تاريخ وصِفة الحُجرة النبوية الشريفة عبر العصور
الجُزْءُ الأَوَّلُ: مَهْبِطُ الأَنْوارِ.. الحُجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي مَبْدَأِ الأَمْرِ
تَأَمَّلْ مَعِي بِعَيْنِ القَلْبِ ذَلِكَ الزَّمانَ الأَنْوَرَ، حِينَ شَيَّدَ النَّبِيُّ ﷺ مَسْجِدَهُ المَبَارَكَ، وَبَنَى إِلَى جِوارِهِ بُيُوتاً لِأَزْواجِهِ الطَّاهِراتِ؛ لَمْ تَكُنْ قُصوراً شامِخَةً، بَلْ كانَتْ نَضِيرَةً بِتَقْواها، بَسِيطَةً فِي مَبْناها. بَنَى ﷺ لِأُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْها- بَيْتاً مِنَ اللَّبِنِ وَجَرِيدِ النَّخْلِ، يُجَلِّلُهُ الوَقارُ، وَتَحُفُّهُ السَّكِينَةُ.
يَصِفُ لَنا الأَدِيبُ المُؤَرِّخُ "السَّمْهُودِيُّ" -رَحِمَهُ اللهُ- تِلْكَ الحُجْرَةَ الشَّرِيفَةَ نَقْلاً عَنِ الرُّواةِ، فَيَقُولُ: إنَّها كانَتْ مُتَواضِعَةَ السَّقْفِ، حَتَّى إنَّ الحَسَنَ البَصْرِيَّ -وَكانَ آنَذاك غُلاماً- كانَ يَنالُ سَقْفَها بِيَدِهِ! بَيْتٌ سَقْفُهُ القَنَاعَةُ، وَجُدْرانُهُ اللُّطْفُ الإِلَهِيُّ.
تَفاصِيلُ البِناءِ الأَوَّلِ
- المادَّةُ: لَبِنٌ (طِينٌ مَطْبُوخٌ) وَجَرِيدُ نَخْلٍ.
- البابُ: كانَ لِلْحُجْرَةِ بَابٌ واحِدٌ، يُرَجَّحُ أَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِلْمَغْرِبِ (جِهَةَ المَسْجِدِ)، مَصْنُوعٌ مِنْ خَشَبِ "العَرْعَرِ" أَوْ "السَّاجِ"، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَقٌ (قُفْلٌ) فِي حَياةِ عائِشَةَ، بَلْ كانَ يُسْتَرُ بِـ "سِجْفٍ" (وَيَعْنِي السِّتْرَ مِنْ شَعَرٍ).
- الأَبْعادُ: يُرْوَى أَنَّ عَرْضَ البَيْتِ كانَ نَحْوَ سِتِّ أَوْ سَبْعِ أَذْرُعٍ، وَارْتِفاعُهُ بَيْنَ الثَّمانِ وَالتَّسْعِ.
أَوَّلُ جِدارٍ حَوْلَ القَبْرِ
بَعْدَ أَنْ ضَمَّ الثَّرَى جَسَدَ الحَبِيبِ ﷺ، ثُمَّ صِدِّيقِهِ أَبِي بَكْرٍ، لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ جِدارٌ فاصِلٌ بَيْنَ عائِشَةَ وَالقَبْرَيْنِ. وَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بَدَأَتْ مَلامِحُ الحُجْرَةِ تَتَغَيَّرُ؛ إذْ اسْتَحْيَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ أَنْ تَضَعَ ثِيابَها وَعُمَرُ مَعَهُما، فَضَرَبَتْ بَيْنَها وَبَيْنَ القُبُورِ جِداراً. وَكانَ الفارُوقُ عُمَرُ قَدْ أَبْدَلَ جَرِيدَ الحُجْرَةِ بِجِدارٍ قَصِيرٍ، لِيَكُونَ هَذا أَوَّلَ بِناءٍ صَلْبٍ يَحِيطُ بِالمَقامِ الشَّرِيفِ، مُؤْذِناً بِبِدْءِ عَصْرٍ جَدِيدٍ مِنْ عِمارَةِ هَذا المَكانِ الَّذِي تَشْرَقُ مِنْهُ أَنْوارُ النُّبُوَّةِ.
"يا لَهُ مِنْ مَكانٍ، كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَّكِئُ فِيهِ عَلَى عَتَبَةِ البابِ، وَيُدْنِي رَأْسَهُ لِعائِشَةَ تُرَجِّلُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَصارَ اليومَ مَأْزِزَ الإِيمانِ، وَمَحَطَّ أَنْظارِ المُشْتاقِينَ."
الجُزْءُ الثَّانِي: بَيْنَ السَّكِينَةِ وَالتَّأْثِيرِ.. تَشَكُّلُ القَبْرِ وَأَحْدَاثُ الزَّمانِ
تَسِيرُ بِنَا رِكابُ الحَقِيقَةِ فِي مَواكِبِ التَّارِيخِ، لِنَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ "السَّمْهُودِيِّ" وَهُوَ يَرْسُمُ بِقَلَمِهِ مَلامِحَ الضَّرِيحِ الطَّاهِرِ، بَعْدَ أَنْ صارَ البَيْتُ مَثْوىً لِأَكرمِ ثَلاثَةٍ عَرَفَتْهُمُ الأَرْضُ. لَمْ يَكُنِ القَبْرُ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ مُرْتَفِعاً عَالِياً، بَلْ كَانَ "مَبْطُوحاً بِبَطْحَاءِ العَرْصَةِ الحَمْرَاءِ"، لا هُوَ بِالمُشْرِفِ الباذِخِ، وَلا بِاللَّاطِئِ المُنْمَحِي، بَلْ بَيْنَ بَيْنَ، يَعْلُوهُ حَصْبَاءُ فِيهَا حُمْرَةٌ، كَأَنَّهَا شَفَقُ المَغِيبِ يَعْلُو شَمْسَ النُّبُوَّةِ الَّتِي غَابَتْ عَنِ العُيُونِ وَبَقِيَ نُورُهَا فِي القُلُوبِ.
تَسَلْسُلُ شَكْلِ القَبْرِ وَتَرْتِيبُهُ
- قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ: فِي المُقَدَّمِ، جِهَةَ القِبْلَةِ، وَرَأْسُهُ الشَّرِيفُ مِمَّا يَلِي المَغْرِبَ.
- قَبْرُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، بِحَيْثُ يَكُونُ رَأْسُهُ عِنْدَ مَنْكِبَيِ الرَّسُولِ ﷺ.
- قَبْرُ الفَارُوقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: خَلْفَ الصِّدِّيقِ، وَرَأْسُهُ عِنْدَ مَنْكِبَيْ أَبِي بَكْرٍ، أَوْ عِنْدَ حَقْوَيْهِ.
حَادِثَةُ انْهِدامِ الجِدَارِ فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ
وَتَمُرُّ الأَيَّامُ، حَتَّى كَانَ زَمَانُ الخَلِيفَةِ الزَّاهِدِ "عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ"، وَإِذَا بِجِدَارِ الحُجْرَةِ يَنْهَدِمُ بَعْدَ لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ. يَحْكِي "عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ" أَنَّهُ خَرَجَ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ، فَمَا إِنْ اقْتَرَبَ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى اسْتَقْبَلَتْهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ "لا وَاللهِ مَا وَجَدَ مِثْلَهَا قَطُّ"! فَهَرَعَ إِلَى الحُجْرَةِ فَإِذَا الجِدَارُ قَدْ سَقَطَ، فَدَخَلَ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَمَكَثَ فِي هَيْبَةِ المَقامِ مَلِيًّا.
ظُهُورُ القَدَمِ الشَّرِيفَةِ
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا نَقَلَهُ "البُخارِيُّ" وَصاحِبُ "وفاءِ الوفاء"، أَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ الحائِطُ فِي زَمانِ الوَلِيدِ، بَدَتْ لَهُمْ "قَدَمٌ"، فَفَزِعَ القَوْمُ وَارْتَاعُوا، وَظَنُّوهَا قَدَمَ النَّبِيِّ ﷺ، حَتَّى جاءَهُمْ "عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ" يُطَمْئِنُ قُلُوبَهُمْ قَائِلًا: "لا وَاللهِ مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيِّ ﷺ، مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ!".
بِنَاءُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (الحَائِزُ المُخَمَّسُ)
أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِبِناءِ الحُجْرَةِ بِأَحْجَارٍ سَوْدَاءَ (مِثْلَ أَحْجارِ الكَعْبَةِ)، وَأَدَارَ حَوْلَهَا جِدَاراً خَمَاسِيًّا (مُخَمَّسَ الزَّوايا)؛ وَذَلِكَ لِغَرَضٍ لَطِيفٍ، وَهُوَ أَلَّا يَصِيرَ المَقامُ مُرَبَّعاً فَيُشْبِهَ الكَعْبَةَ، وَأَلَّا يَتَّخِذَهُ النَّاسُ قِبْلَةً يُصَلُّونَ إِلَيْهَا.
"تَخَيَّلْ أَيُّهَا القَارِئُ، أَنَّ تِلْكَ الأَحْجَارَ الَّتِي تَضُمُّ الجَسَدَ الشَّرِيفَ، هِيَ ذَاتُ الأَحْجَارِ الَّتِي لا بَابَ لَهَا وَلا كُوَّةَ، انْقَطَعَتْ عَنْ عَالَمِ الخَلْقِ، لِتَبْقَى فِي عَالَمِ النُّورِ، لا يَصِلُ إِلَيْهَا إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلا يُحيطُ بِهَا إِلَّا التَّعْظِيمُ."
الجُزْءُ الثَّالِثُ: حِجابُ الهَيْبَةِ.. الكِسْوَةُ وَالتَّرْخِيمُ وَنُورُ القَنادِيلِ
بَعْدَ أَنْ شُيِّدَ الحَائِزُ المُخَمَّسُ، غَدَتِ الحُجْرَةُ الشَّرِيفَةُ كَنْزاً مَصُوناً لا تَمَسُّهُ الأَبْصارُ، وَلَكِنَّ قُلُوبَ المُلُوكِ وَالسَّلاطِينِ ظَلَّتْ تَهْفُو إِلَى تَعْظِيمِ هَذا المَقامِ بِكُلِّ جَلِيلٍ وَثَمِينٍ. يَنْقُلُ لَنَا "السَّمْهُودِيُّ" كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الحُجْرَةُ مِنْ بِناءٍ بَسِيطٍ إِلَى مِحْرابٍ يَفِيضُ بِالفَخَامَةِ الَّتِي تَلِيقُ بِمَنْ فِيهِ ﷺ.
تَأْزِيرُ الحُجْرَةِ بِالرُّخامِ
لَمْ يَكُنِ الرُّخامُ يُغَطِّي جُدْرانَ الحُجْرَةِ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ، حَتَّى جاءَ عَصْرُ الخَلِيفَةِ العَبَّاسِيِّ "المُتَوَكِّلِ"، فَأَمَرَ بِتَرْخِيمِ الحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ.
- الوَصْفُ الوَثائِقِيُّ: أُزِّرَتِ الحُجْرَةُ بِرُخامٍ أَبْيَضَ وَمُلَوَّنٍ، وَجُعِلَ لَهُ "طِرازٌ" مُذَهَّبٌ يَخْطَفُ الأَبْصارَ.
- رُخامُ الأَرْضِيَّةِ: لَمْ يَقْتَصِرِ الأَمْرُ عَلَى الجُدْرانِ، بَلْ رُخِّمَتِ الأَرْضُ الَّتِي يَقِفُ عَلَيْها الزَّائِرُونَ، وَتَمَّ تَمْيِيزُ مَوْقِعِ "الوَجْهِ الشَّرِيفِ" بِمِسْمارٍ مِنْ فِضَّةٍ (أَوْ صُفْرٍ) فِي الرُّخامِ القِبْلِيِّ، لِيَكُونَ عَلامَةً لِلْمُحِبِّ أَيْنَ يَقِفُ لِيُواجِهَ جَبِينَ الحَبِيبِ ﷺ.
كِسْوَةُ الحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ
أَمَّا الكِسْوَةُ، فَقَدْ كانَتْ عُنْواناً لِلْمَحَبَّةِ الباذِلَةِ. يَذْكُرُ السَّمْهُودِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الحُجْرَةِ بِالدِّيباجِ هُوَ "الحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الهَيْجاءِ" فِي الخِلافَةِ العَبَّاسِيَّةِ.
- أَلْوانُ الكِسْوَةِ: تَنَوَّعَتْ عَبْرَ العُصُورِ بَيْنَ الأَبْيَضِ الدِّيبَقِيِّ، ثُمَّ البَنَفْسَجِيِّ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ عَلَى "الأَسْوَدِ الفَاخِرِ" المَرْقُومِ بِالحَرِيرِ الأَبْيَضِ وَالفِضَّةِ المُذَهَّبَةِ.
- النُّقُوشُ: كَانَ يُكْتَبُ عَلَيْهَا سُورَةُ (يس) بِأَكْمَلِهَا، مَعَ أَسْماءِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ.
يَنابِيعُ الضِّياءِ.. القَنادِيلُ
تَخَيَّلِ المَشْهَدَ لَيْلاً؛ حِينَ تَتَدَلَّى مِنْ سَقْفِ المَسْجِدِ، حَوْلَ الحُجْرَةِ، عَشَراتُ القَنادِيلِ المَصْنُوعَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالبَلُّورِ! بَلَغَتْ فِي بَعْضِ العُصُورِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ قَنْدِيلٍ، كُلُّ قَنْدِيلٍ يَحْمِلُ قِصَّةَ شَوْقٍ مِنْ بَلَدٍ نَاءٍ.
"يَقُولُ السَّمْهُودِيُّ: إنَّ هَذِهِ القَنادِيلَ وَالحَلِيَّ الَّتِي تُزَيِّنُ الحُجْرَةَ، لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ الزِّينَةِ، بَلْ هِيَ تَعْظِيمٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَهُوَ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ، وَتَكْرِيمُ مَثْواهُ تَكْرِيمٌ لِذاتِهِ الشَّرِيفَةِ."
تَنْبِيهٌ وَثائِقِيٌّ لَطِيفٌ:
يَذْكُرُ المُؤَلِّفُ أَنَّ المَلائِكَةَ تَحُفُّ بِهَذا القَبْرِ، فَمَا مِنْ فَجْرٍ يَطْلُعُ إِلَّا وَيَنْزِلُ سَبْعُونَ أَلْفاً مِنَ المَلائِكَةِ يَضْرِبُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، حَتَّى إِذا أَمْسَوْا عَرَجُوا وَهَبَطَ مِثْلُهُمْ.. فَيَا طُوبَى لِتُرَابٍ تَمَسُّهُ أَجْنِحَةُ المَلائِكَةِ!
الجُزْءُ الرَّابِعُ: زِلْزالُ الحَرِيقِ.. وَأَسْرارُ الجَسَدِ الَّذِي لَمْ يَبْلَ
تَمُرُّ السَّنَواتُ، حَتَّى حَلَّتْ لَيْلَةٌ لَيْسَتْ كَغَيْرِها، لَيْلَةُ الغُرَّةِ مِنْ رَمَضانَ عامَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، حِينَ اسْتَيْقَظَتِ المَدِينَةُ عَلَى صَرْخَةِ نَارٍ عَظِيمَةٍ الْتَهَمَتْ سَقْفَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ. يَصِفُ "السَّمْهُودِيُّ" المَشْهَدَ بِأَنَّهُ "أَمْرٌ مَهُولٌ"، حَيْثُ ذَابَ الرَّصَاصُ، وَهَوَى سَقْفُ الحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ فَوْقَ المَقَامِ المُنِيفِ.
آخِرُ مَنْ شَاهَدَ.. وَخِدْمَةُ القُبُورِ
لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ عَلَى رَفْعِ ذَلِكَ الرَّدْمِ خَشْيَةَ انْتِهاكِ الحُرْمَةِ، حَتَّى قَيَّضَ اللهُ رِجَالاً بَاشَرُوا هَذا المَقَامَ بِأَدَبٍ جَمٍّ، وَمِنْهُمْ "عُمَرُ النَّسائِيُّ" وَ"مُزَاحِمٌ" مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ.
- المُعَايَنَةُ الذَّاتِيَّةُ: يَرْوِي السَّمْهُودِيُّ أَنَّهُ دَخَلَ الحُجْرَةَ بَعْدَ تَطَهُّرٍ وَاسْتِخارَةٍ، فَاسْتَقْبَلَتْهُ رَائِحَةٌ لَمْ يَشَمَّ مِثْلَ طِيبِها قَطُّ، وَرَأَى أَرْضَ الحُجْرَةِ مُسْتَوِيَةً بَيْضاءَ فِيهَا نَداوَةٌ مَفْرُوشَةٌ بِحَصْبَاءَ حَمْرَاءَ دَقِيقَةٍ.
- قَدَمُ عُمَرَ: فِي إِحْدَى مَرَّاتِ انْهِدامِ الجِدَارِ، بَدَتْ قَدَمٌ مَكْشُوفَةٌ، فَارْتَاعَ النَّاسُ، فَإِذَا هِيَ قَدَمُ الفَارُوقِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بَاقِيَةٌ كَمَا هِيَ، لَمْ تُبْلِهَا الأَرْضُ.
قِصَّةُ الخَنْدَقِ الرَّصَاصِيِّ (حِمَايَةُ الحَبِيبِ)
وَمِنْ أَعْظَمِ مَواقِفِ التَّارِيخِ مَا فَعَلَهُ السُّلطانُ "نُورُ الدِّينِ الشَّهِيدُ"، حِينَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي مَنَامِهِ يُشِيرُ إِلَى رَجُلَيْنِ وَيَقُولُ: "أَنْجِدْنِي، أَنْقِذْنِي مِنْ هَذَيْنِ!".
- المُؤَامَرَةُ: كَانَ هُنَاكَ نَصْرَانِيَّانِ تَنَكَّرَا فِي زِيِّ حُجَّاجٍ مَغَارِبَةٍ، وَشَرَعَا فِي حَفْرِ سِرْدابٍ تَحْتَ الأَرْضِ لِلْوُصُولِ إِلَى الجَسَدِ الشَّرِيفِ.
- الخَنْدَقُ المَنِيعُ: بَعْدَ أَنْ كَشَفَهُمَا السُّلطانُ وَقَتَلَهُما، أَمَرَ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ عَمِيقٍ حَوْلَ الحُجْرَةِ كُلِّها، ثُمَّ أَفْرَغَ فِيهِ الرَّصَاصَ المُذَابَ، لِيَصِيرَ سُوراً مَتِيناً يَحْمِي المَقَامَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
"قَالَ السَّمْهُودِيُّ: بَكَى نُورُ الدِّينِ طَوِيلاً لِأَنَّ اللهَ اخْتارَهُ لِهَذا الدِّفاعِ، وَصارَ هَذا الرَّصاصُ حِجاباً بَيْنَ أَعْداءِ الدِّينِ وَبَيْنَ نُورِ العالَمِينَ."
المَوْضِعُ الرَّابِعُ.. وَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ
تَذْكُرُ الرِّواياتُ أَنَّ عائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْها- كَانَتْ تَنْوِي أَنْ تُدْفَنَ فِي ذَلِكَ المَوْضِعِ الرَّابِعِ، لَكِنَّها آثَرَتْ بِهِ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ. وَبَقِيَ هَذا المَوْضِعُ خالِياً، وَقَدْ نَقَلَ المُؤَرِّخُونَ عَنْ كُتُبِ السَّلَفِ أَنَّهُ "يُدْفَنُ فِيهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ" بَعْدَ نُزُولِهِ فِي آخِرِ الزَّمانِ.
"يا لَهُ مِنْ نَصِيبٍ، وَيَا لَهُ مِنْ جِوارٍ! هُنا يَرْقُدُ مَنْ أَنَارَ الدُّنْيا بِيَقِينِهِ، وَخَلْفَهُ صِدِّيقُهُ، وَبِجانِبِهِ فارُوقُهُ، وَتَحُفُّهُمُ السَّكِينَةُ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ."
خَاتِمَةُ البَحْث (المَصَادِرُ وَالهَوَامِشُ):
- المَصْدَرُ الرَّئِيسِيُّ: كِتَابُ "وَفَاءُ الوَفَاءِ بِأَخْبَارِ دَارِ المُصْطَفَى"، لِلإِمَامِ نُورِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ السَّمْهُودِيِّ (ت: 911هـ).
- الهَوَامِشُ:
- رِوايَةُ نَافِعٍ فِي وَضْعِ القُبُورِ (ص: 115).
- قِصَّةُ سُقُوطِ الجِدَارِ فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (ص: 112).
- تَفاصِيلُ الخَنْدَقِ الرَّصَاصِيِّ لِنُورِ الدِّينِ زَنْكِي (ص: 185-186).
- صِفَةُ الحُجْرَةِ مِنَ الدَّاخِلِ كَمَا شاهَدَها المُؤَلِّفُ (ص: 167-169).
تَمَّ هَذا السَّفَرُ المُبارَكُ بِحَمْدِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَى صَاحِبِ المَقَامِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.