مَلَاحِمُ إِسْلَامِيَّةٌ.. مَعْرَكَةُ الْأَرَكِ وَالسُّلْطَانُ يَعْقُوبُ الْمَنْصُورُ
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ
إِنَّهُ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي نَصَرَ فِيهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ نَصْراً عَزِيزاً، وَقَطَعَ دَابِرَ الْمُشْرِكِينَ وَكَبَتَهُمْ وَأَذَلَّهُمْ، فَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً. يَوْمٌ الْتَقَى جُنْدُ اللَّهِ تَعَالَى يَرْفَعُونَ رَايَةَ التَّوْحِيدِ يُنَاجِزُونَ أَهْلَ الصَّلِيبِ، فَالْتَقَى أُسُودُ الشَّرَى وَلُيُوثَ الْغَابِ بِهَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ الْحَاقِدِينَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَكَانُوا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْأُمَوِيُّ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ:
كَأَنَّهُمُ الثَّعَالِبُ حِينَ تَلْقَى
هِزَبْراً فِي الْعَرِينِ لَهُ اقْتِحَامُ
وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ مِنْ أَشْهَرِ أَيَّامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِأَرْضِ الْأَنْدَلُسِ بَعْدَ مَوْقَعَةِ الزَّلَّاقَةِ، حَتَّى قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي كِتَابِهِ "وَفَيَاتُ الْأَعْيَانِ" عَنْ يَوْمِ الْأَرَكِ: "لَمْ يُسْمَعْ فِي بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ بِكَسْرَةٍ مِثْلِهَا" -أَيْ لِلنَّصَارَى-. وَقَالَ أَيْضاً الْمُؤَرِّخُ شِهَابُ الدِّينِ الْمَقَّرِيُّ التِّلِمْسَانِيُّ فِي "نَفْحِ الطِّيبِ": "تُضَاهِي الزَّلَّاقَةَ أَوْ تَزِيدُ".
وَلَوْلَا هَذَا النَّصْرُ الْمُبِينُ وَالْفَتْحُ الْمَجِيدُ، لَكَانَتِ الْأَنْدَلُسُ فَرِيسَةً لِعُبَّادِ الصَّلِيبِ، وَلَوْلَا اللَّهُ الْغَالِبُ الَّذِي لاَ يُقْهَرُ ثُمَّ حَمِيَّةُ الْمُؤْمنينِينَ لَرَقَصَتِ الْقُرُودُ عَلَى أَشْلَاءِ الْأُسُودِ:
لَوْلَا الْحَمِيَّةُ فِي النُّفُوسِ تُثِيرُهَا
هَتْكُ الْكِلَابِ حِمَى الْهِزْبَرِ الضَّارِي
وَلَوْلَا هَذَا النَّصْرُ الْمُؤَزَّرُ لاسْتَنْسَرَتِ الْبُغَاثُ بِأَرْضِ النُّسُورِ. وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّاعِرِ الْكَبِيرِ ابْنِ الرُّومِيِّ، وَكَأَنَّهُ يَقْصِدُ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الْمَغْرُورِينَ أَهْلَ الْكِبْرِ وَالصَّلَفِ حِينَ قَالَ:
وَثَبْتَ عَلَى الْهِزْبَرِ وَأَنْتَ كَلْبٌ
وَلَمْ تَحْسِبْهُ يَنْشَطُ لِلافْتِرَاسِ
مَتَى كَانَتْ هَذِهِ الْمَعْرَكَةُ؟
وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَعْرَكَةُ فِي 9 مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ 591 لِلْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، بَيْنَ دَوْلَةِ الْمُوَحِّدِينَ -وَعَلَى رَأْسِهِمُ السُّلْطَانُ الْكَبِيرُ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْمَنْصُورُ الْمُوَحِّدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَفَا عَنْهُ-، وَجُيُوشِ مَلِكِ قَشْتَالَةَ الْمَلِكِ أَلْفُونْسُو الثَّامِنِ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى. أَمَّا الْأَرَكُ فَهِيَ قَلْعَةٌ كَانَتْ نُقْطَةَ الْحُدُودِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ مُسْلِمِي الْأَنْدَلُسِ وَنَصَارَى مَدِينَةِ قَشْتَالَةَ.
سَبَبُ الْمَعْرَكَةِ
أَمَّا عَنْ سَبَبِ هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ، فَإِنَّ حَالَ الْمُسْلِمِينَ بِبِلَادِ الْأَنْدَلُسِ فِي عَصْرِ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ كَانَ قَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الضَّعْفِ وَالذُّلِّ وَالْمَهَانَةِ. فَقَدْ أَخَذَتْ مُدُنُ الْأَنْدَلُسِ الْإِسْلَامِيَّةُ تَتَهَاوَى وَتَسْقُطُ وَاحِدَةً وَرَاءَ أُخْرَى فِي قَبْضَةِ النَّصَارَى الْحَاقِدِينَ الَّذِينَ {لاَ يَرْقُبُوا فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلاَ ذِمَّةً}. وَلَعَلَّ أَصْدَقَ مَا يُصَوِّرُ هَذِهِ الْحَالَةَ الْبَائِسَةَ الَّتِي كَانَ يَحْيَاهَا أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، مَا ذَكَرَهُ الشَّاعِرُ الْأَنْدَلُسِيُّ ابْنُ عَسَّالٍ:
يَا أَهْلَ أَنْدَلُسٍ شُدُّوا رَوَاحِلَكُمْ
فَمَا الْمُقَامُ بِهَا إِلَّا مِنَ الْغَلَطِ
الثَّوْبُ يُنْسَلُ مِنْ أَطْرَافِهِ وَأَرَى
ثَوْبَ الْجَزِيرَةِ مَنْسُولاً مِنَ الْوَسَطِ
مَنْ جَاوَرَ الشَّرَّ لاَ يَأْمَنُ بَوَائِقَهُ
كَيْفَ الْحَيَاةُ مَعَ الْحَيَّاتِ فِي سَفَطِ؟
إِرْهَاصَاتُ الْمَعْرَكَةِ
قَدْ كَانَ مَلِكُ الْبُرْتُغَالِ سَانْشُو الْأَوَّلُ قَدْ غَزَا مَدِينَةَ شِلْبٍ الْمُسْلِمَةَ عَامَ 1191 مِنَ الْمِيلَادِ. فَلَمَّا نَمَى خَبَرُ ذَلِكَ إِلَى السُّلْطَانِ الْمُوَحِّدِيِّ يَعْقُوبَ الْمَنْصُورِ، جَهَّزَ جَيْشَهُ وَعَبَرَ الْبَحْرَ لِبِلَادِ الْأَنْدَلُسِ وَحَاصَرَهَا وَأَخَذَهَا، وَأَرْسَلَ جَيْشاً مِنَ الْمُوَحِّدِينَ فَغَزَا أَرْبَعَ مُدُنٍ لِلنَّصَارَى كَانُوا قَدْ أَخَذُوهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً. فَبَثَّ الرُّعبَ وَالْفَزَعَ فِي مُلُوكِ النَّصَارَى، وَخَاصَّةً أَلْفُونْسُو الَّذِي طَلَبَ مِنَ السُّلْطَانِ الصُّلْحَ وَالْهُدْنَةَ خَمْسَ سِنِينَ. فَلَمَّا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْهُدْنَةِ، أَرْسَلَ هَذَا الْمَلْعُونُ أَلْفُونْسُو جَيْشاً عَظِيماً إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَنَهَبُوا وَقَتَلُوا وَأَسَرُوا. وَكَانَتْ هَذِهِ حَمْلَةً اسْتِفْزَازِيَّةً أَرَادَ بِهَا إِرْهَابَ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْضِ الْأَنْدَلُسِ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِرِسَالَةٍ يَسْخَرُ فِيهَا وَيَسْتَهْزِئُ بِالسُّلْطَانِ أَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ الْمَنْصُورِ.
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا
قَدْ أَرْسَلَ هَذَا اللَّعِينُ أَلْفُونْسُو كِتَاباً يَسْخَرُ فِيهِ وَيُهَدِّدُ وَيَتَوَعَّدُ السُّلْطَانَ أَبَا يُوسُفَ يَعْقُوبَ الْمُوَحِّدِيَّ وَيَدْعُوهُ لِلْقِتَالِ، وَهَذَا نَصُّ الْكِتَابِ كَمَا وَرَدَ فِي "وَفَيَاتُ الْأَعْيَانِ": "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لاَ يَخْفَى عَلَى ذِي ذِهْنٍ ثَاقِبٍ وَلاَ ذِي عَقْلٍ لَازِبٍ، أَنَّكَ أَمِيرُ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، كَمَا أَنِّي أَمِيرُ الْمِلَّةِ النَّصْرَانِيَّةِ. وَقَدْ عَلِمْتَ مَا عَلَيْهِ رُؤَسَاءُ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ مِنَ التَّخَاذُلِ وَالتَّوَاكُلِ... وَنَحْنُ الْآنَ نُقَاتِلُ بِعَشَرَةٍ مِنْكُمْ وَاحِداً مِنَّا لاَ تَسْتَطِيعُونَ دِفَاعاً وَلاَ تَمْلِكُونَ امْتِنَاعاً... فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ الْجُبْنُ أَبْطَأَ بِكَ أَمِ التَّكْذِيبُ بِمَا وَعَدَ رَبُّكَ؟".
فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَى سُلْطَانِ الْمُوَحِّدِينَ أَبِي يُوسُفَ الْمَنْصُورِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مَزَّقَهُ، وَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ قِطْعَةٍ مِنْهُ: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ}.. الْجَوَابُ مَا تَرَى لاَ مَا تَسْمَعُ.
وَلاَ كُتُبٌ إِلَّا الْمَشْرَفِيَّةُ عِنْدَهُ
وَلاَ رُسُلٌ إِلَّا الْخَمِيسُ الْعَرَمْرَمُ
وَاشْتَدَّ غَضَبُ السُّلْطَانِ أَبِي يُوسُفَ، فَأَمَرَ أَنْ يُذَاعَ هَذَا الْكِتَابُ فِي جُنُودِهِ لِيُثِيرَ غَيْرَتَهُمْ وَحَمِيَّتَهُمْ. وَدَوَّتْ صَيْحَةُ الْجِهَادِ فِي أَنْحَاءِ الْمَغْرِبِ الْعَرَبِيِّ كُلِّهِ، وَسَيَّرَ السُّلْطَانُ جَمِيعَ قُوَّاتِهِ إِلَى الْأَنْدَلُسِ. وَتَجَهَّزَ أَلْفُونْسُو الثَّامِنُ وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَحْشِدَ مَا بَيْنَ 100 أَلْفٍ إِلَى 300 أَلْفِ مُقَاتِلٍ. وَكَانَ مَعَهُ تُجَّارٌ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ وَصَلُوا لِاشْتِرَاءِ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَأَسْلَابِهِمْ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
السُّلْطَانُ الْهُمَامُ وَالْبَطَلُ الْمِقْدَامُ
وَلاَ رَيْبَ أَنَّ هَذَا السُّلْطَانَ كَانَ وَاحِداً مِمَّنْ جَدَّدَ شَبَابَ هَذَا الدِّينِ، وَكَانَ سَيْفاً مُصْلَتاً بَتَّاراً عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ. فَقَدْ كَانَ مَلِكاً جَوَاداً، عَادِلاً، مُتَمَسِّكاً بِالشَّرْعِ، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، يُصَلِّي بِالنَّاسِ الصَّلَواتِ الْخَمْسَ، وَيَلْبَسُ الصُّوفَ، وَيَقِفُ لِلْمَرْأَةِ وَلِلضَّعِيفِ وَيَأْخُذُ لَهُمُ الْحقَّ. وَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ لِيَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ مَنْ يَمُرُّ بِهِ. قَالَ عَنْهُ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: "كَانَ فَارِساً شُجَاعاً، خَبِيراً بِالْأُمُورِ، خَلِيقاً لِلْإِمَارَةِ، يَنْطَوِي عَلَى دِينٍ وَخَيْرٍ وَتَبَتُّلٍ".
اللَّهُمَّ قَدْ أَصْبَحَتْ أَهْوَاؤُنَا شِيَعاً
فَمُنَّ عَلَيْنَا بِرَاعٍ أَنْتَ تَرْضَاهُ
رَاعٍ يُعِيدُ إِلَى الْإِسْلَامِ عِزَّتَهُ
يَرْعَى بَنِيهِ وَعَيْنُ اللَّهِ تَرْعَاهُ
إِبَّانَ الْمَعْرَكَةِ
فِي التَّاسِعِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ سَنَةَ 591 مِنَ الْهِجْرَةِ، كَانَتْ مَوْقَعَةُ الْأَرَكِ الْفَاصِلَةُ. وَفِي صَبَاحِ هَذَا الْيَوْمِ أَذَاعَ أَبُو يُوسُفَ الْمَنْصُورُ بَيْنَ جُنُودِهِ خَبَرَ رُؤْيَةٍ رَآهَا، مَفَادُهَا أَنَّهُ رَأَى مَلَاكاً يُبَشِّرُهُ بِنَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى: {أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}. وَقَدِ احْتَلَّ الْمُوَحِّدُونَ قَلْبَ الْجَيْشِ، وَكَانَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ بِقِيَادَةِ الْبَطَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَنَادِيدَ. لِيَكُونَ اللِّقَاءُ الْحَاسِمُ:
وَمَنْ طَلَبَ الْفَتْحَ الْجَلِيلَ فَإِنَّمَا
مَفَاتِيحُهُ الْبِيضُ الْخِفَافُ الصَّوَارِمُ
خَمِيسٌ بِشَرْقِ الْأَرْضِ وَالْغَرْبِ زَحْفُهُ
وَفِي أُذُنِ الْجَوْزَاءِ مِنْهُ زَمَازِمُ
اغْفِرُوا لِي فَإِنَّ هَذَا مَوْضِعُ غُفْرَانٍ
حِينَ كَمُلَ الْحَشْدُ، وَقَفَ قَائِدُ الْجَيْشِ أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي حَفْصٍ يَقُولُ لِلْمُقَاتِلِينَ: "إِنَّ الْمَنْصُورَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَكُمْ: اغْفِرُوا لَهُ فَإِنَّ هَذَا مَوْضِعُ غُفْرَانٍ، وَتَغَافَرُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَطَيِّبُوا نُفُوسَكُمْ". فَبَكك النَّاسُ وَأَعْظَمُوا مَا سَمِعُوهُ. وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ حَتَّى اسْتُشْهِدَ الْبَطَلُ أَبُو يَحْيَى الْقَائِدُ الْعَامُّ. هُنَا هَجَمَ ابْنُ صَنَادِيدَ بِقُوَّاتِهِ عَلَى قَلْبِ الْجَيْشِ الْقَشْتَالِيِّ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى نَصْرَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}. هُزِمَ النَّصَارَى، وَفَرَّ أَلْفُونْسُو مَخْذُولاً إِلَى طُلَيْطِلَةَ بَعْدَ أَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَنَكَّسَ صَلِيبَهُ.
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
ذَكَرَ الْمَقَّرِيُّ أَنَّ عِدَّةَ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْفِرِنْجِ 146 أَلْفاً، وَعِدَّةَ الْأُسَارَى 13 أَلْفاً، وَبِيعَ الْأَسِيرُ بِدِرْهَمٍ. ثُمَّ اكْمَلَ السُّلْطَانُ الْمَنْصُورُ سَيْرَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى قَلْعَةِ رَبَاحٍ وَحَاصَرَ طُلَيْطِلَةَ. وَمَنَّ السُّلْطَانُ عَلَى وَالِدَةِ أَلْفُونْسُو وَبَنَاتِهِ وَعَفَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ. وَقَدْ أَعْطَتْ هَذِهِ الْمَعْرَكَةُ لِلْمُوَحِّدِينَ مَهَابَةً وَقُوَّةً بِأَرْضِ الْأَنْدَلُسِ.
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ
سَارَ الْمَنْصُورُ بِجَيْشِهِ الْمُظَفَّرِ مُيَمِّماً شَطْرَ إِشْبِيلِيَّةَ، وَنَظَمَ الشَّاعِرُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجَرَاوِيُّ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا:
هُوَ الْفَتْحُ أَعْيَا وَصْفَهُ النَّظْمُ وَالنَّثْرُ
وَعَمَّتْ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِهِ الْبُشْرَى
لَقَدْ أَوْرَدَ الْأَذْفُونْشُ شِيعَتَهُ الرَّدَى
وَسَاقَهُمْ جَهْلاً إِلَى الْبَطْشَةِ الْكُبْرَى
وَأَنْشَدَ الشَّاعِرُ عَلِيُّ بْنُ حَزْمُونٍ قَصِيدَةً جَاءَ فِيهَا:
حَيَّتْكَ مُعَطِّرَةَ النَّفْسِ
نَفَحَاتُ الْفَتْحِ بِأَنْدَلُسِ
فَذَرِ الْكُفَّارَ وَمَأْتَمَهُمْ
إِنَّ الْإِسْلَامَ لَفِي عُرْسِ
فَهَنِيئاً لِلْمُسْلِمِينَ هَذَا النَّصْرُ، وَرَحِمَ اللَّهُ السُّلْطَانَ أَبَا يُوسُفَ الْمَنْصُورَ الْمُوَحِّدِيَّ.