عصارة السنين: ثلاث وصايا خالدة من حكماء وفرسان الجاهلية
«هَلْ تَسَاءَلْتُمْ يَوْمًا: مَاذَا يَصْنَعُ الزَّمَانُ بِعَتَاهِيَةِ الفُرْسَانِ وَمُلُوكِ الصَّحْرَاءِ إِذَا حَانَ الرَّحِيلُ، وَدَنَتْ شَمْسُهُمْ مِنَ المَغِيبِ؟ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ زَمْجَرَةُ الأُسُودِ الكَاسِرَةِ إِلَى هَمَسَاتٍ دَافِئَةٍ تَقْطُرُ بِالْحِكْمَةِ؟
هُنَا.. حَيْثُ تَسْكُتُ لُغَةُ السُّيُوفِ، وَتَنْطِقُ لُغَةُ العُقُولِ؛ نَفْتَحُ لَكُمْ صَنَادِيقَ السِّرِّ، وَنَنْثُرُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ عُصَارَةَ مِئَاتِ السِّنِينَ مِنْ عُمُرِ الزَّمَانِ.
أَعِيرُونَا أَسْمَاعَكُمْ، وَاحْبِسُوا أَنْفَاسَكُمْ؛ فَنَحْنُ اليَوْمَ عَلَى مَوْعِذٍ مَعَ ثَلاثَةٍ مِنْ عَمَالِقَةِ العَرَبِ وَأَشَاوِسِ الجَاهِلِيَّةِ. رِجَالٌ طَوَوْا الفَيَافِيَ، وَخَاضُوا غِمَارَ المَوْتِ، وَتَسَرْبَلُوا بِالمَجْدِ حَتَّى سَئِمُوهُ.. فَلَمَّا طَحَنَهُمُ الهَرَمُ، وَعَرَكَتْهُمُ الأَيَّامُ؛ جَمَعُوا أَبْنَاءَهُمْ فِي لَحَظَاتِ الوَدَاعِ الأَخِيرَةِ، لِيَسْكُبُوا فِي آذَانِهِمْ مَا هُوَ أَغْلَى مِنَ التِّبْرِ وَالذَّهَبِ: "خُلاصَةَ الحَيَاةِ".
ثَلَاثُ وَصَايَا خَالِدَةٍ، كُتِبَتْ بِمِدَادِ التَّجَارِبِ، وَنُقِشَتْ عَلَى جِدَارِ التَّارِيخِ؛ لَا يَسْمَعُهَا جَاهِلٌ إِلَّا وَعَى، وَلَا ضَعِيفٌ إِلَّا اعْتَزَّ، وَلَا حَائِرٌ إِلَّا اسْتَدَلَّ.. فَهَلُمَّ بِنَا نَغْتَرِفُ مِنْ مَعِينِ هَذِهِ الحِكْمَةِ العَتِيقَةِ!»
(1) أَوْسُ بْنُ حَارِثَةَ الطَّائِيُّ
هَلُمَّ بِنَا نَقْتَبِسُ مِنْ مِشْكَاةِ التَّارِيخِ قَبَسًا، وَنَغْتَرِفُ مِنْ بَحْرِ الأَدَبِ غَرْفَةً، نَرْوِي بِهَا ظَمَأَ الأَرْوَاحِ إِلَى بَدِيعِ القَوْلِ وَسَاحِرِ البَيَانِ، فِي حَضْرَةِ حَكِيمٍ مِنْ حُكَمَاءِ العَرَبِ، وَسَيِّدٍ مِنْ سَادَاتِهِمْ.
من هو بطلنا (أَوْسُ بْنُ حَارِثَةَ):
هُوَ أَوْسُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ لأْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثُمَامَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ طَرِيفٍ الطَّائِيُّ؛ طَوْدٌ أَشَمُّ مِنْ أَطْوَادِ طَيِّئٍ، وَسَيِّدٌ مُطَاعٌ مِنْ سَادَاتِ العَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ. كَانَ شَاعِرًا مُفْلِقًا، وَجَوَادًا سَخِيًّا يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي النَّدَى، حَتَّى لَقَدْ سَامَى ابْنَ عَمِّهِ حَاتِمًا الطَّائِيَّ فِي سَحَائِبِ جُودِهِ، غَيْرَ أَنَّ صُرُوفَ الإِعْلامِ وَحُظُوظَ الشُّهْرَةِ لَمْ تُنْصِفْهُ كَمَا أَنْصَفَتْ حَاتِمًا. وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي نَسَبُ قَبِيلَةِ بَنِي لامٍ الطَّائِيَّةِ بِبُطُونِهَا العَرِيقَةِ الْمَاجِدَةِ: الفُضُولِ، وَالمُغِيرَةِ، وَالكَثِيرِ، وَالظَّفِيرِ. وَلَطَالَمَا تَرَنَّمَ الشُّعَرَاءُ بِمَمَادِحِهِ، فَهَذَا أَبُو تَمَّامٍ يَصْدَحُ مُفْتَخِرًا:
سَمَا بِيَ أَوْسٌ فِي السَّمَاحِ وَحَاتِمٌ
وَزَيْدُ القَنَا وَالأَثْرَمَانِ وَنَافِعُ
وَيَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحَارِثِ الخَرَّازُ:
لَوْ أَنَّكَ إِذْ جَعَلْتَ أَبَاكَ أَوْسًا
جَعَلْتَ الجَدَّ حَارِثَةَ بْنَ لامِ
وَسَمَّيْتَ الَّتِي وَلَدَتْكَ سُعْدَى
فَكُنْتَ مُقَابَلًا بَيْنَ الكِرَامِ
أَمَّا فِي أَمْرِ إِسْلامِهِ، فَقَدْ تَبَايَنَتْ أَقْوَالُ الرُّوَاةِ؛ إِذْ ذَهَبَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ إِلَى أَنَّهُ مَاتَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَّ شَرَفَ الصُّحْبَةِ نَالَهُ أَحْفَادُهُ كَعُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ، وَهَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ. وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ إِلَى "بُحَيْرِ بْنِ أَوْسٍ" جَاعِلًا فِي إِسْلامِهِ نَظَرًا. بَيْنَمَا يَرْوِي ابْنُ الكَلْبِيِّ أَنَّهُ عُمِّرَ مِائَتَيْ سَنَةٍ حَتَّى هَرِمَ، وَذَهَبَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ. فِي حِينِ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ مِنْهَبٍ عَنْ جَدِّهِ أَوْسٍ قَوْلُهُ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا مِنْ طَيِّئٍ، فَبَايَعْتُهُ عَلَى الإِسْلامِ».
تَوْطِئَةُ الوَصِيَّةِ:
وَلَمَّا دَنَتْ سَاعَةُ الرَّحِيلِ، وَأَشْرَفَ الشَّيْخُ المُعَمَّرُ عَلَى تَوْدِيعِ الدُّنْيَا، تَفَجَّرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ بَيْنِ شَفَتَيْهِ، فَنَطَقَ بِوَصِيَّةٍ خَالِدَةٍ هِيَ قِلاَدَةٌ فِي جِيدِ الدَّهْرِ، نُورِدُهَا لَكَ كَمَا نَطَقَ بِهَا، بِعَبْقَرِيَّةِ لَفْظِهَا، وَبَلاغَةِ مَبْنَاهَا:
وَصِيَّةُ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ لابْنِهِ مَالِكٍ:
عَاشَ الأَوْسُ بْنُ حَارِثَةَ دَهْرًا، وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ إِلَّا مَالِكٌ، وَكَانَ لأَخِيهِ الخَزْرَجِ خَمْسَةٌ: عَمْرٌو، وَعَوْفٌ، وَجُشَمٌ، وَالحَرْثُ، وَكَعْبٌ؛ فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ، قَالَ لَهُ قَوْمُهُ: قَدْ كُنَّا نَأْمُرُكَ بِالتَّزْوِيجِ فِي شَبَابِكَ؛ فَلَمْ تَزَوَّجْ حَتَّى حَضَرَكَ المَوْتُ، فَقَالَ الأَوْسُ: "لَمْ يَهْلِكْ هَالِكٌ، تَرَكَ مِثْلَ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ الخَزْرَجُ ذَا عَدَدٍ، وَلَيْسَ لِمَالِكٍ وَلَدٌ؛ فَلَعَلَّ الَّذِي اسْتَخْرَجَ العِذْقَ مِنَ الجَرِيمَةِ، وَالنَّارَ مِنَ الوَثِيمَةِ، أَنْ يَجْعَلَ لِمَالِكٍ نَسْلًا، وَرِجَالًا بُسْلًا، يَا مَالِكُ، المَنِيَّةُ وَلَا الدَّنِيَّةُ، وَالعِتَابُ قَبْلَ العِقَابِ، وَالتَّجَلُّدُ لَا التَّبَلُّدُ، وَاعْلَمْ أَنَّ القَبْرَ خَيْرٌ مِنَ الفَقْرِ، وَشَرُّ شَارِبٍ المَشْنَقُ، وَأَقْبَحُ طَاعِمٍ المُقْتَفُّ، وَدَهَابُ البَصَرِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّظَرِ، وَمِنْ كَرَمِ الكَرِيمِ، الدِّفَاعُ عَنِ الحَرِيمِ، وَمَنْ قَلَّ ذَلَّ، وَمَنْ أَمِرَ فَلَّ، وَخَيْرُ الغِنَى القَنَاعَةُ، وَشَرُّ الفَقْرِ الضَّرَاعَةُ، وَالدَّهْرُ يَوْمَانِ، فَيَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ؛ فَإِذَا كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ؛ فَكِلَاهُمَا سَيَنْحَسِرُ، فَإِنَّمَا تَعُزُّ مَنْ تَرَى وَيَعُزُّكَ مَنْ لَا تَرَى، وَلَوْ كَانَ المَوْتُ يُشْتَرَى، لَسَلِمَ مِنْهُ أَهْلُ الدُّنْيَا؛ وَلَكِنَّ النَّاسَ فِيهِ مُسْتَوُونَ، الشَّرِيفُ الأَبْلَجُ، وَاللَّئِيمُ المُعَلْهَجُ، وَالمَوْتُ المُفِيتُ؛ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُقَالَ لَكَ هَبِيتٌ، وَكَيْفَ بِالسَّلَامَةِ، لِمَنْ لَيْسَتْ لَهُ إِقَامَةٌ، وَشَرٌّ مِنَ المُصِيبَةِ سُوءُ الخَلَفِ، وَكُلُّ مَجْمُوعٍ إِلَى تَلَفٍ، حَيَّاكَ إِلَهُكَ".»
وَقْفَةٌ بَيَانِيَّةٌ، وَنُكْتَةٌ أَدَبِيَّةٌ:
لِلَّهِ دَرُّهُ مِنْ شَيْخٍ، عَرَكَ الأَيَّامَ وَعَرَكَتْهُ، فَلَمَّا عُصِرَ مَاؤُهُ صَفَا حِكْمَةً تَسِيلُ بِهَا الرِّقَاعُ!
أَمَّا النُّكْتَةُ المَلِيحَةُ، وَاللَّطِيفَةُ البَدِيعَةُ فِي هَذِهِ القِصَّةِ؛ فَهِيَ حَالُ قَوْمِهِ الَّذِينَ جَاءُوا يُعَاتِبُونَهُ فِي آخِرِ رَمَقٍ مِنْ حَيَاتِهِ قَائِلِينَ: "لِمَ لَمْ تَتَزَوَّجْ كَثِيرًا لِيَكْثُرَ نَسْلُكَ كَأَخِيكَ؟!" فَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَدَّ الوَاثِقِ الَّذِي يَرَى الغَيْبَ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ رَقِيقٍ: "لَمْ يَهْلِكْ هَالِكٌ، تَرَكَ مِثْلَ مَالِكٍ". وَتِلْكَ وَاللَّهِ نُكْتَةُ التَّارِيخِ السَّاخِرَةُ، وَمُفَارَقَتُهُ العَجِيبَةُ؛ فَقَدْ أَشْفَقُوا عَلَى الأَوْسِ مِنْ ضَيَاعِ عَقِبِهِ لأَنَّهُ لَمْ يُنْجِبْ سِوَى "مَالِكٍ" اليَتِيمِ بَيْنَ أَبْنَاءِ عُمُومَتِهِ الخَمْسَةِ، فَمَاذَا صَنَعَ الزَّمَانُ؟ لَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ فِرَاسَةَ الشَّيْخِ، فَأَخْرَجَ النَّارَ مِنَ الوَثِيمَةِ، وَجَعَلَ مِنْ صُلْبِ هَذَا الوَلَدِ الوَحِيدِ "مَالِكٍ" قَبَائِلَ تَمْلأُ السَّهْلَ وَالجَبَلَ (الفُضُول، المُغِيرَة، الكَثِير، وَالظَّفِير)، حَتَّى سَادَتْ بَنُو لامٍ فِي الجَزِيرَةِ، فَكَانَ لِسَانُ حَالِ الأَوْسِ يَقُولُ لَهُمْ: شِبْلٌ وَاحِدٌ مِنْ صُلْبِ لَيْثٍ، خَيْرٌ مِنْ قَطِيعٍ يَمْلأُ البَيْدَاءَ ثُغَاءً!
ثُمَّ تَأَمَّلْ سِحْرَ كَلِمَاتِهِ حِينَ قَالَ: "وَالدَّهْرُ يَوْمَانِ... فَكِلاهُمَا سَيَنْحَسِرُ". مُوَاسَاةٌ لِلنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ قَلَّ نَظِيرُهَا؛ فَإِنْ بَطَرْتَ فِي يَوْمِ نِعْمَتِكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زَائِلٌ، وَإِنْ بَكَيْتَ فِي يَوْمِ مِحْنَتِكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ كَذَلِك زَائِلٌ. كَلِمَاتٌ لَوْ نُقِشَتْ بِمَاءِ الذَّهَبِ عَلَى أَبْوَابِ المُلُوكِ، لَكَانَتْ لَهُمْ أَبْلَغَ مَوْعِظَةٍ، وَأَصْدَقَ عَزَاءٍ. حَيَّاهُ إِلَهُهُ حَيَّاكَ!
(2) ذُو الإِصْبَعِ العَدْوَانِيُّ
وَنَعُودُ لِنَغْتَرِفَ مِنْ مَعِينِ البَيَانِ العَرَبِيِّ الأَصِيلِ، حَيْثُ تَتَجَلَّى عَبْقَرِيَّةُ الكَلِمَةِ، وَتَتَدَفَّقُ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ صُدُورِ رِجَالٍ صَنَعَتْهُمُ الصَّحْرَاءُ، وَصَقَلَتْهُمُ التَّجَارِبُ، فَنَنْقُلُ لَكَ مِنْ خَبَايَا التَّارِيخِ سِفْرًا جَدِيدًا، بِمِدَادِ الأَدَبِ الرَّصِينِ المَشْكُولِ، لِنَقِفَ عَلَى أَعْتَابِ شَيْخٍ مِنْ شُيُوخِ مُضَرَ، وَفَارِسٍ مِنْ فُرْسَانِهَا الأَشَاوِسِ.
من هو بطلنا (ذِي الإِصْبَعِ العَدْوَانِيِّ):
هُوَ حُرْثَانُ بْنُ مُحَرِّثِ بْنِ الحَارِثِ العَدْوَانِيُّ، (وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ: حُرْثَانُ بْنُ الحَارِثِ بْنِ مُحَرِّثٍ)، طَوْدٌ بَاذِخٌ يَنْتَهِي أَرُومُ نَسَبِهِ إِلَى قَيْسِ عَيْلانَ مِنْ مُضَرَ. كَانَ شَاعِرًا مُفْلِقًا مِنْ قُدَمَاءِ شُعَرَاءِ العَرَبِ، وَفَارِسًا مِغْوَارًا مِنْ فُرْسَانِهِمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ (تُوُفِّيَ نَحْوَ 22 ق.هـ / 600م). صَاحِبُ غَارَاتٍ صَائِبَةٍ، وَوَقَائِعَ مَشْهُورَةٍ تَرْتَجِفُ لَهَا أَحْيَاءُ العَرَبِ رَهْبَةً وَإِجْلالًا. لُقِّبَ بِـ «ذِي الإِصْبَعِ» لِحَادِثَةٍ عَجِيبَةٍ؛ إِذْ نَهَشَتْ حَيَّةٌ رَقْطَاءُ إِصْبَعًا مِنْ رِجْلِهِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ بَتَرَهَا بِلا تَرَدُّدٍ بَأْسًا وَجَلَدًا. وَقَدْ رُزِقَ هَذَا الفَارِسُ عُمُرًا مَدِيدًا أَشْبَهَ بِالأَسَاطِيرِ؛ فَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ فِي «المُعَمَّرِينَ» أَنَّهُ عُمِّرَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، فِي حِينِ قَصَرَهُ الشَّرِيفُ المُرْتَضَى عَلَى مِائَةٍ وَسَبْعِينَ. وَمَهْمَا بَلَغَتْ سِنُوهُ، فَقَدْ عُمِّرَ الرَّجُلُ دَهْرًا طَوِيلًا حَتَّى هَرِمَ وَخَرِفَ، فَرَاحَ يُبَدِّدُ مَالَهُ وَيُفَرِّقُهُ فِي كُلِّ سَبِيلٍ، مِمَّا جَلَبَ عَلَيْهِ لَوْمَ أَوْلادِهِ وَأَصْهَارِهِ الَّذِينَ أَخَذُوا عَلَى يَدِهِ وَحَجَرُوهُ. وَذَاتَ يَوْمٍ، رَأَتْهُ ابْنَتُهُ «أُمَامَةُ» وَهُوَ يَتَعَثَّرُ فِي خُطَاهُ، يَسْقُطُ مَرَّةً وَيَنْهَضُ أُخْرَى، قَدْ قَوَّسَ ظَهْرَهُ الزَّمَانُ فَرَاحَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاهُ، فَلَمْ تَتَمَالَكْ نَفْسَهَا أَنْ بَكَتْ حَسْرَةً عَلَى مَجْدٍ طَوَاهُ الهَرَمُ. فَنَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الخَبِيرِ بِطِبَاعِ الدَّهْرِ، وَأَنْشَدَ يُسَلِّيهَا:
جَزِعَتْ أُمَامَةُ أَنْ مَشَيْتُ عَلَى العَصَا *** وَتَذَكَّرَتْ إِذْ نَحْنُ مُلْتَقِيَانِ
لَا تَعْجَبِنَّ أُمَامَ مِنْ حَدَثٍ عَرَا *** فَالدَّهْرُ غَيَّرَنَا مَعَ الأَزْمَانِ
تَوْطِئَةُ الوَصِيَّةِ:
وَلَمَّا بَلَغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ، وَأَحَسَّ الشَّيْخُ المُعَمَّرُ بِبُرُودَةِ المَوْتِ تَسْرِي فِي أَوْصَالِهِ الَّتِي أَنْهَكَهَا الكِبَرُ، اسْتَدْعَى ابْنَهُ "أُسَيْدًا" لِيُورِثَهُ خُلاصَةَ الأَيَّامِ، وَيَسْكُبَ فِي أُذُنَيْهِ رَحِيقَ التَّجَارِبِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ إِلَى عَالَمِ الصَّمْتِ، فَقَالَ لَهُ بِلِسَانٍ يَقْطُرُ حِكْمَةً وَبَيَانًا:
وَصِيَّةُ ذِي الإِصْبَعِ العَدْوَانِيِّ لابْنِهِ أُسَيْدٍ:
لَمَّا احْتُضِرَ ذُو الإِصْبَعِ دَعَا ابْنَهُ أُسَيْدًا؛ فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ إِنَّ أَبَاكَ قَدْ فَنِيَ وَهُوَ حَيٌّ، وَعَاشَ حَتَّى سَئِمَ العَيْشَ، وَإِنَّ مُوصِيكَ بِمَا إِنْ حَفِظْتَهُ بَلَغْتَ فِي قَوْمِكَ مَا بَلَغْتُهُ، فَاحْفَظْ عَنِّي، أَلِنْ جَانِبَكَ لِقَوْمِكَ يُحِبُّوكَ، وَتَوَاضَعْ لَهُمْ يَرْفَعُوكَ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ يُطِيعُوكَ، وَلَا تَسْتَأْثِرْ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ يُسَوِّدُوكَ، وَأَكْرِمْ صِغَارَهُمْ كَمَا تُكْرِمُ كِبَارَهُمْ، يُكْرِمْكَ كِبَارُهُمْ، وَيَكْبُرْ عَلَى مَوَدَّتِكَ صِغَارُهُمْ، وَاسْمَحْ بِمَالِكَ، وَارْحَمْ حَرِيمَكَ، وَأَعْزِزْ جَارَكَ، وَأَعِنْ مَنِ اسْتَعَانَ بِكَ، وَأَكْرِمْ ضَيْفَكَ، وَأَسْرِعِ النَّهْضَةَ فِي الصَّرِيخِ؛ فَإِنَّ لَكَ أَجَلًا لَا يَعْدُوكَ، وَصُنْ وَجْهَكَ عَنْ مَسْأَلَةِ أَحَدٍ شَيْئًا، فَبِذَلِكَ يَتِمُّ سُؤْدُدُكَ.
وَقْفَةٌ بَيَانِيَّةٌ، وَنُكْتَةٌ أَدَبِيَّةٌ:
تَأَمَّلْ -رَعَاكَ اللَّهُ- مَطْلَعَ هَذِهِ الوَصِيَّةِ الْمَهِيبَةِ؛ حَيْثُ صَدَّرَهَا بِصُورَةٍ نَفْسِيَّةٍ بَلِيغَةٍ تُذِيبُ القُلُوبَ، حِينَ قَالَ: «إِنَّ أَبَاكَ قَدْ فَنِيَ وَهُوَ حَيٌّ». وَهَذِهِ وَاللَّهِ هِيَ المَأْسَاةُ الكُبْرَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ، فَالْهَرَمُ هُوَ المَوْتُ الأَصْغَرُ الَّذِي يَسْرِقُ مِنَ الْمَرْءِ قُوَّتَهُ وَبَهَاءَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ، حَتَّى يَصِيرَ رُفَاتًا يَتَنَفَّسُ، وَهَيْكَلًا تَسْكُنُهُ الذِّكْرَيَاتُ! وَهَلْ هُنَاكَ أَشَدُّ بَلاغَةً فِي وَصْفِ طُولِ المُكْثِ فِي الدُّنْيَا مِنْ قَوْلِهِ: «وَعَاشَ حَتَّى سَئِمَ العَيْشَ»؟! فَالدُّنْيَا ضَيْفٌ مَلُولٌ، وَصَاحِبُهَا كَذَلِكَ إِنْ طَالَ بِهِ المَقَامُ مَلَّهَا وَمَلَّتْهُ.
أَمَّا النُّكْتَةُ السَّاطِعَةُ فِي وَصِيَّتِهِ لِوَلَدِهِ؛ فَهِيَ إِدْرَاكُهُ العَمِيقُ لِفَلْسَفَةِ (السِّيَادَةِ)، فَالرَّجُلُ كَانَ فَارِسًا مِقْدَامًا يَسُوقُ النَّاسَ بِسَيْفِهِ، لَكِنَّهُ لَمَّا مَحَّضَ النُّصْحَ لابْنِهِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّسَلُّطِ أَوِ التَّجَبُّرِ، بَلْ أَرْشَدَهُ إِلَى أَنَّ تِيجَانَ السِّيَادَةِ إِنَّمَا تُصْنَعُ مِنْ خُيُوطِ التَّوَاضُعِ، وَلِينِ الجَانِبِ، وَسَمَاحَةِ الوَجْهِ وَالْمَالِ! كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ الرِّقَابَ تُسَاقُ بِالمَحَبَّةِ أَطْوَعَ مِمَّا تُسَاقُ بِالرَّهْبَةِ.
ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ خَتَمَ تِلْكَ العُقُودَ النَّفِيسَةَ بِجَوْهَرَةِ التَّاجِ حِينَ قَالَ: «وَصُنْ وَجْهَكَ عَنْ مَسْأَلَةِ أَحَدٍ شَيْئًا، فَبِذَلِكَ يَتِمُّ سُؤْدُدُكَ». وَهَذَا هُوَ سِرُّ الأَسْرَارِ؛ فَمَا أُذِلَّتِ الرِّقَابُ، وَلَا طُعِنَتِ المَهَابَةُ بِمِثْلِ إِرَاقَةِ مَاءِ الوَجْهِ عِنْدَ أَبْوَابِ الخَلْقِ. فَالسَّيِّدُ مَنْ بَذَلَ نَدَاهُ، وَكَفَّ عَنِ النَّاسِ رَجَاهُ. سَلَامٌ عَلَى ذِي الإِصْبَعِ؛ فَقَدْ تَرَكَ مِنْ بَعْدِهِ مَا يَعْصِمُ أَلْفَ أُسَيْدٍ مِنْ عَثَرَاتِ الزَّمَانِ!
(3) عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ
وَمَا زِلْنَا نَطُوفُ فِي رِحَابِ المَجْدِ الغَابِرِ، نَلْتَقِطُ مِنْ دُرَرِ العَرَبِ الأَوَائِلِ مَا يَسْرِي فِي العُرُوقِ سَرَيَانَ السِّحْرِ الْحَلَالِ، لِنَقِفَ اليَوْمَ فِي حَضْرَةِ طَوْدٍ أَشَمَّ، وَلَيْثٍ مُهَوِّلٍ، شَاعِرٍ خَضَعَتْ لِبَيَانِهِ المَنَابِرُ، وَفَارِسٍ دَانَتْ لِسَيْفِهِ المَنَايَا.
من هو بطلنا (عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ):
هُوَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَتَّابٍ التَّغْلِبِيُّ، أَبُو الأَسْوَدِ (وَقِيلَ: أَبُو عُمَيْرٍ، وَأَبُو عَبَّادٍ). شَاعِرٌ جَاهِلِيٌّ فَحْلٌ، وَسَيِّدٌ مُعَمَّرٌ مِنْ صَنَادِيدِ العَرَبِ، يُعَدُّ مِنْ أَشْهَرِ أَعْلامِهِمْ لِمَا اقْتَرَنَ بِاسْمِهِ مِنْ جَلائِلِ الأُمُورِ؛ كَمُعَلَّقَتِهِ النُّونِيَّةِ الخَالِدَةِ، وَحَادِثَةِ فَتْكِهِ بِمَلِكِ الحِيرَةِ، فَقَدْ كَانَ لِقَوْمِهِ «تَغْلِبَ» سَيِّدًا وَفَارِسًا وَلِسَانًا يَنْطِقُ بِالفَخَارِ. يَنْتَمِي هَذَا الفَارِسُ إِلَى أَرُومَةِ عِزٍّ، وَبَيْتِ سِيَادَةٍ وَشِعْرٍ وَبَأْسٍ؛ فَأَبُوهُ «كُلْثُومٌ» قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ «أَفْرَسُ العَرَبِ»، وَأُمُّهُ هِيَ «لَيْلَى بِنْتُ مُهَلْهِلِ بْنِ رَبِيعَةَ» فَارِسِ حَرْبِ البَسُوسِ، وَأَخُوهُ «مُرَّةُ» هُوَ قَاتِلُ المُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَابْنَاهُ «الأَسْوَدُ وَعَبَّادٌ» سَيِّدَانِ وَشَاعِرَانِ. وَلِذَلِكَ حَقَّ لِلأَقْدَمِينَ أَنْ يَصِفُوهُ بِقَوْلِهِمْ: «مِنْ قُدَمَاءِ الشُّعَرَاءِ وَأَعَزِّهِمْ نَفْسًا وَحَسَبًا، وَأَكْثَرِهِمْ امْتِنَاعًا». أَمَّا زَمَنُ وِلادَتِهِ فَيَصْعُبُ تَحْدِيدُهُ بِدِقَّةٍ، شَأْنُهُ فِي ذَلِكَ شَأْنُ فُرْسَانِ الجَاهِلِيَّةِ وَشُعَرَائِهَا.
تَوْطِئَةُ الوَصِيَّةِ:
وَلَمَّا حَنَتِ الأَيَّامُ ظَهْرَهُ، وَدَبَّ الهَرَمُ فِي أَوْصَالِهِ الَّتِي مَا عَرَفَتْ سِوَى صَهَوَاتِ الخَيْلِ، جَمَعَ بَنِيهِ مِنْ حَوْلِهِ، لِيَسْكُبَ فِي وِجْدَانِهِمْ عُصَارَةَ عُمُرٍ مَلِيءٍ بِالخُطُوبِ، فَنَطَقَ بِوَصِيَّةٍ هِيَ قَانُونٌ فِي المُرُوءَةِ، وَدُسْتُورٌ فِي السُّؤْدُدِ، نَنْقُلُهَا لَكَ كَمَا نَطَقَ بِهَا، بِعُذُوبَةِ لَفْظِهَا، وَبَلاغَةِ مَعْنَاهَا:
وَصِيَّةُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ لِبَنِيهِ:
أَوْصَى عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ التَّغْلِبِيُّ؛ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي بَلَغْتُ مِنَ العُمُرِ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مِنْ آَبَائِي وَأَجْدَادِي، وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ مُقْتَبَلٍ، وَأَنْ يَنْزِلَ بِي مَا نَزَلَ بِالآَبَاءِ وَالأَجْدَادِ، وَالأُمَّهَاتِ وَالأَوْلادِ، فَاحْفَظُوا عَنِّي مَا أُوصِيكُمْ بِهِ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا عَيَّرْتُ رَجُلًا قَطُّ أَمْرًا إِلَّا عُيِّرَ بِي مِثْلُهُ، إِنْ حَقًّا فَحَقًّا، وَإِنْ بَاطِلًا فَبَاطِلًا، وَمَنْ سَبَّ سُبَّ، فَكُفُّوا عَنِ الشَّتْمِ فَإِنَّهُ أَسْلَمُ لأَعْرَاضِكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، تَعْمُرْ دَارُكُمْ، وَأَكْرِمُوا جَارَكُمْ يَحْسُنْ ثَنَاؤُكُمْ، وَزَوِّجُوا بَنَاتِ العَمِّ بَنِي العَمِّ؛ فَإِنْ تَعَدَّيْتُمْ بِهِنَّ إِلَى الغُرَبَاءِ، فَلَا تَأْلُوا بِهِنَّ الأَكْفَاءَ، وَأَبْعِدُوا بُيُوتَ النِّسَاءِ مِنْ بُيُوتِ الرِّجَالِ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَعَفُّ لِلذَّكَرِ، وَمَتَى كَانَتِ المُعَايَنَةُ وَاللِّقَاءُ؛ فَفِي ذَلِكَ داءٌ مِنَ الأَدْوَاءِ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَغَارُ لِغَيْرِهِ. كَمَا يَغَارُ لِنَفْسِهِ، وَقَلَّ مَنِ انْتَهَكُ حُرْمَةً لِغَيْرِهِ إِلَّا انْتُهِكَتْ حُرْمَتُهُ، وَامْنَعُوا القَرِيبَ مِنْ ظُلْمِ الغَرِيبِ، فَإِنَّكَ تَذِلُّ عَلَى قَرِيبِكَ، وَلَا يَحِلُّ بِكَ ذُلُّ غَرِيبِكَ وَإِذَا تَنَازَعْتُمْ فِي الدِّمَاءِ فَلَا يَكُنْ حَقُّكُمْ لِلْقَاءٍ، فَرُبَّ رَجُلٍ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ، وَوُدٌّ خَيْرٌ مِنْ خُلْفٍ، وَإِذَا حُدِّثْتُمْ فَعُوا، وَإِذَا حَدَّثْتُمْ فَأَوْجِزُوا، فَإِنَّ مَعَ الإِكْثَارِ يَكُونُ الإِهْذَارُ، وَمَوْتٌ عَاجِلٌ خَيْرٌ مِنْ ضَنًى آَجِلٍ، وَمَا بَكَيْتُ مِنْ زَمَانٍ إِلَّا دَهَانِي بَعْدَهُ زَمَانٌ، وَرُبَّمَا شَجَانِي مَنْ لَمْ يَكُنْ أَمْرُهُ عَنَانِي، وَمَا عَجِبْتُ مِنْ أُحْدُوثَةٍ إِلَّا رَأَيْتُ بَعْدَهَا أُعْجُوبَةً، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَشْجَعَ القَوْمِ العَطُوفُ، وَخَيْرُ المَوْتِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا رَوِيَّةَ لَهُ عِنْدَ الغَضَبِ، وَلَا فِيمَنْ إِذَا عُوتِبَ لَمْ يُعْتِبْ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلَا يُخَافُ شَرُّهُ، فَبُكْؤُهُ خَيْرٌ مِنْ دَرِّهِ، وَعُقُوقُهُ خَيْرٌ مِنْ بِرِّهِ، وَلَا تَبْرَحُوا فِي حُبِّكُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ بَرِّحَ فِي حُبٍّ، آلَ ذَلِكَ إِلَى قَبِيحِ بُغْضٍ، وَكَمْ قَدْ زَارَنِي إِنْسَانٌ وَزُرْتُهُ، فَانْقَلَبَ الدَّهْرُ بِنَا فَبَرَتْهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الحَكِيمَ سَلِيمٌ، وَأَنَّ السَّيْفَ كَلِيمٌ، إِنِّي لَمْ أَمُتْ وَلَكِنْ هَرِمْتُ، وَدَخَلَتْنِي ذِلَّةٌ فَسَكَتُّ، وَضَعُفَ قَلْبِي فَأُهْتِرْتُ، سَلَّمَكُمْ رَبُّكُمْ وَحَيَّاكُمْ".
وَقْفَةٌ بَيَانِيَّةٌ، وَنُكْتَةٌ أَدَبِيَّةٌ:
لِلَّهِ دَرُّ عَمْرٍو! إِنَّ فِي هَذِهِ الوَصِيَّةِ لَسِرًّا عَجِيبًا، وَمُفَارَقَةً تَدْعُو لِلتَّأَمُّلِ وَالتَّعَجُّبِ؛ فَهَذَا هُوَ الفَارِسُ الطَّائِشُ، الَّذِي مَلأَ الأَرْضَ غُرُورًا وَعُنْفُوَانًا حَتَّى قَالَ فِي شَبَابِهِ: (أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا *** فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا)، وَالَّذِي لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي قَطْفِ رَأْسِ مَلِكِ الحِيرَةِ غَضَبًا لِكَرَامَةِ أُمِّهِ، نَرَاهُ هُنَا، فِي خَرِيفِ عُمُرِهِ، يَتَحَدَّثُ بِلِسَانِ الفَيْلَسُوفِ الحَلِيمِ! يَنْصَحُ بَنِيهِ بِكَفِّ اللِّسَانِ عَنِ الشَّتْمِ (فَكُفُّوا عَنِ الشَّتْمِ)، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنَ الغَضَبِ الأَعْمَى (وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا رَوِيَّةَ لَهُ عِنْدَ الغَضَبِ)، بَلْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الاعْتِدَالِ فِي المَحَبَّةِ وَالخُصُومَةِ (وَلَا تَبْرَحُوا فِي حُبِّكُمْ). فَيَا لَسُخْرِيَةِ الأَيَّامِ وَيَا لَصَنِيعِهَا بِالرِّجَالِ! كَيْفَ رَوَّضَتْ هَذَا اللَّيْثَ الكَاسِرَ، وَصَقَلَتْ رُوحَهُ، فَحَوَّلَتْ نَارَ الفُتُوَّةِ وَغَلَيَانَهَا إِلَى نُورِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَتِهَا.
وَأَمَّا النُّكْتَةُ البَلِيغَةُ الَّتِي تُبْكِي العُيُونَ؛ فَهِيَ خَاتِمَةُ كَلِمَاتِهِ حِينَ تَنَهَّدَ بِصِدْقٍ مُوجِعٍ قَائِلًا: «إِنِّي لَمْ أَمُتْ وَلَكِنْ هَرِمْتُ، وَدَخَلَتْنِي ذِلَّةٌ فَسَكَتُّ...». إِنَّهُ اعْتِرَافُ العَظِيمِ بِقَهْرِ الزَّمَانِ؛ فَلَمْ تُهْزَمْ فُرُوسِيَّتُهُ بِسَيْفٍ، وَلَمْ يُذَلَّ عَزْمُهُ بِمَيْدَانٍ، وَإِنَّمَا طَحَنَتْهُ رَحَى الأَيَّامِ الَّتِي لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ. لَقَدْ تَرَكَ عَمْرٌو لِعَرَبِ بَعْدَهُ لَوْحَةً مَرْسُومَةً بِمِدَادِ التَّجْرِبَةِ: الشَّجَاعَةُ فِي الفِعْلِ، وَالْعِفَّةُ فِي العِرْضِ، وَالْحِكْمَةُ فِي القَوْلِ... فَسَلَّمَهُ رَبُّهُ وَحَيَّاهُ!
المصادر:
كتاب: «جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة» (وهو من جمع وتأليف الأستاذ أحمد زكي صفوت).
وقد قام مُؤلِّف هذا الكتاب بتوثيق هذه الوصايا وإرجاعها إلى مصادرها الأصلية في أمهات كتب التراث العربي، وقد وردت هذه المصادر في التهميشات التي أرفقتها أنت بالترتيب الآتي:
1. مصادر الوصية الأولى (أوس بن حارثة لابنه مالك):
- كتاب «الأمالي» لأبي علي القالي (الجزء 1، الصفحة 102).
- كتاب «شرح ابن أبي الحديد» (شرح نهج البلاغة) (الجزء 4، الصفحة 154).
2. مصادر الوصية الثانية (ذي الإصبع العدواني لابنه أسيد):
- كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (الجزء 3، الصفحة 6).
3. مصادر الوصية الثالثة (عمرو بن كلثوم لبنيه):
- كتاب «شرح ابن أبي الحديد» (الجزء 4، الصفحة 155).
- كتاب «الأغاني» (الجزء 9، الصفحة 178).