recent
آخر القصص

قصة صبر أبو قلابة الجرمي: أعظم حكاية عن الرضا بالقدر والابتلاء في التاريخ

نستعرض معكم أعجب قصص الصبر في التاريخ؛ قصة الصحابي الجليل أبو قلابة الجرمي الذي اجتمع عليه فقد الأطراف والبصر والسمع وفقد الولد، فما زاد على أن حمد الله بقلب راضٍ ولسان ذاكر. نروي تفاصيل لقائه بعبد الله بن محمد في عريش مصر، وكيف كافأه الله بجنة عرضها السماوات والأرض. نص كامل يرسخ معاني اليقين والرضا بالقضاء والقدر.
🔊

أُعجوبة الصبر والرضا: قصة العابد الصابر أبو قلابة الجرمي

هَلْ تَسَاءَلْتُمْ يَوْمًا.. مَا هُوَ السِّرُّ العَجِيبُ الَّذِي يَجْعَلُ بَعْضَ القُلُوبِ تَبْتَسِمُ بِرِضًا، وَإِنْ بَكَتْ فِيهَا كُلُّ الجَوَارِحِ مِنْ مَرَارَةِ الأَلَمِ؟!

فِي مَحَطَّاتِ هَذِهِ الحَيَاةِ الفَانِيَةِ، قَدْ تَعْصِفُ بِنَا رِيَاحُ الِابْتِلَاءِ، فَتَسْلُبُنَا صِحَّةً، أَوْ مَالًا، أَوْ حَبِيبًا.. نَحْنُ نُبْتَلَى فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لِنُهَذَّبَ لَا لِنُعَذَّبَ! وَقَدْ خَبَّأَ الرَّحْمَنُ فِي طَيَّاتِ تِلْكَ المِحَنِ المُرَّةِ مِنْحَةً عَظِيمَةً لِعِبَادِهِ، وَجَعَلَ "الصَّبْرَ" مِفْتَاحًا سِحْرِيًّا يُحَوِّلُ جَمْرَ الفَجِيعَةِ إِلَى بَرْدٍ وَسَلَامٍ.

إِنَّ الصَّبْرَ عَلَى البَلَاءِ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تُلَاكُ بِالأَلْسِنَةِ عِنْدَ المُصَابِ، بَلْ هُوَ جَبَلٌ أَشَمُّ تَتَحَطَّمُ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ اليَأْسِ، وَهُوَ بَابٌ مِنْ أَبْوابِ الجَنَّةِ الخَفِيَّةِ، لَا يَلِجُهُ إِلَّا مَنْ ذَاقَ مَرَارَةَ القَضَاءِ فَقَالَ مِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِهِ المَكْسُورِ: "رَضِيتُ يَا رَبِّ.. فَبِئْسَتِ الدُّنْيَا وَنِعْمَ الجَزَاءُ عِنْدَكَ!".

وَاليَوْمَ.. لَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنِ الصَّبْرِ تَنْظِيرًا مِنَ الكُتُبِ، بَلْ سَأَضَعُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أُعْجُوبَةً مِنْ أَعَاجِيبِ الزَّمَانِ، حِكَايَةً لَوْ وُزِنَتْ بِمَصَائِبِ البَشَرِ جَمِيعًا لَطَاشَتْ بِهَا.. فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِتَرَوْا كَيْفَ يَتَحَوَّلُ أَعْظَمُ بَلَاءٍ فِي الأَرْضِ، إِلَى أَعْظَمِ نَعِيمٍ فِي السَّمَاءِ؟ اسْتَمِعُوا مَعِي بِقُلُوبِكُمْ إِلَى هَذِهِ العَظَمَةِ...

الجُزْءُ الأَوَّلُ: خَيْمَةٌ فِي العَرَاءِ، وَلِسَانٌ يُعَانِقُ السَّمَاءَ

فِي تِلْكَ الأَيَّامِ الخَوَالِي، حَيْثُ تَتَعَانَقُ أَمْوَاجُ البَحْرِ الهَادِرَةِ مَعَ صَمْتِ الصَّحْرَاءِ المُطْبِقِ، خَرَجَ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ" مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَلْتَمِسُ الأَجْرَ مَنْ مَنَابِعِهِ، وَيَحْرُسُ ثُغُورَ المُسْلِمِينَ بِيَقَظَةِ المُؤْمِنِ. وَكَانَ مَقَرُّ رِبَاطِهِ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ "عَرِيشِ مِصْرَ"، تِلْكَ البِقَاعُ الَّتِي تَتَنَفَّسُ عَبَقَ الرِّبَاطِ وَالطَّاعَةِ.

وَبَيْنَمَا هُوَ يَسِّيرُ يَتَفَقَّدُ السَّاحِلَ المُتَرَامِيَ الأَطْرَافِ، انْتَهَى بِهِ المَسِيرُ إِلَى "بَطِيحَةٍ"؛ وَهِيَ أَرْضٌ مُنْبَسِطَةٌ قَدْ غَمَرَتْهَا مِيَاهُ السُّيُولِ ثُمَّ انْحَسَرَتْ عَنْهَا، فَإِذَا بِهِ يَلْمَحُ مِنْ بَعِيدٍ خَيْمَةً بَالِيَةً، تَضْرِبُهَا أَطْرَافُ الرِّيَاحِ وَتَلْفَحُهَا شَمْسُ الظَّهِيرَةِ، قَدْ نُصِبَتْ فِي عُزْلَةٍ مُوحِشَةٍ، بَعِيدًا عَنْ صَخَبِ الحَيَاةِ وَأُنْسِ البَشَرِ.

دَفَعَهُ الفُضُولُ، وَقَادَهُ حَادِي الاِسْتِطْلَاعِ لِيَقْتَرِبَ مِنْ تِلْكَ الخَيْمَةِ اليَتِيمَةِ فِي ذَلِكَ القَفْرِ، لِيَسْتَجْلِيَ خَبَرَهَا وَيَعْرِفَ سِرَّهَا. فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا، وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مَشْهَدٍ تَقْشَعِرُّ لَهُ الأَبْدَانُ، وَتَنْفَطِرُ لَهُ القُلُوبُ رَحْمَةً وَعَجَبًا؛ قُبَالَتَهُ رَجُلٌ قَدْ نَالَتْ مِنْهُ صُرُوفُ الدَّهْرِ مَنَالًا عَظِيمًا. رَجُلٌ بُتِرَتْ يَدَاهُ وَقُطِعَتْ رِجْلَاهُ، فَصَارَ جِذْعًا بِلَا أَطْرَافٍ، لَا يَقْوَى عَلَى حَرَاكٍ أَوْ دَفْعِ أَذًى، وَقَدْ غَشِيَ بَصَرَهُ سَحَابُ العَمَى فَانْطَفَأَ نُورُ عَيْنَيْهِ، وَثَقُلَ سَمْعُهُ حَتَّى كَادَ تَنْقَطِعُ صِلَتُهُ بِأَصْوَاتِ العَالَمِينَ. لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ جَوَارِحِهِ الَّتِي تَنْفَعُهُ شَيْءٌ... إِلَّا مُضْغَةً وَاحِدَةً، نَبَضَتْ بِالحَيَاةِ، وَأَشْرَقَتْ بِنُورِ الإِيمَانِ؛ "لِسَانُهُ".

وَقَفَ عَبْدُ اللَّهِ مَذْهُولًا، يَحْبِسُ أَنْفَاسَهُ، وَهُوَ يَسْمَعُ صَوْتًا خَافِتًا يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ شَفَتَيْ ذَلِكَ الرَّجُلِ المُبْتَلَى، كَأَنَّهُ تَرْتِيلُ مَلَاكٍ هَبَطَ مِنَ السَّمَاءِ. كَانَ يَلْهَجُ بِالدُّعَاءِ، قَائِلًا بِيَقِينٍ يَهُزُّ رَوَاسِيَ الجِبَالِ:

"اللَّهُمَّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَحْمَدَكَ حَمْدًا أُكَافِئُ بِهِ شُكْرَ نِعْمَتِكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ، وَفَضَّلْتَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْتَ تَفْضِيلًا".

تَسَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ فِي مَكَانِهِ، وَقَدْ عَصَفَتْ بِهِ حَيْرَةٌ بَالِغَةٌ وَعَجَبٌ لَا يَنْقَضِي. جَالَتْ بِخَاطِرِهِ التَّسَاؤُلَاتُ تَتْرَى: أَيُّ نِعْمَةٍ هَذِهِ الَّتِي يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْهَا بِكُلِّ هَذَا الشَّغَفِ؟ وَأَيُّ فَضْلٍ هَذَا الَّذِي يَرَى نَفْسَهُ قَدْ خُصَّ بِهِ دُونَ العَالَمِينَ؟ وَهُوَ الَّذِي سُلِبَ الأَطْرَافَ، وَفَقَدَ السَّمْعَ وَالإِبْصَارَ، وَأُلْقِيَ فِي فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ! قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ مُقْسِمًا: "وَاللَّهِ لَآتِيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ، وَلَأَسْأَلَنَّهُ؛ أَنَّى لَهُ هَذَا الكَلَامُ المُعْجِزُ؟ أَهُوَ فَهْمٌ بَصُرَ بِهِ؟ أَمْ عِلْمٌ غَزِيرٌ حَوَاهُ صَدْرُهُ؟ أَمْ هُوَ إِلْهَامٌ رَبَّانِيٌّ قُذِفَ فِي قَلْبِهِ؟!".

تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بِخُطًى مُثْقَلَةٍ بِالهَيْبَةِ وَالإِجْلَالِ، حَتَّى دَخَلَ الخَيْمَةَ، فَأَلْقَى السَّلَامَ عَلَى الرَّجُلِ بِصَوْتٍ يَشُوبُهُ التَّأَثُّرُ وَالخُشُوعُ. ثُمَّ بَادَرَهُ بِالسُّؤَالِ قَائِلًا: "أَيُّهَا الرَّجُلُ، لَقَدْ سَمِعْتُكَ مُنْذُ حِينٍ وَأَنْتَ تُنَاجِي رَبَّكَ فَتَقُولُ: (اللَّهُمَّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَحْمَدَكَ حَمْدًا أُكَافِئُ بِهِ شُكْرَ نِعْمَتِكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ، وَفَضَّلْتَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْتَ تَفْضِيلًا)... بِاللَّهِ عَلَيْكَ أَخْبِرْنِي؛ فَأَيُّ نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكَ تَحْمَدُهُ عَلَيْهَا فِي هَذَا الحَالِ الَّذِي أَرَى؟ وَأَيُّ فَضِيلَةٍ تَفَضَّلَ بِهَا عَلَيْكَ حَتَّى تَشْكُرَهُ عَلَيْهَا هَذَا الشُّكْرَ العَظِيمَ؟!".

الجُزْءُ الثَّانِي: بَيْنَ نَارِ الفَجِيعَةِ وَبَرْدِ الحِكْمَةِ

فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ – بَعْدَمَا وَقَرَ فِي سَمْعِهِ الثَّقِيلِ صَدَى السُّؤَالِ – بِوَجْهٍ تَكْسُوهُ سَكِينَةُ الرِّضَا، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ تَفِيضُ يَقِينًا تَسْتَصْغِرُ أَمَامَهُ جِبَالُ الأَرْضِ، وَكَأَنَّهُ يَغْرِفُ مِنْ بَحْرِ نُورٍ لَا يَنْضَبُ: (وَمَا تَرَى مَا صَنَعَ رَبِّي؟! وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَوْ أَرْسَلَ السَّمَاءَ عَلَيَّ نَارًا فَأَحْرَقَتْنِي، وَأَمَرَ الجِبَالَ الرَّوَاسِيَ فَدَمَّرَتْنِي، وَأَمَرَ البِحَارَ اللُّجِّيَّةَ فَغَرَّقَتْنِي، وَأَمَرَ الأَرْضَ فَانْشَقَّتْ فَبَلَعَتْنِي... مَا ازْدَدْتُ لِرَبِّي إِلَّا حُبًّا وَشُكْرًا؛ لِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ مِنْ لِسَانِي هَذَا الَّذِي يَلْهَجُ بِذِكْرِهِ، وَيَتَذَوَّقُ حَلَاوَةَ مُنَاجَاتِهِ!).

سَكَتَ الرَّجُلُ بُرْهَةً يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ، ثُمَّ أَرْدَفَ بِصَوْتٍ تَمْزُجُهُ شَفَقَةُ الحَاجَةِ وَذُلُّ الِافْتِقَارِ البَشَرِيِّ: (وَلَكِنْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِذْ سَاقَكَ اللَّهُ إِلَيَّ فِي هَذِهِ القَفْرَاءِ، فَإِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قَدْ تَرَانِي عَلَى أَيِّ حَالَةٍ أَنَا؛ حَبِيسُ جَسَدِي، لَا أَقْدِرُ لِنَفْسِي عَلَى دَفْعِ ضُرٍّ وَلَا جَلْبِ نَفْعٍ. وَلَقَدْ كَانَ لِي بُنَيٌّ قُرَّةُ عَيْنٍ، يَتَعَاهَدُنِي بِالبِرِّ، يُوَضِّئُنِي إِذَا حَانَ وَقْتُ صَلَاتِي، وَيُطْعِمُنِي إِذَا عَضَّنِي الجُوعُ، وَيَسْقِينِي إِذَا أَلْهَبَنِي العَطَشُ... وَلَقَدْ فَقَدْتُهُ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَقَعْ لِي لَهُ عَلَى أَثَرٍ، فَارْحَمْ ضَعْفِي، وَتَحَسَّسْهُ لِي رَحِمَكَ اللَّهُ).

رَقَّ قَلْبُ عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى كَادَ يَقْطُرُ دَمْعًا مِنْ فَرْطِ الشَّفَقَةِ، وَهَبَّ مِنْ مَجْلِسِهِ مُلَبِّيًا النِّدَاءَ، قَائِلًا بِمُرُوءَةِ المُسْلِمِ الشَّهْمِ: (وَاللَّهِ مَا مَشَى خَلْقٌ فِي حَاجَةِ خَلْقٍ كَانَ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ أَجْرًا مِمَّنْ يَمْشِي فِي حَاجَةِ مُبْتَلًى مِثْلِكَ!). وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ سَرِيعًا يَشُقُّ رِمَالَ الصَّحْرَاءِ، وَيَقْتَفِي الأَثَرَ فِي طَلَبِ الغُلَامِ. لَمْ يَمْضِ بَعِيدًا، حَتَّى تَوَارَى بَيْنَ كُثْبَانٍ مِنَ الرَّمْلِ قَدْ لَفَحَتْهَا الشَّمْسُ بِسِيَاطِهَا الحَارِقَةِ، فَإِذَا بِهِ يَقِفُ عَلَى مَشْهَدٍ مَهُولٍ يَخْطِفُ الرُّوحَ وَيُدْمِي المُقَلَ! لَقَدْ وَجَدَ الغُلَامَ جُثَّةً مُمَزَّقَةً، قَدِ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ ضَارٍ، فَنَهَشَ لَحْمَهُ وَفَرَّقَ أَشْلَاءَهُ بَيْنَ الرِّمَالِ.

تَسَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ مَفْجُوعًا لِهَوْلِ المَنْظَرِ، وَشَخَصَ بَصَرُهُ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ يَسْتَرْجِعُ قَائِلًا: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). ثُمَّ جَلَسَ عَلَى الرَّمْلِ وَقَدْ هَدَّهُ المُصَابُ كَأَنَّمَا فَقَدَ وَلَدَهُ هُوَ، يُحَدِّثُ نَفْسَهُ المَكْلُومَةَ بَيْنَ حَيْرَةٍ وَأَلَمٍ: (يَا وَيْحِي! أَنَّى لِي وَجْهٌ رَقِيقٌ وَلِسَانٌ شَفِيقٌ آتِي بِهِمْا هَذَا الرَّجُلَ المُبْتَلَى؟! كَيْفَ أَزُفُّ إِلَيْهِ نَبَأَ مَقْتَلِ عُكَّازِهِ الَّذِي يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ؟! هُوَ بِلَا يَدٍ وَلَا رِجْلٍ وَلَا بَصَرٍ، وَالآنَ يُفْجَعُ فِي وَلَدِهِ وَكُلِّ مَا يَمْلِكُ!). وَبَيْنَمَا هُوَ مُقْبِلٌ نَحْوَ الخَيْمَةِ، أَشْرَقَتْ فِي زَوَايَا قَلْبِهِ نَفْحَةٌ حِكْمَةٍ رَبَّانِيَّةٍ، فَخَطَرَ عَلَى بَالِهِ ذِكْرُ نَبِيِّ اللَّهِ "أَيُّوبَ" عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا نَزَلَ بِهِ مِنَ البَلَاءِ المُرَوِّعِ فَصَبَرَ.

فَلَمَّا أَتَى الخَيْمَةَ، وَدَخَلَ عَلَى الصَّابِرِ المُحْتَسِبِ، أَلْقَى السَّلَامَ، فَرَدَّ الرَّجُلُ بِحِسِّهِ المُرْهَفِ وَقَدْ عَرَفَ وَطْأَتَهُ، وَبَادَرَهُ بِقَلْبٍ أَبَوِيٍّ يَخْفِقُ لَهْفَةً: (أَلَسْتَ بِصَاحِبِي الَّذِي خَرَجَ فِي طَلَبِ وَلَدِي؟). قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ يَتَسَتَّرُ خَلْفَ ثُبَاتٍ مُصْطَنَعٍ: (بَلَى...). فَقَالَ الرَّجُلُ وَرُوحُهُ مُعَلَّقَةٌ بِشَفَتَيْ مُحَدِّثِهِ: (فَمَاذَا فَعَلْتَ فِي حَاجَتِي؟!).

الجُزْءُ الثَّالِثُ: دَرْسُ أَيُّوبَ وَارْتِقَاءُ الرُّوحِ المُطْمَئِنَّةِ

لَمْ يُجِبْ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ سُؤَالِ الرَّجُلِ إِجَابَةً مُبَاشِرَةً، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَسْكُبَ المَاءَ البَارِدَ عَلَى قَلْبِهِ قَبْلَ أَنْ تَحْرِقَهُ نَارُ الخَبَرِ، فَجَلَسَ بِقُرْبِهِ، وَقَالَ بِنَبْرَةِ الحَكِيمِ المُشْفِقِ: (يَا هَذَا، أَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَمْ أَيُّوبُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟). فَأَجَابَ الرَّجُلُ بِلَا تَرَدُّدٍ: (بَلْ أَيُّوبُ النَّبِيُّ، هُوَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ). فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: (فَهَلْ عَلِمْتَ مَا صَنَعَ بِهِ رَبُّهُ؟ أَلَيْسَ قَدِ ابْتَلَاهُ بِمَالِهِ وَآلِهِ وَوَلَدِهِ فَاخْتَبَرَهُ فِي أَعَزِّ مَا يَمْلِكُ؟). قَالَ الرَّجُلُ بِيَقِينٍ: (بَلَى، قَدْ عَلِمْتُ). فَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ: (فَكَيْفَ وَجَدَهُ رَبُّهُ فِي ذَلِكَ البَلَاءِ المُمِضِّ؟). أَجَابَ مُتَهَلِّلًا بِنُورِ الرِّضَا: (وَجَدَهُ صَابِرًا شَاكِرًا حَامِدًا).

وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَشُدَّ وِثَاقَ يَقِينِهِ أَكْثَرَ، فَقَالَ: (لَمْ يَرْضَ مِنْهُ ذَلِكَ حَتَّى أَوْحَشَهُ مِنْ أَقْرِبَائِهِ وَأَحِبَّائِهِ، فَتَرَكُوهُ وَحِيدًا طَرِيدًا؟). قَالَ الصَّابِرُ: (نَعَمْ). قَالَ: (فَكَيْفَ وَجَدَهُ رَبُّهُ بَعْدَ هَذِهِ الوَحْشَةِ؟). أَجَابَ الرَّجُلُ بِذَاتِ الثَّبَاتِ: (وَجَدَهُ صَابِرًا شَاكِرًا حَامِدًا). فَوَاصَلَ عَبْدُ اللَّهِ كَأَنَّهُ يَطْرُقُ عَلَى حَدِيدٍ لِيُصَلِّبَهُ: (فَلَمْ يَرْضَ مِنْهُ بِذَلِكَ حَتَّى صَيَّرَهُ عَرَضًا لِمَارِّ الطَّرِيقِ، مَنْبُوذًا لَا يَأْوِيهِ مَقَامٌ.. هَلْ عَلِمْتَ؟). قَالَ: (نَعَمْ). قَالَ: (فَكَيْفَ وَجَدَهُ رَبُّهُ بَعْدَ كُلِّ هَذَا؟). هُنَا، شَعَرَ الرَّجُلُ أَنَّ مُقَدِّمَاتِ الكَلَامِ قَدْ بَلَغَتْ غَايَتَهَا، فَقَالَ بِصَوْتٍ يَعْتَصِرُهُ الشَّوْقُ: (صَابِرًا شَاكِرًا حَامِدًا... أَوْجِزْ رَحِمَكَ اللَّهُ، هَاتِ مَا عِنْدَكَ!).

تَنَهَّدَ عَبْدُ اللَّهِ تَنَهُّدًا عَمِيقًا وَقَالَ بِنَبْرَةٍ تَقْطُرُ حُزْنًا وَأَسًى: (إِنَّ الغُلَامَ الَّذِي أَرْسَلْتَنِي فِي طَلَبِهِ.. قَدْ وَجَدْتُهُ بَيْنَ كُثْبَانِ الرَّمْلِ.. وَقَدِ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ غَادِرٌ فَأَكَلَ لَحْمَهُ وَمَزَّقَهُ.. فَأَعْظَمَ اللَّهُ لَكَ الأَجْرَ فِي مُصَابِكَ، وَأَلْهَمَ قَلْبَكَ الصَّبْرَ وَالسُّلْوَانَ).

وَقَعَتِ الكَلِمَاتُ كَالصَّاعِقَةِ، لَكِنْ لَيْسَ عَلَى قَلْبٍ غَافِلٍ، بَلْ عَلَى جَبَلٍ أَشَمَّ مِنَ الإِيمَانِ. لَمْ يَجْزَعِ الرَّجُلُ، وَلَمْ يَلْطِمْ خَدًّا وَلَمْ يَشُقَّ جَيْبًا، بَلْ رَفَعَ رَأْسَهُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ عَنَانَ السَّمَاءِ، وَنَطَقَ بِكَلِمَاتٍ تُخَلَّدُ بِمَدَادٍ مِنْ ذَهَبٍ: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَخْلُقْ مِنْ ذُرِّيَّتِي خَلْقًا يَعْصِيهِ، فَيُعَذِّبَهُ بِالنَّارِ!).

ثُمَّ اسْتَرْجَعَ قَائِلًا: (إِنَّ لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).. وَمَا هِيَ إِلَّا لَحْظَةٌ، حَتَّى شَهِقَ شَهْقَةً طَوِيلَةً.. شَهْقَةً خَرَجَتْ مَعَهَا رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ المُتْعَبَةُ مِنْ سِجْنِ ذَلِكَ الجَسَدِ المُبْتَلَى، لِتُحَلِّقَ فِي مَلَكوتِ رَبِّهَا رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. مَاتَ الرَّجُلُ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ لِبَارِئِهَا! وَقَفَ عَبْدُ اللَّهِ مَشْدُوهًا مَكْسُورًا أَمَامَ هَذَا الجُثْمَانِ الهَامِدِ، فَقَدْ جَاءَهُ لِيُخَفِّفَ عَنْهُ فَصَارَ مَسْؤُولًا عَنْ دَفْنِهِ. صَرَخَ فِي نَفْسِهِ بِلَوْعَةٍ: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! عَظُمَتْ وَاللَّهِ مُصِيبَتِي! هَذَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ.. إِنْ تَرَكْتُهُ فِي هَذَا العَرَاءِ، أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ كَمَا أَكَلَتْ وَلَدَهُ!). مَدَّ عَبْدُ اللَّهِ يَدَهُ المُرْتَجِفَةَ، وَسَجَّى جُثْمَانَ الرَّجُلِ الطَّاهِرَ بِشَمْلَةٍ بَالِيَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، سَتَرَ بِهَا وَجْهَهُ وَجَسَدَهُ. ثُمَّ قَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَأَرْسَلَ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ بِغَزَارَةٍ، يَبْكِي غُرْبَةَ هَذَا الوَلِيِّ الصَّالِحِ.

الجُزْءُ الرَّابِعُ وَالأَخِيرُ: رِجَالٌ مِنَ الغَيْبِ.. وَرَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ

وَبَيْنَمَا هُوَ غَارِقٌ فِي حَيْرَتِهِ وَنَحِيبِهِ، إِذْ تَهَجَّمَ عَلَيْهِ بَغْتَةً أَرْبَعَةُ رِجَالٍ تَلُوحُ عَلَيْهِمْ مَخَايِلُ الصَّلَاحِ وَالسَّفَرِ. اقْتَرَبُوا مِنْهُ بِخُطًى مُسْرِعَةٍ، وَوَقَفُوا عَلَى رَأْسِهِ قَائِلِينَ بِدَهْشَةٍ: (يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا حَالُكَ؟ وَمَا قِصَّتُكَ الَّتِي أَقْعَدَتْكَ هَاهُنَا تَبْكِي كَالثَّكْلَى؟). فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ طَرْفَهُ إِلَيْهِمْ، وَسَرَدَ عَلَيْهِمْ قِصَّتَهُ مِنْ مُبْتَدَئِهَا إِلَى مُنْتَهَاهَا، وَقَصَّ عَلَيْهِمْ خَبَرَ هَذَا الرَّجُلِ العَجِيبِ وَصَبْرَهُ الَّذِي تُضْرَبُ بِهِ الأَمْثَالُ. تَبَدَّلَتْ مَلَامِحُ الرِّجَالِ الأَرْبَعَةِ، وَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وَاللَّهْفَةُ، فَقَالُوا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: (اكْشِفْ لَنَا عَنْ وَجْهِهِ رَحِمَكَ اللَّهُ، فَعَسَى أَنْ نَعْرِفَهُ!).

فَمَدَّ عَبْدُ اللَّهِ يَدَهُ وَرَفَعَ الشَّمْلَةَ عَنْ وَجْهِهِ المُسَجَّى الَّذِي عَلَتْهُ مَهَابَةُ المَوْتِ وَسَكِينَةُ الرِّضَا. وَمَا إِنْ وَقَعَتْ أَعْيُنُهُمْ عَلَيْهِ، حَتَّى ضَجُّوا بِالبُكَاءِ، وَانْكَبَّ القَوْمُ عَلَيْهِ بِلَوْعَةِ المُحِبِّ المُفَارِقِ، يُقَبِّلُونَ عَيْنَيْهِ المَطْمُوسَتَيْنِ مَرَّةً، وَيَدَيْهِ المَبْتُورَتَيْنِ مَرَّةً أُخْرَى، وَهُمْ يَنْتَحِبُونَ وَيَقُولُونَ بِصَوْتٍ يُفَتِّتُ الصَّخْرَ: (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! بِأَبِي عَيْنٌ طَالَمَا غُضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فِي الخَلَوَاتِ! وَبِأَبِي جِسْمٌ طَالَمَا كُنْتَ بِهِ سَاجِدًا رَاكِعًا وَالنَّاسُ فِي غَفَلَاتِهِمْ نِيَامٌ!).

تَعَجَّبَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ، وَسَأَلَهُمْ وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الفُضُولُ: (بِاللَّهِ عَلَيْكُمْ، مَنْ هَذَا يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ؟). فَالْتَفَتُوا إِلَيْهِ بِوُجُوهٍ مَخْضُوبَةٍ بِالدُّمُوعِ، وَأَجَابُوهُ بِيَقِينِ المَعْرِفَةِ: (أَوَمَا تَعْرِفُهُ؟! هَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ الأُمَّةِ! هَذَا "أَبُو قِلَابَةَ الجَرْمِيُّ"، صَاحِبُ ابْنِ عَبَّاسٍ حِبْرِ الأُمَّةِ! لَقَدْ كَانَ وَاللَّهِ شَدِيدَ الحُبِّ لِلَّهِ وَلِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ نُورَ الحِكْمَةِ وَصِدْقَ اليَقِينِ).

تَشَارَكَ الرِّجَالُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فِي غَسْلِ جُثْمَانِهِ الطَّاهِرِ، ثُمَّ كَفَّنُوهُ بِأَثْوَابٍ نَقِيَّةٍ كَانَتْ مَعَهُمْ. وَاصْطَفُّوا خَلْفَ بَعْضِهِمْ، فَصَلَّوْا عَلَيْهِ صَلَاةَ الجَنَازَةِ فِي تِلْكَ الصَّحْرَاءِ، ثُمَّ وَارَوْهُ الثَّرَى. وَعَادَ عَبْدُ اللَّهِ يَحْمِلُ فِي جَوْفِهِ عِظَةَ الدَّهْرِ، مُتَّجِهًا نَحْوَ مَقَرِّ رِبَاطِهِ. فَلَمَّا أَنْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وَأَسْبَلَ الظَّلَامُ سِتَارَهُ، وَضَعَ عَبْدُ اللَّهِ رَأْسَهُ لِيَنَامَ. فَسَرَتْ فِي رُوحِهِ رُؤْيَا حَقٍّ؛ إِذْ رَأَى "أَبَا قِلَابَةَ" فِيمَا يَرَى النَّائِمُ.. لَمْ يَرَهُ جِذْعًا مَقْطُوعَ الأَطْرَافِ وَلَا أَعْمَى، بَلْ رَأَاهُ يَتَنَعَّمُ فِي رَوْضَةٍ غَنَّاءَ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَقَدْ أُلْبِسَ حُلَّتَيْنِ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ، مَمْشُوقَ القَوَامِ، بَهِيَّ الطَّلْعَةِ. وَكَانَ يَمْشِي مُتَبَخْتِرًا فِي كَرَامَةِ رَبِّهِ، وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَ الحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِصَوْتٍ عَذْبٍ نَدِيٍّ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.

فَهَتَفَ عَبْدُ اللَّهِ بِهِ فِي المَنَامِ فَرِحًا: (أَلَسْتَ بِصَاحِبِي الَّذِي وَارَيْتُهُ الثَّرَى بِالأَمْسِ؟!). فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ مُبْتَسِمًا ابْتِسَامَةَ الفَائِزِينَ، وَقَالَ: (بَلَى!). فَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ مُسْتَبْشِرًا: (أَنَّى لَكَ هَذَا النَّعِيمُ المُقِيمُ وَهَذِهِ المَنْزِلَةُ الرَّفِيعَةُ؟). فَأَجَابَهُ بِحِكْمَةٍ كُتِبَتْ لِلْخَالِدِينَ كَقَانُونٍ سَمَاوِيٍّ: (إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى دَرَجَاتٍ فِي عِلِّيِّينَ.. لَا تُنَالُ إِلَّا بِالصَّبْرِ عِنْدَ البَلَاءِ، وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ، مَعَ خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ!).

رَحِمَ اللَّهُ "أَبَا قِلَابَةَ"؛ الرَّجُلَ الَّذِي فَقَدَ اليَدَ وَالرِّجْلَ وَالسَّمْعَ وَالبَصَرَ، ثُمَّ افْتَرَسَتِ السِّبَاعُ فَلْذَةَ كَبِدِهِ وَخَادِمَهُ الوَحِيدَ.. فَصَبَرَ صَبْرَ الرُّسُلِ، وَحَمِدَ اللَّهَ حَمْدَ العَارِفِينَ بِفَضْلِهِ؛ فَعَوَّضَهُ اللَّهُ عَنْ ظَلَامِ الخَيْمَةِ بِنُورِ الجَنَّةِ، وَعَنْ قَسْوَةِ البَادِيَةِ بِرَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الخُلْدِ.. فَيا لَهَا مِنْ كَرَامَةٍ تَتَشَوَّفُ إِلَيْهَا أَعْناقُ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ!
author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX