جحا والسنجاب العفريت: سحر البديهة في مواجهة فضول الكيس
هَلْ رَأَيْتُمْ يَوْمًا سِحْرًا يَنْقَلِبُ فِيهِ لَحْمُ الْحَيَوَانِ وَفَرْوُهُ، إِلَى سَنَابِلَ مِنْ قَمْحٍ وَزَرْعٍ؟! قَدْ تَظُنُّونَهَا كَرَامَةً مِنْ كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ، أَوْ تَعْوِيذَةً مِنْ تَعَاوِيذِ السَّحَرَةِ الْمُشَعْوِذِينَ.. وَلَكِنَّهَهَا هُنَا لَيْسَتْ سِوَى صُدْفَةٍ عَجِيبَةٍ، بَطَلُهَا فُضُولُ امْرَأَةٍ، وَذَكَاءُ قَاضٍ لَمْ يَعْرِفِ الْيَأْسُ إِلَى حُجَّتِهِ سَبِيلًا! فَتَعَالَوْا مَعِي لِنَشْهَدَ كَيْفَ وَقَعَ أَعْيَانُ الْبَلَدِ وَحَاكِمُهَا فِي شِبَاكِ عِفْرِيتٍ مُتَخَفٍّ، وَكَيْفَ أَنْقَذَتِ الْبَدِيهَةُ مَوْقِفًا كَادَ أَنْ يَعْصِفَ بِهَيْبَةِ صَاحِبِنَا جُحَا!
يُحْكَى فِيمَا رَوَاهُ رُوَاةُ الْأَخْبَارِ، وَتَنَاقَلَتْهُ صَحَائِفُ الْأَسْمَارِ، أَنَّ شَيْخَنَا جُحَا خَرَجَ ذَاتَ غَدَاةٍ نَدِيَّةٍ، قَدْ تَنَفَّسَ صُبْحُهَا بِالنَّسَائِمِ الْعَلِيلَةِ، حَامِلًا فَأْسَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، يَقْصِدُ غَابَةَ الْبَلْدَةِ لِيَحْتَطِبَ كَعَادَتِهِ، وَيَسْعَى فِي طَلَبِ رِزْقِهِ الْمَقْسُومِ.
وَبَيْنَمَا هُوَ يَغُوصُ فِي أَحْرَاشِ الْغَابَةِ، وَيُهْوَى بِفَأْسِهِ عَلَى جُذُوعِ الْأَشْجَارِ، إِذْ تَرَامَى إِلَى سَمْعِهِ حَفِيفٌ بَيْنَ الْأَعْشَابِ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِهِ يُبْصِرُ كَائِنًا بَدِيعَ الْخِلْقَةِ، ضَئِيلَ الْحَجْمِ، عَظِيمَ الرَّشَاقَةِ؛ يَكْسُوهُ فَرْوٌ نَاعِمٌ كَالْخَزِّ، وَلَهُ ذَيْلٌ كَثِيفٌ مُنْتَصِبٌ يَهْتَزُّ كَالرَّايَةِ مَعَ كُلِّ قَفْزَةٍ يَقْفِزُهَا. وَكَانَ ذَلِكَ الْكَائِنُ سِنْجَابًا بَرِّيًّا، إِلَّا أَنَّ جُحَا لَمْ تَقَعْ عَيْنَاهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْمَخْلُوقِ طِيلَةَ عُمُرِهِ، فَحَسِبَهُ صَيْدًا نَفِيسًا، وَمَخْلُوقًا نَادِرًا لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْوُجُودِ!
أَلْقَى جُحَا فَأْسَهُ مِنْ يَدِهِ، وَشَمَّرَ عَنْ سَاعِدَيْهِ وَسَاقَيْهِ، وَبَدَأَ مُطَارَدَةً حَامِيَةَ الْوَطِيسِ؛ السِّنْجَابُ يَقْفِزُ بَيْنَ الشُّجَيْرَاتِ كَالزِّئْبَقِ، وَجُحَا يَتَعَثَّرُ تَارَةً وَيَنْهَضُ تَارَةً، يَلْهَثُ وَيَتَصَبَّبُ عَرَقًا، حَتَّى كَلَّلَ اللهُ مَسْعَاهُ بِالنَّجَاحِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ عَلَى الْحَيَوَانِ إِسْقَاطَ الشَّبَكَةِ عَلَى الطَّيْرِ، وَقَبَضَ عَلَيْهِ بِيَدَيْنِ تَرْتَجِفَانِ مِنْ فَرْطِ الْحَمَاسَةِ وَالنَّصْرِ.
نَظَرَ جُحَا إِلَى صَيْدِهِ وَقَدْ تَهَلَّلَتْ أَسَارِيرُهُ، وَحَدَّثَ نَفْسَهُ قَائِلًا: "يَا لَلْعَجَبِ! إِنَّ هَذَا الْحَيَوَانَ الْغَرِيبَ سَيَكُونُ مِفْتَاحَ ثَرْوَتِي! لَا بُدَّ أَنْ أَحْمِلَهُ إِلَى أَهْلِ الْبَلْدَةِ، فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يُبْصِرُوا مِثْلَهُ قَطُّ، فَأَعْرِضَهُ عَلَيْهِمْ بِمَبْلَغٍ بَاهِظٍ يَجْعَلُنِي مِنْ أَثْرِيَاءِ الْقَوْمِ!"
وَدُونَ أَنْ يُضَيِّعَ لَحْظَةً، دَسَّ جُحَا السِّنْجَابَ فِي كِيسٍ كَتَّانِيٍّ مَتِينٍ كَانَ يَحْمِلُهُ لِجَمْعِ حَوَائِجِهِ، ثُمَّ عَقَدَ رَأْسَ الْكِيسِ عُقْدَةً مُحْكَمَةً لَا يَنْفذُ مِنْهَا الْهَوَاءُ، وَهَرْوَلَ عَائِدًا إِلَى دَارِهِ رَافِعَ الرَّأْسِ. وَمَا إِنْ وَطِئَتْ قَدَمَاهُ عَتَبَةَ الْبَابِ حَتَّى نَادَى زَوْجَتَهُ بِصَوْتٍ يَشُوبُهُ الْغُرُورُ، وَأَخْبَرَهَا بِأَمْرِ ذَلِكَ الْكَنْزِ الْمَخْبُوءِ، ثُمَّ أَنْذَرَهَا نَذِيرًا شَدِيدًا وَقَالَ: "يَا امْرَأَةُ، إِنِّي ذَاهِبٌ لِأَسْتَدْعِيَ كِبَارَ الْأَعْيَانِ وَوُجَهَاءَ الْبَلَدِ لِيَرَوْا هَذِهِ الْعُجُوبَةَ.. فَإِيَّاكِ ثُمَّ إِيَّاكِ أَنْ تَمْتَدَّ يَدُكِ لِفَتْحِ هَذَا الْكِيسِ وَإِلَّا حَلَّ بِكِ مِنِّي مَا لَا يُحْمَدُ عُقْبَاهُ!"
ثُمَّ وَلَّى مُسْرِعًا يَطْوِي الْأَزِقَّةَ طَيًّا لِجَمْعِ الْقَوْمِ، تَارِكًا الْكِيسَ يَتَلَوَى بِمَا فِيهِ، وَتَارِكًا زَوْجَتَهُ تَحْتَ سَطْوَةِ شَيْطَانِ الْفُضُولِ. فَلَمَّا تَوَارَى جُحَا عَنِ الْأَنْظَارِ، وَأَسْلَمَتِ الدَّارُ قِيَادَهَا لِلسُّكُونِ، خَلَتِ الْمَرْأَةُ بِنَفْسِهَا وَبِذَلِكَ الْكِيسِ الْمُسَجَّى فِي زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ. وَمَا هِيَ إِلَّا لَحْظَةٌ حَتَّى بَدَأَ سُلْطَانُ الْفُضُولِ يَعْبَثُ بِعَقْلِهَا، وَيُوَسْوِسُ فِي صَدْرِهَا. قَالَتْ تُحَدِّثُ نَفْسَهَا، وَالشَّكُّ يَأْكُلُ أَطْرَافَ صَبْرِهَا: "وَيْحَ جُحَا! كَيْفَ يَسْتَأْثِرُ بِرُؤْيَةِ هَذَا الْعَجَبِ دُونِي، وَأَنَا رَبَّةُ دَارِهِ وَشَرِيكَةُ أَسْرَارِهِ؟! مَا يَضُرُّ لَوْ خَلَسْتُ النَّظَرَ خَلْسَةً، فَرَوَّيْتُ غَلِيلَ فُضُولِي، ثُمَّ أَحْكَمْتُ رِبَاطَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ، فَلَا هُوَ رَأَى وَلَا هُوَ دَرَى؟!"
وَلَمْ تَزَلْ بِهَا نَفْسُهَا الْأَمَّارَةُ بِالِاسْتِطْلَاعِ، حَتَّى دَنَتْ مِنَ الْكِيسِ بِخُطًى وِجِلَةٍ، وَمَدَّتْ يَدًا تَرْتَعِشُ لِتَفُكَّ الْعُقْدَةَ. وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تَفْعَلْ! فَمَا إِنِ انْفَرَجَتْ شَفَتَا الْكِيسِ بِمِقْدَارِ أُنْمُلَةٍ، حَتَّى انْطَلَقَ السِّنْجَابُ كَالسَّهْمِ الْمَارِقِ مِنَ الْقَوْسِ، أَوِ الْبَرْقِ الْخَاطِفِ فِي لَيْلٍ بَهِيمٍ. قَفَزَ قَفْزَةً وَاحِدَةً، فَصَارَ فِي صَحْنِ الدَّارِ، ثُمَّ وَثْبَةً أُخْرَى فَتَسَلَّقَ الْجِدَارَ، وَوَلَّى هَارِبًا لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، تَارِكًا الْمَرْأَةَ شَاخِصَةَ الْبَصَرِ، مَفْغُورَةَ الْفَاهِ، لَا تُصَدِّقُ عَيْنَيْهَا حِيَالَ مَا رَأَتْ!
لَطَمَتِ الْمَرْأَةُ خَدَّيْهَا، وَصَاحَتْ فِي سِرِّهَا وَقَدْ أَسْقَطَ فِي يَدِهَا: "يَا خَرَابَ الدَّارِ، وَيَا وَيْلَتَا مِنْ غَضَبِ جُحَا! إِنْ عَادَ وَوَجَدَ الْكِيسَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، لَيَجْعَلَنَّ يَوْمِي أَسْوَدَ مِنْ لَوْنِ الْقَطِرَانِ". فَطَفِقَتْ تَدُورُ فِي أَرْجَاءِ الْبَيْتِ كَالْمَجْنُونَةِ تَلْتَمِسُ مَخْرَجًا مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ الدَّاهِمَةِ، حَتَّى وَقَعَ بَصَرُهَا عَلَى كَوْمَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ قَمْحٍ جَيِّدٍ قَدْ بَلَغَتْ مِقْدَارَ "إِرْدَبٍّ".
أَسْرَعَتِ الْمَرْأَةُ لِتُدَارِكَ سَوْأَتَهَا، فَحَثَتِ الْقَمْحَ بِيَدَيْهَا تُعَبِّئُهُ فِي جَوْفِ الْكِيسِ، حَتَّى امْتَلَأَ عَنْ آخِرِهِ، وَانْتَفَخَتْ جَوَانِبُهُ كَمَا كَانَتْ، ثُمَّ أَعَادَتْ عَقْدَهُ وَرَبْطَهُ بِذَاتِ الطَّرِيقِةِ الْمُحْكَمَةِ الَّتِي تَرَكَهُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا. وَجَلَسَتْ فِي زَاوِيَتِهَا تَتَصَبَّبُ عَرَقًا، تَدْعُو اللَّهَ فِي سِرِّهَا أَنْ يَعُودَ جُحَا خَائِبَ الْمَسْعَى، بِلَا صَحْبٍ وَلَا ضُيُوفٍ، لِيَنْطَوِيَ خَبَرُ الْكِيسِ فِي غَيَاهِبِ النِّسْيَانِ وَيَنْتَهِيَ الْأَمْرُ بِسَلَامٍ.
وَلَكِنْ، مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّاهُ الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ؛ فَبَعْدَ بُرْهَةٍ لَيْسَتْ بِالطَّوِيلَةِ، تَعَالَتْ جَلَبَةُ الْأَصْوَاتِ، وَقَرْعُ النِّعَالِ يَقْتَرِبُ مِنْ بَابِ الدَّارِ. لَقَدْ عَادَ جُحَا، وَلَمْ يَعُدْ وَحْدَهُ! بَلْ جَاءَ يَخْطُو فِي خُيَلَاءَ كَأَنَّهُ فَاتِحٌ عَظِيمٌ يَقُودُ جَيْشًا، يَشُقُّ الصُّفُوفَ، وَيَتْبَعُهُ نَائِبُ حَاكِمِ الْبَلْدَةِ بِشَحْمِهِ وَلَحْمِهِ، وَمَعَهُ كِبَارُ الْأَعْيَانِ، وَوُجُوهُ التُّجَّارِ، وَشُيُوخُ الْعَشَائِرِ! قَدْ تَمَلَّكَهُمُ الشَّوْقُ وَاحْتَوَاهُمُ التَّرَقُّبُ لِرُؤْيَةِ هَذِهِ الْأُعْجُوبَةِ الَّتِي صَكَّ جُحَا بِهَا أَسْمَاعَهُمْ. وَقَفَ جُحَا دَاخِلَ دَارِهِ يُرَحِّبُ بِهِمْ تَرْحِيبَ الْمُلُوكِ، مُبْتَسِمًا ابْتِسَامَةَ الْوَاثِقِ الَّذِي يَمْلِكُ مَفَاتِيحَ الدَّهْشَةِ، بَيْنَمَا الْمَرْأَةُ تُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ مِنْ خَلْفِ السِّتَارِ، وَقَلْبُهَا يَخْفِقُ كَطَيْرٍ حَبِيسٍ!
تَصَدَّرَ جُحَا الْمَجْلِسَ مَحْفُوفًا بِالْهَيْبَةِ وَالْوَقَارِ، وَتَحَلَّقَ حَوْلَهُ عِلْيَةُ الْقَوْمِ، وَقَدِ اشْرَأَبَّتْ أَعْنَاقُهُمْ، وَشَخَصَتْ أَبْصَارُهُمْ شَطْرَ ذَلِكَ الْكِيسِ السِّرِّيِّ الَّذِي وُضِعَ فِي وَسَطِ الْقَاعَةِ، كَأَنَّهُ صُنْدُوقٌ يَحْوِي جَوَاهِرَ الْأَرْضِ أَوْ طَلَاسِمَ السَّمَاءِ. سَادَ صَمْتٌ رَهِيبٌ لَا يَقْطَعُهُ إِلَّا أَنْفَاسُ الْحَاضِرِينَ الْمُتَلَاحِقَةِ، فَتَقَدَّمَ جُحَا بِخُطًى وِئَادٍ، وَمَدَّ يَدَيْهِ الْمُبَارَكَتَيْنِ لِيَفُكَّ عُقْدَةَ الْكِيسِ، وَهُوَ يَقُولُ: "تَأَمَّلُوا يَا سَادَةُ سِرَّ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، وَشَاهِدُوا مَا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ مِنْ قَبْلُ!"
وَمَا إِنِ انْفَرَجَتْ شَفَتَا الْكِيسِ، حَتَّى تَدَفَّقَ مِنْ جَوْفِهِ.. لَيْسَ ذَلِكَ الْحَيَوَانَ الرَّشِيقَ الْمَكْسُوَّ بِالْفَرْوِ، وَلَا ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ الْعَجِيبَ الَّذِي يَقْفِزُ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، بَلِ انْسَكَبَ مِنْهُ شَلَّالٌ ذَهَبِيٌّ مِنْ حَبَّاتِ الْقَمْحِ الْخَالِصَةِ، تَتَدَحْرَجُ عَلَى الْبِسَاطِ وَتَفْتَرِشُ الْأَرْضَ!
خَيَّمَ الذُّهُولُ عَلَى وُجُوهِ الضُّيُوفِ، وَتَبَادَلُوا نَظَرَاتِ الْحَيْرَةِ وَالِاسْتِغْرَابِ، ثُمَّ تَوَجَّهُوا بِأَبْصَارِهِمْ نَحْوَ جُحَا يَنْتَظِرُونَ مِنْهُ تَفْسِيرًا. أَمَّا جُحَا، فَقَدْ أُسْقِطَ فِي يَدِهِ، وَشَعَرَ بِدَمِهِ يَتَجَمَّدُ فِي عُرُوقِهِ! أَيْنَ السِّنْجَابُ؟ أَيْنَ الصَّيْدُ الثَّمِينُ؟ هَلْ عَبَثَ بِهِ الْجَانُّ؟ هَلْ مَسَخَتْهُ السَّمَاءُ قَمْحًا؟ تَدَافَعَتِ الْأَسْئِلَةُ فِي رَأْسِهِ كَالْعَوَاصِفِ، لَكِنَّهُ أَدْرَكَ بِفِطْنَتِهِ أَنَّ مَوْقِفَهُ لَا يَحْتَمِلُ الصَّمْتَ أَوِ التَّلَعْثُمَ، فَالْفَضِيحَةُ تَقْرَعُ الْأَبْوَابَ.
فِي كَسْرٍ مِنَ الثَّانِيَةِ، أَسْعَفَتْهُ بَدِيهَتُهُ الْوَقَّادَةُ، فَرَسَمَ عَلَى مَحَيَّاهُ عَلَامَاتِ الْجِدِّ وَالْحِكْمَةِ، وَالتَفَتَ إِلَى جُلَسَائِهِ قَائِلًا بِنَبْرَةِ الْعَارِفِ الْحَكِيمِ: "أَتَدْرُونَ يَا سَادَةُ كَمْ هُوَ عَظِيمٌ وَمُفِيدٌ هَذَا الْمَخْلُوقُ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ؟" فَقَالُوا فِي دَهْشَةٍ مُخْتَلِطَةٍ بِالسُّخْرِيَةِ: "أَتَقْصِدُ الْقَمْحَ يَا جُحَا؟! أَهَذَا هُوَ سِرُّكَ؟" قَالَ مُبْتَسِمًا ابْتِسَامَةَ الْوَاثِقِ: "نَعَمْ، أَوَلَيْسَ الْقَمْحُ مِنْ أَعْظَمِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ وَأَسْرَارِ حَيَاتِنَا؟" قَالُوا: "بَلَى، وَلَكِنْ مَا الْعَجَبُ فِي ذَلِكَ؟"
فَاعْتَدَلَ جُحَا وَأَشارَ بِيَدِهِ إِلَى الْقَمْحِ وَقَالَ بِلِسَانٍ ذَلِقٍ بَلِيغٍ: "لَقَدْ كُنْتُ أَرْمُقُ حَالَنَا يَا إِخْوَانِي، فَرَأَيْتُ النَّاسَ يَسْتَهِينُونَ بِنِعَمِ اللَّهِ، فَيَتَسَاقَطُ حَبُّ الْقَمْحِ مِنْ أَيْدِيهِمْ أَمَامَ الدُّورِ وَفِي الطُّرُقَاتِ، فَيَدُوسُونَهُ بِأَقْدَامِهِمْ، فَعَكَفْتُ أَيَّامًا أَجْمَعُ تِلْكَ الْحَبَّاتِ الْمَنْثُورَةَ مِنْ أَمَامِ بَيْتِي حَتَّى صَارَتْ كَمَا تَرَوْنَ (إِرْدَبًّا) كَامِلًا! فَلَوْ أَنَّنِي جَمَعْتُ مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ كُلِّ بَيْتٍ فِي بَلْدَتِنَا، فَكَمْ إِرْدَبًّا كُنَّا سَنُنْقِذُ مِنَ الضَّيَاعِ؟"
سَرَتْ هَمْهَمَةُ الْإِعْجَابِ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ، وَأَدْرَكُوا مَغْزَى كَلَامِهِ، فَوَاصَلَ جُحَا هُجُومَهُ الذَّكِيَّ قَائِلًا: "لِذَا دَعَوْتُكُمْ يَا كِبَارَ الْبَلَدِ، وَيَا نَائِبَ الْحَاكِمِ، لِأَقْتَرِحَ عَلَيْكُمْ فَرْضَ غَرَامَةٍ قَاسِيَةٍ عَلَى كُلِّ مَنْ يُهْمِلُ هَذِهِ النِّعْمَةَ أَوْ يَتَسَبَّبُ فِي هَدْرِهَا!" فَتَهَلَّلَتْ وُجُوهُ الْأَعْيَانِ، وَهَتَفُوا فِي سُرُورٍ: "لِلَّهِ دَرُّكَ يَا جُحَا! وَاللَّهِ لَنِعْمَ الرَّأْيُ، وَبِهَذَا التَّدْبِيرِ لَنْ نَشْكُوَ قَحْطًا وَلَا نَقْصًا فِي الْغِلَالِ. سَنَرْفَعُ اقْتِرَاحَكَ هَذَا إِلَى الْحَاكِمِ لِيُعْتَمَدَ فَوْرًا!" وَانْصَرَفَ الْقَوْمُ مُحَمَّلِينَ بِتَوْقِيرِ جُحَا وَحِكْمَتِهِ الِاقْتِصَادِيَّةِ الْبَالِغَةِ، بَيْنَمَا تَنَفَّسَ جُحَا الصُّعَدَاءَ بَعْدَ أَنْ نَجَا مِنْ مَأْزَقٍ مُحَقَّقٍ!
وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، حَمَلَ جُحَا فَأْسَهُ، وَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ الْغَابَةِ كَعَادَتِهِ. وَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ، إِذَا بِهِ يَلْمَحُ السِّنْجَابَ ذَاتَهُ، يَقْفِزُ بَيْنَ الْأَشْجَارِ بِذَيْلِهِ الْمُرْتَفِعِ، فَوَقفَ جُحَا يَتَأَمَّلُهُ مِنْ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَادَاهُ بِصَوْتٍ عَالٍ وَهُوَ يَهْزُّ رَأْسَهُ مُتَعَجِّبًا: "يَا لَكَ مِنْ عِفْرِيتٍ مَكَّارٍ مِنْ مَرَدَةِ الْجَانِّ!! أَخْبِرْنِي بِرَبِّكَ، كَيْفَ قَلَبْتَ نَفْسَكَ البَارِحَةَ فِي جَوْفِ الْكِيسِ قَمْحًا مَحْضًا؟!"
الْفَوَائِدُ الْفَرِيدَةُ وَالدُّرَرُ الصَّيْدَاوِيَّةُ:
- سِحْرُ الْبَدِيهَةِ يُنْقِذُ السَّفِينَةَ: الْعَاقِلُ لَيْسَ مَنْ لَا يَقَعُ فِي الْمَآزِقِ، بَلْ مَنْ إِذَا أُسْقِطَ فِي يَدِهِ اصْطَنَعَ مِنْ غُبَارِ الْهَزِيمَةِ سَحَابَةَ نَصْرٍ. جُحَا بِبَدِيهَتِهِ حَوَّلَ الْمَوْقِفَ مِنْ "فَضِيحَةِ سَاذَجٍ" إِلَى "مَوْعِظَةِ مُفكِّرٍ".
- عِظَمُ الْأَشْيَاءِ فِي خَوَاتِيمِهَا وَلَيْسَ فِي أَشْكَالِهَا: جُحَا لَمْ يُغَيِّرْ مَا فِي الْكِيسِ، بَلْ غَيَّرَ "زَاوِيَةَ النَّظَرِ" إِلَيْهِ. فَالْقَمْحُ الَّذِي كَانَ سَبَبًا فِي خَيْبَةِ الْأَمَلِ، أَصْبَحَ عِنْدَ إِعَادَةِ تَأْطِيرِهِ أَعْظَمَ مِنْ أَيِّ حَيَوَانٍ نَادِرٍ.
- الْخَوْفُ يُوَلِّدُ الْحِيَلَ: زَوْجَةُ جُحَا، مَعَ خَطَئِهَا بِدَافِعِ الْفُضُولِ، أَبْدَتْ تَصَرُّفًا سَرِيعًا لِتَغْطِيَةِ فِعْلَتِهَا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَوْفَ مِنَ الْعَوَاقِبِ قَدْ يُحَفِّزُ الْعَقْلَ عَلَى إِيجَادِ الْبَدَائِلِ السَّرِيعَةِ.
- سِيَاسَةُ الْجُمُوعِ (عَقْلِيَّةُ الْقَطِيعِ): الْجُمُهُورُ الَّذِي حَضَرَ لِيَرَى مُعْجِزَةً غَرِيبَةً، رَضِيَ بِمَوْعِظَةٍ حُجَّتُهَا قَوِيَّةٌ عِنْدَمَا شَعَرَ بِأَنَّهَا تَمَسُّ مَصَالِحَهُ.