من أحوال الزهاد والتابعين: ثمانية من ملوك ملكوت السماء
[الْمُقَدِّمَةُ: مِحْرَابُ الزُّهَّادِ]
فِي زَمَنٍ تَلأْلأَتْ فِيهِ أَنْوَارُ النُّبُوَّةِ وَانْعَكَسَتْ عَلَى مَرَايَا النُّفُوسِ الطَّاهِرَةِ، انْبَثَقَتْ ثُلَّةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، لَمْ تَكُنِ الدُّنْيَا فِي عُيُونِهِمْ إِلَّا ظِلًّا زَائِلًا، أَوْ طَيْفَ خَيَالٍ عَابِرٍ. كَانُوا رِجَالًا تَنَفَّسُوا الْآخِرَةَ قَبْلَ أَنْ يَرْحَلُوا إِلَيْهَا، وَسَكَنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ فِي حَنَايَا ضُلُوعِهِمْ.
يَرْوِي لَنَا عَنْهُمْ عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ فَيَقُولُ: "انْتَهَى الزُّهْدُ إِلَى ثَمَانِيَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ"، وَكَأَنَّمَا اسْتَقَرَّتْ مَنَارَةُ التَّبَتُّلِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْأَفْذَاذِ، لِيَكُونُوا مَنَارًا لِلسَّالِكِينَ، وَنُورًا لِلْمُسْتَوْحِشِينَ فِي دُرُوبِ الْحَيَاةِ.
[عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.. نَسِيمُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ]
كَانَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رُوحًا شَفَّافَةً تَهيمُ فِي مَلَكُوتِ اللَّهِ، فَإِذَا مَا انْتَصَبَ قَائِمًا فِي مِحْرَابِهِ، انْفَصَلَ عَنِ الْعَالَمِ الْحِسِّيِّ بِكُلِّ صَخَبِهِ. يُحْكَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَتَمَثَّلَ لَهُ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ عَظِيمَةٍ، نَاعِمَةِ الْمَلْمَسِ، مُرْعِبَةِ الْمَنْظَرِ. انْسَلَّتْ تِلْكَ الْحَيَّةُ تَحْتَ قَمِيصِهِ، وَطَافَتْ بِجَسَدِهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ جَيْبِهِ، وَهُوَ كَالطَّوْدِ الشَّامِخِ لَا يَهْتَزُّ لَهُ طَرْفٌ، وَلَا تَرْتَجِفُ لَهُ جَارِحَةٌ، كَأَنَّهُ غَابَ عَنْ جَسَدِهِ لِيَحْيَى بِرُوحِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْبَارِئِ.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مُنَاجَاتِهِ، قِيلَ لَهُ وَالدَّهْشَةُ تَعْقِدُ الْأَلْسِنَةَ: "أَلَا تُنَحِّي الْحَيَّةَ عَنْكَ يَا عَامِرُ؟" فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ بِيَقِينٍ يَمْلأُ الْأَرْضَ سَكِينَةً وَقَالَ: "إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ أَخَافَ سِوَاهُ!". أَيُّ قَلْبٍ هَذَا الَّذِي مَلَأَهُ تَعْظِيمُ الْخَالِقِ حَتَّى اسْتَصْغَرَ دُونَهُ كُلَّ مَخْلُوقٍ؟!
وَلَمْ يَكُنْ زُهْدُهُ تَوَاكُلًا أَوْ ادِّعَاءً، بَلْ كَانَ حَرْبًا عَلَى النَّفْسِ لَا تَهْدَأُ. عُذِلَ يَوْمًا فِي كَثْرَةِ تَعَبِهِ وَنَصَبِهِ، فَقِيلَ لَهُ: "إِنَّ الْحَيَّةَ لَتُدْرَأُ بِدُونِ مَا تَصْنَعُ (أَيْ أَنَّ النَّجَاةَ مُمْكِنَةٌ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا الْجُهْدِ)، وَإِنَّ النَّارَ لَتُتَّقَى بِدُونِ مَا تَصْنَعُ!". فَانْتَفَضَ قَلْبُهُ وَقَالَ: "وَاللَّهِ لَأَجْتَهِدَنَّ، ثُمَّ وَاللَّهِ لَأَجْتَهِدَنَّ، فَإِنْ نَجَوْتُ فَبِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَإِنْ دَخَلْتُ النَّارَ فَبَعْدَ جُهْدِي". كَانَ يَرَى أَنَّ بَذْلَ الْوُسْعِ هُوَ عُذْرُهُ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّ الرَّحْمَةَ هِيَ طَوْقُ النَّجَاةِ الْأَخِيرُ.
وَلَمَّا حَانَتْ سَاعَةُ الرَّحِيلِ، وَأَذِنَ الْفَجْرُ بِانْطِفَاءِ سِرَاجِ حَيَاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، بَكَى عَامِرٌ بُكَاءً مُرًّا. تَحَلَّقَ حَوْلَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا لَهُ: "أَتَجْزَعُ مِنَ الْمَوْتِ فَتَبْكِي؟" فَأَجَابَهُمْ بِنَبْرَةٍ تَفِيضُ شَوْقًا وَلَوْعَةً: "وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَمَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنِّي؟ وَاللَّهِ مَا أَبْكِي جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ، وَلَا حِرْصًا عَلَى دُنْيَاكُمْ، وَلَكِنِّي أَبْكِي عَلَى ظَمَأِ الْهَوَاجِرِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ الشَّاتِي".
لَقَدْ كَانَ يَبْكِي عَلَى مَحَابِّ اللَّهِ الَّتِي سَيُحْرَمُ مِنْ لَذَّتِهَا فِي قَبْرِهِ؛ عَلَى تِلْكَ السَّاعَاتِ الَّتِي يَحْتَرِقُ فِيهَا كَبِدُهُ عَطَشًا فِي هَجِيرِ الصَّيْفِ، وَعَلَى تِلْكَ اللَّيَالِي الَّتِي تَتَجَمَّدُ فِيهَا الْأَطْرَافُ وَهُوَ قَائِمٌ يَقْرَأُ كَلَامَ رَبِّهِ. كَانَ يَقُولُ دَائِمًا وَالْحُزْنُ يَكْسُو صَوْتَهُ: "اللَّهُمَّ فِي الدُّنْيَا الْهُمُومُ وَالْأَحْزَانُ، وَفِي الْآخِرَةِ الْعَذَابُ وَالْحِسَابُ، فَأَيْنَ الرَّوْحُ وَالْفَرَحُ؟!".
[الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ.. قَلْبٌ لَا يَسْكُنُهُ إِلَّا اللَّهُ]
أَمَّا الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، فَقَدْ كَانَ لَوْحَةً فَرِيدَةً فِي مِحْرَابِ الْخُشُوعِ، رَجُلًا تَمَثَّلَ الصَّفَاءُ فِي سُكُونِهِ، وَتَجَسَّدَ الْوَرَعُ فِي مَنْطِقِهِ. كَانَ إِذَا مَشَى رُئِيَ كَأَنَّهُ خَيَالٌ يَخْشَى أَنْ يَجْرَحَ الْأَرْضَ بِوَطْأَتِهِ، وَإِذَا صَمَتَ سَمِعْتَ لِصَمْتِهِ دَوِيًّا فِي مَلَكُوتِ التَّفَكُّرِ.
أَصَابَهُ "الْفَالِجُ" (الشَّلَلُ)، فَوَهَنَ الْجَسَدُ وَبَقِيَ الرُّوحُ فَتِيَّةً تُحَلِّقُ فِي آفَاقِ الرِّضَا. دَخَلَ عَلَيْهِ مُحِبُّوهُ، فَقَالُوا لَهُ رِفْقًا بِهِ: "لَوْ تَدَاوَيْتَ يَا رَبِيعُ؟" فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ بِنَظْرَةٍ تَخْتَرِقُ حُجُبَ الْأَسْبَابِ لِتَصِلَ إِلَى مُسَبِّبِهَا، وَقَالَ بِهُدُوءِ الْعَارِفِينَ: "لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ الدَّوَاءَ حَقٌّ، وَلَكِنْ ذَكَرْتُ عَادًا وَثَمُودَ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا؛ كَانَتْ فِيهِمُ الْأَوْجَاعُ، وَكَانَ فِيهِمُ الْأَطِبَّاءُ، فَمَا بَقِيَ الْمُدَاوِي وَلَا الْمُدَاوَى!". لَمْ يَكُنْ رَدُّهُ زُهْدًا فِي التَّدَاوِي جَهْلًا، بَلْ كَانَ اسْتِغْرَاقًا فِي مُشَاهَدَةِ الْفَنَاءِ.
وَكَانَ الرَّبِيعُ شَدِيدَ الْمُحَاسَبَةِ لِنَفْسِهِ. قِيلَ لَهُ يَوْمًا: "أَلَا تَذْكُرُ النَّاسَ؟" فَأَجَابَ بِلِسَانِ مَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ: "مَا عَنْ نَفْسِي بَرَاضٍ، فَأَتَفَرَّغُ مِنْ ذَمِّهَا إِلَى أَنْ أَذُمَّ النَّاسَ.. إِنَّ النَّاسَ خَافُوا اللَّهَ فِي ذُنُوبِ النَّاسِ، وَأَمِنُوهُ عَلَى ذُنُوبِهِمْ!". وَعِنْدَمَا كَانَ يُسْأَلُ عَنْ حَالِهِ: "كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟" كَانَ يَرُدُّ: "أَصْبَحْنَا ضُعَفَاءَ مُذْنِبِينَ، نَأْكُلُ أَرْزَاقَنَا، وَنَنْتَظِرُ آجَالَنَا".
لَمْ يَكُنْ عِظَمُ قَدْرِ الرَّبِيعِ خَفِيًّا؛ فَقَدْ كَانَ الْجَبَلُ الْأَشَمُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إِذَا أَبْصَرَهُ مُقْبِلًا، تَهَلَّلَ وَجْهُهُ بَشَاشَةً، وَتَلَا: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: "أَمَا إِنَّهُ لَوْ رَأَاكَ مُحَمَّدٌ ﷺ لَأَحَبَّكَ". وَكَانَ الرَّبِيعُ يُوصِي مَنْ حَوْلَهُ: "أَمَّا بَعْدُ، فَأَعِدَّ زَادَكَ، وَجِدَّ فِي جَهَازِكَ، وَكُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ".
[أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ.. رَيْحَانَةُ الشَّامِ وَعَابِدُهَا]
كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ لَا يَطِيقُ أَنْ تُلَطَّخَ سَاعَاتُهُ بِفُضُولِ الْقَوْلِ. دَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَرَأَى جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ قَدِ الْتَفَّ بَعْضُهُمْ حَوْلَ بَعْضٍ. دَنَا مِنْهُمْ، فَإِذَا بِأَحَدِهِمْ يَقُولُ: "قَدِمَ غُلَامِي فَأَصَابَ كَذَا وَكَذَا"، وَيَقُولُ آخَرُ: "جَهَّزْتُ غُلَامِي فَرَبِحْتُ كَذَا".
فَمَا كَانَ مِنْ أَبِي مُسْلِمٍ إِلَّا أَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّسْبِيحِ ثُمَّ قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ! أَتَدْرُونَ مَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ؟ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَصَابَهُ مَطَرٌ غَزِيرٌ وَابِلٌ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِمِصْرَاعَيْنِ عَظِيمَيْنِ، فَقَالَ: لَوْ دَخَلْتُ هَذَا الْبَيْتَ حَتَّى يَذْهَبَ هَذَا الْمَطَرُ، فَدَخَلَ فَإِذَا الْبَيْتُ لَا سَقْفَ لَهُ!". ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: "جَلَسْتُ إِلَيْكُمْ وَإِنَّمَا أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا عَلَى ذِكْرٍ وَخَيْرٍ، فَإِذَا أَنْتُمْ أَصْحَابُ دُنْيَا!".
وَلَمَّا كَبِرَتْ سِنُّهُ، قِيلَ لَهُ: "لَوْ قَصَّرْتَ عَنْ بَعْضِ مَا تَصْنَعُ؟" فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَرْسَلْتُمُ الْخَيْلَ فِي الْحَلْبَةِ، أَلَسْتُمْ تَقُولُونَ لِفَارِسِهَا: وَدِعْهَا وَارْفِقْ بِهَا، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمُ الْغَايَةَ لَمْ تُسْبِقُوا مِنْهَا شَيْئًا؟". قَالُوا: "بَلَى". قَالَ: "فَإِنِّي قَدْ أَبْصَرْتُ الْغَايَةَ، وَإِنَّ لِكُلِّ سَاعٍ غَايَةً، وَغَايَةُ كُلِّ سَاعٍ الْمَوْتُ، فَسَابِقٌ وَمَسْبُوقٌ".
[الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ.. إِكْرَامُ الرُّوحِ بِإِضْنَاءِ الْبَدَنِ]
أَمَّا الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، رَجُلًا جَعَلَ جَسَدَهُ مَطِيَّةً لِرُوحِهِ، حَتَّى كَانَ الصِّيَامُ يَنْحَتُ مِنْ جِسْمِهِ نَحْتًا، فَيَشْحَبُ لَوْنُهُ. أَشْفَقَ عَلَيْهِ رَفِيقُ دَرْبِهِ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ لَهُ: "كَمْ تُعَذِّبُ هَذَا الْجَسَدَ يَا أَسْوَدُ؟" فَنَظَرَ إِلَيْهِ بِيَقِينٍ وَقَالَ: "إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ، وَكَرَامَةَ هَذَا الْجَسَدِ أُرِيدُ". كَانَ يَرَى أَنَّ عَذَابَهُ الْيَوْمَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ هُوَ سَبِيلُ نَعِيمِهِ السَّرْمَدِيِّ.
وَلَمَّا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، بَكَى بُكَاءً يَهُزُّ الْقُلُوبَ. قِيلَ لَهُ: "مَا هَذَا الْجَزَعُ وَأَنْتَ مَنْ أَنْتَ فِي الْعِبَادَةِ؟" فَقَالَ: "مَا لِي لَا أَجْزَعُ، وَمَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنِّي؟ وَاللَّهِ لَوْ أُتِيتُ بِالْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَأَهَمَّنِي الْحَيَاةُ مِنْهُ مِمَّا قَدْ صَنَعْتُ؛ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الذَّنْبُ الصَّغِيرُ، فَيَعْفُو عَنْهُ، فَلَا يَزالُ مُسْتَحْيِيًا مِنْهُ".
[مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ.. الصَّابِرُ فِي مِحْرَابِ الشَّوْقِ]
وَنَمْضِي إِلَى مَسْرُوقِ بْنُ الْأَجْدَعِ، ذَلِكَ الْعَابِدِ الَّذِي نَسِيَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ. تَرْوِي لَنَا امْرَأَتُهُ: "مَا كَانَ يُوجَدُ إِلَّا وَسَاقَاهُ قَدِ انْتَفَخَتَا مِنْ طُولِ الصَّلَاةِ". تَقُولُ زَوْجُهُ بِلَوْعَةٍ: "وَإِنْ كُنْتُ وَاللَّهِ لَأَجْلِسُ خَلْفَهُ أَبْكِي رَحْمَةً لَهُ مِمَّا يَصْنَعُ بِنَفْسِهِ".
وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، بَكَى كَمَا يَبْكِي الْمُقَصِّرُ الْوَجِلُ. سَأَلُوهُ عَنْ سِرِّ ذَلِكَ، فَقَالَ: "وَمَا لِي لَا أَجْزَعُ، وَإِنَّمَا هِيَ سَاعَةٌ فَلَا أَدْرِي أَيْنَ يُسْلَكُ بِي؛ بَيْنَ يَدَيَّ طَرِيقَانِ لَا أَدْرِي إِلَى الْجَنَّةِ أَمْ إِلَى النَّارِ!". لَقَدْ كَانُوا أَعْلَمَ النَّاسِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ، فَاسْتَصْغَرُوا فِي جَنْبِهِ كُلَّ عَمَلٍ.
[الْجُزْءُ الرَّابِعُ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.. قَلْبٌ مَكْلُومٌ وَصَدْعٌ بِالْحَقِّ]
أَمَّا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، فَكَأَنَّمَا كَانَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنَيْهِ جِنَازَةً لَا تَنْقَضِي. كَانَ يَقُولُ وَالْأَسَى يَعْتَصِرُ رُوحَهُ: "نَضْحَكُ وَلَا نَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ عَلَى بَعْضِ أَعْمَالِنَا فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ مِنْكُمْ شَيْئًا!". كَانَ الْحَسَنُ ذَاكِرَةً حَيَّةً؛ فَقَدْ أَدْرَكَ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا، يَقُولُ فِيهِمْ: "لَوْ رَأَيْتُمُوهُمْ لَقُلْتُمْ مَجَانِينُ! وَلَوْ رَأَوْا أَخْيَارَكُمْ لَقَالُوا: مَا لِهَؤُلَاءِ خَلَاقٌ!". لَقَدْ رَأَى رِجَالًا كَانَتِ الدُّنْيَا عِنْدَهُمْ أَهْوَنَ مِنَ التُّرَابِ.
[أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ.. خَفِيُّ الْأَرْضِ سَمِيُّ السَّمَاءِ]
إِلَى أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ، ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ مَجْهُولًا، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ مَعْرُوفٌ. كَانَ طَاعَامُهُ مِمَّا يَلْتَقِطُهُ مِنَ النَّوَى، يَبِيعُهُ لِيُفْطِرَ بِثَمَنِهِ. وَلَكِنَّ قَدْرَهُ لَمْ يَخْفَ عَلَى مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ؛ فَقَدْ كَانَ الصِّدِّيقُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَتَحَرَّاهُ فِي كُلِّ مَوْسِمِ حَجٍّ. وَفِي ذَاتِ عَامٍ، سَأَلَ عَمَّ أُوَيْسٍ عَنْهُ، فَقَالَ الْعَمُّ بَاحْتِقَارٍ: "وَمَا تَسْأَلُ عَنْ ذَاكَ؟ فَوَاللَّهِ مَا فِينَا أَحْمَقُ وَلَا أَهْوَجُ مِنْهُ!". فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ لَهُ: "بِكَ لَا بِهِ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ مِثْلُ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ".
[الْجُزْءُ الْخَامِسُ: أُوَيْسٌ وَهَرِمُ بْنُ حَيَّانَ.. تَعَارُفُ الْأَرْوَاحِ]
لَمَّا بَلَغَ هَرِمَ بْنَ حَيَّانَ مَا قَالَهُ الْفَارُوقُ فِي شَأْنِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ، طَارَ لَهُ قَلْبُهُ شَوْقًا. شَدَّ الرِّحَالَ إِلَى الْكُوفَةِ، حَتَّى عَثَرَ عَلَيْهِ جَالِسًا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ يَتَوَضَّأُ. دَنَا مِنْهُ هَرِمٌ وَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أُوَيْسُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ". فَرَدَّ أُوَيْسٌ السَّلَامَ. مَدَّ هَرِمٌ يَدَهُ لِيُصَافِحَهُ، فَأَبَى أُوَيْسٌ، فَبَكَى هَرِمٌ رِقَّةً، وَبَكَى أُوَيْسٌ لِبُكَائِهِ.
وَهُنَا حَدَثَتِ الْمُعْجِزَةُ؛ إِذْ قَالَ أُوَيْسٌ: "وَأَنْتَ فَحَيَّاكَ اللَّهُ يَا هَرِمَ بْنَ حَيَّانَ! كَيْفَ أَنْتَ يَا أَخِي؟ مَنْ دَلَّكَ عَلَيَّ؟". ذُهِلَ هَرِمٌ فَقَالَ: "وَمِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ اسْمِي وَاسْمَ أَبِي وَمَا رَأَيْتُكَ قَبْلَ الْيَوْمِ؟!". فَأَجَابَهُ أُوَيْسٌ: "أَنْبَأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ؛ عَرَفَتْ رُوحِي رُوحَكَ حِينَ كَلَّمَتْ نَفْسِي نَفْسَكَ، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَتَحَابُّونَ بِرُوحِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَلْتَقُوا!".
[فَزَعُ الْقُرْآنِ وَمَوْعِظَةُ الْمَوْتِ]
تَوَسَّلَ إِلَيْهِ هَرِمٌ أَنْ يُحَدِّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاعْتَذَرَ أُوَيْسٌ بِأَدَبٍ قَائِلًا: "فِي نَفْسِي شُغْلٌ عَنِ النَّاسِ". فَقَالَ هَرِمٌ: "اقْرَأْ عَلَيَّ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَأَوْصِنِي". فَأَخَذَ أُوَيْسٌ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ مِنْ سُورَةِ الدُّخَانِ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ...﴾ حَتَّى بَلَغَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وَمَا إِنْ أَتَمَّهَا حَتَّى شَهَقَ شَهْقَةً، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى هَرِمٍ وَقَالَ: "يَا ابْنَ حَيَّانَ! مَاتَ أَبُوكَ حَيَّانُ، وَيُوشِكُ أَنْ تَمُوتَ أَنْتَ، فَمَاتَ أَبوكَ آدَمُ، وَمَاتَتْ أُمُّكَ حَوَّاءُ.. مَاتَ نُوحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُوسَى، وَدَاوُدُ.. وَمَاتَ مُحَمَّدٌ ﷺ.. وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ.. وَمَاتَ أَخِي وَصَدِيقِي عُمَرُ!". قَالَ هَرِمٌ: "يَرْحَمُكَ اللَّهُ! إِنَّ عُمَرَ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ". فَقَالَ أُوَيْسٌ: "بَلَى، قَدْ نَعَاهُ إِلَيَّ رَبِّي، وَنَعَى إِلَيَّ نَفْسِي، وَأَنَا وَأَنْتَ فِي الْمَوْتَى!".
[الْفِرَاقُ الْأَبَدِيُّ]
ثُمَّ أَوْصَاهُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَذِكْرِ الْمَوْتِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، لَا أَرَاكَ بَعْدَ الْيَوْمِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِنِّي أَكْرَهُ الشُّهْرَةَ، وَالْوَحْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ!". تَوَسَّلَ هَرِمٌ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ سَاعَةً، فَأَبَى أُوَيْسٌ وَانْصَرَفَ فِي طَرِيقِهِ. جَعَلَ هَرِمٌ يَنْظُرُ فِي قَفَاهُ وَالدُّمُوعُ تَغْلِبُهُ، حَتَّى تَوَارَى أُوَيْسٌ بَيْنَ السِّكَكِ، فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ بَعْدَهَا خَبَرٌ.
رَحِمَ اللَّهُ تِلْكَ الْأَرْواحَ الَّتِي أَبْصَرَتِ النُّورَ الْحَقِيقِيَّ، فَاسْتَوْحَشَتْ مِنْ ظُلُمَاتِ الدُّنْيَا، وَعَاشَتْ غَرِيبَةً لِتَعُودَ إِلَى وَطَنِهَا الْأَوَّلِ فِي جِوَارِ الرَّحْمَنِ.
المصدر: كتاب عيون الحكايات