recent
آخر القصص

من وصايا الصحابة عند الوفاة!!! قصص مؤثرة حصلت قبل الموت!!

نستعرض معكم اللحظات الأخيرة والكلمات الخالدة والوصايا المؤثرة لصحابة رسول الله ﷺ قُبيل وفاتهم. نروي قصة سعد بن الربيع في أحد، وعمير بن الحمام في بدر، وعبد الله بن جحش، وسعد بن معاذ، وخبيب بن عدي، وثابت بن قيس، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وبلال بن رباح، وخالد بن الوليد، وأبو ذر الغفاري، وأبو الدرداء، وعبد الرحمن بن عوف، وعبادة بن الصامت، وحذيفة بن اليمان. نصوص كاملة توثق الشجاعة والزهد والشوق للقاء الله.
🔊

الْوَصَايَا وَالْكَلِمَاتُ الْأَخِيرَةُ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ

الرِّسَالَةُ الْأَخِيرَةُ لِشَهِيدِ أُحُدٍ: سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ؟". فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَذَهَبَ الرَجُلُ يَطُوفُ بَيْنَ الْقَتْلَى، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِآتِيَهُ بِخَبَرِكَ. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: "فَاذْهَبْ إِلَيْهِ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي قَدْ طُعِنْتُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ طَعْنَةً وَأَنِّي قَدْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلِي، وَأَخْبِرْ قَوْمَكَ أَنَّهُ لاَ عُذْرَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ إِنْ قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَحَدٌ مِنْهُمْ حَيٌّ". وَهَكَذَا كَانَ شُغْلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الشَّاغِلُ؛ حِرْصَهُمْ عَلَى حَبِيبِهِمْ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَعَلَى الدَّعْوَةِ الَّتِي آمَنُوا بِهَا حَتَّى آخِرِ نَفَسٍ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَمِيعاً.

الْكَلِمَاتُ الْأَخِيرَةُ لِأَوَّلِ شَهِيدٍ فِي الْحَرْبِ فِي الْإِسْلَامِ: عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ: "قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ". فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: بَخٍ بَخٍ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟" قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا". فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: "لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ". فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ.

الْكَلِمَاتُ الْأَخِيرَةُ لِلشَّهِيدِ الْمُجَدَّعِ فِي اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ يَتَطَلَّعُ إِلَى الشَّهَادَةِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، الَّتِي شَارَكَ فِيهَا مُشَارَكَةَ مُجَاهِدٍ حَرِيصٍ عَلَى لِقَاءِ اللَّهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَمُتْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، بَلْ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ. وَفِي اللَّيْلَةِ الَّتِي سَبَقَتِ الْمَعْرَكَةَ، كَانَ يَجْلِسُ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَتَمَنَّى كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى اللَّهِ أُمْنِيَّةً، قَالَ سَعْدٌ: "يَا رَبِّ، إِذَا لَقِيتُ الْعَدُوَّ غَداً فَلَقِّنِي رَجُلاً شَدِيداً بَأْسُهُ شَدِيداً حَرَدُهُ -أَيْ غَضَبُهُ- أُقَاتِلُهُ فِيكَ وَيُقَاتِلُنِي، ثُمَّ ارْزُقْنِي عَلَيْهِ الظَّفَرَ حَتَّى أَقْتُلَهُ وَآخُذَ سَلَبَهُ". أَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فَقَدْ دَعَا اللَّهَ قَائِلاً: "اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي غَداً رَجُلاً شَدِيداً بَأْسُهُ شَدِيداً حَرَدُهُ، أُقَاتِلُهُ فِيكَ وَيُقَاتِلُنِي، ثُمَّ يَأْخُذُنِي فَيَجْدَعَ أَنْفِي وَأُذُنِي، فَإِذَا لَقِيتُكَ قُلْتَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ فِيمَ جُدِعَ أَنْفُكَ وَأُذُنُكَ؟ فَأَقُولُ: فِيكَ يَا رَبِّ وَفِي رَسُولِكَ. فَتَقُولُ: صَدَقْتَ". وَفِي الصَّبَاحِ، وَبَعْدَ أَنْ حَمِيَ وَطِيسُ الْمَعْرَكَةِ، اسْتُشْهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ كَمَا تَمَنَّى.

الْكَلِمَاتُ الْأَخِيرَةُ لِأَبِي عَمْرٍو: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

دَعَا سَعْدٌ رَبَّهُ وَهُوَ يَنْزِفُ دَماً عَلَى إِثْرِ سَهْمٍ قَذَفَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْخَنْدَقِ، بَعْدَ أَنْ حُمِلَ إِلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئاً فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ قَوْماً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ مِنْ قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَكَ وَكَذَّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ. وَإِنْ كُنْتَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْعَلْ مَا أَصَابَنِي الْيَوْمَ طَرِيقاً لِلشَّهَادَةِ، وَلاَ تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ". وَاسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْإِصَابَةُ طَرِيقَهُ إِلَى الشَّهَادَةِ؛ إِذْ لَقِيَ رَبَّهُ بَعْدَ شَهْرٍ مُتَأَثِّراً بِجِرَاحِهِ، بَعْدَ أَنْ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَعِنْدَمَا جَاءَتْ لَحَظَاتُهُ الْأَخِيرَةُ، وَقَدْ حَضَرَهُ الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، حَاوَلَ سَعْدٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ فِي جُهْدٍ رَاجِياً أَنْ يَكُونَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- آخِرَ مَا تُبْصِرُهُ عَيْنَاهُ فِي الْحَيَاةِ، وَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا إِنِّي لَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ"، وَفَاضَتْ رُوحُهُ الشَّرِيفَةُ إِلَى بَارِئِهَا.

ابْتِهَالُ النِّهَايَةِ لِلْبَطَلِ الشَّهِيدِ: خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

تَنَاوَشَتِ الرِّمَاحُ وَالسُّيُوفُ جَسَدَ الْبَطَلِ الْمُؤْمِنِ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي جُنُونٍ وَوَحْشِيَّةٍ، وَقَدْ صَلَبَهُ الْمُشْرِكُونَ حِقْداً وَبَغْياً وَعُدْوَاناً وَظُلْماً، وَهُوَ لاَ يُبَالِي بِهِمْ وَلاَ يُبَالِي بِالْمَوْتِ، لِيَقِينِهِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ وَالثَّوَابِ الْعَظِيمِ. وَعِنْدَمَا رَفَعُوهُ إِلَى جُذُوعِ النَّخْلِ الَّتِي صَنَعُوا مِنْهَا صَلِيباً وَشَدُّوا عَلَيْهِ الْوِثَاقَ، يَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ السَّمَاءِ وَابْتَهَلَ إِلَى رَبِّهِ الْعَظِيمِ قَائِلًا: "اللَّهُمَّ إِنَّا قَدْ بَلَّغْنَا رِسَالَةَ رَسُولِكَ، فَبَلِّغْهُ الْغَدَاةَ مَا يُصْنَعُ بِنَا". وَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ فَأَحَسَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا حَدَثَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ لِيُنْزِلاَ جُثْمَانَهُ. وَكَانَ خُبَيْبٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ- قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي خُشُوعٍ وَسَلَامٍ وَإِخْبَاتٍ، وَوَدَّ لَوْ ظَلَّ يُصَلِّي، لَكِنَّهُ الْتَفَتَ إِلَى قَاتِلِيهِ قَائِلًا لَهُمْ: "وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَحْسَبُوا بِي جَزَعاً مِنَ الْمَوْتِ لاَزْدَدْتُ صَلَاةً". ثُمَّ شَهَرَ ذِرَاعَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَداً، وَاقْتُلْهُمْ بَدَداً، وَلاَ تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَداً"، ثُمَّ تَصَفَّحَ وُجُوهَهُمْ فِي عَزْمٍ وَرَاحَ يُنْشِدُ:

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً
عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ
يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

الْكَلِمَاتُ الْأَخِيرَةُ لِشَهِيدِ الْيَمَامَةِ: ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: جَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ أَكْفَانَهُ وَقَدِ انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي الْأَعْداءَ-، وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ -يَعْنِي الْمُنْهَزِمِينَ- فَبِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ! خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَقْرَانِنَا سَاعَةً"، ثُمَّ حَمَلَ فَقَاتَلَ سَاعَةً فَقُتِلَ.

وَصِيَّةُ أَمِينِ الْأُمَّةِ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ

لَمَّا أَحَسَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بِالْمَوْتِ أَوْصَى بِقَوْلِهِ: "أَقْرِئُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ السَّلَامَ، وَأَعْلِمُوهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَمَانَتِي شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ قُمْتُ بِهِ وَأَدَّيْتُهُ إِلَيْهِ، وَادْفِنُونِي حَيْثُ قَضَيْتُ -أَيْ مُتُّ- فَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً" -أَيْ يَعْتَادُ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِ-. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَلَّا يَفْتَحَ بَاباً لِتَعْيِينِ الْقُبُورِ وَإِقَامَةِ الْأَنْصَابِ حَوْلَهَا؛ لِأَنَّ الْخُلُودَ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ خُلُودَ قُبُورٍ وَأَجْدَاثٍ، وَلَكِنَّهُ خُلُودُ الذِّكْرِ الْحَمِيدِ بَيْنَ النَّاسِ.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: لَمَّا طُعِنَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ بِالْأُرْدُنِّ دَعَا مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: "إِنِّي مُوصِيكُمْ بِوَصِيَّةٍ إِنْ قَبِلْتُمُوهَا لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَتَصَدَّقُوا، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا، وَتَوَاصَوْا، وَانْصَحُوا لِأُمَرَائِكُمْ وَلاَ تَغُشُّوهُمْ، وَلاَ تُلْهِكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّ امْرَأً لَوْ عُمِّرَ أَلْفَ حَوْلٍ مَا كَانَ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَصِيرَ إِلَى مَصْرَعِي هَذَا الَّذِي تَرَوْنَ. اللَّهُ كَتَبَ الْمَوْتَ عَلَى بَنِي آدَمَ فَهُمْ مَيِّتُونَ، وَأَكْيَسُهُمْ أَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ، وَأَعْمَلُهُمْ لِيَوْمِ مَعَادِهِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. يَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، صَلِّ بِالنَّاسِ". وَمَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ، مَاتَ الْبَطَلُ الْعَرَبِيُّ الْإِسْلَامِيُّ، مَاتَ الْفَاتِحُ الْقَائِدُ وَالْأَمِيرُ الْمُؤْمِنُ الْعَظِيمُ، وَكَأَنَّ الْقَضَاءَ اسْتَجَابَ لِرَغْبَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ قَبْرُهُ بِيَقِينٍ -وَإِنْ كَانَ يُقَالُ إِنَّ قَبْرَ أَبِي عُبَيْدَةَ مَوْجُودٌ بِجَامِعِ الْجَرَّاحِ بِدِمَشْقَ- حَتَّى لاَ يَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً مِنْ بَعْدِهِ، وَحَتَّى تَظَلَّ سِيرَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْعَطِرَةُ شَذًى يَتَرَدَّدُ مُعَطِّراً لِلْآفَاقِ، فَيَكُونَ أَلْيَقَ بِأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنْفَعَ لِطُلَّابِ الْعِظَةِ وَالذِّكْرَى مِنْ أَلْفِ قَبْرٍ وَأَلْفِ تِمْثَالٍ.

الْكَلِمَاتُ الْأَخِيرَةُ لِلصَّحَابِيِّ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

لَمَّا حَانَ أَجَلُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَدُعِيَ لِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ تَنْطَلِقُ عَنِ الْعَقْلِ الْبَاطِنِ حَقِيقَةُ كُلِّ حَيٍّ، وَتَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ إِنِ اسْتَطَاعَ الْحَدِيثَ كَلِمَاتٌ تُلَخِّصُ أَمْرَهُ وَحَيَاتَهُ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَاتِ قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَلِمَاتٍ عَظِيمَةً تَكْشِفُ عَنْ إِيمَانٍ عَظِيمٍ، وَعَنْ شَخْصِيَّةٍ مُؤْمِنَةٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ حَقَّ الْإِيمَانِ. فَقَدْ كَانَ يُحَدِّقُ فِي السَّمَاءِ وَيَقُولُ مُنَاجِياً رَبَّهُ الرَّحِيمَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ أَخَافُكَ لَكِنَّنِي الْيَوْمَ أَرْجُوكَ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ الدُّنْيَا وَطُولَ الْبَقَاءِ فِيهَا لِجَرْيِ الْأَنْهَارِ وَلاَ لِغَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَلَكِنْ لِظَمَأِ الْهَوَاجِرِ وَنَيْلِ الْمَزِيدِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْأَرَقِ، وَمُزَاحَمَةِ الْعُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ عِنْدَ حِلَقِ الذِّكْرِ". وَبَسَطَ يَمِينَهُ كَأَنَّهُ يُصَافِحُ الْمَوْتَ، وَرَاحَ فِي غَيْبُوبَتِهِ يَقُولُ: "مَرْحَباً بِالْمَوْتِ، حَبِيبٌ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ.. حَبِيبٌ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ".

الْكَلِمَاتُ الْأَخِيرَةُ لِمُؤَذِّنِ الرَّسُولِ ﷺ: بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

تَرَكَ بِلَالٌ يَثْرِبَ مُتَّجِهاً مَعَ الْقَافِلَةِ إِلَى الشَّامِ، وَبَعْدَ سَفَرٍ طَوِيلٍ بَلَغَتِ الْقَافِلَةُ الشَّامَ فَاتَّجَهَ بِلَالٌ إِلَى دَارِهِ وَرَاحَ يَسْتَرِيحُ مِنْ وَعْثَاءِ الطَّرِيقِ. وَاسْتَأْنَفَ بِلَالٌ حَيَاتَهُ فِي الشَّامِ، وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ أَحَسَّ ضَعْفاً وَاعْتِلالاً فَلَزِمَ دَارَهُ، وَازْدَادَ الضَّعْفُ بِمُرُورِ الْأَيَّامِ، وَجَلَسَتْ زَوْجُهُ بِجِوَارِهِ تُمَرِّضُهُ. فَوَجَدَتْهُ يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ بِصُعُوبَةٍ، وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ فَسَأَلَتْ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَغَمْغَمَ: "دَنَا الْفِرَاقُ"، وَكَأَنَّهُ يَرَى أُنَاساً يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَقَفُوا عِنْدَ فِرَاشِهِ يَنْتَظِرُونَهُ؛ هَذَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ، وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُهُمُ الرَّاحِلُونَ. كَأَنِّي بِهِمْ يَدْعُونَهُ لِيَلْحَقَ بِهِمْ، فَابْتَسَمَتْ عَلَى شَفَتَيْهِ ابْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ مَا لَبِثَتْ أَنْ اخْتَفَتْ، ثُمَّ زَفَرَ زَفْرَةً شَدِيدَةً وَأَسْبَلَ عَيْنَيْهِ وَأَلْقَى رَأْسَهُ عَلَى صَدْرِهِ. صَكَّتْ زَوْجُهُ وَجْهَهَا وَهَتَفَتْ: وَاحُزْنَاهُ! فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَجُودُ بِأَنْفَاسِهِ الْأَخِيرَةِ قَائِلًا: "لاَ تَقُولِي وَاحُزْنَاهُ، بَلْ قُولِي وَافَرَحَاهُ، غَداً نَلْقَى الْأَحِبَّةَ.. مُحَمَّداً وَصَحْبَهُ.. وَصَحْبَهُ".

وَصِيَّةُ الشَّاعِرِ أَبِي عَلِيٍّ: قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ التَّمِيمِيُّ لِوَلَدِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ

رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَوْصَى وَلَدَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَسَوِّدُوا أَكْبَرَكُمْ، فَإِنَّ الْقَوْمَ إِذَا سَوَّدُوا أَكْبَرَكُمْ خَلَفُوا أَبَاهُمْ، وَإِذَا مِتُّ فَلاَ تَنُوحُوا عَلَيَّ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يُنَحْ عَلَيْهِ".

كَلِمَاتٌ خَالِدَةٌ لِسَيْفِ اللَّهِ الْمَسْلُولِ: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ

نَامَ الْبَطَلُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي لَمْ يَهْدَأْ وَلَمْ يَسْتَرِحْ نَوْمَةَ الْمَوْتِ، وَآنَ لِجَسَدِهِ الْمُجْهَدِ أَنْ يَسْتَرْخِيَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَصِفُهُ أَصْحَابُهُ وَأَعْدَاؤُهُ بِأَنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لاَ يَنَامُ وَلاَ يَتْرُكُ أَحَداً يَنَامُ. إِنَّهُ سَيْفُ اللَّهِ الَّذِي سَلَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ؛ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. كَانَتْ مَأْسَاةُ حَيَاتِهِ فِي رَأْيِهِ أَنْ يَمُوتَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَضَى حَيَاتَهُ كُلَّهَا فِي الْمَعَامِعِ وَفَوْقَ ظَهْرِ جَوَادِهِ وَتَحْتَ بَرِيقِ سَيْفِهِ. وَهُوَ الَّذِي غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَهَرَ أَصْحَابَ الرِّدَّةِ وَسَوَّى بِالتُّرَابِ عَرْشَيْ فَارِسَ وَالرُّومِ، وَجَابَ الْأَرْضَ وَثْباً فِي الْعِرَاقِ حَتَّى فَتَحَهَا لِلْإِسْلَامِ، وَفِي بِلَادِ الشَّامِ حَتَّى فَتَحَهَا قَائِداً ثُمَّ جُنْدِيّاً. لِذَلِكَ نَسْمَعُهُ -بَلْ وَتَتَرَدَّدُ كَلِمَاتُهُ فِي مَسَامِعِ الزَّمَنِ دَائِماً- وَهُوَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ لِيُفَارِقَ الدُّنْيَا: "لَقَدْ شَهِدْتُ كَذَا وَكَذَا زَحْفاً، وَمَا فِي جَسَدِي مَوْضِعٌ إِلَّا وَفِيهِ ضَرْبَةُ سَيْفٍ أَو طَعْنَةُ رُمْحٍ أَوْ رَمْيَةُ سَهْمٍ، ثُمَّ هَا أَنَا ذَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي حَتْفَ أَنْفِي كَمَا يَمُوتُ الْبَعِيرُ، فَلاَ نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ".

مَشْهَدُ الْخِتَامِ فِي حَيَاةِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

جَلَسَتْ أُمُّ ذَرٍّ بِجِوَارِ زَوْجِهَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ تَبِكِي وَهُوَ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ. فَنَظَرَ إِلَيْهَا قَائِلًا: فِيمَ الْبُكَاءُ وَالْمَوْتُ حَقٌّ؟ فَتُجِيبُهُ بِأَنَّهَا تَبْكِي لِأَنَّهُ يَمُوتُ وَلَيْسَ لَهَا ثَوْبٌ يَسَعُهُ كَفَناً وَلاَ تَمْلِكُ تَكْفِينَهُ، فَأَشارَ إِلَيْهَا أَنِ اطْمَئِنِّي قَائِلًا: "لاَ تَبْكِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ وَأَنَا عِنْدَهُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ: لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَتَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْأَرْضِ فَتَشْهَدُهُ عِصابةٌ من الْمُؤْمِنِينَ. وَكُلُّ مَنْ كَانَ مَعِي فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مَاتَ فِي جَمَاعَةٍ وَقَرْيَةٍ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرِي، وَهَا أَنَا ذَا بِالْفَلَاةِ أَمُوتُ، فَرَاقِبِي الطَّرِيقَ فَسَتَطْلُعُ عَلَيْنَا عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلاَ كُذِبْتُ". وَفَاضَتْ رُوحُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ صَدَقَ وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

كَلِمَاتٌ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ لِلصَّحَابِيِّ الزَّاهِدِ: أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

ظَلَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي دِمَشْقَ يَعِظُ أَهْلَهَا وَيُذَكِّرُهُمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ. فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ، دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: "ذُنُوبِي". قَالُوا: وَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: "عَفْوَ رَبِّي". ثُمَّ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: "لَقِّنُونِي لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، فَمَا زَالَ يُرَدِّدُهَا حَتَّى فَارَقَ الْحَيَاةَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَمَّا جَاءَتْهُ الْمَنِيَّةُ جَعَلَ يَقُولُ: "مَنْ يَعْمَلُ لِمِثْلِ يَوْمِي هَذَا؟ مَنْ يَعْمَلُ لِمِثْلِ سَاعَتِي هَذِهِ؟ مَنْ يَعْمَلُ لِمِثْلِ مَضْجَعِي هَذَا؟" ثُمَّ يَقُولُ: "{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}".

الْوَصِيَّةُ الْأَخِيرَةُ لِلصَّحَابِيِّ الْمُجَاهِدِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مِثَالاً لِلتَّاجِرِ الصَّدُوقِ الْمُنْفِقِ لِمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَعَلَّ التُّجَّارَ يَوْمَنَا يُحَاوِلُونَ السَّيْرَ عَلَى طَرِيقِهِ، فَيَبْذُلُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَوْ قَلِيلاً لِسَدِّ حَاجَةِ الْمُحْتَاجِينَ وَدَفْعِ الْبُؤْسِ عَنِ الْبَائِسِينَ. لَمْ يَكْتَفِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمَا قَدَّمَ فِي حَيَاتِهِ مِنْ تَضْحِيَةٍ وَبَذْلٍ لِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ إِعْلَاءِ دِينِ اللَّهِ وَسَدِّ حَاجَةِ الْمُحْتَاجِينَ، بَلْ أَوْصَى بِأَلْفِ فَرَسٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَبَيْنَمَا كَانَتْ رُوحُهُ تَتَهَيَّأُ لِرِحْلَتِهَا الْجَدِيدَةِ، كَانَتْ عَيْنَاهُ تَفِيضَانِ مِنَ الدَّمْعِ وَلِسَانُهُ يَتَمَتْمُ وَيَقُولُ: "إِنِّي أَخَافُ أَنْ أُحْبَسَ عَنْ أَصْحَابِي لِكَثْرَةِ مَالِي".

الْكَلِمَاتُ الْأَخِيرَةُ لِأَبِي الْوَلِيدِ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

دَخَلَ عَلَيْهِ أَحَدُ أَصْحَابِهِ وَهُوَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، فَلَمَّا رَآهُ كَذَلِكَ بَكَى بُكَاءً شَدِيداً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عُبَادَةُ قَائِلاً: "مَهْلاً لِمَ تَبْكِي؟ فَوَاللَّهِ لَئِنْ اسْتُشْهِدْتُ لَأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لَأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ اسْتَطَعْتُ لَأَنْفَعَنَّكَ". ثُمَّ اسْتَطْرَدَ قَائِلاً: "وَاللَّهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِلَّا حَدِيثاً وَاحِداً، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي -أَيِ اقْتَرَبَتْ مِنَ الْمَوْتِ وَأَيِسْتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَالنَّجَاةِ-؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ" (رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ). وَهَكَذَا أَبَتْ نَفْسُ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ جَسَدِهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ عَلَى أَتَمِّ وَجْهٍ وَأَكْمَلِهِ، فَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.

الْكَلِمَاتُ الْأَخِيرَةُ لِلصَّحَابِيِّ الْعَبْقَرِيِّ: حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

لَمَّا دُعِيَ الصَّحَابِيُّ الْعَبْقَرِيُّ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ لِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَهَيَّأَ لِلرِّحْلَةِ الْأَخِيرَةِ، دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَسَأَلَهُمْ: "أَجِئْتُمْ مَعَكُمْ بِأَكْفَانٍ؟" قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "أَرُونِيهَا". فَلَمَّا رَآهَا وَجَدَهَا جَدِيدَةً فَارِهَةً فَقَالَ سَاخِراً: "مَا هَذَا لِي بِكَافٍ، إِنَّمَا يَكْفِينِي لَفَّافَتَانِ بَيْضَاوَتَانِ لَيْسَ مَعَهُمَا قَمِيصٌ، فَإِنِّي لَنْ أُتْرَكَ فِي الْقَبْرِ إِلَّا قَلِيلاً حَتَّى أُبَدَّلَ خَيْراً مِنْهُمَا أَوْ شَرّاً مِنْهُمَا". وَتَمْتَمَ بِكَلِمَاتٍ سَمِعَهَا مَنْ حَضَرَهُ عِنْدَ رَحِيلِهِ لِلْآخِرَةِ قَائِلاً: "مَرْحَباً بِالْمَوْتِ، حَبِيبٌ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ، لاَ أَفْلَحَ مَنْ نَدِمَ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَبَقَ بِي الْفِتْنَةَ قَادَتَهَا وَعُلُوجَهَا". وَقِيلَ إِنَّهُ سُئِلَ: مَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: "أَشْتَهِي الْجَنَّةَ". قَالُوا: فَمَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: "أَشْتَكِي ذُنُوبِي". قَالُوا: أَفَلاَ نَدْعُو لَكَ الطَّبِيبَ؟ قَالَ: "الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي، لَقَدْ عِشْتُ فِيكُمْ عَلَى خِلاَلٍ ثَلَاثٍ: الْفَقْرُ فِيكُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْغِنَى، وَضَعَةٌ فِيكُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الشَّرَفِ، وَإِنَّ مَنْ حَمِدَنِي مِنْكُمْ وَلَامَنِي فِي الْحَقِّ عِنْدِي سَواءٌ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ صِيَاحِ النَّارِ".

author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX