recent
آخر القصص

ربيعة الرأي: اليتيم الذي أنفقت عليه أمه ذهب الأرض ليصنع عقله

نستعرض معكم السيرة الملحمية للإمام ربيعة الرأي، شيخ الإمام مالك ومفتي المدينة. نروي قصة والده "فروخ" الذي غاب في الجهاد 27 عاماً، وكيف أنفقت أمه 30 ألف دينار لصناعة عالم الأمة. نص كامل يوثق لقاء الأب بابنه بعد عقود، ومكانة ربيعة في الفقه والرأي، ووصيته الخالدة لتلميذه عند الوفاة. رحلة في زمن التابعين الأنور.
🔊

ربيعة الرأي: سلطان الفقه وصانع العقول في مدرسة المدينة

التابعين وما أدراك ما التابعين، هُمْ جِيلٌ لَمْ تُكْحَلْ أَعْيُنُهُمْ بِرُؤْيَةِ الـمُصْطَفَى ﷺ، وَلَكِنَّ قُلُوبَهُمْ أُشْرِبَتْ نُورَهُ، وَأَرْوَاحَهُمْ تَعَطَّرَتْ بِأَنْفَاسِ صَحَابَتِهِ. هُمُ الأَقْمَارُ الَّتِي تَلَأْلَأَتْ فِي سَمَاءِ الأُمَّةِ بَعْدَ أَنْ تَوَارَتْ شُمُوسُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ، وَهُمُ الـجُسُورُ الـمَتِينَةُ الَّتِي عَبَرَ عَلَيْهَا نَقَاءُ الدِّينِ وَصَفَاءُ الشَّرِيعَةِ إِلَيْنَا غَضَّاً طَرِيَّاً. رِجَالٌ صَدَقُوا فِي حَمْلِ الأَمَانَةِ؛ فَبَذَلُوا الـمُهَجَ لِحِفْظِ الأَثَرِ، وَتَرَكُوا الدُّنْيَا خَلْفَ ظُهُورِهِمْ، لِيَشْتَرُوا مَقَاعِدَ الصِّدْقِ بِسَهَرِ اللَّيَالِي وَمِدَادِ الأَقْلَامِ.

وَمِنْ بَيْنِ هَذِهِ الـهَامَاتِ السَّامِقَةِ، وَفِي قَلْبِ مِحْرَابِ الـمَدِينَةِ الـمُنَوَّرَةِ، يَبْرُزُ طَوْدٌ أَشَمُّ، وَنَجْمٌ ثَاقِبٌ.. رَجُلٌ بَدَأَتْ حَيَاتُهُ بِـمُفَارَقَةٍ عَجِيبَةٍ مَلْحَمِيَّةٍ؛ حَيْثُ غَابَ أَبُوهُ عَنْهُ قَبْلَ مَوْلِدِهِ، وَذَابَتْ ثَرْوَةٌ طَائِلَةٌ عَلَى تَعْلِيمِهِ.. لِيَغْدُوَ رَبِيعَاً لِلْفِقْهِ، وَصَانِعَاً لِلْعُقُولِ، وَأُسْتَاذَاً لِأَئِمَّةِ الإِسْلَامِ الكِبَارِ. وَالآنَ.. نَطْوِي سِجِلَّاتِ الزَّمَانِ، وَنُرْخِي سَتَائِرَ الحَاضِرِ، لِنُسَافِرَ بِأَرْوَاحِنَا إِلَى ذَاكَ العَبَقِ الـمُقَدَّسِ؛ إِلَيْكُمْ سِيرَةَ الإِمَامِ العَلَمِ، وَسُلْطَانِ الرَّأْيِ وَالفِقْهِ: "رَبِيعَةَ الرَّأْيِ".

الجُزْءُ الأَوَّلُ: غَيْبَةُ الفَارِسِ وَمِيلادُ الرَّبِيعِ

فِي طِيبَةَ الطَّيِّبَةِ، حَيْثُ تَتَنَفَّسُ الأَرْضُ عَبِيرَ النُّبُوَّةِ، وَتَلْتَفُّ السَّكِينَةُ حَوْلَ مِحْرَابِ الـمُصْطَفَى ﷺ، كَانَتْ هُنَاكَ قِصَّةٌ تُنْسَجُ خُيُوطُهَا بَيْنَ صَلِيلِ السُّيُوفِ فِي الثُّغُورِ، وَبَيْنَ نُورِ العِلْمِ فِي الـمَسَاجِدِ. تَبْدَأُ الرِّوَايَةُ بِفَارِسٍ مِنْ فُرْسَانِ الإِسْلَامِ، يُدْعَى «فَرُّوخ»، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. كَانَ رَجُلَاً بَاعَ نَفْسَهُ للهِ، فَمَا إِنْ سَمِعَ دَاعِيَ الـجِهَادِ يَنْسَابُ فِي أَزِقَّةِ الـمَدِينَةِ، حَتَّى اسْتَجَابَ قَلْبُهُ قَبْلَ لِسَانِهِ. كَانَتْ زَوْجَتُهُ الـمَصُونُ «سُهَيْلَةُ» تَحْمِلُ فِي أَحْشَائِهَا جَنِينَاً لَمْ يَرَ النُّورَ بَعْدُ، لَكِنَّ نِدَاءَ الثُّغُورِ كَانَ أَقْوَى مِنْ لَوَاعِجِ الفِرَاقِ. وَقَفَ فَرُّوخٌ مُوَدِّعَاً، وَفِي يَدِهِ صُرَّةٌ ثَقِيلَةٌ تَحْوِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، هِيَ خُلَاصَةُ كَدِّهِ وَغَنَائِمِهِ، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ زَوْجَتِهِ قَائِلَاً:

«يَا أُمَّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَذِهِ أَمَانَةٌ عِنْدَكِ، صُونِيهَا وَأَنْفِقِي مِنْهَا عَلَى نَفْسِكِ وَوَلَدِكِ حَتَّى أَعُودَ، أَوْ يَقْضِيَ اللهُ أَمْرَاً كَانَ مَفْعُولَاً».

ثُمَّ امْتَطَى صَهْوَةَ جَوَادِهِ، وَمَضَى نَحْوَ خُرَاسَانَ، يَغِيبُ فِي أُفُقِ الغَزْوِ وَالفُتُوحِ، وَتَرَكَ خَلْفَهُ قَلْبَاً يَدْعُو، وَبَيْتَاً يَنْتَظِرُ. مَرَّتِ الشُّهُورُ، وَوَضَعَتِ السَّيِّدَةُ الصَّالِحَةُ غُلَامَاً كَأَنَّ وَجْهَهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ، فَأَسْمَتْهُ «رَبِيعَةَ». وَمَا كَانَ اسْمُهُ إِلَّا فَالَا حَسَنَاً؛ فَقَدْ كَانَ رَبِيعَاً لِلْمَدِينَةِ، وَخُضْرَةً لِلْفِقْهِ، وَنَضَارَةً لِلْعِلْمِ. كَبُرَ رَبِيعَةُ، لَا بَيْنَ التَّرَفِ وَاللَّهْوِ، بَلْ بَيْنَ أَسَاطِينِ الـمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ. كَانَتْ أُمُّهُ تَنْظُرُ إِلَى الدَّنَانِيرِ الذَّهَبِيَّةِ، ثُمَّ تَنْظُرُ إِلَى وَلَدِهَا، فَتُدْرِكُ أَنَّ أَعْظَمَ اسْتِثْمَارٍ لِلْمَالِ هُوَ صِنَاعَةُ الرِّجَالِ. لَمْ تَبْخَلْ عَلَيْهِ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ؛ جَلَبَتْ لَهُ أَعْظَمَ الـمُؤَدِّبِينَ، وَأَلْحَقَتْهُ بِحَلَقَاتِ كِبَارِ التَّابِعِينَ. كَانَ الفَتَى يَنْهَلُ مِنَ العِلْمِ نَهْلَ الـهَيْمِ، حَتَّى بَدَتْ عَلَيْهِ سِيـمَا النَّباهَةِ وَالـجَلالِ وَهُوَ بَعْدُ فِي غَضَارَةِ الشَّبَابِ. لَزِمَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -خَادِمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ- وَجَالَسَ سَعِيدَ بْنَ الـمُسَيِّبِ، وَالقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى صَارَ عَقْلُهُ دِيوَانَاً لِلْحِكْمَةِ، وَلِسَانُهُ يَنْبُوعَاً لِلْبَيَانِ. وَفِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، كَانَ الأَبُ «فَرُّوخُ» يَضْرِبُ فِي فِجَاجِ الأَرْضِ، مَضَتْ عَلَيْهِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً بَعِيدَاً عَنْ دِيَارِهِ، لَا يَعْلَمُ عَنْ أَهْلِهِ خَبَرَاً، وَلَا يَعْلَمُونَ عَنْ حَيَاتِهِ أَثَرَاً، حَتَّى حَنَّ القَلْبُ إِلَى مَسْقَطِ الرَّأْسِ، فَقَرَّرَ الأَوْبَةَ إِلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ.

الجُزْءُ الثَّانِي: عَوْدَةُ الغَائِبِ وَمَلْحَمَةُ الـمِحْرَابِ

وَبَعْدَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حِجَّةً مِنَ التَّرْحَالِ وَالصَّلِيلِ، دَلَفَ «فَرُّوخُ» إِلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ، يَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهِ شَوْقَاً كَادَ يَقُدُّ فُؤَادَهُ. كَانَ رَاكِبَاً فَرَسَهُ، مُتَقَلِّدَاً رُمْحَهُ، قَدْ غَيَّرَتْ مَلَامِحَهُ شَمْسُ الهَجِيرِ وَغُبَارُ الـمَعَارِكِ. وَصَلَ إِلَى بَابِ دَارِهِ، ذَاكَ البَابِ الَّذِي تَرَكَ خَلْفَهُ جَنِينَاً وَزَوْجَةً وَذِكْرَيَاتٍ. لَمْ يَطْرُقِ البَابَ طَرْقَ الغُرَبَاءِ، بَلْ دَفَعَهُ بِرُمْحِهِ دَفْعَةَ صَاحِبِ الـمُلْكِ الـمُدِلِّ بِحَقِّهِ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، خَرَجَ إِلَيْهِ شَابٍّ مَهِيـبٌ، تَعْلُو وَجْهَهُ سَكِينَةُ العُلَمَاءِ وَصَرَامَةُ الأَشْرَافِ؛ إِنَّهُ «رَبِيعَةُ». لَمْ يَعْرِفِ الابْنُ أَبَاهُ، وَلَا الأَبُ وَلَدَهُ. صَاحَ رَبِيعَةُ بِغَضَبٍ:

«يَا عَدُوَّ اللهِ! أَتَهْجُمُ عَلَى مَنْزِلِي، وَتَنْتَهِكُ حُرْمَةَ دَارِي؟!»

فَرَدَّ فَرُّوخٌ وَقَدِ اسْتَشَاطَ غَيْظَاً: «بَلْ أَنْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ مَنْ دَخَلَ عَلَى حُرْمَتِي، وَتَسَلَّلَ إِلَى دَارِي!». تَوَاثَبَ الرَّجُلَانِ، وَتَشَابَكَتِ الأَيْدِي، وَعَلَا الضَّجِيجُ فِي ذَاكَ الزُّقَاقِ الـهَادِئِ. اجْتَمَعَ الـجِيرَانُ عَلَى وَقْعِ الـمُشَاجَرَةِ، وَهَبَّ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَمَشْيَخَةُ الـمَدِينَةِ لِيَنْصُرُوا شَيْخَهُمْ وَإِمَامَهُمْ رَبِيعَةَ. كَانَ فَرُّوخٌ يَصِيحُ: «هِيَ دَارِي!»، وَرَبِيعَةُ يَقُولُ: «وَاللهِ لَا أُفَارِقُكَ إِلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ!». فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الـعَصِيبَةِ، خَرَجَتِ الأُمُّ «سُهَيْلَةُ». نَظَرَتْ، فَتَجَمَّدَتِ الدِّمَاءُ فِي عُرُوقِهَا لَحْظَةً، ثُمَّ انْفَجَرَتْ بَاكِيَةً وَهِيَ تَصِيحُ:

«يَا رَبِيعَةُ! كُفَّ يَدَكَ.. هَذَا أَبُوكَ! يَا فَرُّوخُ! هَذَا ابْنُكَ الَّذِي خَلَّفْتَهُ فِي بَطْنِي!»

سَقَطَ الرُّمْحُ مِنْ يَدِ الفَارِسِ، وَتَهَالَاكَ الرَّجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي أَحْضَانِ الآخَرِ، يَمْزُجَانِ دُمُوعَ النَّدَمِ بِدُمُوعِ الفَرَحِ، فِي مَشْهَدٍ تَرَاقَصَتْ لَهُ جُدْرَانُ الـمَدِينَةِ بَهْجَةً. دَخَلَ فَرُّوخٌ دَارَهُ، وَبَعْدَ أَنْ هَدَأَتِ الأَنْفَاسُ، تَذَكَّرَ الـمَالَ. قَالَ لِزَوْجَتِهِ:

«يَا أُمَّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَعِي أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ أُخْرَى، فَأَخْرِجِي لِيَ الثَّلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ الَّتِي تَرَكْتُهَا عِنْدَكِ لِنَضُمَّ الـمَالَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ».. أَجَابَتْ بِمَكْرِ النِّسَاءِ الصَّالِحَاتِ: «لَقَدْ دَفَنْتُهَا، وَسَأُخْرِجُهَا بَعْدَ أَيَّامٍ.. وَلَكِنْ، اخْرُجْ الآنَ وَصَلِّ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِتَشْكُرَ اللهَ عَلَى الأَوْبَةِ».

خَرَجَ فَرُّوخٌ إِلَى الـمَسْجِدِ، فَرَأَى حَلْقَةً عَظِيمَةً، كَأَنَّهَا الـمُحِيطُ الزَّاخِرُ، لَا يُرَى طَرَفُهَا مِنْ كَثْرَةِ الـخَلْقِ. تَحَلَّقَ فِيهَا الأَشْرَافُ وَالعُلَمَاءُ. كَانَ الـمُتَصَدِّرُ فِيهَا شَابَّاً يَلْبَسُ عِمَامَةً غَالِيَةً، يَنْطِقُ فَيُطْرِبُ، وَيَفْتِي فَيُبْهِرُ. وَقَفَ فَرُّوخٌ مَبْهُوتَاً، وَسَأَلَ أَحَدَ الـجَالِسِينَ: «مَنْ هَذَا الشَّيْخُ؟». قَالُوا لَهُ: «أَوَمَا تَعْرِفُهُ؟ هَذَا رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقِيهُ الـمَدِينَةِ وَإِمَامُهَا». رَجَعَ فَرُّوخٌ إِلَى بَيْتِهِ، وَالدُّمُوعُ تَخُطُّ مَجَارِيَهَا عَلَى لِحْيَتِهِ. دَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ فَقَالَتْ لَهُ: «لَقَدْ رَأَيْتُ وَلَدَكَ فِي حَالَةٍ مَا رَأَيْتُ أَحَدَاً مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَيْهَا، فَأَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، أَمْ هَذَا الـجَاهُ وَالعِلْمُ؟».

فَقَالَ بِيَقِينِ الـمُؤْمِنِ: «لَا وَاللهِ، بَلْ هَذَا!». فَقَالَتْ: «فَإِنِّي قَدْ أَنْفَقْتُ الـمَالَ كُلَّهُ عَلَيْهِ». فَقَالَ: «وَاللهِ مَا ضَيَّعْتِهِ، وَبِاللهِ لَقَدْ رَبِحَ البَيْعُ!».

الجُزْءُ الثَّالِثُ: مَنَارَةُ الفُتْيَا وَسُلْطَانُ الرَّأْيِ

اسْتَوَى «رَبِيعَةُ» عَلَى عَرْشِ العِلْمِ فِي الـمَدِينَةِ، فَكَانَ لِقَلْبِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ نَبْضَاً، وَلِمَحَارِيبِهِ نُورَاً. لَمْ يَكُنْ عِلْمُهُ مُجَرَّدَ سُطُورٍ تُحْفَظُ، بَلْ كَانَ فَهْمَاً يَتَفَجَّرُ، وَعَقْلَاً يَصُوغُ مِنَ النُّصُوصِ حُلَلَاً مِنَ الـجَمَالِ الفِقْهِيِّ. هُنَاكَ، تَحْتَ تِلْكَ القِبَابِ السَّكِينَةِ، انْعَقَدَتْ لَهُ حَلْقَةٌ لَا يُشْبِهُهَا فِي مَهَابَتِهَا مَجْلِسٌ؛ فَقَدْ كَانَ يُحْصَى فِي مَجْلِسِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلَاً مِنَ العُلَمَاءِ الـمُعْتَمِّينَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ جَبَلٌ فِي الفَضْلِ، لَكِنَّهُمْ أَمأَمَ رَبِيعَةَ كَانُوا كَالنُّجُومِ فِي حَضْرَةِ البَدْرِ.

لُقِّبَ بِـ «رَبِيعَةِ الرَّأْيِ»، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِقِلَّةِ بِضَاعَتِهِ مِنَ الحَدِيثِ، مَعَاذَ اللهِ! بَلْ لِأَنَّ اللهَ رَزَقَهُ فِطْنَةً نَادِرَةً، وَقُدْرَةً عَلَى اسْتِنْبَاطِ الـمَكْنُونِ مِنَ الأَحْكَامِ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ. كَانَ «ابْنُ الـمَاجِشُونِ» يَقُولُ عَنْهُ بِيَقِينٍ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدَاً أَحْفَظَ لِسُنَّةٍ مِنْ رَبِيعَةَ»، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَشَيَّدَ بِرَأْيِهِ صَرْحَاً لَا يَزِيغُ عَنِ الـجَادَّةِ. وَمِنْ أَعْجبِ مَشَاهِدِ الـجَلَالِ فِي سِيرَتِهِ، ذَاكَ اللَّقَاءُ الفَرِيدُ الَّذِي جَمَعَهُ بِإِمَامِ الحَدِيثِ «ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ». قَدِمَ الزُّهْرِيُّ الـمَدِينَةَ، فَأَخَذَ بِيَدِ رَبِيعَةَ، وَدَخَلَا بَيْتَ الدِّيوَانِ، فَانْغَلَقَ عَلَيْهِمَا البَابُ لَا يَسْمَعُ النَّاسُ إِلَّا تَرَدُّدَ أَنْفَاسِ العِلْمِ. مَا خَرَجَا إِلَّا مَعَ صَلَاةِ العَصْرِ، خَرَجَ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ يَهْتِفُ مَأْخُوذَاً: «مَا ظَنَنْتُ أَنَّ بِالمَدِينَةِ مِثْلَ رَبِيعَةَ!»، وَخَرَجَ رَبِيعَةُ وَهُوَ يَقُولُ فِي دَهْشَةٍ: «مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدَاً بَلَغَ مِنَ العِلْمِ مَا بَلَغَ ابْنُ شِهَابٍ!».

وَلَمْ يَقْتَصِرْ أَثَرُهُ عَلَى الأَقْرَانِ، بَلْ امْتَدَّ لِيَصْنَعَ أَعْظَمَ عَقْلِيَّةٍ فِقْهِيَّةٍ فِي تَارِيخِ الإِسْلَامِ؛ «مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ». كَانَتْ أُمُّ مَالِكٍ تُلْبِسُ ابْنَهَا ثِيَابَهُ وَتُعَمِّمُهُ وَهِيَ تَقُولُ لَهُ:

«يَا بُنَيَّ، ائْتِ مَجْلِسَ رَبِيعَةَ، فَتَعَلَّمْ مِنْ أَدَبِهِ وَسَمْتِهِ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ مِنْ عِلْمِهِ وَحَدِيثِهِ».

فَكَانَ رَبِيعَةُ هُوَ الصَّيْقَلَ الَّذِي جَلَا مَوْهِبَةَ مَالِكٍ، وَالـمُعَلِّمَ الَّذِي غَرَسَ فِيهِ حَلَاوَةَ الفِقْهِ، حَتَّى بَكَاهُ مَالِكٌ يَوْمَ رَحَلَ قَائِلَاً بِلَوْعَةٍ: «ذَهَبَتْ حَلَاوَةُ الفِقْهِ مُنْذُ مَاتَ رَبِيعَةُ». كَانَ رَبِيعَةُ يَرَى العِلْمَ أَمَانَةً ثَقِيلَةً، وَكَانَ دَائِمَ التَّحْذِيرِ مِنْ جُرْأَةِ الجُهَّالِ عَلَى الفُتْيَا. رُؤِيَ يَوْمَاً يَبْكِي بُكَاءً مُرَّاً، فَقِيلَ لَهُ: «أَمُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِكَ؟»، فَقَالَ وَقَلْبُهُ يَعْتَصِرُ: «لَا، وَلَكِنْ اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ، وَظَهَرَ فِي الإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ!».

الجُزْءُ الرَّابِعُ: مَمْلَكَةُ السَّخَاءِ وَتَرَفُّعُ الأَوْلِيَاءِ

لَمْ يَكُنْ «رَبِيعَةُ» -رَحِمَهُ اللهُ- عَقْلًا مَحْضًا يَفِيضُ بِالفِقْهِ، بَلْ كَانَ قَلْبًا يَخْفِقُ بِالنُّبْلِ، وَيَدًا تَمْتَدُّ بِالسَّخَاءِ حَتَّى كَأَنَّهُ الـغَيْثُ إِذَا هَمَى. يُرْوَى عَنْ مَعْدِنِ كَرَمِهِ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى إِخْوَانِهِ وَطُلَّابِهِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ؛ وَهُوَ مَبْلَغٌ لَوْ شِيعَ بَيْنَ النَّاسِ لَأَغْنَاهُمْ، لَكِنَّهُ نَثَرَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَرِعَايَةِ أَهْلِ العِلْمِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي يَدِهِ، لَمْ يَنْكَفِئْ عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ جَعَلَ يَسْأَلُ إِخْوَانَهُ الـمَيَاسِيرَ لِيُعْطِيَ إِخْوَانَهُ الـمَعَاسِيرَ، مُبْتَغِيًا بِذَلِكَ جَاهَهُ عِنْدَ اللهِ لَا عِنْدَ البَشَرِ.

وَكَانَ مِنْ غَرِيبِ شَأْنِهِ فِي السَّفَرِ أَنَّهُ يَأْبَى صُحْبَةَ أَحَدٍ إِلَّا رَجُلًا لَا زَادَ مَعَهُ وَلَا مَتَاعَ؛ لِيَكُونَ هُوَ العَائِلَ لَهُ، وَالـمُنْفِقَ عَلَيْهِ، كَرَاهِيَةَ أَنَّ يَمُنَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ. وَإِذَا نَزَلَ بِهِ الـمَرَضُ، لَمْ يَنْقَطِعْ جُودُهُ، بَلْ كَانَ يَأْمُرُ بِوَضْعِ الـمَائِدَةِ لِعُوَّادِهِ وَزَائِرِيهِ، فَلَا تَزَالُ مَنْصُوبَةً بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ، يَقُولُ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ: «أَصِيبُوا.. أَصِيبُوا». أَمَّا مَوْقِفُهُ مِنَ الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا، فَقَدْ كَانَ مَوْقِفَ الشَّامِخِ؛ قَدِمَ عَلَى أَمِيرِ الـمُؤْمِنِينَ «أَبِي العَبَّاسِ السَّفَّاحِ»، فَأَرَادَ الـخَلِيفَةُ أَنْ يُكْرِمَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِجَارِيَةٍ حَسْنَاءَ، فَأَبَى رَبِيعَةُ قَبُولَهَا. فَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ لِيَشْتَرِيَ بِهَا جَارِيَةً، فَلَمْ تَمْتَدَّ يَدُهُ إِلَيْهَا.

وَلَمَّا أَرَادَ الخَلِيفَةُ أَنْ يَغُلَّ عُنُقَهُ بِأَغْلَالِ القَضَاءِ، فَرَّ رَبِيعَةُ مِنْ ذَلِكَ الـمَنْصِبِ فِرَارَهُ مِنَ الـمَنِيَّةِ؛ إِذْ كَانَ يَرَى القَضَاءَ جَمْرًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ. وَحِينَ سُئِلَ عَنْ تَرْكِهِ لِلرِّوَايَةِ وَتَصَدُّرِهِ لِلرَّأْيِ، قَالَ كَلِمَتَهُ الـخَالِدَةَ الَّتِي تَكْشِفُ عَنْ بَصِيرَتِهِ: «تَقَادَمَ الزَّمَانُ، وَقَلَّ أَهْلُ القَنَاعَةِ». لَقَدْ كَانَ رَبِيعَةُ يَعِيشُ لِلْمَبْدَأِ لَا لِلْمَنْصِبِ، وَلِلآخِرَةِ لَا لِلْمَفَاخِرِ. كَانَ يَلْبَسُ الـخَزَّ وَالعَمَائِمَ الـجَمِيلَةَ، لَا لِلفَخْرِ، بَلْ لِيُعِزَّ العِلْمَ فِي عُيُونِ الخَلْقِ، وَيَقُولُ: «العِلْمُ وَسِيلَةٌ إِلَى كُلِّ فَضِيلَةٍ».

الجُزْءُ الخَامِسُ: غُرُوبُ الشَّمْسِ وَوَدَاعُ الإِمَامِ

وَلَمَّا دَنَا الـرَّحِيلُ، وَآذَنَتْ شَمْسُ ذَاكَ العُمْرِ الـمُبَارَكِ بِالـمَغِيبِ، دَخَلَ عَلَيْهِ تِلْميذُهُ «عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ» وَهُوَ فِي سِيَاقِ الـمَرَضِ، فَقَالَ لَهُ التِّلْمِيذُ: «يَا أَبَا عُثْمَانَ، إِنَّا قَدْ تَعَلَّمْنَا مِنْكَ، وَرُبَّمَا جَاءَنَا مَنْ يَسْتَفْتِينَا، فَنَرَى أَنَّ رَأْيَنَا لَهُ خَيْرٌ مِنْ رأْيِهِ لِنَفْسِهِ، فَنُفْتِيهِ؟». فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، انْتَفَضَ الإِمَامُ رَغْمَ أَلَمِهِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ هَيْبَةَ الوَدَاعِ: «أَجْلِسُونِي!». فَلَمَّا اسْتَوى جَالِسًا، نَظَرَ فِي عَيْنَيْ صَاحِبِهِ وَقَالَ:

«وَيْحَكَ يَا عَبْدَ العَزِيزِ! لَأَنْ تَمُوتَ جَاهِلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَقُولَ فِي شَيْءٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ.. لَا، لَا، لَا!».

رَدَّدَهَا ثَلَاثًا كَأَنَّهَا نَوَاقِيسُ تُحَذِّرُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ مَزَالِقِ الكَلَامِ فِي دِينِ اللهِ بِلَا بَصِيرَةٍ. وَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ، تَرَجَّلَ الفَارِسُ عَنْ صَهْوَةِ الدُّنْيَا. قِيلَ إِنَّهُ رَحَلَ فِي الـمَدِينَةِ الَّتِي أَحَبَّهَا، وَقِيلَ بَلْ فِي أَرْضِ الأَنْبَارِ بِالعِرَاقِ حِينَ اسْتَقْدَمَهُ الـمَنْصُورُ. سَكَنَ ذَاكَ اللَّسَنُ، وَهَدَأَ ذَاكَ العَقْلُ الـجَبَّارُ، وَخَلَفَ وَرَاءَهُ فَرَاغًا لَا يَمْلَؤُهُ إِلَّا نُورُ عِلْمِهِ الَّذِي بَقِيَ مَشْعَلًا لِلْأَجْيَالِ. حِينَ بَلَغَ النَّعْيُ تِلْمِيذَهُ النَّجِيبَ «مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ»، اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، وَقَالَ كَلِمَتَهُ الَّتِي سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ:

«ذَهَبَتْ حَلَاوَةُ الفِقْهِ مُنْذُ مَاتَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ».

فَسَلَامٌ عَلَى رَبِيعَةَ فِي الخَالِدِينَ، رَجُلًا صَنَعَ الرَّأْيَ بِالتَّقْوَى، وَشَيَّدَ الفِقْهَ بِالـمُرُوءَةِ.


قَائِمَةُ الـمَصَادِرِ وَالـمَرَاجِعِ

  • مَصْدَرُ (1): كِتَابُ «حَيَاةُ التَّابِعِينَ» (ص 1720 - 1726).
  • مَصْدَرُ (2): بَحْثُ «رَبِيعَةُ الرَّأْيِ شَيْخُ الإِمَامِ مَالِكٍ وَمُفْتِي الـمَدِينَةِ».
  • مَصْدَرُ (3): بَحْثُ «رَبِيعَةُ الرَّأْيِ (ت 136 هـ)» لِلْبَاحِثِ نَصَّار نَصَّار.
  • مَصْدَرُ (4): كِتَابُ «الطَّبَقَاتُ الكُبْرَى» لِابْنِ سَعْدٍ (تَرْجَمَةُ رَبِيعَةَ الرَّأْيِ).
  • مَصْدَرُ (5): مَقَالُ «أُمُّ رَبِيعَةِ الرَّأْيِ.. أَنْفَقَتْ أَمْوَالَهَا لِتَعْلِيمِ وَلَدِهَا».
  • مَصْدَرُ (6): بَحْثُ «تَفَاصِيلُ حَدَثِ وَفَاةِ رَبِيعَةِ الرَّأْيِ».
  • مَصْدَرُ (7): كِتَابُ «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» لِلإِمَامِ الذَّهَبِيِّ، وَ«طَبَقَاتُ الحُفَّاظِ» لِلسُّيُوطِيِّ، وَ«طَبَقَاتُ الفُقَهَاءِ» لِلشِّيرَازِيِّ.
author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX