مُقَدِّمَةٌ: العَالَمُ يَتَخَبَّطُ فِي دَيَاجِيرِ التِّيهِ
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ. أَيُّهَا المُسْتَمِعُ الكَرِيمُ، وَيَا مَنْ تَتَشَوَّقُ رُوحُهُ لِمَعْرِفَةِ قَدْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أَهْدَاهَا اللَّهُ لِلْبَشَرِيَّةِ؛ إِنَّنَا حِينَ نُرِيدُ أَنْ نَسْتَوْعِبَ عَظَمَةَ التَّغْيِيرِ الَّذِي أَحْدَثَهُ الإِسْلَامُ، لَا بُدَّ أَنْ نَضَعَ أَمَامَ أَعْيُنِنَا صُورَةً مُصَغَّرَةً، بَلْ عَمِيقَةً، لِتَارِيخِ الحُكُومَاتِ وَالإِمَارَاتِ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ. لَا بُدَّ أَنْ نَرَى كَيْفَ كَانَتِ الأَرْضُ تَئِنُّ تَحْتَ وَطْأَةِ الجَبَابِرَةِ، وَكَيْفَ كَانَتِ القُلُوبُ قَاسِيَةً تَحْكُمُهَا الأَهْوَاءُ، حَتَّى نُدْرِكَ أَيَّ غَيْثٍ كَانَ يَحْمِلُهُ ذَلِكَ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ ﷺ.
خَرِيطَةُ الحُكْمِ: عُرُوشٌ مُقَيَّدَةٌ وَسِيَادَةٌ مُشَتَّتَةٌ
حِينَ أَذِنَ اللَّهُ لِشَمْسِ الإِسْلَامِ أَنْ تَبْزُغَ، كَانَ حُكَّامُ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ يَنْقَسِمُونَ إِلَى قِسْمَيْنِ عَجِيبَيْنِ:
- القِسْمُ الأَوَّلُ: مُلُوكٌ مُتَوَّجُونَ، يَجْلِسُونَ عَلَى عُرُوشٍ مُذَهَّبَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ فِي حَقِيقَةِ الأَمْرِ مُكَبَّلُونَ بِسَلَاسِلِ التَّبَعِيَّةِ، لَا يَسْتَقِلُّونَ بِقَرَارٍ، بَلْ هُمْ أَحْجَارٌ عَلَى رُقْعَةِ شَطْرَنْجٍ تُحَرِّكُهَا الإِمْبَرَاطُورِيَّاتُ الأَجْنَبِيَّةُ كَالفُرْسِ وَالرُّومِ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ: مُلُوكُ اليَمَنِ، وَمُلُوكُ آلِ غَسَّانَ فِي الشَّامِ، وَمُلُوكُ الحِيرَةِ فِي العِرَاقِ.
- القِسْمُ الثَّانِي: رُؤَسَاءُ قَبَائِلَ وَزُعَمَاءُ عَشَائِرَ، يَسْكُنُونَ خِيَامَ الشَّعَرِ، وَلَكِنَّهُمْ يَمْلِكُونَ مِنَ النُّفُوذِ وَالسِّيَادَةِ مَا يُضَاهِي سُلْطَةَ المُلُوكِ، وَكَانَ مُعْظَمُهُمْ يَتَمَتَّعُ بِاسْتِقْلَالٍ تَامٍّ دَاخِلَ أَعْمَاقِ الصَّحْرَاءِ، لَا يَدِينُونَ بِالْوَلَاءِ إِلَّا لِسُيُوفِهِمْ وَعَصَبِيَّتِهِمْ.
وَلِنَقْتَرِبْ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ المَمَالِكِ العَظِيمَةِ، لِنَرَى كَيْفَ صَنَعَ بِهَا الزَّمَانُ مَكْرَهُ!
أَوَّلاً: عَرْشُ اليَمَنِ (مِنْ أَمْجَادِ السُّدُودِ إِلَى أَقْدَامِ الفِيلِ)
آهِ مِنْ أَرْضِ اليَمَنِ.. تِلْكَ البِلَادُ السَّعِيدَةُ الَّتِي شَهِدَتْ أَعْظَمَ الحَضَارَاتِ وَأَعْنَفَ النَّكَبَاتِ. إِنَّ أَقْدَمَ الشُّعُوبِ الَّتِي عَرَفَتْهَا اليَمَنُ مِنْ (العَرَبِ العَارِبَةِ) هُمْ «قَوْمُ سَبَأٍ»، أُولَئِكَ الَّذِينَ ضَرَبُوا بِجُذُورِهِمْ فِي عُمْقِ التَّارِيخِ قَبْلَ المِيلَادِ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ قَرْناً! وَقَدْ تَقَلَّبَتْ أَدْوَارُهُمُ التَّارِيخِيَّةُ فِي دَوَائِرَ أَرْبَعٍ تُشْبِهُ فُصُولَ السَّنَةِ:
1. عَصْرُ المَكَارِبَةِ (عَصْرُ البِنَاءِ وَالعَظَمَةِ):
فِي القُرُونِ السَّحِيقَةِ مَا قَبْلَ (650 ق. م)، كَانَ الحُكَّامُ يُلَقَّبُونَ بِـ «مُكَرِّبِ سَبَأٍ»، يَتَّخِذُونَ مِنْ بَلْدَةِ «صِرْوَاحٍ» عَاصِمَةً لَهُمْ. فِي ذَلِكَ العَهْدِ الذَّهَبِيِّ، بُنِيَ ذَلِكَ الصَّرْحُ المَائِيُّ العَجِيبُ، «سَدُّ مَأْرِبَ»، الَّذِي جَعَلَ مِنْ أَرْضِهِمْ جَنَّتَيْنِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ. وَبَلَغُوا مِنَ القُوَّةِ أَنِ امْتَدَّ نُفُوذُهُمْ وَأَسَّسُوا مُسْتَعْمَرَاتٍ دَاخِلَ الجَزِيرَةِ وَخَارِجَهَا.
2. عَصْرُ مُلُوكِ سَبَأٍ:
مِنْ (650 ق. م) إِلَى (115 ق. م)، نَزَعُوا عَنْهُمْ لَقَبَ "المُكَرِّبِ" وَتَسَمَّوْا بِمُلُوكِ سَبَأٍ، وَنَقَلُوا عَاصِمَتَهُمْ إِلَى حَاضِرَةِ «مَأْرِبَ» ذَاتِهَا، مُزْدَهِرِينَ بِتِجَارَتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
3. صُعُودُ حِمْيَرَ وَبِدَايَةُ الِانْحِدَارِ:
مِنْ (115 ق. م) إِلَى (300 م)، غَلَبَتْ قَبِيلَةُ «حِمْيَرَ» عَلَى مَمْلَكَةِ سَبَأٍ، وَجَعَلُوا عَاصِمَتَهُمْ «رَيْدَانَ» الَّتِي سُمِّيَتْ لاحقاً بـ«ظَفَارِ». وَمِنْ هُنَا أَيُّهَا السَّامِعُ، بَدَأَتْ سُنَّةُ اللَّهِ فِي الكَوْنِ تَتَجَلَّى؛ حَيْثُ دَبَّ فِيهِمُ الضَّعْفُ وَالسُّقُوطُ! فَشِلَتْ تِجَارَتُهُمْ بِسَبَبِ سَيْطَرَةِ (الأَنْبَاطِ) فِي الشِّمَالِ، وَهَيْمَنَةِ (الرُّومَانِ) عَلَى الطُّرُقِ البَحْرِيَّةِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ. وَبَدَأَتِ القَبَائِلُ تَتَنَاحَرُ، مِمَّا أَشْعَلَ نَارَ الفُرْقَةِ، وَدَفَعَ قَبَائِلَ «قَحْطَانَ» لِلْهِجْرَةِ الْكُبْرَى هَرَباً مِنَ الضِّيقِ.
4. عَصْرُ الِاحْتِلَالِ وَالدَّمَارِ (مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ):
مُنْذُ سَنَةِ (300 م) وَحَتَّى دُخُولِ الإِسْلَامِ، أَصْبَحَتِ اليَمَنُ مَسْرَحاً لِلْمَآسِي! ضَاعَ الِاسْتِقْلَالُ، وَتَوَالَتِ الحُرُوبُ الأَهْلِيَّةُ. طَمِعَ فِيهِمُ الأَجَانِبُ، فَدَخَلَ الرُّومَانُ «عَدَنَ»، وَدَفَعُوا بـ«الأَحْبَاشِ» لِاحْتِلَالِ اليَمَنِ أَوَّلَ مَرَّةٍ سَنَةَ 340 م مُسْتَغِلِّينَ عَدَاوَةَ قَبِيلَتَيْ هَمْدَانَ وَحِمْيَرَ. وَبَعْدَ أَنْ طُرِدَ الأَحْبَاشُ نَالَتِ اليَمَنُ اسْتِقْلَالَهَا، وَلَكِنَّ غَضَبَ الطَّبِيعَةِ كَانَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ؛ تَصَدَّعَ سَدُّ مَأْرِبَ، وَانْهَارَ تَمَاماً فِي حَادِثَةِ «سَيْلِ العَرِمِ» المَهُولَةِ (سَنَة 450 أَوْ 451 م)، الَّتِي غَرَّقَتِ العُمْرَانَ وَشَتَّتَتْ مَا تَبَقَّى مِنَ الشُّعُوبِ!
مِحْنَةُ الأُخْدُودِ وَحَمْلَةُ الفِيلِ:
لَمْ يَقِفِ الْبَلَاءُ هُنَا؛ فَفِي سَنَةِ 523 م، تَسَلَّطَ مَلِكٌ يَهُودِيٌّ مُتَعَصِّبٌ يُدْعَى «ذُو نُوَاسٍ» عَلَى أَهْلِ «نَجْرَانَ» مِنَ المَسِيحِيِّينَ المُوَحِّدِينَ. أَرَادَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِدِينِهِمْ، فَلَمَّا أَبَوْا حَفَرَ لَهُمْ شُقُوقاً فِي الأَرْضِ، وَأَضْرَمَ فِيهَا النِّيرَانَ، وَأَلْقَاهُمْ فِيهَا أَحْيَاءً فِي مَشْهَدٍ تَتَفَطَّرُ لَهُ السَّمَوَاتُ! وَهُوَ المَشْهَدُ الَّذِي خَلَّدَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ قَائِلًا: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ}.
أَثَارَتْ هَذِهِ المَذْبَحَةُ حَفِيظَةَ الرُّومَانِ النَّصَارَى، فَحَرَّضُوا حُلَفَاءَهُمُ «الأَحْبَاشَ»، وَجَهَّزُوا لَهُمْ أُسْطُولاً حَمَلَ سَبْعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ حَبَشِيٍّ، نَزَلُوا سَوَاحِلَ اليَمَنِ بِقِيَادَةِ «أَرْيَاطَ» سَنَةَ 525 م. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ، تَمَرَّدَ قَائِدٌ حَبَشِيٌّ اسْمُهُ «أَبْرَهَةُ» عَلَى أَرْيَاطَ وَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى حُكْمِ اليَمَنِ. وَأَبْرَهَةُ هَذَا هُوَ الطَّاغِيَةُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ غَزْوَ مَكَّةَ لِهَدْمِ الكَعْبَةِ بِجُنُودِهِ وَأَفْيَالِهِ، فَرَدَّهُ اللَّهُ خَائِباً صَاغِراً مَعَ (أَصْحَابِ الفِيلِ).
الِاسْتِنْجَادُ بِالْفُرْسِ.. خُرُوجٌ مِنْ رَمْضَاءَ إِلَى نَارٍ:
بَعْدَ حَادِثَةِ الفِيلِ، ضَاقَ الْيَمَانِيُّونَ ذَرْعاً بِظُلْمِ الحَبَشَةِ، فَاسْتَنْجَدُوا بِمَلِكِ (الفُرْسِ)! وَقَادَ المَقَاوَمَةَ البَطَلُ الحِمْيَرِيُّ «مَعْدِيكَرِبُ بْنُ سَيْفٍ ذِي يَزَنٍ»، حَتَّى طَرَدُوا الأَحْبَاشَ سَنَةَ 575 م. وَلَكِنَّ «مَعْدِيكَرِبَ» ارْتَكَبَ خَطَأً قَاتِلًا بِاسْتِبْقَاءِ بَعْضِ الأَحْبَاشِ كَخَدَمٍ لَهُ، فَاغْتَالُوهُ يَوْماً! وَبِمَوْتِهِ انْقَطَعَ المُلْكُ عَنْ آلِ يَزَنَ، وَكَشَّرَتْ «فَارِسُ» عَنْ أَنْيَابِهَا، فَعَيَّنَ كِسْرَى عَامِلاً فَارِسِيًّا عَلَى «صَنْعَاءَ»، لِتَتَحَوَّلَ اليَمَنُ العَظِيمَةُ إِلَى مُجَرَّدِ وِلَايَةٍ فَارِسِيَّةٍ مَسْلُوبَةِ الإِرَادَةِ! وَاسْتَمَرَّ وُلَاةُ الفُرْسِ يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهَا، حَتَّى كَانَ آخِرُهُمْ «بَاذَانَ»... الَّذِي شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ فِأَسْلَمَ سَنَةَ 638 م، وَبِإِسْلَامِهِ طُوِيَتْ صَفْحَةُ الفُرْسِ المُظْلِمَةِ إِلَى الأَبَدِ، وَأَشْرَقَتْ شَمْسُ الهُدَى عَلَى اليَمَنِ السَّعِيدِ.
ثَانِياً: عَرْشُ الحِيرَةِ (مُلُوكُ الطَّوَائِفِ وَأَيَّامُ العَرَبِ)
وَنَنْتَقِلُ بِعَدَسَةِ التَّارِيخِ نَحْوَ شَرْقِ الجَزِيرَةِ، حَيْثُ العِرَاقُ الخَصِيبُ الَّذِي كَانَ يَرْزَحُ تَحْتَ حُكْمِ (الفُرْسِ).
مُنْذُ عَهْدِ «قُورُوشَ الكَبِيرِ» كَانَتْ فَارِسُ لَا تُقْهَرُ، حَتَّى جَاءَ «الإِسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ» سَنَةَ 326 ق. م فَحَطَّمَ أُسْطُورَتَهُمْ، وَهَزَمَ مَلِكَهُمْ «دَارَا الأَوَّلَ»، وَمَزَّقَ بِلَادَهُمْ إِلَى دُوَيْلَاتٍ حَكَمَهَا مَنْ يُعْرَفُونَ بِـ«مُلُوكِ الطَّوَائِفِ». فِي هَذِهِ الْحِقْبَةِ المُمَزَّقَةِ، اسْتَغَلَّتِ القَبَائِلُ العَرَبِيَّةُ (القَحْطَانِيَّةُ ثُمَّ العَدْنَانِيَّةُ) هَذَا الضَّعْفَ، وَهَاجَرُوا لِيَسْتَوْطِنُوا رِيفَ العِرَاقِ وَالجَزِيرَةَ الفُرَاتِيَّةَ.
دَهَاءُ الفُرْسِ وَتَأْسِيسُ مَمْلَكَةِ الحِيرَةِ:
عَادَتِ الرُّوحُ لِلْإِمْبَرَاطُورِيَّةِ الفَارِسِيَّةِ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى يَدِ «أَرْدَشِيرَ» مُؤَسِّسِ الدَّوْلَةِ السَّاسَانِيَّةِ سَنَةَ 226 م. جَمَعَ «أَرْدَشِيرُ» شَمْلَ الفُرْسِ، وَأَخْضَعَ العَرَبَ المَقِيمِينَ عَلَى حُدُودِهِ. وَبِدَهَاءٍ سِيَاسِيٍّ عَمِيقٍ، أَدْرَكَ أَنَّ قَبَائِلَ العَرَبِ لَا يُمْكِنُ حُكْمُهُمْ مُبَاشَرَةً مِنْ قِبَلِ أَعْجَمِيٍّ، وَلِمَنْعِ إِغَارَاتِهِمْ عَلَى مَمْلَكَتِهِ، كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَنْصِيبِ مَلِكٍ (عَرَبِيٍّ) عَلَيْهِمْ يَكُونُ خَاضِعاً لِفَارِسَ!
هَكَذَا أُسِّسَتْ إِمَارَةُ «الحِيرَةِ» لِتَكُونَ دِرْعاً لِلْفُرْسِ يَصُدُّ عَنْهُمْ هَجَمَاتِ العَرَبِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَكَلْبِ حِرَاسَةٍ يُوَاجِهُونَ بِهِ (عَرَبَ الشَّامِ) الَّذِينَ وَالَوْا الرُّومَانَ. وَكَانَ كِسْرَى يَضَعُ كَتِيبَةً مِنْ جُنُودِهِ تَحْتَ إِمْرَةِ مَلِكِ الحِيرَةِ لِيَسْتَقْوِيَ بِهَا.
سُقُوطُ النُّعْمَانِ وَيَوْمُ ذِي قَارٍ المَجِيدُ:
تَعَاقَبَ مُلُوكُ «آلِ لَخْمٍ» عَلَى عَرْشِ الحِيرَةِ، وَشَهِدُوا أَيَّاماً عَاصِفَةً؛ مِنْ أَبْرَزِهَا مُحَاوَلَةُ المَلِكِ الفَارِسِيِّ «قُبَاذَ» فَرْضَ عَقِيدَةِ «مَزْدَكَ» (وَهِيَ دَعْوَةٌ شَيْطَانِيَّةٌ لِلْإِبَاحِيَّةِ الكَامِلَةِ فِي المَالِ وَالنِّسَاءِ) عَلَى العَرَبِ! فَرَفَضَ مَلِكُ الحِيرَةِ «المُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ» ذَلِكَ بِأَنَفَةٍ وَعِزَّةٍ، فَعُزِلَ، قَبْلَ أَنْ يُعِيدَهُ كِسْرَى «أَنُوشِرْوَانُ» الَّذِي كَرِهَ المَزْدَكِيَّةَ وَأَبَادَهَا.
وَتَسْتَمِرُّ الأَيَّامُ حَتَّى نَصِلَ إِلَى المَلِكِ الشَّهِيرِ «النُّعْمَانِ بْنِ المُنْذِرِ». هَذَا المَلِكُ الَّذِي وَقَعَ ضَحِيَّةَ وِشَايَةٍ خَبِيثَةٍ أَوْغَرَتْ صَدْرَ كِسْرَى عَلَيْهِ. أَرْسَلَ كِسْرَى يَطْلُبُهُ، فَأَدْرَكَ النُّعْمَانُ أَنَّهَا النِّهَايَةُ. انْطَلَقَ خِلْسَةً، وَأَوْدَعَ سِلَاحَهُ وَمَالَهُ وَأَهْلَهُ كَأَمَانَةٍ عِنْدَ سَيِّدِ آلِ شَيْبَانَ الرَّجُلِ الشَّهْمِ «هَانِئِ بْنِ مَسْعُودٍ»، ثُمَّ سَلَّمَ نَفْسَهُ لِكِسْرَى الَّذِي زَجَّ بِهِ فِي السِّجْنِ حَتَّى مَاتَ.
غَضِبَ كِسْرَى، وَأَرْسَلَ يَطْلُبُ مِنْ «هَانِئٍ» تَسْلِيمَ أَمَانَةِ النُّعْمَانِ. وَلَكِنَّ العَرَبِيَّ الأَصِيلَ لَا يَخُونُ مُسْتَجِيراً! أَبَى هَانِئٌ ذَلِكَ حَمِيَّةً وَشَرَفاً، فَأَعْلَنَتْ فَارِسُ الحَرْبَ، وَزَحَفَتْ كَتَائِبُ كِسْرَى الْمُدَجَّجَةُ بِالْحَدِيدِ لِسَحْقِ قَبِيلَةٍ عَرَبِيَّةٍ فِي مَكَانٍ يُسَمَّى «ذَا قَارٍ».
وَهُنَاكَ، حَدَثَتِ المُعْجِزَةُ... انْتَصَرَ بَنُو شَيْبَانَ، وَمُزِّقَ جَيْشُ الإِمْبَرَاطُورِيَّةِ الفَارِسِيَّةِ شَرَّ مُمَزَّقٍ! وَكَانَ هَذَا (أَوَّلَ يَوْمٍ تَنْتَصِرُ فِيهِ العَرَبُ عَلَى العَجَمِ).
وَمِنْ بَدِيعِ تَدْبِيرِ السَّمَاءِ، أَنَّ يَوْمَ ذِي قَارٍ وَقَعَ بَعْدَ مِيلَادِ الرَّسُولِ ﷺ بِقَلِيلٍ؛ وَكَأَنَّ هَذَا الِانْتِصَارَ كَانَ إِرْهَاصاً وَبُشْرَى بِأَنَّ زَمَنَ إِذْلَالِ الأُمَمِ قَدْ وَلَّى، وَأَنَّ فَجْرَ العِزَّةِ قَدْ لَاحَ فِي الأُفُقِ. ثُمَّ انْتَقَلَ حُكْمُ الحِيرَةِ لِأَيْدِي الفُرْسِ مُبَاشَرَةً ثُمَّ إِلَى آلِ لَخْمٍ مُجَدَّداً لِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ سَيْفُ اللَّهِ المَسْلُولُ «خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ» بِعَسَاكِرِ المُسْلِمِينَ، فَطَهَّرَهَا وَضَمَّهَا لِدَوْلَةِ الإِسْلَامِ.
ثَالِثاً: عَرْشُ الشَّامِ (حُرَّاسُ الرُّومِ وَتِيجَانُ الغَسَاسِنَةِ)
بَعْدَ أَنْ طُفْنَا بِاليَمَنِ وَالعِرَاقِ، نُيَمِّمُ شَطْرَنَا نَحْوَ الشَّمَالِ، إِلَى «بِلَادِ الشَّامِ»، حَيْثُ كَانَتْ أَمْوَاجُ الهِجْرَاتِ العَرَبِيَّةِ تَتَلَاطَمُ. فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ، زَحَفَتْ بُطُونٌ مِنْ قَبِيلَةِ «قُضَاعَةَ» حَتَّى نَزَلَتْ مَشَارِفَ الشَّامِ، وَمِنْهُمْ (بَنُو سَلِيحِ بْنِ حُلْوَانَ) الْمَعْرُوفُونَ بِـ«الضَّجَاعِمَةِ».
وَكَمَا فَعَلَ الفُرْسُ فِي الحِيرَةِ، اسْتَنْسَخَ الرُّومَانُ ذَاتَ الدَّهَاءِ؛ فَاصْطَنَعُوا الضَّجَاعِمَةَ، وَأَلْبَسُوهُمْ تِيجَانَ المُلْكِ، لِيَكُونُوا سَدّاً يَمْنَعُ غَارَاتِ أَعْرَابِ البَادِيَةِ، وَمِخْلَباً يُقَاتِلُونَ بِهِ الفُرْسَ. تَعَاقَبَ مُلُوكُهُمْ- وَمِنْ أَشْهَرِهِمْ زِيَادُ بْنُ الهَبُولَةِ- حَتَّى نِهَايَةِ القَرْنِ الثَّانِي المِيلَادِيِّ تَقْرِيباً.
وَلَكِنَّ دَوَامَ الحَالِ مِنَ المُحَالِ؛ فَقَدْ قَدِمَتْ قَبَائِلُ «آلِ غَسَّانَ» مِنَ اليَمَنِ إِثْرَ سَيْلِ العَرِمِ، فَأَزَاحُوا الضَّجَاعِمَةَ وَانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ. فَرَأَى الرُّومَانُ فِيهِمْ قُوَّةً جَدِيدَةً، فَوَلَّوْهُمْ مُلُوكاً عَلَى عَرَبِ الشَّامِ، وَاتَّخَذُوا مِنْ «دُومَةِ الجَنْدَلِ» قَاعِدَةً لَهُمْ. وَلَمْ تَزَلْ تِيجَانُ الغَسَاسِنَةِ تَلْمَعُ تَحْتَ عَبَاءَةِ الرُّومِ، حَتَّى هَبَّتْ رِيَاحُ التَّوْحِيدِ، وَجَاءَتْ (وَقْعَةُ اليَرْمُوكِ) العَظِيمَةُ سَنَةَ 13 هـ فِي عَهْدِ الفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَتَهَاوَى عَرْشُهُمْ، وَانْقَادَ لِلْإِسْلَامِ آخِرُ مُلُوكِهِمْ «جَبَلَةُ بْنُ الأَيْهَمِ».
رَابِعاً: إِمَارَةُ الحِجَازِ (الزَّعَامَةُ المُقَدَّسَةُ وَمَهْدُ النُّبُوَّةِ)
أَيُّهَا المُسْتَمِعُ الكَرِيمُ، دَعْنَا نَتْرُكْ مُلُوكَ الأَطْرَافِ التَّابِعِينَ، وَنَهْبِطْ بِأَرْوَاحِنَا إِلَى القَلْبِ.. إِلَى الوَادِي غَيْرِ ذِي الزَّرْعِ، إِلَى «مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ»، حَيْثُ تُرْتَبُ المَقَادِيرُ لِمِيلَادِ خَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ ﷺ. لَمْ تَكُنْ إِمَارَةُ مَكَّةَ مُلْكاً دُنْيَوِيّاً يُبْنَى عَلَى الجِبَايَةِ، بَلْ كَانَتْ (زَعَامَةً دِينِيَّةً) تَسْتَمِدُّ شَرَفَهَا مِنْ خِدْمَةِ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ.
مِنْ آلِ إِسْمَاعِيلَ إِلَى طُغْيَانِ جُرْهُمَ:
تَوَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ إِسْمَاعِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- زَعَامَةَ مَكَّةَ وَوِلَايَةَ البَيْتِ طِيلَةَ حَيَاتِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ وَعُمْرُهُ (137 سَنَةً). ثُمَّ وَلِيَهَا ابْنَاهُ (نَابِتٌ وَقِيدَارُ)، قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ الزَّعَامَةُ إِلَى أَخْوَالِهِمْ مِنْ قَبِيلَةِ «جُرْهُمَ» (عَلَى يَدِ جَدِّهِمْ مُضَاضَ بْنِ عَمْرٍو). وَبَقِيَ لِأَوْلَادِ إِسْمَاعِيلَ مَرْكَزُ الِاحْتِرَامِ وَالتَّوْقِيرِ لِأَنَّ أَبَاهُمْ بَانِي البَيْتِ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِمْ مِنْ أَمْرِ الحُكْمِ شَيْءٌ.
مَضَتِ القُرُونُ، وَأَمْرُ العَدْنَانِيِّينَ (أَوْلَادِ إِسْمَاعِيلَ) خَافِتٌ، حَتَّى بَدَأَ نَجْمُهُمُ السِّيَاسِيُّ يَتَأَلَّقُ أَيَّامَ غَزْوِ الطَّاغِيَةِ البَابِلِيِّ «بُخْتَنَصَّرَ» لِلْعَرَبِ فِي مَوْقِعَةِ (ذَاتِ عِرْقٍ)، حَيْثُ تَصَدَّى لَهُ قَائِدٌ عَدْنَانِيٌّ بَاسِلٌ لَا جُرْهُمِيٌّ. وَفِي غَزْوَةِ «بُخْتَنَصَّرَ» الثَّانِيَةِ (587 ق. م)، تَشَتَّتَ العَدْنَانِيُّونَ لِلْيَمَنِ، وَهَرَبَ بَعْضُهُمْ لِلشَّامِ، فَلَمَّا انْكَشَفَ الغَمُّ وَعَادُوا إِلَى مَكَّةَ، لَمْ يَجِدُوا مِنْ جُرْهُمَ سِوَى شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَتَزَوَّجَ العَدْنَانِيُّ (مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانَ) مِنِ ابْنَتِهِ، وَمِنْ هَذَا النَّسْلِ جَاءَتْ قَبَائِلُ (مُضَرَ).
ضَيَاعُ زَمْزَمَ وَدُمُوعُ جُرْهُمَ:
طَالَ زَمَانُ «جُرْهُمَ» فِي حُكْمِ مَكَّةَ (زُهَاءَ عِشْرِينَ قَرْناً!)، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَفَسَدَتْ أَحْوَالُهُمْ، فَظَلَمُوا الْحُجَّاجَ، وَامْتَدَّتْ أَيْدِيهِمْ إِلَى أَمْوَالِ الكَعْبَةِ يَسْتَحِلُّونَهَا! فَاغْتَاظَ العَدْنَانِيُّونَ لِهَذَا التَّدْنِيسِ. وَهُنَا، اسْتَغَلَّتْ قَبِيلَةُ «خُزَاعَةَ» (الَّتِي نَزَلَتْ قَرِيباً مِنْ مَكَّةَ) هَذَا الْغَضَبَ، فَتَحَالَفَتْ مَعَ بُطُونِ كِنَانَةَ (مِنْ عَدْنَانَ)، وَأَشْعَلُوهَا حَرْباً ضِدَّ جُرْهُمَ حَتَّى هَزَمُوهُمْ وَأَجْلَوْهُمْ عَنْ مَكَّةَ فِي أَوْسَاطِ القَرْنِ الثَّاني لِلْمِيلَادِ.
وَلَمَّا أَيْقَنَتْ «جُرْهُمُ» أَنَّ رَحِيلَهَا حَتْمِيٌّ، قَامَ سَيِّدُهُمْ (عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ بْنِ مُضَاضَ) بِعَمَلٍ عَجِيبٍ يَئِنُّ لَهُ القَلْبُ؛ عَمَدَ إِلَى «بِئْرِ زَمْزَمَ»، فَرَدَمَهَا وَأَخْفَى مَعَالِمَهَا، بَعْدَ أَنْ دَفَنَ فِي جَوْفِهَا أَشْياءَ نَفِيسَةً (غَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْكَعْبَةِ، وَأَسْيَافاً، بَلْ وَدَفَنَ الحَجَرَ الأَسْوَدَ كَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ!)، وَسَوَّى عَلَيْهَا التُّرَابَ... وَخَرَجُوا هَائِمِينَ نَحْوَ اليَمَنِ يَتَجَرَّعُونَ غُصَّةَ الفِرَاقِ، حَتَّى أَنْشَدَ عَمْرٌو يَبْكِي مُلْكاً مُضَاعاً:
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إِلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ، وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ!
بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا ... صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالجُدُودُ العَوَاثِرُ!
خُزَاعَةُ.. وَالِامْتِيَازَاتُ الثَّلَاثُ:
تَوَلَّتْ «خُزَاعَةُ» حُكْمَ مَكَّةَ لِمُدَّةِ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ بَعْدَ طَرْدِ جُرْهُمَ. وَبَقِيَ لِقَبَائِلِ (مُضَرَ) ثَلَاثُ مَكْرُمَاتٍ احْتَفَظُوا بِهَا لِأَنْفُسِهِمْ:
- الإِجَازَةُ لِلنَّفْرِ (آلُ صُوفَةَ): كَانُوا هُمُ الَّذِينَ يُجِيزُونَ الحُجَّاجَ (يَسْمَحُونَ لَهُمْ بِالِانْصِرَافِ) مِنْ عَرَفَةَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، وَيَوْمَ النَّفْرِ مِنْ مِنًى. فَلَا يَرْمِي النَّاسُ الْجِمَارَ حَتَّى يَرْمِيَ رَجُلٌ مِنْ صُوفَةَ، وَلَا يُغَادِرُونَ حَتَّى يُخْلُوا لَهُمُ الطَّرِيقَ.
- الإِفَاضَةُ (بَنُو عَدْوَانَ): الإِفَاضَةُ مِنْ جَمْعٍ غَدَاةَ النَّحْرِ إِلَى مِنًى.
- إِنْسَاءُ الأَشْهُرِ الحُرُمِ (النَّسِيءُ): وَكَانَتْ فِي بَنِي تَمِيمِ بْنِ عَدِيٍّ مِنْ كِنَانَةَ.
قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ (عَبْقَرِيُّ قُرَيْشٍ وَمُؤَسِّسُ دَوْلَةِ مَكَّةَ)
طِيلَةَ فَتْرَةِ حُكْمِ خُزَاعَةَ، كَانَتْ بُطُونُ (قُرَيْشٍ) مُشَتَّتَةً مُمَزَّقَةً بَيْنَ الشِّعَابِ، لَيْسَ لَهُمْ مِنْ أَمْرِ الكَعْبَةِ شَيْءٌ... حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ بِبُزُوغِ نَجْمٍ قُرَشِيٍّ عَبْقَرِيٍّ سَيُغَيِّرُ وَجْهَ التَّارِيخِ التَّمْهِيدِيِّ؛ إِنَّهُ الجَدُّ الرَّابِعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ».
مَاتَ وَالِدُهُ وَهُوَ رَضِيعٌ، فَتَزَوَّجَتْ أُمُّهُ رَجُلاً مِنْ «عُذْرَةَ»، فَأَخَذَهَا مُرْتَحِلًا إِلَى بَادِيَةِ الشَّامِ وَمَعَهَا (قُصَيٌّ). فَلَمَّا شَبَّ الفَتَى وَاشْتَدَّ عُودُهُ، عَادَ إِلَى مَوْطِنِهِ «مَكَّةَ»، وَطُمُوحُ السَّيَادَةِ يَسْرِي فِي عُرُوقِهِ. كَانَ حَاكِمُ مَكَّةَ حِينَئِذٍ «حُلَيْلَ بْنَ حَبْشِيَّةَ» الخُزَاعِيَّ. فَتَقَدَّمَ قُصَيٌّ لِخِطْبَةِ ابْنَتِهِ (حُبَّى)، فَرَغِبَ فِيهِ حُلَيْلٌ لِشَرَفِهِ وَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا.
وَلَمَّا مَاتَ حُلَيْلٌ، وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ بَيْنَ (خُزَاعَةَ) الَّتِي تُرِيدُ الِاحْتِفَاظَ بِالْمُلْكِ، وَبَيْنَ (قُرَيْشٍ) بِقِيَادَةِ قُصَيٍّ الَّتِي تَرَى أَنَّهَا أَحَقُّ بِإِرْثِ إِسْمَاعِيلَ! وَتَذْكُرُ الرِّوَايَاتُ ثَلَاثَةَ أَسْبَابٍ لِهَذِهِ الحَرْبِ، أَطْرَفُهَا وَأَشْهَرُهَا: أَنَّ حُلَيْلاً أَوْصَى بِمَفَاتِيحِ الكَعْبَةِ لِابْنَتِهِ «حُبَّى»، فَلَمَّا عَجَزَتْ، وَكَّلَتْ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ اسْمُهُ «أَبُو غُبْشَانَ». وَكَانَ رَجُلاً مُدْمِناً لِلْخَمْرِ، فَاسْتَغَلَّ قُصَيٌّ سُكْرَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَاشْتَرَى مِنْهُ مَفَاتِيحَ الكَعْبَةِ وَوِلَايَتَهَا بِزِقٍّ (قِرْبَةٍ) مِنْ خَمْرٍ! فَصَارَتْ مَثَلًا يُضْرَبُ فِي الحَمَاقَةِ الدَّهْرِيَّةِ: (أَخْسَرُ مِنْ صَفْقَةِ أَبِي غُبْشَانَ).
غَضِبَتْ خُزَاعَةُ لِذَلِكَ، فَنَادَى قُصَيٌّ فِي قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ فَاجْتَمَعُوا، وَوَقَعَ قِتَالٌ دَامٍ عِنْدَ العَقَبَةِ. حَتَّى تَدَاعَوْا لِلصُّلْحِ وَحَكَّمُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْرٍ يُدْعَى (يَعْمَرَ بْنَ عَوْفٍ)، فَحَكَمَ بِأَنَّ «قُصَيّاً» أَحَقُّ بِالْكَعْبَةِ وَمَكَّةَ، وَأَسْقَطَ دِمَاءَ خُزَاعَةَ جَاعِلاً إِيَّاهَا تَحْتَ قَدَمَيْ قُصَيٍّ، فَسُمِّيَ بِـ(الشَّدَّاخِ) لِشَدْخِهِ (إِهْدَارِهِ) لِلدِّمَاءِ. وَبِذَلِكَ، فِي أَوْسَاطِ القَرْنِ الخَامِسِ الْمِيلَادِيِّ (440 م تَقْرِيباً)، بَسَطَ قُصَيٌّ سِيَادَتَهُ التَّامَّةَ عَلَى الحَرَمِ، مُؤَسِّساً بِدَايَةَ عَصْرِ «قُرَيْشٍ» المَجِيدِ.
تَأْسِيسُ شِبْهِ الدَّوْلَةِ المَكِّيَّةِ (تَشْكِيلَاتٌ بَرْلَمَانِيَّةٌ!):
كَانَ قُصَيٌّ عَبْقَرِيًّا مُنَظِّماً، فَقَامَ بِعَمَلٍ تَارِيخِيٍّ؛ حَيْثُ جَمَعَ قَبَائِلَ قُرَيْشٍ مِنَ الشِّعَابِ وَالْبَوَادِي، وَأَسْكَنَهُمْ فِي حَوْضِ مَكَّةَ حَوْلَ الكَعْبَةِ (وَلِذَا سُمِّيَ بـ "مُجَمِّعٍ"). ثُمَّ قَسَّمَ مَكَّةَ أَرْبَاعاً وَخِطَطاً عَلَى قَوْمِهِ. وَلِكَيْ يَصْنَعَ كِيَاناً سِيَاسِيّاً مُحْتَرَماً، أَسَّسَ «مَنَاصِبَ» وَ«دَوَائِرَ» تُشْبِهُ وِزَارَاتِ الْيَوْمِ:
- دَارُ النَّدْوَةِ: بَنَاهَا شِمَالَ الكَعْبَةِ جَاعِلاً بَابَهَا لِلْمَسْجِدِ، لِتَكُونَ «البَرْلَمَانَ» الَّذِي تُعْقَدُ فِيهِ المَشُورَةُ، وَتُبْرَمُ فِيهِ صَفَقَاتُ الزَّوَاجِ، وَتُعْقَدُ فِيهِ أَلْوِيَةُ الحَرْبِ.
- اللِّوَاءُ: رَايَةُ الجَيْشِ القَوْمِيَّةُ، لَا تُرْفَعُ إِلَّا بِيَدِهِ المَهَابَةِ.
- الحِجَابَةُ (السِّدَانَةُ): خِدْمَةُ الكَعْبَةِ وَمَفَاتِيحُهَا لَا يَحْتَفِظُ بِهَا غَيْرُهُ.
- السِّقَايَةُ: بِنَاءُ حِيَاضٍ مِنْ جِلْدٍ تُمْلَأُ بِالْمَاءِ العَذْبِ مِنْ آبَارٍ بَعِيدَةٍ (قَبْلَ حَفْرِ زَمْزَمَ لاحِقاً)، وَيُحَلُّونَهَا بِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ لِيَشْرَبَ الْحُجَّاجُ وُفُودُ اللَّهِ.
- الرِّفَادَةُ: فَرَضَ عَلَى قُرَيْشٍ ضَرِيبَةً مَالِيَّةً تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لِيَصْنَعَ طَعَاماً لِلْحُجَّاجِ ضُيُوفِ الرَّحْمَنِ، يَطْعَمُ مِنْهُ الفَقِيرُ وَمَنْ انْقَطَعَ بِهِ الزَّادُ!
بِاللَّهِ عَلَيْكَ، أَلَيْسَ هَذَا تَمْهِيداً رَبَّانِيّاً مُتْقَناً لِيَكُونَ هَذَا المَكَانُ مُهَيَّأً لِاسْتِقْبَالِ الدَّعْوَةِ الخَاتِمَةِ؟!
تَوْزِيعُ التَّرِكَةِ وَظُهُورُ بَنِي هَاشِمٍ:
وَلَمَّا كَبِرَ قُصَيٌّ، أَوْصَى بِمَنَاصِبِهِ لِابْنِهِ الأَكْبَرِ (عَبْدِ الدَّارِ) لِيُلْحِقَهُ بِإِخْوَتِهِ فِي الشَّرَفِ كَـ(عَبْدِ مَنَافٍ). وَبَعْدَ وَفَاتِهِمَا، تَنَازَعَ الأَبْنَاءُ، وَكَادَتْ مَكَّةُ أَنْ تَغْرَقَ فِي الدِّمَاءِ بَيْنَ (بَنِي عَبْدِ الدَّارِ) وَ(بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ). حَتَّى تَدَاعَوْا لِلصُّلْحِ العَادِلِ؛ فَتَقَاسَمُوا المَهَامَّ: صَارَتُ (السِّقَايَةُ وَالرِّفَادَةُ) إِلَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَبَقِيَتْ (دَارُ النَّدْوَةِ وَاللِّوَاءُ وَالْحِجَابَةُ) فِي يَدِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.
ثُمَّ اقْتَرَعَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، فَطَارَ سَهْمُ السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ إِلَى الرَّجُلِ الكَرِيمِ السَّيِّدِ «هَاشِمِ» بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ!
وَمِنْ هَاشِمٍ... انْتَقَلَتْ لِأَخِيهِ «المُطَّلِبِ»... ثُمَّ لِسَيِّدِ مَكَّةَ فِي زَمَانِهِ؛ جَدِّ النَّبِيِّ ﷺ، «عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ»، وَبَقِيَتْ فِي يَدِ أَبْنَائِهِ حَتَّى جَاءَ الإِسْلَامُ فَأَقَرَّهَا فِي يَدِ العَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَكَانَتْ لِقُرَيْشٍ دَوَائِرُ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى رُقِيِّ تَنْظِيمِهِمْ (شِبْهِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ)؛ كَـ «الإِيسَارِ» (القِدَاحِ عِنْدَ الأَصْنَامِ) وَوَلِيَهَا بَنُو جُمَحَ، وَ«تَحْجِيرِ الأَمْوَالِ وَالنُّذُورِ» وَوَلِيَهَا بَنُو سَهْمٍ، وَ«الشُّورَى» فِي بَنِي أَسَدٍ، وَ«الأَشْنَاقِ» (نِظَامُ الدِّيَاتِ وَتَقْدِيرُهَا) فِي بَنِي تَيْمٍ (قَوْمِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ)، وَ«العِقَابِ» (حَمْلُ الرَّايَةِ فِي المَعَارِكِ) فِي بَنِي أُمَيَّةَ، وَ«القُبَّةِ وَقِيَادَةِ الخَيْلِ» لِبَنِي مَخْزُومٍ (قَوْمِ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ)، وَأَخِيراً «السِّفَارَةُ» (تَمْثِيلُ مَكَّةَ لَدَى الآخَرِينَ وَحَلُّ النِّزَاعَاتِ) وَوَقَعَتْ فِي بَنِي عَدِيٍّ (قَوْمِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ).
خَامِساً: حُكْمُ البَادِيَةِ (صَلَاحِيَّاتُ الشَّيْخِ وَشَرِيعَةُ الغَابِ!)
مَاذَا عَنْ بَقِيَّةِ الجَزِيرَةِ المُتَرَامِيَةِ؟ تِلْكَ الَّتِي لَمْ تَخْضَعْ لِلْفُرْسِ وَلَا لِلرُّومِ؟ لَقَدْ كَانَتْ «القَبِيلَةُ» هُنَاكَ هِيَ (الدَّوْلَةَ المُصَغَّرَةَ)؛ كِيَانُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى (العَصَبِيَّةِ لِلدَّمِ) وَالْمُدَافَعَةِ عَنِ الحِمَى!
رَئِيسُ القَبِيلَةِ أَوْ (سَيِّدُهَا)، كَانَتْ لَهُ كَلِمَةٌ نَافِذَةٌ كَدِكْتَاتُورٍ مُطْلَقٍ، فَمَا إِنْ يَغْضَبُ حَتَّى تَمْتَشِقَ لِغَضْبَتِهِ أُلُوفُ السُّيُوفِ مِنْ أَغْمَادِهَا، لَا تَسْأَلُهُ لِمَاذَا غَضِبَ! وَلَكِنَّ هَذِهِ السِّيَادَةَ كَانَتْ تُكَلِّفُهُ الكَثِيرَ؛ لِيَحْتَفِظَ بِهَا، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَجْوَدَ النَّاسِ كَفّاً، يُكْرِمُ الضَّيْفَ، وَيَحْلُمُ عَنِ الجَاهِلِ، وَيَبْذُلُ النَّدَى، وَيَطْعَنُ فِي صَدْرِ العَدُوِّ، لِيَكْسِبَ مَحَامِدَ الشُّعَرَاءِ؛ فَالشَّاعِرُ فِي الجَاهِلِيَّةِ هُوَ (وَزِيرُ إِعْلَامِ القَبِيلَةِ).
وَمُقَابِلَ هَذِهِ الحِمَايَةِ، كَانَ لِلسَّيِّدِ «حُقُوقٌ» خَاصَّةٌ مِنْ غَنَائِمِ الْحُرُوبِ؛ نَظَمَهَا الشَّاعِرُ بِقَوْلِهِ:
لَكَ المِرْبَاعُ فِينَا وَالصَّفَايَا ... وَحُكْمُكَ وَالنَّشِيطَةُ وَالفُضُولُ!
(المِرْبَاعُ هُوَ رُبْعُ الغَنِيمَةِ كَامِلًا يَقْتَطِعُهُ لِنَفْسِهِ. وَالصَّفِيُّ هُوَ مَا يَعْجِبُهُ مِنْ شَيْءٍ فَيَصْطَفِيهِ قَبْلَ القِسْمَةِ كَجَارِيَةٍ حَسْنَاءَ أَوْ سَيْفٍ مَصْقُولٍ. وَالنَّشِيطَةُ مَا يَأْخُذُهُ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ وُصُولِهِ. وَالفُضُولُ هِيَ البَقَايَا الَّتِي لَا تَقْبَلُ القِسْمَةَ كَخَيْمَةٍ أَوْ بَعِيرٍ مُفْرَدٍ).
خَاتِمَةُ المَطَافِ: صُورَةُ العَالَمِ قُبَيْلَ الفَجْرِ (الحَالَةُ السِّيَاسِيَّةُ)
وَالآنَ يَا صَاحِبِي، بَعْدَ هَذَا التَّطْوَافِ... هَلْ تُبْصِرُ كَيْفَ كَانَتْ تَبْدُو الأَرْضُ مِنْ سَمَائِهَا؟ لَقَدْ كَانَتْ مُظْلِمَةً، مُوحِشَةً، تَشْكُو إِلَى خَالِقِهَا فَوْضَى الْبَشَرِ!
فَأَطْرَافُ الجَزِيرَةِ (كَاليَمَنِ وَالعِرَاقِ وَالشَّامِ) كَانَتْ مُجَرَّدَ «مَزَارِعَ» بَشَرِيَّةٍ، يَحْصُدُ خَيْرَاتِهَا الأَكَاسِرَةُ وَالقَيَاصِرَةُ لِيُنْفِقُوهَا فِي شَهَوَاتِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ، بَيْنَمَا تَرْزَحُ الشُّعُوبُ تَحْتَ سِيَاطِ السُّخْرَةِ وَالظُّلْمِ، لَا تَمْلِكُ حَقَّ الشَّكْوَى أَوْ رَفْعَ الرَّأْسِ!
وَأَمَّا دَاخِلُ الجَزِيرَةِ (البَادِيَةُ)، فَقَدْ كَانَتْ قَبَائِلُ مُفَكَّكَةَ الأَوْصَالِ، تُمَزِّقُهَا النَّعَرَاتُ العُنْصُرِيَّةُ، وَتُشْعِلُ فِيهَا الأَتَافِيَ حُرُوبُ دَاحِسَ وَالغَبْرَاءِ، لَا يَجْمَعُهُمْ مَلِكٌ يَرُدُّهُمْ لِحَقٍّ، وَلَا قَانُونٌ يَحْمِي ضَعِيفَهُمْ. كَانَ شِعَارُهُمُ الَّذِي يُلَخِّصُ عَمَايَةَ الْبَصِيرَةِ، قَوْلَ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
وَمَا أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ! وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشَدِ!
أَمَّا حُكُومَةُ الحِجَازِ (مَكَّةَ)، فَرَغْمَ نَظْرَةِ الِاحْتِرَامِ العَمِيقَةِ لَهَا، وَرَغْمَ أَنَّهَا كَانَتْ تُمَثِّلُ بَقَايَا «شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ»، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ مَادِّيّاً حُكُومَةً (ضَعِيفَةً)، لَا تَقْوَى عَلَى حِمَايَةِ نَفْسِهَا، وَهُوَ مَا تَجَلَّى يَوْمَ جَاءَهَا أَبْرَهَةُ بِأَفْيَالِهِ، فَوَقَفَتْ عَاجِزَةً لَا تَمْلِكُ إِلَّا أَنْ تَلُوذَ بِرَبِّ الْبَيْتِ لِيَحْمِيَهُ!
لَقَدْ كَانَتْ الأَرْضُ خَرِيبَةً! وَالإِنْسَانِيَّةُ تَحْتَضِرُ! وَاللَّيْلُ قَدْ بَلَغَ أَقْصَى دَرَجَاتِ حُلْكَتِهِ! وَهَكَذَا هُوَ اللَّيْلُ دَائِماً... يَشْتَدُّ ظَلَامُهُ جِدّاً، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي تَسْبِقُ الْفَجْرَ مُّبَاشَرَةً! وَكَانَ الفَجْرُ يَتَشَكَّلُ فِي غَيْبِ السَّمَاءِ... وَكَانَ الأَمِينُ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَتَأَهَّبُ لِلنُّزُولِ!
المَصَادِرُ وَالمَرَاجِعُ كَمَا وَرَدَتْ فِي تَحْقِيقِ كِتَابِ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ:
- سِيرَةُ ابْنِ هِشَامٍ، لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ هِشَامٍ الْمَعَافِرِيِّ (مُعْظَمُ تَفَاصِيلِ حُكْمِ قُرَيْشٍ وَقُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ).
- تَارِيخُ الأُمَمِ وَالمُلُوكِ (تَارِيخُ الطَّبَرِيِّ)، لِلْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ (أَخْبَارُ مُلُوكِ الفُرْسِ وَالرُّومِ).
- الكَامِلُ فِي التَّارِيخِ، لِابْنِ الأَثِيرِ.
- مُحَاضَرَاتُ تَارِيخِ الأُمَمِ الإِسْلَامِيَّةِ، لِلشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الخُضَرِيِّ بَيْك.
- تَفْهِيمُ القُرْآنِ، لِلسَّيِّدِ أَبِي الأَعْلَى المَوْدُودِيِّ.