recent
آخر القصص

قصة صرخة الداهية التي دمرت كبرياء أشرس قضاة الأندلس !! فنون الرد المفحم

تخيل مجلساً للقضاء يشبه صمت القبور من فرط الهيبة.. نروي لكم حكاية المواجهة التاريخية بين قاضي قضاة الأندلس ابن ذكوان والأديب الداهية أبو بحر الجياني. قصة حبست أنفاس أهل قرطبة حين استل الأديب سيف بيانه في وجه القاضي المهيب، مستشهداً بكلام السماء ليدافع عن كرامته. نص كامل يوثق عظمة الأدب وحلم الكبار وتقلبات الدهر في بلاد الأندلس.
🔊

الداهية التي أخرست قاضي الأندلس: حكاية البيان في محراب الهيبة

«تَخَيَّلْ مَجْلِساً لِلْقَضَاءِ يُشْبِهُ صَمْتَ الْقُبُورِ مِنْ فَرْطِ الْهَيْبَةِ.. تُلْجَمُ فِيهِ الأَلْسِنَةُ، وَتَرْتَعِدُ فَرَائِصُ الرِّجَالِ بَيْنَ يَدَيْ قَاضٍ جَبَّارٍ قَارَبَتْ مَكَانَتُهُ سَطْوَةَ الْخُلَفَاءِ! لَكِنْ.. مَاذَا لَوْ تَمَزَّقَ هَذَا الصَّمْتُ الرَّهِيبُ فَجْأَةً بِصَرْخَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؟ أَدِيبٌ لَمْ تُرْعِبْهُ زَمْجَرَةُ الْمَكَانِ، فَاسْتَلَّ سَيْفَ بَيَانِهِ، وَصَفَعَ كِبْرِيَاءَ الْقَاضِي بِحُجَّةٍ مِنْ كَلَامِ السَّمَاءِ، فِي مُوَاجَهَةٍ حَابِسَةٍ لِلأَنْفَاسِ كَادَتْ تُوقِفُ قُلُوبَ الْحَاضِرِينَ! إِلَيْكُمْ حِكَايَةَ الدَّاهِيَةِ الَّتِي أَخْرَسَتْ أَوْقَرَ قُضَاةِ الأَنْدَلُسِ..»

الْجُزْءُ الأَوَّلُ: مَهَابَةُ الْقَاضِي وَصَمْتُ الْمَجْلِسِ

فِي زَمَانٍ تَزَيَّنَتْ فِيهِ قُرْطُبَةُ بِأَبْهَى حُلَلِ الْعِزِّ وَالسُّؤْدَدِ، وَتَرَبَّعَتْ عَلَى عَرْشِ الْحَضَارَةِ فِي بِلَادِ الأَنْدَلُسِ، كَانَ هُنَاكَ طَوْدٌ شَامِخٌ مِنْ طِوَادِ الْعِلْمِ وَالْقَضَاءِ، إِنَّهُ قَاضِي الْقُضَاةِ؛ "أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ الأُمَوِيُّ".

رَجُلٌ حَبَاهُ اللَّهُ هَيْبَةً تُزَلْزِلُ الْقُلُوبَ، وَرَزَانَةً تَتَصَاغَرُ أَمَامَهَا الرِّجَالُ، حَتَّى قِيلَ إِنَّ مَكَانَتَهُ فِي نُفُوسِ النَّاسِ -بَلْ وَخَاصَّةِ الدَّوْلَةِ- كَانَتْ تُضَاهِي مَرْتَبَةَ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ، لَا يَجْرُؤُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ قَدْرِهِ قُلاَمَةَ ظُفُرٍ. وَقَدْ بَلَغَ مِنْ عُلُوِّ شَأْنِهِ أَنَّهُ كَانَ مُقَرَّباً مِنْ حَاجِبِ الأَنْدَلُسِ الأَعْظَمِ، "الْمَنْصُورِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ"، يُلاَزِمُهُ فِي حِلِّهِ وَتَرْحَالِهِ، وَغَزَوَاتِهِ وَخَلَوَاتِهِ، حَتَّى غَدَا رَأْيُهُ سِرَاجاً يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي تَدْبِيرِ شُؤُونِ الْمُلْكِ، وَفَاقَ مَحَلُّهُ مَنَازِلَ الْوُزَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ.

وَلَكِنَّ الْعَجَبَ الْعُجَابَ لَمْ يَكُنْ فِي سِيَاسَتِهِ أَوْ قُرْبِهِ مِنَ السُّلْطَانِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ! ذَلِكَ الْمَجْلِسُ الَّذِي كَانَ يُضَرْبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي التَّوْقِيرِ وَالْجَلاَلِ. فَإِذَا اعْتَلَى الْقَاضِي "ابْنُ ذَكْوَانَ" كُرْسِيَّ الْحُكْمِ، وَالْمَجْلِسُ غَاصٌّ بِالْخُصُومِ وَطُلاَّبِ الْحَاجَاتِ وَأَصْحَابِ الْمَظَالِمِ، خَيَّمَ عَلَى الْمَكَانِ سُكُونٌ رَهِيبٌ كَأَنَّما عَلَى رُؤُوسِ الْحَاضِرِينَ الطَّيْرُ.

لاَ يَنْطِقُ أَحَدٌ بِكَلِمَةٍ، وَلاَ يَتَمَلْمَلُ جَالِسٌ، وَلاَ يُسْمَعُ فِي رَوَاتِقِ الْمَكَانِ سِوَى صَوْتِ الْقَاضِي وَالْخَصْمَيْنِ الْمَاثِلَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ. أَمَّا بَقِيَّةُ الْحَاضِرِينَ وَعَوَامُّ النَّاسِ، فَكَانَ حَدِيثُهُمْ إِذَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ هَمْساً بِالإِيمَاءِ، وَخَلْجاً بِالرُّمُوزِ وَالإِشَارَاتِ، إِلَى أَنْ يَقُومَ الْقَاضِي مِنْ مَقَامِهِ تَنْفِيذاً لِقَانُونِ الْهَيْبَةِ غَيْرِ الْمَكْتُوبِ! فَصَارَ حَدِيثُ هَذَا الْمَجْلِسِ أُعْجُوبَةً تَتَنَاقَلُهَا الرُّكْبَانُ فِي حَوَاضِرِ الأَنْدَلُسِ.

وَبَيْنَمَا الأَيَّامُ تَمْضِي عَلَى هَذَا النَّسَقِ الْمَهِيبِ، حَلَّ بِالْمَجْلِسِ يَوْماً خَصْمٌ لَمْ يَكُنْ كَأَيِّ خَصْمٍ. إِنَّهُ الأَدِيبُ الأَرِيبُ، وَالشَّاعِرُ الْمِفْوَهُ؛ "أَبُو بَحْرٍ أَحْمَدُ بْنُ أَنَسٍ الْجَيَّانِيُّ". رَجُلٌ صِنَاعَتُهُ الْكَلَامُ، وَبِضَاعَتُهُ الْبَيَانُ، تَتَفَجَّرُ مِنْ لِسَانِهِ يَنَابِيعُ الْبَلاَغَةِ، وَتَتَسَايَلُ مِنْ بَيْنِ شَفَتَيْهِ سُيُولُ الْحُجَّةِ.

تَقَدَّمَ "أَبُو بَحْرٍ" لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي يُخَاصِمُ رَجُلاً. وَعَلَى عَادَةِ الأُدَبَاءِ الَّذِينَ يَأْخُذُهُمْ حَمَاسُ الْقَوْلِ، انْطَلَقَ الْجَيَّانِيُّ يَتَكَلَّمُ مُدَافِعاً عَنْ حَقِّهِ. وَمَعَ تَدَفُّقِ كَلِمَاتِهِ، نَسِيَ -أَوْ لَعَلَّهُ تَنَاسَى- هَيْبَةَ الْمَجْلِسِ الْمَعْهُودَةِ؛ فَارْتَفَعَ نَبْرُ صَوْتِهِ يَقْطَعُ حَبْلَ الصَّمْتِ الْمُقَدَّسِ، ثُمَّ اشْتَدَّتْ شِقْشِقَتُهُ فَانْدَفَعَ بِكَلَامِهِ، وَشَمَّرَ عَنْ سَاعِدَيْهِ حَاسِراً، وَبَدَأَ يُلَوِّحُ بِيَدَيْهِ مَادّاً لَهُمَا فِي وَجْهِ خَصْمِهِ! كَانَ يَطْلُبُ حَقَّهُ بِحَرَارَةٍ جَعَلَتْ أَعْوَانَ الْقَاضِي وَالْحُرَّاسَ يَرْتَجِفُونَ فِي أَمَاكِنِهِمْ، وَيَسْتَعْظِمُونَ الإِقْدَامَ عَلَى إِسْكَاتِهِ أَوْ تَقْدِيمِهِ قَبْلَ إِذْنِ سَيِّدِهِمُ الْمَهِيبِ!

هُنَا، تَمَعَّرَ وَجْهُ قَاضِي الْقُضَاةِ "ابْنِ ذَكْوَانَ"، وَاسْتَنْكَرَ بِشِدَّةٍ هَذِهِ الْجُرْأَةَ الْعَجِيبَةَ، وَهَذَا الْخَرْقَ السَّافِرَ لِطُقُوسِ مَجْلِسِهِ الْوَقُورِ... فَقَرَّرَ أَنْ يَتَدَخَّلَ بِنَفْسِهِ لِيُخَمِّدَ هَذِهِ الثَّوْرَةَ الْكَلاَمِيَّةَ، وَيُعِيدَ لِلْمَجْلِسِ هَيْبَتَهُ الْمَسْلُوبَةَ.

الْجُزْءُ الثَّانِي: صَوَاعِقُ الْبَيَانِ وَحُجَّةُ اللِّسَانِ

تَنَحْنَحَ الْقَاضِي "ابْنُ ذَكْوَانَ" بِصَوْتٍ رَخِيمٍ يَحْمِلُ بَيْنَ طَيَّاتِهِ أَلْفَ تَحْذِيرٍ، وَرَمَقَ الأَدِيبَ الْجَيَّانِيَّ بِنَظْرَةٍ قَاطِعَةٍ أَرَادَ بِهَا أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى جَادَّةِ الصَّمْتِ، وَيُخَفِّفَ مِنْ غُلَوَاءِ ثَوْرَتِهِ. ثُمَّ نَطَقَ بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ حَاسِمَةٍ، قَائِلاً بِنَبْرَةِ الآمِرِ الَّذِي لاَ يُعْصَى لَهُ أَمْرٌ: «مَهْلاً عَافَاكَ اللَّهُ! مَهْلاً عَافَاكَ اللَّهُ! اخْفِضْ صَوْتَكَ، وَاقْبِضْ يَدَكَ!».

خُيِّلَ لِلْحَاضِرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْمَعْدُودَاتِ سَتَنْزِلُ كَالسِّحْرِ عَلَى شِقْشِقَةِ الأَدِيبِ، فَتُخْرِسُهُ وَتُرْدِيهِ فِي خَجَلِهِ. وَلَكِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ كَسَائِرِ مَنْ دَخَلَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ؛ لَمْ يَرْتَعِدْ لَهُ طَرَفٌ، وَلَمْ يَتَلَعْثَمْ لَهُ لِسَانٌ، بَلِ اسْتَشْرَى فِيهِ عِزُّ الأَدَبِ، وَانْتَفَضَتْ كَرَامَةُ الْكَلِمَةِ فِي صَدْرِهِ، فَتَقَدَّمَ بِخُطىً ثَابِتَةٍ لِيَرُدَّ عَلَى قَاضِي الْقُضَاةِ رَدّاً أُسْقِطَ فِي يَدِ الْقَاضِي مِنْهُ، وَتَسَمَّرَ لَهُ الْحَاضِرُونَ كَالْتَّمَاثِيلِ!

قَالَ "أَبُو بَحْرٍ" بِصَوْتٍ أَكْثَرَ جَهْوَراً، وَحُجَّةٍ أَمْضَى مِنْ حَدِّ السَّيْفِ الدِّمَشْقِيِّ: «وَمَهْلاً يَا قَاضِي! أَمِنَ الْمُخَدَّرَاتِ أَنَا؟! (يَقْصِدُ: أَمِنَ النِّسَاءِ رَبَّاتِ الْخُدُورِ أَنَا؟) فَأَخْفِضَ صَوْتِي لَدَيْكَ، وَأَسْتُرَ يَدِي، وَأُغَطِّيَ مِعْصَمِي أَمَامَكَ؟! أَمْ مِنَ الأَنْبِيَاءِ أَنْتَ فَلاَ يُجْهَرَ بِالْقَوْلِ عِنْدَكَ؟!».

ثُمَّ رَفَعَ الأَدِيبُ سَقْفَ الْحُجَّةِ لِيُعَانِقَ كَلَامَ السَّمَاءِ، مُسْتَدِلّاً بِآيَاتٍ تَقْشَعِرُّ لَهَا الأَبْدَانُ، مُوَجِّهاً كَلَامَهُ كَالسِّهَامِ نَحْوَ مَنَصَّةِ الْقَضَاءِ: «إِنَّ ذَلِكَ التَّوْقِيرَ الَّذِي تَطْلُبُهُ هُوَ شَيْءٌ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا لِنَبِيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ قَالَ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍوَلَسْتَ بِهِ يَا قَاضِي وَلَا كَرَامَةَ!».

لَمْ يَكْتَفِ الْجَيَّانِيُّ بِذَلِكَ التَّوْبِيخِ الْبَلِيغِ، بَلْ ذَهَبَ يُذَكِّرُ الْقَاضِيَ بِمَوْقِفٍ أَعْظَمَ مِنْ مَجْلِسِهِ، مَوْقِفِ الْحِسَابِ الأَكْبَرِ، قَائِلًا: «وَلَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ النُّفُوسَ تُجَادِلُ عِنْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِي مَقَامٍ لَا تَعْدِلُهُ مَقَامَاتُ الدُّنْيَا كُلُّهَا فِي الْجَلَالَةِ وَالْهَيْبَةِ! فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عن نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}. إِيهٍ يَا قَاضِي! لَقَدْ تَعَدَّيْتَ طَوْرَكَ، وَعَلَوْتَ فِي مَنْزِلَتِكَ! وَإِنَّمَا الْبَيَانُ بِعِبَارَةِ اللِّسَانِ، وَبِالْمَنْطِقِ يَسْتَبِينُ الْبَاطِلُ مِنَ الْحَقِّ، وَلَا بُدَّ فِي الْخِصَامِ مِنْ إِفْسَاحِ الْكَلَامِ!».

سَقَطَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ كَالصَّوَاعِقِ الْمُرْسَلَةِ فِي صَمْتِ الْمَجْلِسِ؛ الرَّجُلُ يُنَاقِشُ بِالْقُرْآنِ، وَيَنْسِفُ هَيْبَةَ الْمَكَانِ بِقُوَّةِ الْبُرْهَانِ! فَأُلْجِمَتِ الأَلْسِنَةُ، وَجَحَظَتِ الأَعْيُنُ تَتَرَقَّبُ رَدَّةَ فِعْلِ الْقَاضِي الْمَهِيبِ الَّذِي لَمْ يُخَاطَبْ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ فِي حَيَاتِهِ قَطُّ.

الْجُزْءُ الثَّالثُ وَالأَخِيرُ: حِلْمُ الْكِبَارِ وَتَقَلُّبَاتُ الدَّهْرِ

بُهِتَ قَاضِي الْقُضَاةِ "ابْنُ ذَكْوَانَ"! وَعُقِدَ لِسَانُهُ أَمَامَ هَذَا السَّيْلِ الْعَرِمِ مِنَ الْحُجَجِ الْقُرْآنِيَّةِ الدَّامِغَةِ. أَطْرَقَ الْقَاضِي رَأْسَهُ، وَأَغْضَى عَلَى تَقْرِيعِ الأَدِيبِ وَتَوْبِيخِهِ الَّذِي مَسَّ كِبْرِيَاءَهُ فِي عُقْرِ مَجْلِسِهِ. لَمْ يَنْتَقِمْ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ تَأْخُذْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ؛ بَلْ تَجَلَّى حِلْمُهُ، وَطَفَتْ حِكْمَتُهُ الَّتِي عُرِفَ بِهَا، وَجَعَلَ يُرَدِّدُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ يَكْظِمُ بِهِ غَيْظَهُ: «الرِّفْقُ أَوْلَى مِنَ الْخُرْقِ.. الرِّفْقُ أَوْلَى مِنَ الْخُرْقِ!».

وَانْصَرَفَ الأَدِيبُ "أَبُو بَحْرٍ" بَعْدَ أَنْ أَفْسَحَ لِكَلَامِهِ، وَنَالَ مُبْتَغَاهُ، تَارِكاً النَّاسَ فِي حَيْرَةٍ وَعَجَبٍ؛ يَعْجَبُونَ مِنْ جُرْأَةِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي زَلْزَلَ أَرْكَانَ الْمَجْلِسِ، وَيَعْجَبُونَ أَكْثَرَ مِنْ سِعَةِ صَدْرِ قَاضِيهِمُ الْمَهِيبِ.


وَمَضَتْ سُنَّةُ الْحَيَاةِ بِـ "ابْنِ ذَكْوَانَ"، فَظَلَّ بَعْدَهَا عَلَى حَالِهِ مِنَ الْجَلَالَةِ وَالسُّؤْدَدِ، مُقَرَّباً مِنْ صَانِعِي الْقَرَارِ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ "الْمَنْصُورُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ"، حَافَظَ ابْنَاهُ "الْمُظَفَّرُ" وَ"الْمَأْمُونُ" عَلَى مَكَانَةِ الْقَاضِي، بَلْ زَادُوهَا رِفْعَةً، حَتَّى ضَمُّوا إِلَيْهِ الْوِزَارَةَ مَعَ قَضَاءِ الْقُضَاةِ. وَكَانَ مِنْ كَرَمِ أَخْلَاقِهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَقَامٌ خَاصٌّ فِي الْقَصْرِ، وَلَمْ يُسَجَّلْ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَأَلَهُمْ حَاجَةً لِنَفْسِهِ قَطُّ.

لَكِنَّ دَوَامَ الْحَالِ مِنَ الْمُحَالِ، فَقَدْ أَوْغَرَ وَزِيرُ الدَّوْلَةِ "عِيسَى بْنُ سَعِيدٍ" صَدْرَ "الْمُظَفَّرِ" عَلَى الْقَاضِي بَعْدَ حُكْمٍ قَضَائِيٍّ أَبْطَلَ فِيهِ ابْنُ ذَكْوَانَ بَيْعاً فَاسِداً لِلْوَزِيرِ. فَتَلَاحَمَتِ الْعَدَاوَةُ، وَأُسْقِطَ الْقَاضِي مِنْ مَنْصِبِهِ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ أَعَادَهُ "الْمُظَفَّرُ" إِلَى مَنْصِبِهِ مُعَزَّزاً مُكَرَّماً بَعْدَ كَشْفِ خِيَانَةِ الْوَزِيرِ.

ثُمَّ أَدْبَرَتِ الدُّنْيَا لَمَّا انْقَرَضَتْ دَوْلَةُ بَنِي عَامِرٍ، وَأَطَلَّتْ رَأْسُ الْفِتْنَةِ فِي الأَنْدَلُسِ. وَنَالَتْ نِيرَانُ الْفِتْنَةِ مِنْ شَيْخِنَا الْجَلِيلِ؛ إِذْ نُفِيَ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ إِلَى "الْمَرِيَّةِ"، ثُمَّ سُلِبُوا مَتَاعَهُمْ فِي الْبَحْرِ، حَتَّى حَطَّتْ بِهِمْ رِحَالُ الْمِحْنَةِ فِي "وَهْرَانَ". وَبَعْدَ انْقِشَاعِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ، عَادَ الْقَاضِي "ابْنُ ذَكْوَانَ" إِلَى وَطَنِهِ، فَآثَرَ السُّكُونَ وَالِانْقِبَاضَ، حَتَّى أَسْلَمَ الرُّوحَ لِبَارِئِهَا سَنَةَ (٤١٣ هـ).

وَفِي رِثَائِهِ، نَظَمَ الأَدِيبُ ابْنُ الْحَنَّاطِ الضَّرِيرُ قَصِيدَةً فَرِيدَةً:

عفاءٌ على الأيّام بعد ابن ذكوانِ
وسُحقاً لدنيا غيّرت كلَّ إنسانِ
سأبكي دما بعد الدموع بعَبرةٍ
تميز أحزاني وتعربُ عن شاني
وإنَّ حياتي اليومَ بعد وفاتهِ
دليلٌ بأن الغدر في كلِّ إنسانِ
أحقاً سراج العلمِ أخمدَهُ الرَّدى
وهدَّم ركن الدِّينِ من بعدِ بنيان
وغودر في دار البلَى عَلَمُ الهدى
مزعزعَ آساسِ مُضعضعَ أركانِ
فشقَّت عليه المكرمات جيوبَها
والقت رؤوسُ المجدِ عنها بتيجانِ

رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ ذَكْوَانَ، ذَلِكَ الطَّوْدَ الأَنْدَلُسِيَّ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ هَيْبَةِ الْقَضَاءِ وَحِلْمِ الْعُلَمَاءِ.


الْمَصَادِرُ وَالْمَرَاجِعُ الْتَارِيخِيَّةُ:

  1. كِتَابُ المَرْقَبَةِ العُلْيَا فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ القَضَاءَ وَالفُتْيَا - لِلْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ النُّبَاهِيِّ الْمَالِكِيِّ الأَنْدَلُسِيِّ.
  2. كِتَابُ جَمْهَرَةِ تَرَاجِمِ الفُقَهَاءِ المَالِكِيَّةِ - تَرْجَمَةُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ الأُمَوِيِّ.
  3. كِتَابُ الأَعْلَامِ - لِخَيْرِ الدِّينِ الزِّرِكْلِيِّ.
  4. مَقْطَعٌ مَرْئِيٌّ مُفَرَّغٌ (يُوتْيُوب) - لِلشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ سَعِيدٍ الْكَمَلِيِّ.
author-img
قصص هاشتاق

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradentX