلِ الْبَرِّيَّةِ. وَفِيمَا هُوَ كَذَلِكَ، أَبْصَرَ شَيْخًا أَعْرَابِيًّا مُقْبِلًا عَلَى حِمَارٍ لَهُ رَثِّ الْحَالِ. اسْتَقْبَلَهُ مَعْنٌ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ: «مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ، وَإِلَى أَيْنَ تَبْتَغِي؟». فَأَجَابَهُ الشَّيْخُ: «أَقْبَلْتُ مِنْ أَرْضٍ جَدْبَاءَ لَمْ تَعْرِفِ الْقَطْرَ مُنْذُ عِشْرِينَ حِجَّةً، وَلَكِنَّهَا اخْضَرَّتْ هذَا الْعَامَ، فَزَرَعْتُ فِيهَا مَقْثَاةً، فَأَخْرَجَتْ قِثَّاءً فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، فَجَمَعْتُ مِنْهُ مَا اسْتَحْسَنْتُهُ، وَقَصَدْتُ بِهِ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ؛ لِمَا بَلَغَنِي مِنْ جُودِهِ».

أَرَادَ مَعْنٌ أَنْ يَخْتَبِرَ عَفْوِيَّةَ الرَّجُلِ، فَقَالَ لَهُ: «وَكَمْ أَمَّلْتَ أَنْ يَمْنَحَكَ مَعْنٌ؟». قَالَ الشَّيْخُ: «أَلْفَ دِينَارٍ!». فَأَبْدَى مَعْنٌ دَهْشَتَهُ: «إِنَّهُ كَثِيرٌ!». فَمَا زَالَ الْأَعْرَابِيُّ يَهْبِطُ بِسَقْفِ أَمَانِيهِ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ مِائَةٍ، وَمَعْنٌ يُرَدِّدُ: «كَثِيرٌ!». حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ بِضِيقٍ: «فَلَا أَقَلَّ مِنَ الثَّلَاثِينَ!». فَقَالَ مَعْنٌ: «كَثِيرٌ!». عِنْدَهَا نَفَدَ صَبْرُ الْأَعْرَابِيِّ وَصَاحَ: «إِذَنْ فَالْحِمَارُ مَرْبُوطٌ بِالْبَابِ، وَأَنَا رَاجِعٌ إِلَى أَهْلِي خَائِبًا!».

فَضَحِكَ مَعْنٌ حَتَّى اهْتَزَّتْ مَنَاكِبُهُ، ثُمَّ أَمَرَ حَاجِبَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ الشَّيْخَ مَتَى جَاءَ. وَبَعْدَ سَاعَةٍ، دَخَلَ الْأَعْرَابِيُّ الدِّيوَانَ، فَرَأَى مَعْنًا مُتَصَدِّرًا، فَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ هُوَ صَاحِبُهُ. فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، سَأَلَهُ مَعْنٌ بِمَهَابَةٍ: «مَا الَّذِي أَتَى بِكَ يَا أَخَا الْعَرَبِ؟». فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الْقِثَّاءِ، فَقَالَ لَهُ مَعْنٌ: «وَكَمْ أَمَّلْتَ فِينَا؟». فَذَكَرَ الشَّيْخُ الْأَلْفَ، فَقَالَ مَعْنٌ: «كَثِيرٌ!». فَهَبَطَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الثَّلَاثِينَ، فَقَالَ مَعْنٌ: «كَثِيرٌ!». فَتَفَرَّسَ الشَّيْخُ فِي وَجْهِهِ وَأَدْرَكَ الْخَدِيعَةَ، فَقَالَ بَدَهَاءٍ: «يَا سَيِّدِي، إِنْ لَمْ تُجِبْ إِلَى الثَّلَاثِينَ فَالْحِمَارُ مَرْبُوطٌ بِالْبَابِ!». فَاسْتَلْقَى مَعْنٌ ضَاحِكًا، ثُمَّ نَادَى وَكِيلَهُ وَقَالَ: «أَعْطِهِ الْأَلْفَ، وَالْخَمْسَمِائَةِ، وَالثَّلَاثَمِائَةِ، وَالْمِائَةَ، وَالْخَمْسِينَ، وَالثَّلَاثِينَ.. وَدَعِ الْحِمَارَ لَهُ فِي مَكَانِهِ!». 

(الْمَصْدَرُ: كِتَابُ الْمُسْتَطْرَفِ)

خاتمة:
في هذه النوادر، نرى طرافة النفس العربية وذكاءها الفطري، وكيف كانت الكلمة والموقف أسلوباً للحياة ونيل المأرب بظرف وأدب. نسأل الله أن يمتعنا دوماً بحكمة وتراث أجدادنا.

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX