الدجاجة الطائرة وذكاء جحا: محاكمة خارج حدود المنطق
هَلْ سَمِعْتُمْ يَوْمًا عَنْ دَجَاجَةٍ مَشْوِيَّةٍ، بَعْدَ أَنْ نَضِجَتْ وَتَوَرَّدَ جِلْدُهَا فِي التَّنُّورِ، نَفَضَتْ عَنْهَا غُبَارَ الْمَوْتِ، وَنَبَتَ لَهَا جَنَاحَانِ، ثُمَّ طَارَتْ فِي السَّمَاء كَأَمِيرَةٍ هَارِبَةٍ مِنْ قَصْرِ مَسْحُورٍ؟
قَدْ تَبْدُو لَكُمْ أُسْطُورَةً مِنْ أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ، لَكِنَّهَا كَانَتْ بِدَايَةً لِأَغْرَبِ مُحَاكَمَةٍ شَهِدَهَا التَّارِيخُ! حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الْخَصْمُ فِيهَا رَجُلًا، بَلْ كَانَ الْمَنْطِقَ نَفْسَهُ.. وَحَيْثُ لَمْ يَنْطِقْ بِالْحُكْمِ كِتَابٌ، بَلْ نَطَقَتْ بِهِ مِائَةُ رَغِيفٍ طَارَتْ هِيَ الْأُخْرَى فِي الْهَوَاءِ!
تَهَيَّؤُوا.. فَنَحْنُ عَلَى أَعْتَابِ قِصَّةٍ لَا تَعْرِفُ الْمُسْتَحِيلَ، حَيْثُ يَلْتَقِي ذَكَاءُ جُحَا الْبَاهِرُ بِمَكْرِ خَبَّازٍ غَرِيقٍ فِي شَهَوَاتِهِ، لِيُثْبِتَ لَنَا أَنَّهُ: (إِذَا كَانَ الْمُتَحَدِّثُ مَجْنُونًا.. فَعَلَى الْمُسْتَمِعِ أَنْ يَكُونَ أَدْهَى مِنْهُ!).. فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِمَعْرِفَةِ كَيْفَ طَارَ الشِّوَاءُ، وَكَيْفَ هَبَطَ الْيَقِينُ؟
خَدِيعَةِ الْخَبَّازِ وَمَعْجِزَةِ الدَّجَاجَةِ الطَّيَّارَةِ
تَحْكِي مَأْثُورَاتُ الطَّرَائِفِ، وَتَنْقُلُ رُوَاةُ اللَّطَائِفِ، أَنَّهُ كَانَ فِي قَدِيمِ الزَّمانِ، وَسَالِفِ الْعَصْرِ وَالْأَوَانِ، رَجُلٌ قَدْ أَعَدَّ لِنَفْسِهِ دَجَاجَةً مَمْكُورَةً، سَمِينَةً مَحْبُورَةً، قَدْ غُذِّيَتْ بِأَطْيَبِ الْحَبِّ حَتَّى غَدَتْ كَأَنَّهَا لُؤْلُؤَةٌ مَكْنُونَةٌ. فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى نَيْلِ مَأْرَبِهِ مِنْهَا، ذَبَحَهَا ذَبْحًا شَرْعِيًّا، وَهَيَّأَهَا تَهْيِئَةً مَلَكِيَّةً، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي صِينِيَّةٍ تَلْمَعُ كَالشَّمْسِ، وَحَمَلَهَا إِلَى دُكَّانِ خَبَّازٍ، كَانَ يُعْرَفُ بَيْنَ النَّاسِ بِمَهَارَتِهِ فِي إِنْضَاجِ الشِّوَاءِ، وَلَكِنَّ نَفْسَهُ كَانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ لِوَسَاوِسِ الشَّهْوَةِ وَالْاِشْتِهَاءِ.
وَمَا إِنْ أُلْقِيَتِ الدَّجَاجَةُ فِي جَوْفِ التَّنُّورِ، حَتَّى بَدَأَتْ نِيرَانُ الْفُرْنِ تُدَاعِبُ جِلْدَهَا الذَّهَبِيَّ، فَانْبَعَثَتْ مِنْهَا رَائِحَةٌ زَكِيَّةٌ، تَنْسَابُ فِي الْأَزِقَّةِ كَالْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، وَتَدْخُلُ الْأُنُوفَ فَتُدَغْدِغُ مَكَامِنَ الْجُوعِ. هُنَا، لَمْ يَقْوَ الْخَبَّازُ المِسْكِينُ عَلَى مُغَالَبَةِ هَوَاهُ، وَضَعُفَتْ نَفْسُهُ أَمَامَ ذَاكَ الْإِغْرَاءِ السَّاحِرِ؛ فَسَالَ لُعَابُهُ، وَاضْطَرَبَتْ جَوَارِحُهُ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ الشَّيْطَانُ حَتَّى أَخَرَجَ الدَّجَاجَةَ وَهِيَ تَنْزِفُ دُسُومَةً، فَانْقَضَّ عَلَيْهَا انْقِضَاضَ السَّبُعِ عَلَى الْفَرِيسَةِ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهَا عَظْمًا إِلَّا نَهَشَهُ، وَلَا لَحْمًا إِلَّا الْتَهَمَهُ، ثُمَّ مَسَحَ شَارِبَيْهِ وَجَلَسَ يُفَكِّرُ فِي حِيلَةٍ تَقِيهِ شَرَّ صَاحِبِ الدَّجَاجَةِ.
فَلَمَّا حَانَ الْمَوْعِدُ، وَأَقْبَلَ صَاحِبُ الْوَلِيمَةِ يَسْتَحِثُّ الْخُطَى، وَقَدْ مَلَأَ الشَّوْقُ جَوَانِحَهُ لِتِلْكَ الْأَكْلَةِ الشَّهِيَّةِ، وَقَفَ الْخَبَّازُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَدْ أَرْخَى سُدُولَ الْحُزْنِ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَسْبَلَ دُمُوعًا كَاذِبَةً تَتَحَدَّرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَصَاحَ بِصَوْتٍ يَخْنُقُهُ الْعَبَرَةُ: "يَا لِلْعَجَبِ العُجَابِ! وَيَا لِلْغَرَابَةِ الَّتِي تَحارُ فِيهَا الْأَلْبَابُ! وَاللهِ يَا سَيِّدِي، لَقَدْ حَدَثَ فِي فُرْنِي هَذَا مَا لَمْ يَسْمَعْ بِمِثْلِهِ الْأَوَّلُونَ وَلَا الْآخِرُونَ! إِنَّ دَجَاجَتَكَ الْمُبَارَكَةَ، مَا إِنْ نَضِجَتْ وَاسْتَوَتْ عَلَى عَرْشِ الطِّيبِ، حَتَّى دَبَّتْ فِيهَا الْحَيَاةُ بِمُعْجِزَةٍ بَاهِرَةٍ، فَتَحَوَّلَتْ فِي لَمْحِ الْبَصَرِ إِلَى أَمِيرَةٍ حَسْنَاءَ، ذَاتِ دَلَالٍ وَبَهَاءٍ، ثُمَّ نَبَتَ لَهَا جَنَاحَانِ مِنْ نُورٍ، فَطَارَتْ مِنْ فَتْحَةِ الْمِدْخَنَةِ وَهِيَ تُغَرِّدُ كَالْبَلَابِلِ، وَتَرَكَتْنِي هُنَا حَائِرًا لَا أَمْلِكُ لَكَ رَدًّا وَلَا جَوَابًا!"
فَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبُ الدَّجَاجَةِ هَذَا الْهَذَيَانَ، وَرَأَى تِلْكَ الدُّمُوعَ السَّائِلَةَ عَلَى لِحْيَتِهِ، تَمَلَّكَتْهُ الدَّهْشَةُ، وَطَارَ عَقْلُهُ شَعَاعًا، وَصَارَ يَخْبِطُ خَبْطَ عَشْوَاءَ؛ فَهَلْ يُصَدِّقُ عَيْنَيْهِ اللَّتَيْنِ تَرَيَانِ الْفُرْنَ خَالِيًا، أَمْ يُصَدِّقُ أُذُنَيْهِ اللَّتَيْنِ تَسْمَعَانِ عَنِ الدَّجَاجَةِ الْآدَمِيَّةِ؟
وَلَمْ يَجِدِ الرَّجُلُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَسْتَعْدِيَ عَلَى هَذَا الْخَبَّازِ، فَهَرَعَ إِلَى دَارِ الْقَضَاءِ، حَيْثُ يَجْلِسُ جُحَا عَلَى كُرْسِيِّ الْحُكْمِ، وَقَدْ تَعَمَّمَ بِعِمَامَةٍ كَبِيرَةٍ تُشْبِهُ قُبَّةَ الْفَلَكِ، وَاتَّشَحَ بِبُرْدَةِ الْوَقَارِ. دَخَلَ الرَّجُلُ وَصَيْحَاتُهُ تَسْبِقُهُ: "يَا قَاضِيَ الْبَلْدَةِ، الْغَوْثَ الْغَوْثَ! لَقَدْ مَسَخَ الْخَبَّازُ دَجَاجَتِي أَمِيرَةً، وَزَعَمَ أَنَّهَا طَارَتْ فِي السَّمَاءِ عَنِيدَةً!"
فَاعْتَدَلَ جُحَا فِي جِلْسَتِهِ، وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الْخَبَّازِ عَلَى الْفَوْرِ. فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، سَأَلَهُ جُحَا بِنَبْرَةٍ فِيهَا مِنَ الْجِدِّ مَا يُخْفِي الْهَزْلَ: "مَا بَالُكَ أَيُّهَا الْفَرَّانُ؟ أَحَقًّا طَارَتِ الدَّجَاجَةُ بَعْدَ أَنْ أَصَابَتْهَا نَفْحَةٌ مِنَ الْجَمَالِ الْإِنْسَانِيِّ؟" فَأَجَابَ الْخَبَّازُ وَهُوَ يَتَظَاهَرُ بِالْخُشُوعِ: "نَعَمْ يَا مَوْلَايَ الْقَاضِي، وَاللهِ مَا كَذَبْتُ! لَقَدْ فُتِحَ بَابُ الْفُرْنِ، فَخَرَجَتْ مِنْهُ غَادَةٌ حَسْنَاءُ، لَهَا رِيشٌ كَالْحَرِيرِ، وَطَارَتْ فِي الْهَوَاءِ وَهِيَ تَقُولُ: (وَدَاعًا أَيُّهَا الْخَبَّازُ)! فَهَلْ لِي مَطْمَعٌ فِيمَا سَاقَهُ الْقَدَرُ؟"
نَظَرَ جُحَا إِلَى الْخَبَّازِ نَظْرَةً نَافِذَةً، فَأَدْرَكَ بِفِرَاسَتِهِ أَنَّ بَطْنَهُ هُوَ "الْقَصْرُ" الَّذِي اسْتَقَرَّتْ فِيهِ تِلْكَ الْأَمِيرَةُ. وَلَكِنَّهُ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يُعَنِّفَهُ، أَرَادَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ نَفْسِ الْكَأْسِ الَّتِي مَزَجَهَا، فَقَالَ بِهُدُوءٍ: "حَسَنٌ أَيُّهَا الْخَبَّازُ، اذْهَبْ لِشَأْنِكَ، فَإِنَّ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ شُؤُونًا". ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى صَاحِبِ الدَّجَاجَةِ وَقَالَ لَهُ فِي أُذُنِهِ: "عُدْ إِلَيَّ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَلَرُبَّمَا نَزَلَ الْوَحْيُ بِخَبَرِ تِلْكَ الْأَمِيرَةِ الْهَارِبَةِ".
انْصَرَفَ الْخَبَّازُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ حِيلَتَهُ قَدْ جَازَتْ عَلَى ذَكِيِّ الْأَرْضِ، وَبَاتَ لَيْلَتَهُ مَسْرُورًا بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَنَجَاةِ ظَهْرِهِ مِنَ السَّوْطِ. وَلَكِنَّ جُحَا فِي الْيَوْمِ التَّالِي، أَرْسَلَ إِلَى الْخَبَّازِ خَادِمًا يَقُولُ لَهُ: "إِنَّ الْقَاضِيَ جُحَا عِنْدَهُ مَحْفَلٌ مِنَ الضُّيُوفِ الْأَكَابِرِ، وَهُوَ يَرُومُ مِنْكَ مِائَةَ رَغِيفٍ مِنْ أَجْوَدِ الدَّقِيقِ، مَنْقُوشَةً كَالْوَشْيِ، لِيُكْرِمَ بِهَا وُجُوهَ الْقَوْمِ".
فَرِحَ الْخَبَّازُ بِهَذَا الطَّلَبِ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: "هَذِهِ فُرْصَةٌ لِأُعَوِّضَ مَا فَاتَنِي، وَأَرْبَحَ مِنْ مَالِ الْقَاضِي". فَهَيَّأَ الْأَرْغِفَةَ، وَحَمَلَهَا الْعُمَّالُ إِلَى دَارِ جُحَا، حَيْثُ وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالرَّوَابِي الْبَيْضَاءِ. انْتَظَرَ الْخَبَّازُ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ أَنْ يَصِلَهُ الثَّمَنُ، فَلَمَّا لَمْ يَصِلْهُ شَيْءٌ، جَاءَهُ الرَّسُولُ قَائِلًا: "أَجِبِ الْقَاضِيَ، فَقَدْ حَانَ وَقْتُ الْحِسَابِ".
دَخَلَ الْخَبَّازُ مَجْلِسَ جُحَا وَقَدْ تَلَأْلَأَتْ عَيْنَاهُ طَمَعًا فِي الدَّرَاهِمِ، وَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَسْرُورًا، بَيْنَمَا كَانَ صَاحِبُ الدَّجَاجَةِ جَالِسًا فِي زَاوِيَةِ الْمَجْلِسِ، يَرْنُو إِلَى الْقاضِي بِنَظَرَاتٍ مِلْؤُهَا الرَّجَاءُ. فَنَظَرَ جُحَا إِلَى الْخَبَّازِ نَظْرَةً فِيهَا عِتَابٌ مَمْزُوجٌ بِعَجَبٍ، وَقَالَ: "وَيْحَكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ! كَيْفَ اجْتَرَأْتَ عَلَى قَاضِي الْبَلْدَةِ فَبَعَثْتَ إِلَيَّ بِأَرْغِفَةٍ مَسْحُورَةٍ، قَدْ جُنَّتْ جُنُونًا وَخَالَفَتْ طَبِيعَةَ الْجَمادِ؟!"
صَعِقَ الْخَبَّازُ وَتَمَلَّكَه ك الذُّهُولُ، وَصَاحَ: "أَرْغِفَةٌ مَسْحُورَةٌ؟! أَعَاذَنَا اللهُ يَا مَوْلَايَ! إِنَّمَا هِيَ مِنْ خَالِصِ الْقَمْحِ وَصَفِيِّ الدَّقِيقِ، فَمَا خَبَرُ سِحْرِهَا؟" فَزَفَرَ جُحَا زَفْرَةً طَوِيلَةً وَقَالَ: "لَقَدْ وَضَعْتُهَا عَلَى الْمَائِدَةِ لِيَأْكُلَ الضُّيُوفُ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ حَانَتْ مِنَّا الْتِفَاتَةٌ حَتَّى رَأَيْنَا الْأَرْغِفَةَ الْمِائَةَ قَدْ نَبَتَتْ لَهَا أَجْنِحَةٌ خَفِيَّةٌ، فَطَارَتْ فِي جَوِّ الدَّارِ مِثْلَ السِّرْبِ مِنَ الْقَطَا، ثُمَّ خَرَجَتْ مِنَ النَّوَافِذِ وَغَابَتْ فِي عَنَانِ السَّمَاءِ! وَلِذَلِكَ يَا هَذَا، فَلَا دِرْهَمَ لَكَ عِنْدِي وَلَا دِينَارَ، إِذْ كَيْفَ أَدْفَعُ ثَمَنَ بِضَاعَةٍ آثَرَتِ التَّحْلِيقَ عَلَى الْبَقَاءِ؟"
صَرَخَ الْخَبَّازُ مَفْجُوعًا فِي مَالِهِ: "يَا سَيِّدِي الْقَاضِي، ارْحَمْ عَقْلِي! كَيْفَ لِلْخُبْزِ أَنْ يَطِيرَ وَهُوَ لَا رُوحَ فِيهِ وَلَا جَنَاحَ لَهُ؟ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ لَا يَقْبَلُهُ طِفْلٌ وَلَا مَجْنُونٌ!"
هُنَا ابْتَسَمَ جُحَا ابْتِسَامَةً مَكَّارَةً، وَاعْتَدَلَ فِي مَقْعَدِهِ كَالصَّقْرِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ هَزَّ أَرْكَانَ الْقَاعَةِ: "يَا هَذَا! عَجِبْتَ لِأَرْغِفَةٍ تَطِيرُ وَلَمْ تَعْجَبْ لِدَجَاجَةٍ مَشْوِيَّةٍ نَضِجَتْ فَاسْتَحَالَتْ أَمِيرَةً بَشَرِيَّةً؟! إِنَّ الَّذِي مَنَحَ الدَّجَاجَةَ رُوحًا بَعْدَ الذَّبْحِ، وَأَلْبَسَهَا حُلَلَ الْإِنْسِيَّةِ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ أَرْغِفَتَكَ تَسْبَحُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ! فَإِمَّا أَنْ تُقِرَّ بِطَيَرَانِ الْأَرْغِفَةِ، وَإِمَّا أَنْ تَعْتَرِفَ بِبُهْتَانِكَ فِي أَمْرِ الدَّجَاجَةِ!"
سَقَطَ فِي يَدِ الْخَبَّازِ، وَأَيْقَنَ أَنَّ جُحَا قَدْ نَصَبَ لَهُ شَرَكًا لَا مَحِيصَ عَنْهُ، فَنَكَسَ رَأْسَهُ خَجَلًا، وَأَقَرَّ بِذَنْبِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاضِرِينَ. فَأَمَرَ جُحَا كَاتِبَهُ أَنْ يَقْبِضَ ثَمَنَ الْأَرْغِفَةِ الْمِائَةِ -وَكَانَ ضِعْفَ ثَمَنِ الدَّجَاجَةِ- وَيَدْفَعَهُ إِلَى صَاحِبِ الدَّجَاجَةِ تَعْوِيضًا لَهُ عَنْ مَالِهِ وَجَبْرًا لِخَاطِرِهِ. خَرَجَ صَاحِبُ الدَّجَاجَةِ وَهُوَ يَدْعُو لِجُحَا بِطُولِ الْبَقَاءِ، بَيْنَمَا خَرَجَ الْخَبَّازُ يَعَضُّ أَنَامِلَ النَّدَمِ، فَقَدْ أَكَلَ دَجَاجَةً وَاحِدَةً، وَخَسِرَ مِائَةَ رَغِيفٍ!
الْفَوَائِدُ الْجَلِيَّةُ مِنْ هَذِهِ النَّادِرَةِ الْقَوِيَّةِ:
- الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَل: مَنْ حَاوَلَ التَّذَاكِيَ بِالْبَاطِلِ، قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَنْ يَغْلِبُهُ بِالْحَقِّ مِنْ جِنْسِ حِيلَتِهِ.
- سِلَاحُ السُّخْرِيَةِ فِي إِظْهَارِ الْحَقِيقَةِ: أَحْيَانًا يَكُونُ الرَّدُّ عَلَى الْكَذِبِ بِمِثْلِهِ -عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ- أَبْلَغَ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ مِنَ الْجِدَالِ الْمُبَاشِرِ.
- الطَّمَعُ ضَرَّ مَا نَفَعَ: لَوْ أَنَّ الْخَبَّازَ قَنِعَ بِرِزْقِهِ الْحَلَالِ، لَمَا خَسِرَ رِبْحَ يَوْمِهِ وَسُمْعَةَ دُكَّانِهِ.
- فِطْنَةُ الْقَاضِي: لَيْسَ الْعَدْلُ نُصُوصًا تُقْرَأُ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ فِرَاسَةٌ تَنْفُذُ إِلَى جَوْهَرِ النُّفُوسِ وَتَكْشِفُ زَيْفَ الْمُدَّعِينَ.