عاقبة البغي وسرعة الإجابة: قصص من عدل الله في خلقه
دعوة سعد بن أبي وقاص: حين أصاب الفتنة من كذب
تَمَوَّجَتْ فِتْنَةٌ فِي أَرْجَاءِ "الكُوفَةِ"، وَتَصَاعَدَ ضَجِيجُ الشَّكْوَى حَتَّى بَلَغَ مَسَامِعَ الفَارُوقِ عُمَرَ فِي المَدِينَةِ؛ فَإِذَا بِهِمْ يَرْمُونَ أَمِيرَهُمْ، صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفَارِسَ الإِسْلَامِ "سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ"، بِكُلِّ نَقِيصَةٍ، حَتَّى بَلَغَ بِهِمُ الشَّطَطُ أَنْ قَالُوا: "إِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ!".
اسْتَدْعَاهُ عُمَرُ -وَبِقَلْبِ المُلْهَمِ يَعْرِفُ قَدْرَ الرَّجُلِ- فَقَالَ: "يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ القَوْمَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ!". فَأَجَابَ سَعْدٌ بِثَبَاتِ مَنْ يَرْتَوِي مِنْ مَعِينِ النُّبُوَّةِ: "أَمَّا أَنَا، فَوَاللهِ مَا كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ إِلَّا صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَا أَنْقُصُ عَنْهَا شَيْئًا؛ أَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ". فَتَهَلَّلَ وَجْهُ عُمَرَ وَقَالَ: "ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ".
وَلِإِقَامَةِ الحُجَّةِ، أَرْسَلَ الفَارُوقُ رِجَالاً لِتَقَصِّي الأَمْرِ فِي مَسَاجِدِ الكُوفَةِ، فَمَا مَرُّوا بِمَسْجِدٍ إِلَّا وَنَطَقَتْ حِيطَانُهُ بِالثَّنَاءِ العَطِرِ عَلَى سَعْدٍ، حَتَّى انْتَهَى المَطَافُ بِهِمْ إِلَى مَسْجِدِ "بَنِي عَبْسٍ". هُنَاكَ، انْبَرَى رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ "أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ" -أَبُو سَعْدَةَ- فَقَامَ بِكِبْرٍ مَقِيتٍ قَائِلاً: "أَمَا إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي القَضِيَّةِ!".
تَلَفَّتَ سَعْدٌ، وَقَدْ هَزَّتْ مَشَاعِرَهُ تِلْكَ الاِفْتِرَاءَاتُ، فَتَوَجَّهَ إِلَى السَّمَاءِ بِيَقِينِ مَنْ أُوذِيَ فِي اللهِ، وَقَالَ:
"اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً؛ فَأَطِلْ عُمُرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالفِتَنِ!"
دَارَ الزَّمَانُ دَوْرَتَهُ، وَانْطَفَأَ وَهَجُ الشَّبَابِ، وَبَقِيَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَتَرَنَّحُ فِي دَيَاجِيرِ الخَيْبَةِ؛ رَآهُ الرُّوَاةُ بَعْدَ حِينٍ شَيْخًا هَرِمًا، قَدْ تَهَدَّلَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنْ فَرْطِ الكِبَرِ، وَهُوَ يَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطَّرُقَاتِ يَبْتَغِي الفِتْنَةَ، فَإِذَا سُئِلَ عَنْ حَالِهِ الزَّرِيِّ، تَنَهَّدَ وَقَالَ بِانْكِسَارٍ: "شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ.. أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ!".
(رواه البخاري رقم 755)
يقين سعيد بن زيد: من ظلم شبراً طُوّقه سبعاً
فِي مَجَالِسِ القَضَاءِ بِمَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَفَتِ امْرَأَةٌ تُدْعَى "أَرْوَى بِنْتُ أُوَيْسٍ" تَسُوقُ اتِّهَامًا جَائِرًا ضِدَّ أَحَدِ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ، الصَّادِقِ البَارِّ "سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ" رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ زَاعِمَةً أَنَّهُ اغْتَصَبَ جُزْءًا مِنْ أَرْضِهَا وَضَمَّهُ إِلَى دَارِهِ، فَرَفَعَتْ خُصُومَتَهَا إِلَى "مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ" وَالِي المَدِينَةِ آنَذَاكَ.
وَقَفَ سَعِيدٌ -وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ- وَقَدْ أَلْجَمَتْهُ الدَّهْشَةُ، فَقَالَ بِلِسَانِ المُؤْمِنِ الوَاثِقِ: "أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟!". فَاسْتَفْهَمَ مَرْوَانُ عَنْ خَبَرِهِ، فَأَجَابَهُ سَعِيدٌ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا؛ طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ".
حِينَهَا نَطَقَ الحَقُّ عَلَى لِسَانِ مَرْوَانَ فَقَالَ: "لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا!"؛ إِذْ أَيُّ بَيِّنَةٍ أَقْوَى مِنْ وَرَعٍ يَزْجُرُ صَاحِبَهُ عَنْ مَظَالِمِ العِبَادِ؟ لَكِنَّ سَعِيدًا، وَقَدْ مَسَّتِ التُّهْمَةُ طَهَارَةَ عِرْضِهِ، رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَدَعَا دَعْوَةً زَلْزَلَتْ أَرْكَانَ البَاطِلِ، فَقَالَ:
"اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا!"
وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى اسْتَجَابَ القَدَرُ لِنِدَاءِ الصِّدِّيقِ؛ فَانْطَفَأَ ضِيَاءُ عَيْنَيْهَا، وَغَشِيَهَا العَمَى جَزَاءَ مَا اقْتَرَفَتْ يَدَاهَا. وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَخْبِطُ فِي أَرْضِهَا الَّتِي طَمِعَتْ فِيهَا، لَمْ تُبْصِرْ مَوْقِعَ قَدَمِهَا، فَتَرَدَّتْ فِي حُفْرَةٍ كَانَتْ لَهَا حَتْفًا، لِيَكُونَ مَصْرَعُهَا فِي ذَاتِ البُقْعَةِ الَّتِي خَاصَمَتْ فِيهَا بِالبَاطِلِ؛ فَكَانَتْ عِبْرَةً لِلظَّالِمِينَ.
(رواه البخاري 3198، ومسلم 1610)
عبرة الصياد والسمكة: أظهر الله قدرته في يدي
يُرْوَى أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَطُوفُ بِالنَّاسِ، وَقَدْ بُتِرَتْ يَدُهُ مِنْ مَنْبِتِ الكَتِفِ، وَهُوَ يَهْتِفُ بِصَوْتٍ يَحُزُّ فِي النُّفُوسِ: "مَنْ رَآنِي فَلَا يَظْلِمَنَّ أَحَدًا!". فَاسْتَوْقَفَهُ أَحَدُهُمْ مَأْخُوذًا بِمَشْهَدِهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ خَبَرِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ بِلِسَانٍ قَرِيحٍ: "يَا أَخِي، قِصَّتِي أُعْجُوبَةٌ مِنْ عَجَائِبِ الدَّهْرِ؛ فَقَدْ كُنْتُ يَوْمًا مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ، أَبْطِشُ بِقُوَّتِي وَلَا أَرْقُبُ فِي النَّاسِ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً. وَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ، أَبْصَرْتُ صَيَّادًا بَسِيطًا قَدْ رَزَقَهُ اللهُ سَمَكَةً عَظِيمَةً، فَطَمِعَتْ نَفْسِي فِيهَا، وَقُلْتُ لَهُ بِغَطْرَسَةٍ: أَعْطِنِي هَذِهِ السَّمَكَةَ! فَتَضَرَّعَ إِلَيَّ قَائِلًا: لَا أُعْطِيكَهَا، فَأَنَا أَحْتَاجُ ثَمَنَهَا لِقُوتِ عِيَالِي! فَلَمْ تَرْحَمْ صَرْخَتَهُ قَسْوَةُ قَلْبِي، فَضَرَبْتُهُ وَانْتَزَعْتُهَا مِنْهُ قَهْرًا وَمَضَيْتُ".
"وَفِي طَرِيقِي، وَبَيْنَمَا السَّمَكَةُ بَيْنَ يَدَيَّ، إِذْ بِهَا تَعَضُّ إِبْهَامِي عَضَّةً قَوِيَّةً، فَلَمَّا أَلْقَيْتُهَا فِي بَيْتِي، هَاجَ عَلَيَّ أَلَمٌ لَمْ أَذُقْ لَهُ مَثِيلًا، وَتَوَرَّمَتْ يَدِي حَتَّى طَارَ النَّوْمُ مِنْ عَيْنَيَّ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، قَالَ لِي الطَّبِيبُ: هَذِهِ (آكِلَةٌ) بَدَأَتْ فِي إِبْهَامِكَ، فَاقْطَعْهَا قَبْلَ أَنْ تَسْرِيَ فِي جَسَدِكَ! فَقَطَعْتُهَا، لَكِنَّ الأَلَمَ لَمْ يَهْدَأْ، بَلْ صَعِدَ إِلَى كَفِّي، فَجُزَّتْ كَفِّي، ثُمَّ سَرَى إِلَى سَاعِدِي فَقُطِعَ، ثُمَّ إِلَى مِرْفَقِي فَأُبِينَ، حَتَّى انْتَهَى بِيَ الحَالُ إِلَى بَتْرِ يَدِي كُلِّهَا مِنْ مَفْصِلِ الكَتِفِ!".
"حِينَهَا قَالَ لِي قَائِلٌ: مَا بَالُ هَذَا الأَلَمِ لَا يَنْقَطِعُ؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ خَبَرَ السَّمَكَةِ، فَقَالَ لِي: لَوْ أَنَّكَ اسْتَحْلَلْتَ الصَّيَّادَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ لَمَا بَلغْتَ هَذَا الحَالَ! فَانْطَلَقْتُ هَائِمًا أَبْحثُ عَنْهُ، حَتَّى وَجَدْتُهُ، فَارْتَمَيْتُ عِنْدَ قَدَمَيْهِ أُقَبِّلُهُمَا وَأَبْكِي، وَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، سَأَلْتُكَ بِاللهِ إِلَّا عَفَوْتَ عَنِّي! فَلَمَّا رَأَى مَا حَلَّ بِي بَكَى رَحْمَةً، وَقَالَ: يَا أَخِي، قَدْ حَالَلْتُكَ لِمَا رَأَيْتُهُ بِكَ مِنَ البَلَاءِ. فَقُلْتُ لَهُ وَالعَبَرَاتُ تُخْنِقُنِي: يَا سَيِّدِي، هَلْ دَعَوْتَ عَلَيَّ حِينَ أَخَذْتُهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ؛ قُلْتُ: (اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا تَقَوَّى عَلَيَّ بِقُوَّتِهِ عَلَى ضَعْفِي، وَأَخَذَ مِنِّي مَا رَزَقْتَنِي ظُلْمًا؛ فَأَرِنِي فِيهِ قُدْرَتَكَ!)."
(الزواجر عن اقتراف الكبائر 2/124)
مصير جلادي محنة ابن نصر الخزاعي: سياط القدر
تَجَبَّرَ الطُّغَاةُ فِي زَمَنِ "المِحْنَةِ"، وَأَسْرَفُوا فِي طُغْيَانِهِمْ حَتَّى سَفَكُوا دَمَ الإِمَامِ البَارِّ "أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الخُزَاعِيِّ"، وَنَكَّلُوا بِأَهْلِ السُّنَّةِ. لَكِنَّ الدَّهْرَ قَلَّبَ صَفَحَاتِهِ، فَجَاءَ "المُتَوَكِّلُ" لِيَسْتَنْطِقَ جَلادِي الأَمْسِ عَنْ فِعْلَتِهِمُ النَّكْرَاءِ. دَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالُ الدَّوْلَةِ المَاضِيَةِ، فَكَانَ كُلَّمَا سَأَلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ عَنْ مَقْتَلِ ابْنِ نَصْرٍ، بَادَرَ بِقَسَمٍ غَلِيظٍ يَسْتَنْزِلُ بِهِ لَعْنَةَ السَّمَاءِ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ كَانَ القَتِيلُ مُؤْمِنًا!
فَجَاءَ "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ الزَّيَّاتُ" وَقَالَ: "أَحْرَقَنِي اللهُ بِالنَّارِ إِنْ قَتَلَهُ الوَاثِقُ إِلَّا كَافِرًا!". ثُمَّ تَبِعَهُ "هَرْثَمَةُ" فَصَاحَ: "قَطَّعَنِي اللهُ إِرْبًا إِرْبًا إِنْ قَتَلَهُ إِلَّا كَافِرًا!". وَخَتَمَهَا "أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ" رَأْسُ الفِتْنَةِ بِقَوْلِهِ: "ضَرَبَنِي اللهُ بِالفَالِجِ إِنْ قَتَلَهُ إِلَّا كَافِرًا!".
فَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ، حَتَّى كَتَبَ القَدَرُ خَاتِمَةَ المَأْسَاةِ؛ فَأَمَّا ابْنُ الزَّيَّاتِ، فَقَدْ أُدْخِلَ فِي تَنُّورٍ مِنَ النَّارِ صَنَعَهُ هُوَ لِتَعْذِيبِ الخَلْقِ، فَاحْتَرَقَ فِيهِ! وَأَمَّا هَرْثَمَةُ، فَقَدْ قَطَّعَتْهُ قَبِيلَةُ "خُزَاعَةَ" بِسُيُوفِهِمْ إِرْبًا إِرْبًا! وَأَمَّا رَأْسُ الضَّلَالِ ابْنُ أَبِي دُؤَادَ، فَقَدْ سَجَنَهُ اللهُ فِي سِجْنٍ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ؛ حَيْثُ أَصَابَهُ الفَالِجُ، فَانْشَلَّتْ أَعْضَاؤُهُ وَبَقِيَ مُلْقًى عَلَى فِرَاشِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.
(البداية والنهاية 10/337)
عدل باديس بن حبوس: كرامة الرعية فوق جاه الولاة
فِي مَدِينَةِ "غَرْنَاطَةَ"، كَانَ المَلِكُ "بَادِيسُ بْنُ حَبُّوسٍ" مَهِيبَ الجَانِبِ. وَكَانَ قَدْ وَلَّى أَحَدَ أَقَارِبِهِ أَمْرَ بَلَدٍ، فَخَرَجَ ذَلِكَ الوَالِي يَوْمًا يَتَصَيَّدُ، حَتَّى مَرَّ بِشَيْخٍ مِنْ أَهْلِ القُرَى، كَرِيمِ النَّفْسِ. رَغِبَ الشَّيْخُ فِي إِكْرَامِ ضَيْفِهِ، وَبَادَرَ إِلَيْهِ بِقَصْعَةٍ مِنْ "ثَرِيدٍ بِلَبَنٍ وَسُكَّرٍ" نَفِيسَةٍ. لَكِنَّ الوَالِيَ رَمَى القَصْعَةَ بِرِجْلِهِ فِي صَلَفٍ، وَضَرَبَ الشَّيْخَ فَهَرَبَ المِسْكِينُ مُسْتَغِيثًا بِمَلِكِ البِلَادِ.
اسْتَمَعَ بَادِيسُ لِظُلَامَةِ الشَّيْخِ، وَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ. وَبَعْدَ أَيَّامٍ، جَاءَ المَلِكُ فِي جُنْدِهِ وَفِيهِمْ ذَلِكَ الوَالِي الخَصْمُ. فَقَدَّمَ الشَّيْخُ لِلْمَلِكِ مِثْلَ ذَلِكَ الثَّرِيدِ، فَتَنَاوَلَهُ بَادِيسُ وَاسْتَطَابَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلشَّيْخِ: "خُذْ بِثَأْرِكَ مِنْ هَذَا، فَاضْرِبْهُ!". ضَرَبَهُ الشَّيْخُ حَتَّى اسْتَوْفَى حَقَّهُ. حِينَهَا الْتَفَتَ بَادِيسُ إِلَى حَاشِيَتِهِ وَقَالَ:
"هَذَا حَقُّ هَذَا الشَّيْخِ وَقَدِ اسْتَوْفَاهُ، وَبَقِيَ حَقُّ اللهِ فِي إِهَانَةِ نِعْمَتِهِ، وَحَقِّي فِي اجْتِرَاءِ العُمَّالِ عَلَى الرَّعِيَّةِ!"
فَمَا ارْتَدَّ لِلْقَوْمِ طَرْفٌ حَتَّى هَوَى السَّيْفُ عَلَى عُنُقِ الوَالِي، وَطِيفَ بِرَأْسِهِ فِي الآفَاقِ؛ لِيَعْلَمَ كُلُّ ذِي جَاهٍ أَنَّ ظُلْمَ الضَّعِيفِ هُوَ المَهْلَكَةُ الَّتِي لَا نَجَاةَ مِنْهَا.
(سير أعلام النبلاء 18/ 591)