مَعْرَكَةُ تَلِّ حَارِمَ.. مِنْ أَعْظَمِ فُتُوحَاتِ رَمَضَانَ (الْجُزْءُ الْأَوَّلُ)
خُذُوا حِذْرَكُمْ أَهْلَ الصَّلِيبِ لِمَوْقِفٍ
يَؤُولُ بِهِ أَمْرُ الصَّلِيبِ إِلَى الْعَدَدِ
وَهَذَا يَوْمٌ آخَرُ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي أَذَلَّ فِيهَا الْمُوَحِّدُونَ عُبَّادَ الصُّلْبَانِ، وَأَرْغَمُوا أُنُوفَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرَانِ، يَوْمٌ أَغَرُّ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ، وَصَفْحَةٌ سَوْدَاءُ مَلِيئَةٌ بِالْخِزْيِ وَالْهَوَانِ عَلَى أَهْلِ الصَّلِيبِ، الَّذِينَ أَتَوْا بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى اسْتِئْصَالِ الْإِسْلَامِ وَاسْتِبَاحَةِ بِلَادِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا. نَسِيَ هَؤُلَاءِ الْحَمْقَى الْمَوْتُورُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَاصِرٌ دِينَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ. وَأَنَّ أُسُودَ الشَّرَى وَلُيُوثَ الْغَابِ لاَ يَثْبُتُ أَمَامَهَا النَّعَامُ:
فَتَزَايَلَ الْأَبْطَالُ عَنَّا مِثْلَمَا
نَفَرَتْ مِنَ الْأَسَدِ الْهَصُورِ نَعَامُ
مَتَى وَأَيْنَ وَقَعَتِ الْمَعْرَكَةُ؟
وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَعْرَكَةُ فِي 22 مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ سَنَةَ 559 مِنَ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِقِيَادَةِ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ الشَّهِيدِ مَحْمُودِ بْنِ عِمَادِ الدِّينِ زِنْكِي -رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-، وَبَيْنَ شَرَاذِمِ الصَّلِيبِيِّينَ الَّذِينَ أَقَامُوا بَعْضَ الْإِمَارَاتِ الصَّلِيبِيَّةِ بِبِلَادِ الشَّامِ، وَكَوَّنُوا حِلْفاً لَهُمْ بِقِيَادَةِ الْمَلِكِ عَمُّورِي الْأَوَّلِ مَلِكِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. أَمَّا الْمَكَانُ فَقَدْ كَانَ قَلْعَةَ أَوْ حِصْنَ حَارِمٍ، وَهُوَ حِصْنٌ حَصِينٌ فِي بِلَادِ الشَّامِ نَاحِيَةَ حَلَبَ، كَانَ الصَّلِيبِيُّونَ قَدِ اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
سَبَبُ الْمَعْرَكَةِ وَبُطُولَاتُ نُورِ الدِّينِ
أَمَّا سَبَبُ الْمَعْرَكَةِ، فَإِنَّ الْمَلِكَ عِمَادَ الدِّينِ بْنَ آق سُنْقُرٍ آل زِنْكِي قَدْ رَحَلَ عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا وَخَلَّفَ مِنْ وَرَائِهِ ثَلَاثَةَ أَبْطَالٍ مِنْ رِجَالَاتِ الْإِسْلَامِ هُمْ: نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ، قُطْبُ الدِّينِ مَوْدُودٌ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَالْأَخُ الْأَكْبَرُ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي. وَقَدْ حَمَلَ هَؤُلَاءِ الْأُسُودُ هَمَّ الْجِهَادِ وَرَدْعَ الصَّلِيبِيِّينَ وَجَمْعَ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَانُوا مِنْ أَحْسَنِ الْمُلُوكِ سِيرَةً، وَقَدْ وَاجَهُوا الصَّلِيبِيِّينَ فِي مَعَارِكَ كَثِيرَةٍ، وَكَانُوا مُحَبَّبِينَ إِلَى الرَّعِيَّةِ كَثِيرِي الْإِنْعَامِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ كَانَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- مِثَالاً نَادِراً فِي الْعَدْلِ وَالشَّجَاعَةِ وَحُبِّ الْجِهَادِ.
حَتَّى قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "طَالَعْتُ السِّيَرَ، فَلَمْ أَرَ فِيهَا بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَحْسَنَ مِنْ سِيرَتِهِ وَلاَ أَكْثَرَ تَحَرِّياً مِنْهُ لِلْعَدْلِ". وَقَدْ قَالَ لَهُ الْقُطْبُ النَّيْسَابُورِيُّ: "بِاللَّهِ لاَ تُخَاطِرْ بِنَفْسِكَ، فَإِنْ أُصِبْتَ فِي مَعْرَكَةٍ لاَ يَتَبَقَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَهُ السَّيْفُ"، فَقَالَ: "وَمَنْ مَحْمُودٌ حَتَّى يُقَالَ هَذَا؟ حَفِظَ اللَّهُ الْبِلَادَ قَبْلِي.. لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ".
مَنْ يَحْمِلُ هَمَّ الْإِسْلَامِ؟
وَقَدْ كَانَ نُورُ الدِّينِ زِنْكِي حَامِلَ رَايَةِ الْعَدْلِ وَالْجِهَادِ، قَلَّ أَنْ تَرَى الْعُيُونُ مِثْلَهُ. حَاصَرَ دِمَشْقَ ثُمَّ تَمَلَّكَهَا وَبَقِيَ بِهَا 20 سَنَةً وَسَادَ فِيهَا الْعَدْلُ، وَافْتَتَحَ نُورُ الدِّينِ حُصُوناً كَثِيرَةً، وَهَزَمَ الْبِرِنْسَ الصَّلِيبِيَّ صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ وَقَتَلَهُ فِي 3000 مِنَ الْفِرِنْجِ. وَأَظْهَرَ السُّنَّةَ بِمَدِينَةِ حَلَبَ وَقَمَعَ الرَّافِضَةَ وَأَخَذَ مِنَ الصَّلِيبِيِّينَ حِصْنَ بَانِيَاسَ وَالْمُنَيْطِرَةَ، وَكَسَرَ الْفِرِنْجَةَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ وَدَوَّخَهُمْ وَأَذَلَّهُمْ. وَكَانَ بَطَلاً شُجَاعاً، وَافِرَ الْهَيْبَةِ، مَلِيحَ الشَّكْلِ، ذَا تَعَبُّدٍ وَخَوْفٍ وَوَرَعٍ، وَكَانَ يَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَدْ سَمِعَهُ كَاتِبُهُ أَبُو الْيُسْرِ وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْشُرَهُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ.
الْمُسَلْسَلُ بِالتَّبَسُّمِ
وَقَدْ كَانَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- شَدِيدَ الِاهْتِمَامِ بِأَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، حَزِيناً كَاسِفاً بَالُهُ لِمَا يَرَى مِنْ سَطْوَةِ الصَّلِيبِيِّينَ وَبَسْطِ سُلْطَانِهِمْ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَلَعَلَّ أَصْدَقَ مَا يُصَوِّرُ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو شَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ حَاصَرَ الْفِرِنْجُ مَدِينَةَ دِمْيَاطَ، قَالَ: وَبَلَغَنِي مِنْ شِدَّةِ اهْتِمَامِ نُورِ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- حِينَ نَزَلَ الْفِرِنْجُ عَلَى دِمْيَاطَ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ كَانَ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ، فَجَاءَ فِي جُمْلَةِ تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَدِيثٌ مُسَلْسَلٌ بِالتَّبَسُّمِ، فَطَلَبَ مِنْهُ بَعْضُ طَلَبَةِ الْحَدِيثِ أَنْ يَبْتَسِمَ لِتَتِمَّ السِّلْسِلَةُ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: "إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَرَانِي مُبْتَسِماً وَالْمُسْلِمُونَ مُحَاصَرُونَ بِالْفِرِنْجِ".
يَا رَبِّ انْصُرْ دِينَكَ وَلاَ تَنْصُرْ مَحْمُوداً
وَقَدْ حَكَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو شَامَةَ أَيْضاً هَذَا الْمَوْقِفَ الْعَظِيمَ، فَقَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ إِمَاماً لِنُورِ الدِّينِ رَأَى لَيْلَةَ رَحِيلِ الْفِرِنْجِ عَنْ دِمْيَاطَ فِي مَنَامِهِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَقَالَ لَهُ: أَعْلِمْ نُورَ الدِّينِ أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدْ رَحَلُوا عَنْ دِمْيَاطَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رُبَّمَا لاَ يُصَدِّقُنِي، فَاذْكُرْ لِي عَلَامَةً يَعْرِفُهَا. فَقَالَ: "قُلْ لَهُ بِعَلَامَةِ مَا سَجَدْتَ عَلَى تَلِّ حَارِمَ وَقُلْتَ: يَا رَبِّ انْصُرْ دِينَكَ وَلاَ تَنْصُرْ مَحْمُوداً، مَنْ هُوَ مَحْمُودٌ الْكَلْبُ حَتَّى يُنْصَرَ؟". قَالَ: فَبِتُّ وَنَزَلْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ عَادَةِ نُورِ الدِّينِ أَنَّهُ كَانَ يَنْزِلُ إِلَيْهِ بِغَلَسٍ وَلاَ يَزَالُ يَتَرْكَعُ فِيهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، قَالَ: فَتَعَرَّضْتُ لَهُ، فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرِي فَأَخْبَرْتُهُ بِالْمَنَامِ وَذَكَرْتُ لَهُ الْعَلَامَةَ إِلَّا أَنَّنِي لَمْ أَذْكُرْ لَفْظَةَ (الْكَلْبِ)، فَقَالَ نُورُ الدِّينِ: اذْكُرِ الْعَلَامَةَ كُلَّهَا، وَأَلَحَّ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ، فَقُلْتُهَا. فَبَكَى رَحِمَهُ اللَّهُ وَصَدَّقَ الرُّؤْيَةَ، فَأَرَّخْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ بِرَحِيلِ الْفِرِنْجِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. (أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الرَّوْضَتَيْنِ فِي أَخْبَارِ الدَّوْلَتَيْنِ).
إِرْهَاصَاتُ الْمَعْرَكَةِ
كَانَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حَامِلَ لِوَاءِ الْجِهَادِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ الْعَصِيبَةِ مِنْ تَارِيخِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَهُوَ مَنْ تَصَدَّى لِلْحَمْلَةِ الصَّلِيبِيَّةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَامَ بِضَمِّ مِصْرَ لِإِمَارَتِهِ وَأَسْقَطَ دَوْلَةَ الْعُبَيْدِيِّينَ الرَّافِضِيَّةِ الْخَبِيثَةِ الْمُسَمَّاةِ زُوراً وَبُهْتَاناً بِالدَّوْلَةِ الْفَاطِمِيَّةِ، وَأَقَامَ الْخُطْبَةَ لِلْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ فِي مِصْرَ بَعْدَ أَنْ أَوْقَفَهَا الْفَاطِمِيُّونَ طَوِيلاً. وَقَدْ مَهَّدَ الطَّرِيقَ أَمَامَ صَلَاحِ الدِّينِ الْأَيُّوبِيِّ لِمُحَارَبَةِ الصَّلِيبِيِّينَ وَفَتْحِ الْقُدْسِ بَعْدَ أَنْ تَوَحَّدَتْ مِصْرُ وَالشَّامُ.
قَدْ كَانَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قَدِ الْتَقَى بِالصَّلِيبِيِّينَ فِي مَعْرَكَةِ الْبُقَيْعَةِ، عِنْدَمَا جَمَعَ جُنُودَهُ وَدَخَلَ بِلَادَ الْفِرِنْجِ وَنَزَلَ فِي سَهْلِ الْبُقَيْعَةِ تَحْتَ حِصْنِ الْأَكْرَادِ مُحَاصِراً لَهُمْ عَازِماً عَلَى أَخْذِ طَرَابُلُسَ وَاسْتِنْقَاذِهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَبَاغَتَهُ الصَّلِيبِيُّونَ نَهَاراً وَبِأَعْدَادٍ ضَخْمَةٍ فِي مَعْرَكَةِ الْبُقَيْعَةِ، وَكَادَ أَنْ يُقْتَلَ نُورُ الدِّينِ فِيهَا، إِلَّا أَنَّهُ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْجُوَ عَلَى فَرَسِهِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى بُحَيْرَةِ الْقُدْسِ بِالْقُرْبِ مِنْ حِمْصَ. كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْهَزِيمَةَ الْأُولَى لِنُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَمَامَ الْفِرِنْجِ، فَلَمَّا عَادَ مُنْهَزِماً فَرَّقَ الْأَمْوَالَ وَالسِّلَاحَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآلَاتِ، فَعَادَ الْعَسْكَرُ كَأَنَّهُمْ لَمْ يُصَابُوا وَأَخَذُوا فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْجِهَاد. وَاتَّفَقَ فِي هَذَا الْوَقْتِ مَسِيرُ بَعْضِ الْفِرِنْجِ مَعَ مَلِكِهِمْ عَمُّورِي الْأَوَّلِ مَلِكِ مَمْلَكَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِقِتَالِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكوهْ بِمِصْرَ. وَمَا كَان مِنْ نُورِ الدِّينِ إِلَّا أَنِ اسْتَغَلَّ هَذِهِ الْفُرْصَةَ لِيَبْغَتَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ لِيَصْرِفَ نَظَرَهُمْ عَنِ احْتِلَالِ مِصْرَ.
فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، وَإِلى فَخْرِ الدِّينِ قَرَا أَرْسَلَانَ صَاحِبِ حِصْنِ كَيْفَا، وَإِلَى نَجْمِ الدِّينِ صَاحِبِ مَارِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَنْجِدُهُمْ. فَأَمَّا قُطْبُ الدِّينِ مَوْدُودٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ جَمَعَ عَسْكَرَهُ وَسَارَ مُجِدّاً. وَأَمَّا فَخْرُ الدِّينِ صَاحِبُ الْحِصْنِ فَقَدْ قَالَ لَهُ خَوَاصُّهُ وَنُدَمَاؤُهُ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ عَزَمْتَ؟ فَقَالَ: عَلَى الْقُعُودِ، فَإِنَّ نُورَ الدِّينِ قَدْ تَحَشَّفَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَهُوَ يُلْقِي بِنَفْسِهِ وَالنَّاسِ مَعَهُ فِي الْمَهْلَكَةِ. فَكُلُّهُمْ وَافَقَهُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدْوُ، أَمَرَ بِالتَّجَهُّزِ لِلْغَزْوِ، فَقَالَ لَهُ خَوَاصُّهُ: مَا عَدَا مِمَّا بَدَا؟ فَارَقْنَاكَ أَمْسِ عَلَى حَالَةٍ فَنَرَى الْيَوْمَ ضِدَّهَا! فَقَالَ: إِنَّ نُورَ الدِّينِ قَدْ سَلَكَ مَعِي طَرِيقاً إِنْ لَمْ أُنْجِدْهُ خَرَجَ أَهْلُ بِلَادِي عَنْ طَاعَتِي؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَاتَبَ زُهَّادَهَا وَعُبَّادَهَا الْمُنْقَطِعِينَ عَنِ الدُّنْيَا، يَذْكُرُ لَهُمْ مَا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْفِرِنْجِ وَمَا نَالَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَالنَّهْبِ، وَيَسْتَمِدُّ مِنْهُمُ الدُّعَاءَ وَيَطْلُبُ أَنْ يَحُثُّوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْغَزْوَةِ. فَقَدْ قَعَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ يَقْرَءُونَ كُتُبَ نُورِ الدِّينِ وَيَبْكُونَ وَيَلْعَنُونَنِي وَيَدْعُونَ عَلَيَّ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْمَسِيرِ إِلَيْهِ. ثُمَّ تَجَهَّزَ وَسَار بِنَفْسِهِ.
يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ
هَا هُوَ نُورُ الدِّينِ الشَّهِيدُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أُمَرَاءِ الْإِسْلَامِ قَدْ سَارُوا نَحْوَ حَارِمَ، فَحَصَرُوهَا وَنَصَبُوا عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ وَتَابَعُوا الزَّحْفَ إِلَيْهَا. فَاجْتَمَعَ مَنْ بَقِيَ بِسَاحِلِ الشَّامِ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَجَاءُوا فِي حَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِمْ وَمُلُوكِهِمْ وَفُرْسَانِهِمْ وَقُسُسِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَكَانَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمُ الْبِرِنْسُ بُوهِيمُونْدُ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، وَالْقُومَصُ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَابْنُ جُوسْلِينَ وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ الْفِرِنْجِ، وَالدُّوكُ وَهُوَ مُقَدَّمٌ كَبِيرٌ مِنَ الرُّومِ، وَجَمَعُوا الْفَارِسَ وَالرَّاجِلَ.
فَلَمَّا قَارَبُوا نُورَ الدِّينِ مَحْمُوداً، رَحَلَ عَنْ حَارِمَ إِلَى أَرْتَاحَ، طَمَعاً مِنْهُ أَنْ يَتْبَعُوهُ فَيَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ لِبُعْدِهِمْ عَنْ بِلَادِهِمْ، فَسَارُوا وَرَاءَهُ. ثُمَّ عَلِمُوا عَجْزَهُمْ عَنْ لِقَائِهِ فَعَادُوا إِلَى حَارِمَ. فَلَمَّا عَادُوا تَعَقَّبَهُمْ نُورُ الدِّينِ فِي أَبْطَالِ الْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا تَقَارَبُوا اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَبَدَأَ الْفِرِنْجُ بِالْحَمْلَةِ عَلَى مَيْمَنَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهَا عَسْكَرُ حَلَبَ وَصَاحِبُ حِصْنِ كَيْفَا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَتَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ. فَقِيلَ كَانَتْ تِلْكَ الْهَزِيمَةُ مِنَ الْمَيْمَنَةِ عَلَى اتِّفَاقٍ وَرَأْيٍ دَبَّرُوهُ؛ لِيَسْتَدْرِجُوا الْفُرْسَانَ بَعِيداً عَنِ الرِّجَالِ، فَيَمِيلَ عَلَيْهِمْ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالسُّيُوفِ فَيَقْتُلُوهُمْ، فَإِذَا عَادَ فُرْسَانُهُمْ لَمْ يَجِدُوا رَاجِلاً يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ وَلاَ شَيْئاً يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ. فَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا دَبَّرُوا.
تَبِعَ الْفِرِنْجُ الْمُنْهَزِمِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَرَّ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ فِي عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ عَلَى رَاجِلِ الْفِرِنْجِ فَأَفْنَاهُمْ قَتْلَى وَأَسْرَى، وَعَادَ فُرْسَانُهُمْ وَخَيَّالَتُهُمْ وَلَمْ يُمْعِنُوا فِي طَلَبِ الْمُسْلِمِينَ خَوْفاً عَلَى الرَّجَّالَةِ. فَعَادَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي آثَارِهِمْ. فَلَمَّا وَصَلَ الْفِرِنْجُ وَرَأَوْا رِجَالَهُمْ قَتْلَى وَأَسْرَى سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ هَوَوْا وَبَقَوْا فِي الْوَسَطِ حَائِرِينَ قَدْ أَحْدَقَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. فَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ وَقَامَتْ عَلَى السَّاقِ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي عُبَّادِ الصَّلِيبِ، وَوَقَعَتْ بِهِمُ الْهَزِيمَةُ وَبَاءُوا بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَخِذْلَانٍ. فَعَدَلَ حِينَئِذٍ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْقَتْلِ إِلَى الْأَسْرِ؛ {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً}، فَأَسَرُوا مَا لاَ يُعَدُّ وَلاَ يُحْصَى. وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أُسِرَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَخْذُولِينَ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ وَالْقُومَصُ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ (وَكَانَ شَيْطَانَ الْفِرِنْجِ وَأَشَدَّهُمْ شَكِيمَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَكْثَرَهُمْ نِكَايَةً بِهِمْ)، وَالدُّوكُ مُقَدَّمُ الرُّومِ، وَابْنُ جُوسْلِينَ. وَكَانَتْ عِدَّةُ الْقَتْلَى تَزِيدُ عَلَى 10000 قَتِيلٍ. (أَوْرَدَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَامِلِ فِي التَّارِيخِ).
الدِّينُ دِينُكَ وَالْجُنْدُ جُنْدُكَ
وَقَدْ حَكَى سِبْطُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى- كَيْفَ كَانَ نُورُ الدِّينِ مُتَضَرِّعاً مُخْبِتاً لِلَّهِ تَعَالَى، كَثِيرَ الْبُكَاءِ وَالدُّعَاءِ، مُلِحّاً عَلَى اللَّهِ مُسْتَغِيثاً بِهِ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}، فَكَانَ هَذَا التَّضَرُّعُ وَالدُّعَاءُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَكَى لِي نَجْمُ الدِّينِ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ وَالِدِهِ، أَنَّ الْفِرِنْجَةَ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى دِمْيَاطَ مَا زَالَ نُورُ الدِّينِ عِشْرِينَ يَوْماً يَصُومُ وَلاَ يُفْطِرُ إِلَّا عَلَى الْمَاءِ، فَضَعُفَ وَكَادَ يَتْلَفُ، وَكَانَ مَهِيباً مَا يَجْسُرُ أَحَدٌ يُخَاطِبُهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ إِمَامُهُ يَحْيَى: إِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي النَّوْمِ يَقُولُ: "يَا يَحْيَى، بَشِّرْ نُورَ الدِّينِ بِرَحِيلِ الْفِرِنْجِ عَنْ دِمْيَاطَ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رُبَّمَا لاَ يُصَدِّقُنِي. فَقَالَ: "قُلْ لَهُ بِعَلَامَةِ يَوْمِ حَارِمَ". وَانْتَبَهَ يَحْيَى. فَلَمَّا صَلَّى نُورُ الدِّينِ الصُّبْحَ وَشَرَعَ يَدْعُو هَابَهُ يَحْيَى فَقَالَ لَهُ: يَا يَحْيَى تُحَدِّثُنِي أَوْ أُحَدِّثُكَ؟ فَارْتَعَدَ يَحْيَى وَخَرِسَ فَقَالَ: أَنَا أُحَدِّثُكَ، رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَقَالَ لَكَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: نَعَمْ. فَبِاللَّهِ يَا مَوْلَانَا مَا مَعْنَى قَوْلِهِ (بِعَلَامَةِ يَوْمِ حَارِمَ)؟ فَقَالَ: لَمَّا الْتَقَيْنَا الْعَدُوَّ خِفْتُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَانْفَرَدْتُ وَنَزَلْتُ وَمَرَّغْتُ وَجْهِي عَلَى التُّرَابِ، وَقُلْتُ: "يَا سَيِّدِي مَنْ مَحْمُودٌ فِي النَّاسِ؟ الدِّينُ دِينُكَ، وَالْجُنْدُ جُنْدُكَ، وَهَذَا الْيَوْمُ افْعَلْ مَا يَلِيقُ بِكَرَمِكَ". قَالَ: فَنَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
نَتَائِجُ مَعْرَكَةِ تَلِّ حَارِمَ
هَا هُوَ ابْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وَكَانَ مُعَاصِراً لِتِلْكَ الْأَحْدَاثِ يَصِفُ لَنَا هَذَا الْيَوْمَ الْعَظِيمَ بِقَوْلِهِ: "فَحِينَئِذٍ حَمِيَ الْوَطِيسُ وَبَاشَرَ الْحَرْبَ الْمَرْءُوسُ وَالرَّئِيسُ، وَقَاتَلُوا قِتَالَ مَنْ يَرْجُو بِإِقْدَامِهِ النَّجَاةَ، وَحَارَبُوا حَرْبَ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، وَانْقَضَّتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ انْقِضَاضَ الصُّقُورِ عَلَى بُغَاثِ الطُّيُورِ، فَمَزَّقُوهُمْ بَدَداً، وَجَعَلُوهُمْ قِدَداً، وَأَلْقَى الْإِفْرِنْجُ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْإِسَارِ وَعَجَزُوا عَنِ الْهَزِيمَةِ وَالْفِرَارِ. وَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُونَ الْقَتْلَ وَزَادَتْ عِدَّةُ الْقَتْلَى عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ، وَأَمَّا الْأَسْرَى فَلَمْ يُحْصَوْا كَثْرَةً، وَكَانَ مِنْهُمُ الْمُلُوكُ الْأَرْبَعَةُ".
وَبَعْدَ الْمَعْرَكَةِ اتَّجَهَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ بِقُوَّاتِهِ إِلَى قَلْعَةِ حَارِمَ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا دُونَ مُقَاوَمَةٍ تُذْكَرُ، وَأَجْلَى مَنْ بَقِيَ فِيهَا مِنْ حُثَالَةِ الصَّلِيبِيِّينَ وَطَهَّرَ الْقَلْعَةَ مِنْ رِجْسِهِمْ وَمَعَالِمِ صُلْبَانِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي 26 مِنْ رَمَضَانَ عَامَ 559 هـ. وَقَبْلَ انْقِضَاءِ هَذَا الْعَامِ كَانَ نُورُ الدِّينِ قَدْ حَاصَرَ بَانِيَاسَ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ الصَّلِيبِيِّينَ مُنْذُ سَنَةِ 459 لِلْهِجْرَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ صَوْبَ طَبَرِيَّةَ، مِمَّا أَدَّى إِلَى تَرَاجُعِ الْحَامِيَةِ الصَّلِيبِيَّةِ، فَالْتَفَّ نُورُ الدِّينِ لِيَبْدَأَ حِصَارَ قَلْعَتِهَا. وَأَخَذَ الْفِرِنْجُ فِي الْجَمْعِ لِمُدَافَعَتِهِ وَقِتَالِهِ، فَلَمْ يُفْلِحُوا، ثُمَّ تَصَالَحَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْفِرِنْجِ مَعَ نُورِ الدِّينِ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
وَصَلَ الْخَبَرُ بِفَتْحِ حَارِمَ وَبَانِيَاسَ إِلَى جُيُوشِ الصَّلِيبِيِّينَ فِي مِصْرَ، فَانْهَارَتْ مَعْنَوِيَّاتُهُمْ وَانْكَسَرَ حِصَارُهُمْ لِجَيْشِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكوهْ فِي بِلْبِيسَ، مِمَّا مَهَّدَ الطَّرِيقَ بَعْدَ ذَلِكَ لِضَمِّ مِصْرَ لِحُكْمِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، لِتَكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مُنْطَلَقاً لِتَحْرِيرِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ رِجَالَاتِ نُورِ الدِّينِ وَحَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ أَلاَ وَهُوَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ أَبُو الْمُظَفَّرِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِي بْنِ مَرْوَانَ ابْنِ يَعْقُوبَ التِّكْرِيتِيُّ الْمَعْرُوفُ بِصَلَاحِ الدِّينِ الْأَيُّوبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأُسْتَاذُهُ نُورُ الدِّينِ الشَّهِيدُ. وَجَزَاهُمَا عَمَّا قَدَّمَا لِلْإِسْلَامِ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأَنْفُسِ الزَّكِيَّةِ، وَالْقُلُوبِ التَّقِيَّةِ النَّقِيَّةِ الَّتِي نَذَرَتْ أَنْفُسَهَا لِعِزَّةِ هَذَا الدِّينِ وَنُصْرَتِهِ، وَالَّذِينَ أَفْنَوْا حَيَاتَهُمْ دِفَاعاً عَنْ مُقَدَّسَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَقِبْلَتِهِمُ الْأُولَى، فَأَجَابُوا دَعْوَةَ مُنَادٍ قَائِلاً:
يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الَّذِي لِمَعَالِمِ الصُّلْبَانِ نَكَّسْ
جَاءَتْ إِلَيْكَ رِسَالَةٌ تَسْعَى مِنَ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسْ
كُلُّ الْمَسَاجِدِ طُهِّرَتْ
وَأَنَا عَلَى شَرَفِي مُدَنَّسْ!
مَعْرَكَةُ تَلِّ حَارِمَ.. مِنْ أَعْظَمِ فُتُوحَاتِ رَمَضَانَ (الْجُزْءُ الثَّانِي)
(تنويه للقارئ: هذا القسم هو استكمال وتأكيد لروائع ما سطرته معركة حارم في التاريخ)
خُذُوا حِذْرَكُمْ أَهْلَ الصَّلِيبِ لِمَوْقِفٍ
يَؤُولُ بِهِ أَمْرُ الصَّلِيبِ إِلَى الْعَدَدِ
وَهَذَا يَوْمٌ آخَرُ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي أَذَلَّ فِيهَا الْمُوَحِّدُونَ عُبَّادَ الصُّلْبَانِ، وَأَرْغَمُوا أُنُوفَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرَانِ، يَوْمٌ أَغَرُّ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ، وَصَفْحَةٌ سَوْدَاءُ مَلِيئَةٌ بِالْخِزْيِ وَالْهَوَانِ عَلَى أَهْلِ الصَّلِيبِ، الَّذِينَ أَتَوْا بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى اسْتِئْصَالِ الْإِسْلَامِ وَاسْتِبَاحَةِ بِلَادِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ، فَدَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا. نَسِيَ هَؤُلَاءِ الْحَمْقَى الْمَوْتُورُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَاصِرٌ دِينَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ. وَأَنَّ أُسُودَ الشَّرَى وَلُيُوثَ الْغَابِ لاَ يَثْبُتُ أَمَامَهَا النَّعَامُ:
فَتَزَايَلَ الْأَبْطَالُ عَنَّا مِثْلَمَا
نَفَرَتْ مِنَ الْأَسَدِ الْهَصُورِ نَعَامُ
مَتَى وَأَيْنَ وَقَعَتِ الْمَعْرَكَةُ؟
وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَعْرَكَةُ فِي 22 مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ سَنَةَ 559 مِنَ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِقِيَادَةِ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ الشَّهِيدِ مَحْمُودِ بْنِ عِمَادِ الدِّينِ زِنْكِي -رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-، وَبَيْنَ شَرَاذِمِ الصَّلِيبِيِّينَ الَّذِينَ أَقَامُوا بَعْضَ الْإِمَارَاتِ الصَّلِيبِيَّةِ بِبِلَادِ الشَّامِ، وَكَوَّنُوا حِلْفاً لَهُمْ بِقِيَادَةِ الْمَلِكِ عَمُّورِي الْأَوَّلِ مَلِكِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. أَمَّا الْمَكَانُ فَقَدْ كَانَ قَلْعَةَ أَوْ حِصْنَ حَارِمٍ، وَهُوَ حِصْنٌ حَصِينٌ فِي بِلَادِ الشَّامِ نَاحِيَةَ حَلَبَ، كَانَ الصَّلِيبِيُّونَ قَدِ اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
سَبَبُ الْمَعْرَكَةِ وَبُطُولَاتُ نُورِ الدِّينِ
أَمَّا سَبَبُ الْمَعْرَكَةِ، فَإِنَّ الْمَلِكَ عِمَادَ الدِّينِ بْنَ آق سُنْقُرٍ آل زِنْكِي قَدْ رَحَلَ عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا وَخَلَّفَ مِنْ وَرَائِهِ ثَلَاثَةَ أَبْطَالٍ مِنْ رِجَالَاتِ الْإِسْلَامِ هُمْ: نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ، قُطْبُ الدِّينِ مَوْدُودٌ صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، وَالْأَخُ الْأَكْبَرُ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي. وَقَدْ حَمَلَ هَؤُلَاءِ الْأُسُودُ هَمَّ الْجِهَادِ وَرَدْعَ الصَّلِيبِيِّينَ وَجَمْعَ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَانُوا مِنْ أَحْسَنِ الْمُلُوكِ سِيرَةً، وَقَدْ وَاجَهُوا الصَّلِيبِيِّينَ فِي مَعَارِكَ كَثِيرَةٍ، وَكَانُوا مُحَبَّبِينَ إِلَى الرَّعِيَّةِ كَثِيرِي الْإِنْعَامِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ كَانَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- مِثَالاً نَادِراً فِي الْعَدْلِ وَالشَّجَاعَةِ وَحُبِّ الْجِهَادِ. حَتَّى قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "طَالَعْتُ السِّيَرَ، فَلَمْ أَرَ فِيهَا بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَحْسَنَ مِنْ سِيرَتِهِ وَلاَ أَكْثَرَ تَحَرِّياً مِنْهُ لِلْعَدْلِ". وَقَدْ قَالَ لَهُ الْقُطْبُ النَّيْسَابُورِيُّ: "بِاللَّهِ لاَ تُخَاطِرْ بِنَفْسِكَ، فَإِنْ أُصِبْتَ فِي مَعْرَكَةٍ لاَ يَتَبَقَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَهُ السَّيْفُ"، فَقَالَ: "وَمَنْ مَحْمُودٌ حَتَّى يُقَالَ هَذَا؟ حَفِظَ اللَّهُ الْبِلَادَ قَبْلِي.. لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ".
مَنْ يَحْمِلُ هَمَّ الْإِسْلَامِ؟
وَقَدْ كَانَ نُورُ الدِّينِ زِنْكِي حَامِلَ رَايَةِ الْعَدْلِ وَالْجِهَادِ، قَلَّ أَنْ تَرَى الْعُيُونُ مِثْلَهُ. حَاصَرَ دِمَشْقَ ثُمَّ تَمَلَّكَهَا وَبَقِيَ بِهَا 20 سَنَةً وَسَادَ فِيهَا الْعَدْلُ، وَافْتَتَحَ نُورُ الدِّينِ حُصُوناً كَثِيرَةً، وَهَزَمَ الْبِرِنْسَ الصَّلِيبِيَّ صَاحِبَ أَنْطَاكِيَةَ وَقَتَلَهُ فِي 3000 مِنَ الْفِرِنْجِ. وَأَظْهَرَ السُّنَّةَ بِمَدِينَةِ حَلَبَ وَقَمَعَ الرَّافِضَةَ وَأَخَذَ مِنَ الصَّلِيبِيِّينَ حِصْنَ بَانِيَاسَ وَالْمُنَيْطِرَةَ، وَكَسَرَ الْفِرِنْجَةَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ وَدَوَّخَهُمْ وَأَذَلَّهُمْ. وَكَانَ بَطَلاً شُجَاعاً، وَافِرَ الْهَيْبَةِ، مَلِيحَ الشَّكْلِ، ذَا تَعَبُّدٍ وَخَوْفٍ وَوَرَعٍ، وَكَانَ يَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَدْ سَمِعَهُ كَاتِبُهُ أَبُو الْيُسْرِ وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْشُرَهُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ.
الْمُسَلْسَلُ بِالتَّبَسُّمِ
وَقَدْ كَانَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- شَدِيدَ الِاهْتِمَامِ بِأَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، حَزِيناً كَاسِفاً بَالُهُ لِمَا يَرَى مِنْ سَطْوَةِ الصَّلِيبِيِّينَ وَبَسْطِ سُلْطَانِهِمْ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَلَعَلَّ أَصْدَقَ مَا يُصَوِّرُ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو شَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ حَاصَرَ الْفِرِنْجُ مَدِينَةَ دِمْيَاطَ، قَالَ: وَبَلَغَنِي مِنْ شِدَّةِ اهْتِمَامِ نُورِ الدِّينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- حِينَ نَزَلَ الْفِرِنْجُ عَلَى دِمْيَاطَ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ كَانَ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ، فَجَاءَ فِي جُمْلَةِ تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَدِيثٌ مُسَلْسَلٌ بِالتَّبَسُّمِ، فَطَلَبَ مِنْهُ بَعْضُ طَلَبَةِ الْحَدِيثِ أَنْ يَبْتَسِمَ لِتَتِمَّ السِّلْسِلَةُ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: "إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَرَانِي مُبْتَسِماً وَالْمُسْلِمُونَ مُحَاصَرُونَ بِالْفِرِنْجِ".
يَا رَبِّ انْصُرْ دِينَكَ وَلاَ تَنْصُرْ مَحْمُوداً
وَقَدْ حَكَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو شَامَةَ أَيْضاً هَذَا الْمَوْقِفَ الْعَظِيمَ، فَقَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ إِمَاماً لِنُورِ الدِّينِ رَأَى لَيْلَةَ رَحِيلِ الْفِرِنْجِ عَنْ دِمْيَاطَ فِي مَنَامِهِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَقَالَ لَهُ: أَعْلِمْ نُورَ الدِّينِ أَنَّ الْفِرِنْجَ قَدْ رَحَلُوا عَنْ دِمْيَاطَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رُبَّمَا لاَ يُصَدِّقُنِي، فَاذْكُرْ لِي عَلَامَةً يَعْرِفُهَا. فَقَالَ: "قُلْ لَهُ بِعَلَامَةِ مَا سَجَدْتَ عَلَى تَلِّ حَارِمَ وَقُلْتَ: يَا رَبِّ انْصُرْ دِينَكَ وَلاَ تَنْصُرْ مَحْمُوداً، مَنْ هُوَ مَحْمُودٌ الْكَلْبُ حَتَّى يُنْصَرَ؟". قَالَ: فَبِتُّ وَنَزَلْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مِنْ عَادَةِ نُورِ الدِّينِ أَنَّهُ كَانَ يَنْزِلُ إِلَيْهِ بِغَلَسٍ وَلاَ يَزَالُ يَتَرْكَعُ فِيهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، قَالَ: فَتَعَرَّضْتُ لَهُ، فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرِي فَأَخْبَرْتُهُ بِالْمَنَامِ وَذَكَرْتُ لَهُ الْعَلَامَةَ إِلَّا أَنَّنِي لَمْ أَذْكُرْ لَفْظَةَ (الْكَلْبِ)، فَقَالَ نُورُ الدِّينِ: اذْكُرِ الْعَلَامَةَ كُلَّهَا، وَأَلَحَّ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ، فَقُلْتُهَا. فَبَكَى رَحِمَهُ اللَّهُ وَصَدَّقَ الرُّؤْيَةَ، فَأَرَّخْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ بِرَحِيلِ الْفِرِنْجِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. (أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الرَّوْضَتَيْنِ فِي أَخْبَارِ الدَّوْلَتَيْنِ).
إِرْهَاصَاتُ الْمَعْرَكَةِ
كَانَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حَامِلَ لِوَاءِ الْجِهَادِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ الْعَصِيبَةِ مِنْ تَارِيخِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَهُوَ مَنْ تَصَدَّى لِلْحَمْلَةِ الصَّلِيبِيَّةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَامَ بِضَمِّ مِصْرَ لِإِمَارَتِهِ وَأَسْقَطَ دَوْلَةَ الْعُبَيْدِيِّينَ الرَّافِضِيَّةِ الْخَبِيثَةِ الْمُسَمَّاةِ زُوراً وَبُهْتَاناً بِالدَّوْلَةِ الْفَاطِمِيَّةِ، وَأَقَامَ الْخُطْبَةَ لِلْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ فِي مِصْرَ بَعْدَ أَنْ أَوْقَفَهَا الْفَاطِمِيُّونَ طَوِيلاً. وَقَدْ مَهَّدَ الطَّرِيقَ أَمَامَ صَلَاحِ الدِّينِ الْأَيُّوبِيِّ لِمُحَارَبَةِ الصَّلِيبِيِّينَ وَفَتْحِ الْقُدْسِ بَعْدَ أَنْ تَوَحَّدَتْ مِصْرُ وَالشَّامُ.
قَدْ كَانَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قَدِ الْتَقَى بِالصَّلِيبِيِّينَ فِي مَعْرَكَةِ الْبُقَيْعَةِ، عِنْدَمَا جَمَعَ جُنُودَهُ وَدَخَلَ بِلَادَ الْفِرِنْجِ وَنَزَلَ فِي سَهْلِ الْبُقَيْعَةِ تَحْتَ حِصْنِ الْأَكْرَادِ مُحَاصِراً لَهُمْ عَازِماً عَلَى أَخْذِ طَرَابُلُسَ وَاسْتِنْقَاذِهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَبَاغَتَهُ الصَّلِيبِيُّونَ نَهَاراً وَبِأَعْدَادٍ ضَخْمَةٍ فِي مَعْرَكَةِ الْبُقَيْعَةِ، وَكَادَ أَنْ يُقْتَلَ نُورُ الدِّينِ فِيهَا، إِلَّا أَنَّهُ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْجُوَ عَلَى فَرَسِهِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى بُحَيْرَةِ الْقُدْسِ بِالْقُرْبِ مِنْ حِمْصَ. كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْهَزِيمَةَ الْأُولَى لِنُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَمَامَ الْفِرِنْجِ، فَلَمَّا عَادَ مُنْهَزِماً فَرَّقَ الْأَمْوَالَ وَالسِّلَاحَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآلَاتِ، فَعَادَ الْعَسْكَرُ كَأَنَّهُمْ لَمْ يُصَابُوا وَأَخَذُوا فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْجِهَادِ. وَاتَّفَقَ فِي هَذَا الْوَقْتِ مَسِيرُ بَعْضِ الْفِرِنْجِ مَعَ مَلِكِهِمْ عَمُّورِي الْأَوَّلِ مَلِكِ مَمْلَكَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِقِتَالِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكوهْ بِمِصْرَ. وَمَا كَان مِنْ نُورِ الدِّينِ إِلَّا أَنِ اسْتَغَلَّ هَذِهِ الْفُرْصَةَ لِيَبْغَتَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ لِيَصْرِفَ نَظَرَهُمْ عَنِ احْتِلَالِ مِصْرَ.
فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودٍ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، وَإِلى فَخْرِ الدِّينِ قَرَا أَرْسَلَانَ صَاحِبِ حِصْنِ كَيْفَا، وَإِلَى نَجْمِ الدِّينِ صَاحِبِ مَارِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَنْجِدُهُمْ. فَأَمَّا قُطْبُ الدِّينِ مَوْدُودٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ جَمَعَ عَسْكَرَهُ وَسَارَ مُجِدّاً. وَأَمَّا فَخْرُ الدِّينِ صَاحِبُ الْحِصْنِ فَقَدْ قَالَ لَهُ خَوَاصُّهُ وَنُدَمَاؤُهُ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ عَزَمْتَ؟ فَقَالَ: عَلَى الْقُعُودِ، فَإِنَّ نُورَ الدِّينِ قَدْ تَحَشَّفَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَهُوَ يُلْقِي بِنَفْسِهِ وَالنَّاسِ مَعَهُ فِي الْمَهْلَكَةِ. فَكُلُّهُمْ وَافَقَهُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدْوُ، أَمَرَ بِالتَّجَهُّزِ لِلْغَزْوِ، فَقَالَ لَهُ خَوَاصُّهُ: مَا عَدَا مِمَّا بَدَا؟ فَارَقْنَاكَ أَمْسِ عَلَى حَالَةٍ فَنَرَى الْيَوْمَ ضِدَّهَا! فَقَالَ: إِنَّ نُورَ الدِّينِ قَدْ سَلَكَ مَعِي طَرِيقاً إِنْ لَمْ أُنْجِدْهُ خَرَجَ أَهْلُ بِلَادِي عَنْ طَاعَتِي؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَاتَبَ زُهَّادَهَا وَعُبَّادَهَا الْمُنْقَطِعِينَ عَنِ الدُّنْيَا، يَذْكُرُ لَهُمْ مَا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْفِرِنْجِ وَمَا نَالَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَالنَّهْبِ، وَيَسْتَمِدُّ مِنْهُمُ الدُّعَاءَ وَيَطْلُبُ أَنْ يَحُثُّوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْغَزْوَةِ. فَقَدْ قَعَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ يَقْرَءُونَ كُتُبَ نُورِ الدِّينِ وَيَبْكُونَ وَيَلْعَنُونَنِي وَيَدْعُونَ عَلَيَّ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْمَسِيرِ إِلَيْهِ. ثُمَّ تَجَهَّزَ وَسَار بِنَفْسِهِ.
يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ
هَا هُوَ نُورُ الدِّينِ الشَّهِيدُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أُمَرَاءِ الْإِسْلَامِ قَدْ سَارُوا نَحْوَ حَارِمَ، فَحَصَرُوهَا وَنَصَبُوا عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ وَتَابَعُوا الزَّحْفَ إِلَيْهَا. فَاجْتَمَعَ مَنْ بَقِيَ بِسَاحِلِ الشَّامِ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَجَاءُوا فِي حَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِمْ وَمُلُوكِهِمْ وَفُرْسَانِهِمْ وَقُسُسِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَكَانَ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِمُ الْبِرِنْسُ بُوهِيمُونْدُ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ، وَالْقُومَصُ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، وَابْنُ جُوسْلِينَ وَهُوَ مِنْ مَشَاهِيرِ الْفِرِنْجِ، وَالدُّوكُ وَهُوَ مُقَدَّمٌ كَبِيرٌ مِنَ الرُّومِ، وَجَمَعُوا الْفَارِسَ وَالرَّاجِلَ.
فَلَمَّا قَارَبُوا نُورَ الدِّينِ مَحْمُوداً، رَحَلَ عَنْ حَارِمَ إِلَى أَرْتَاحَ، طَمَعاً مِنْهُ أَنْ يَتْبَعُوهُ فَيَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ لِبُعْدِهِمْ عَنْ بِلَادِهِمْ، فَسَارُوا وَرَاءَهُ. ثُمَّ عَلِمُوا عَجْزَهُمْ عَنْ لِقَائِهِ فَعَادُوا إِلَى حَارِمَ. فَلَمَّا عَادُوا تَعَقَّبَهُمْ نُورُ الدِّينِ فِي أَبْطَالِ الْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا تَقَارَبُوا اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَبَدَأَ الْفِرِنْجُ بِالْحَمْلَةِ عَلَى مَيْمَنَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهَا عَسْكَرُ حَلَبَ وَصَاحِبُ حِصْنِ كَيْفَا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَتَبِعَهُمُ الْفِرِنْجُ. فَقِيلَ كَانَتْ تِلْكَ الْهَزِيمَةُ مِنَ الْمَيْمَنَةِ عَلَى اتِّفَاقٍ وَرَأْيٍ دَبَّرُوهُ؛ لِيَسْتَدْرِجُوا الْفُرْسَانَ بَعِيداً عَنِ الرِّجَالِ، فَيَمِيلَ عَلَيْهِمْ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالسُّيُوفِ فَيَقْتُلُوهُمْ، فَإِذَا عَادَ فُرْسَانُهُمْ لَمْ يَجِدُوا رَاجِلاً يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ وَلاَ شَيْئاً يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ. فَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا دَبَّرُوا.
تَبِعَ الْفِرِنْجُ الْمُنْهَزِمِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَرَّ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ فِي عَسْكَرِ الْمَوْصِلِ عَلَى رَاجِلِ الْفِرِنْجِ فَأَفْنَاهُمْ قَتْلَى وَأَسْرَى، وَعَادَ فُرْسَانُهُمْ وَخَيَّالَتُهُمْ وَلَمْ يُمْعِنُوا فِي طَلَبِ الْمُسْلِمِينَ خَوْفاً عَلَى الرَّجَّالَةِ. فَعَادَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي آثَارِهِمْ. فَلَمَّا وَصَلَ الْفِرِنْجُ وَرَأَوْا رِجَالَهُمْ قَتْلَى وَأَسْرَى سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ هَوَوْا وَبَقَوْا فِي الْوَسَطِ حَائِرِينَ قَدْ أَحْدَقَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. فَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ وَقَامَتْ عَلَى السَّاقِ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي عُبَّادِ الصَّلِيبِ، وَوَقَعَتْ بِهِمُ الْهَزِيمَةُ وَبَاءُوا بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَخِذْلَانٍ. فَعَدَلَ حِينَئِذٍ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْقَتْلِ إِلَى الْأَسْرِ؛ {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً}، فَأَسَرُوا مَا لاَ يُعَدُّ وَلاَ يُحْصَى. وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أُسِرَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَخْذُولِينَ صَاحِبُ أَنْطَاكِيَةَ وَالْقُومَصُ صَاحِبُ طَرَابُلُسَ (وَكَانَ شَيْطَانَ الْفِرِنْجِ وَأَشَدَّهُمْ شَكِيمَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَكْثَرَهُمْ نِكَايَةً بِهِمْ)، وَالدُّوكُ مُقَدَّمُ الرُّومِ، وَابْنُ جُوسْلِينَ. وَكَانَتْ عِدَّةُ الْقَتْلَى تَزِيدُ عَلَى 10000 قَتِيلٍ. (أَوْرَدَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَامِلِ فِي التَّارِيخِ).
الدِّينُ دِينُكَ وَالْجُنْدُ جُنْدُكَ
وَقَدْ حَكَى سِبْطُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى- كَيْفَ كَانَ نُورُ الدِّينِ مُتَضَرِّعاً مُخْبِتاً لِلَّهِ تَعَالَى، كَثِيرَ الْبُكَاءِ وَالدُّعَاءِ، مُلِحّاً عَلَى اللَّهِ مُسْتَغِيثاً بِهِ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}، فَكَانَ هَذَا التَّضَرُّعُ وَالدُّعَاءُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَكَى لِي نَجْمُ الدِّينِ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ وَالِدِهِ، أَنَّ الْفِرِنْجَةَ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى دِمْيَاطَ مَا زَالَ نُورُ الدِّينِ عِشْرِينَ يَوْماً يَصُومُ وَلاَ يُفْطِرُ إِلَّا عَلَى الْمَاءِ، فَضَعُفَ وَكَادَ يَتْلَفُ، وَكَانَ مَهِيباً مَا يَجْسُرُ أَحَدٌ يُخَاطِبُهُ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ إِمَامُهُ يَحْيَى: إِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي النَّوْمِ يَقُولُ: "يَا يَحْيَى، بَشِّرْ نُورَ الدِّينِ بِرَحِيلِ الْفِرِنْجِ عَنْ دِمْيَاطَ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رُبَّمَا لاَ يُصَدِّقُنِي. فَقَالَ: "قُلْ لَهُ بِعَلَامَةِ يَوْمِ حَارِمَ". وَانْتَبَهَ يَحْيَى. فَلَمَّا صَلَّى نُورُ الدِّينِ الصُّبْحَ وَشَرَعَ يَدْعُو هَابَهُ يَحْيَى فَقَالَ لَهُ: يَا يَحْيَى تُحَدِّثُنِي أَوْ أُحَدِّثُكَ؟ فَارْتَعَدَ يَحْيَى وَخَرِسَ فَقَالَ: أَنَا أُحَدِّثُكَ، رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَقَالَ لَكَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: نَعَمْ. فَبِاللَّهِ يَا مَوْلَانَا مَا مَعْنَى قَوْلِهِ (بِعَلَامَةِ يَوْمِ حَارِمَ)؟ فَقَالَ: لَمَّا الْتَقَيْنَا الْعَدُوَّ خِفْتُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَانْفَرَدْتُ وَنَزَلْتُ وَمَرَّغْتُ وَجْهِي عَلَى التُّرَابِ، وَقُلْتُ: "يَا سَيِّدِي مَنْ مَحْمُودٌ فِي النَّاسِ؟ الدِّينُ دِينُكَ، وَالْجُنْدُ جُنْدُكَ، وَهَذَا الْيَوْمُ افْعَلْ مَا يَلِيقُ بِكَرَمِكَ". قَالَ: فَنَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
نَتَائِجُ مَعْرَكَةِ تَلِّ حَارِمَ
هَا هُوَ ابْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وَكَانَ مُعَاصِراً لِتِلْكَ الْأَحْدَاثِ يَصِفُ لَنَا هَذَا الْيَوْمَ الْعَظِيمَ بِقَوْلِهِ: "فَحِينَئِذٍ حَمِيَ الْوَطِيسُ وَبَاشَرَ الْحَرْبَ الْمَرْءُوسُ وَالرَّئِيسُ، وَقَاتَلُوا قِتَالَ مَنْ يَرْجُو بِإِقْدَامِهِ النَّجَاةَ، وَحَارَبُوا حَرْبَ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، وَانْقَضَّتِ الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ انْقِضَاضَ الصُّقُورِ عَلَى بُغَاثِ الطُّيُورِ، فَمَزَّقُوهُمْ بَدَداً، وَجَعَلُوهُمْ قِدَداً، وَأَلْقَى الْإِفْرِنْجُ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْإِسارِ وَعَجَزُوا عَنِ الْهَزِيمَةِ وَالْفِرَارِ. وَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُونَ الْقَتْلَ وَزَادَتْ عِدَّةُ الْقَتْلَى عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ، وَأَمَّا الْأَسْرَى فَلَمْ يُحْصَوْا كَثْرَةً، وَكَانَ مِنْهُمُ الْمُلُوكُ الْأَرْبَعَةُ".
وَبَعْدَ الْمَعْرَكَةِ اتَّجَهَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ بِقُوَّاتِهِ إِلَى قَلْعَةِ حَارِمَ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا دُونَ مُقَاوَمَةٍ تُذْكَرُ، وَأَجْلَى مَنْ بَقِيَ فِيهَا مِنْ حُثَالَةِ الصَّلِيبِيِّينَ وَطَهَّرَ الْقَلْعَةَ مِنْ رِجْسِهِمْ وَمَعَالِمِ صُلْبَانِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي 26 مِنْ رَمَضَانَ عَامَ 559 هـ. وَقَبْلَ انْقِضَاءِ هَذَا الْعَامِ كَانَ نُورُ الدِّينِ قَدْ حَاصَرَ بَانِيَاسَ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ الصَّلِيبِيِّينَ مُنْذُ سَنَةِ 459 لِلْهِجْرَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ صَوْبَ طَبَرِيَّةَ، مِمَّا أَدَّى إِلَى تَرَاجُعِ الْحَامِيَةِ الصَّلِيبِيَّةِ، فَالْتَفَّ نُورُ الدِّينِ لِيَبْدَأَ حِصَارَ قَلْعَتِهَا. وَأَخَذَ الْفِرِنْجُ فِي الْجَمْعِ لِمُدَافَعَتِهِ وَقِتَالِهِ، فَلَمْ يُفْلِحُوا، ثُمَّ تَصَالَحَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْفِرِنْجِ مَعَ نُورِ الدِّينِ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.
وَصَلَ الْخَبَرُ بِفَتْحِ حَارِمَ وَبَانِيَاسَ إِلَى جُيُوشِ الصَّلِيبِيِّينَ فِي مِصْرَ، فَانْهَارَتْ مَعْنَوِيَّاتُهُمْ وَانْكَسَرَ حِصارُهُمْ لِجَيْشِ أَسَدِ الدِّينِ شِيرْكوهْ فِي بِلْبِيسَ، مِمَّا مَهَّدَ الطَّرِيقَ بَعْدَ ذَلِكَ لِضَمِّ مِصْرَ لِحُكْمِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودٍ، لِتَكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مُنْطَلَقاً لِتَحْرِيرِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ رِجَالَاتِ نُورِ الدِّينِ وَحَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ أَلاَ وَهُوَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ أَبُو الْمُظَفَّرِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِي بْنِ مَرْوَانَ ابْنِ يَعْقُوبَ التِّكْرِيتِيُّ الْمَعْرُوفُ بِصَلَاحِ الدِّينِ الْأَيُّوبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأُسْتَاذُهُ نُورُ الدِّينِ الشَّهِيدُ. وَجَزَاهُمَا عَمَّا قَدَّمَا لِلْإِسْلَامِ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأَنْفُسِ الزَّكِيَّةِ، وَالْقُلُوبِ التَّقِيَّةِ النَّقِيَّةِ الَّتِي نَذَرَتْ أَنْفُسَهَا لِعِزَّةِ هَذَا الدِّينِ وَنُصْرَتِهِ، وَالَّذِينَ أَفْنَوْا حَيَاتَهُمْ دِفَاعاً عَنْ مُقَدَّسَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَقِبْلَتِهِمُ الْأُولَى، فَأَجَابُوا دَعْوَةَ مُنَادٍ قَائِلاً:
يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الَّذِي لِمَعَالِمِ الصُّلْبَانِ نَكَّسْ
جَاءَتْ إِلَيْكَ رِسَالَةٌ تَسْعَى مِنَ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسْ
كُلُّ الْمَسَاجِدِ طُهِّرَتْ
وَأَنَا عَلَى شَرَفِي مُدَنَّسْ!