عصارة السنين (الجزء الثاني): ثلاث وصايا من أساطير المعمرين في الجاهلية
«هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّ حِكْمَةَ الصَّحْرَاءِ كَانَتْ لَوْنًا وَاحِدًا، وَنَغَمًا مُتَشَابِهًا؟ كَلَّا وَاللَّهِ! فَكَمَا أَنْجَبَتِ الْبَيْدَاءُ الْحَكِيمَ الرَّزِينَ، فَقَدْ أَرْضَعَتِ الذِّئْبَ الْكَاسِرَ، وَصَقَلَتِ الدَّاهِيَةَ الْمُحَنَّكَ!
فِي هَذَا الشَّطْرِ مِنْ رِحْلَتِنَا، نَنْزِعُ اللِّثَامَ عَنْ وُجُوهٍ أُخْرَى مِنْ وُجُوهِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَنَسْتَمِعُ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ أَسَاطِيرِ الْمُعَمَّرِينَ.. رِجَالٌ عَارَكُوا الدَّهْرَ، وَابْتَلَعُوا قُرُونَ الزَّمَانِ حَتَّى كَادُوا أَنْ يُخَلَّدُوا، ثُمَّ أَدْرَكَتْهُمُ حَتْمِيَّةُ الرَّحِيلِ.
سَنَقِفُ أَوَّلًا فِي مِحْرَابِ "قَاضِي الْعَرَبِ" الَّذِي أَبْصَرَ نُورَ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ تُشْرِقَ شَمْسُ النُّبُوَّةِ، فَنَطَقَ بِالْعَدْلِ وَفَلْسَفَةِ الْيَقِينِ.. ثُمَّ نُفَاجَأُ بِفَارِسٍ جَبَّارٍ، عَاشَ أَرْبَعَةَ قُرُونٍ وَنِصْفٍ، لِيَتْرُكَ لِأَبْنَائِهِ فِي لَحْظَةِ الْمَوْتِ دُسْتُورًا يَقْطُرُ دَمًا وَشَرَاسَةً لَا مَكَانَ فِيهِ لِقَطْرَةِ رَحْمَةٍ! لِنَخْتِمَ الْمَطَافَ مَعَ زَعِيمٍ دَاهِيَةٍ، خَاضَ مِائَتَيْ مَعْرَكَةٍ، وَخَادَعَ الْمَوْتَ مِرَارًا، قَبْلَ أَنْ يَعْتَرِفَ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ سِوَى هَدَفٍ مَنْصُوبٍ، تَتَخَطَّفُهُ سِهَامُ الْأَقْدَارِ.
تَجَهَّزُوا لِتَبَايُنِ الطِّبَاعِ، وَتَصَادُمِ الرُّؤَى؛ فَهَا نَحْنُ نَفْتَحُ كِتَابَ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ فِي أَعْنَفِ صِرَاعَاتِهَا، وَأَصْدَقِ لَحَظَاتِهَا.. لَحَظَاتِ الْوَدَاعِ الأَخِيرَةِ! فَهَلُمَّ نَسْتَمِعُ...»
(1) عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ العَدْوَانِيُّ
وَنَمْضِي قُدُمًا فِي رِحْلَتِنَا المَهِيبَةِ عَبْرَ أَرْوِقَةِ التَّارِيخِ، لِنَقِفَ فِي مَحَطَّتِنَا الرَّابِعَةِ أَمَامَ طَوْدٍ مِنْ أَطْوَادِ الحِجَازِ، وَعَلَمٍ مِنْ أَعْلامِ الفِكْرِ وَالْحِكْمَةِ فِي زَمَنِ الجَاهِلِيَّةِ. رَجُلٌ سَبَقَ زَمَانَهُ، وَأَنْطَقَهُ اللَّهُ بِالحَقِّ قَبْلَ أَنْ تُشْرِقَ شَمْسُ النُّبُوَّةِ.
البِطَاقَةُ التَّعْرِيفِيَّةُ لِلْمُوصِي (عَامِرِ بْنِ الظَّرِبِ العَدْوَانِيِّ):
هُوَ عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ العَدْوَانِيُّ، حَكِيمٌ مِنْ حُكَمَاءِ العَرَبِ، وَقَاضٍ مِنْ أَجَلِّ قُضَاةِ الطَّائِفِ. يَنْتَمِي إِلَى قَبِيلَةِ «عَدْوَانَ» المَعَدِّيَّةِ العَدْنَانِيَّةِ الحِجَازِيَّةِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ سَيِّدًا مُطَاعًا مِنْ سَادَاتِ مُضَرَ وَقَيْسِ عَيْلانَ. لَمْ يَكُنْ عَامِرٌ مُجَرَّدَ فَارِسٍ تَهَابُهُ الرِّجَالُ، بَلْ كَانَ «حَنِيفًا» نَقِيَّ الفِطْرَةِ؛ أَقَرَّ أَحْكَامًا فِقْهِيَّةً وَسَنَّ قَوَانِينَ ارْتَضَاهَا الإِسْلامُ فِيمَا بَعْدُ، إِذْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَوْمِهِ المَيْتَةَ، وَالزِّنَا، وَالخَمْرَ فِي عِزِّ الجَاهِلِيَّةِ العَمْيَاءِ. وَلِفَرْطِ حِكْمَتِهِ وَسَدَادِ رَأْيِهِ، لُقِّبَ بِـ «حَكِيمِ العَرَبِ» وَ«قَاضِي العَرَبِ»، وَكَانَتْ لَهُ الزَّعَامَةُ المُطْلَقَةُ عَلَى الطَّائِفِ قَبْلَ «ثَقِيفَ». كَمَا قَادَ تَحَالُفَاتٍ عَسْكَرِيَّةً مَهِيبَةً؛ فَخَاضَ بِقَبَائِلِ قَيْسٍ حَرْبًا ضِدَّ خُزَاعَةَ لِنَزْعِ وِلايَتِهِمْ عَلَى مَكَّةَ، وَقَادَ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَقُضَاعَةَ ضِدَّ مَذْحِجٍ فِي «يَوْمِ البَيْدَاءِ» فَكَانَتْ لَهُ فِيهِ الغَلَبَةُ وَالظَّفَرُ.
تَوْطِئَةُ الوَصِيَّةِ:
وَلَمَّا بَلَغَ الشَّيْخُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا، وَأَشْفَقَ قَوْمُهُ أَنْ تَطْوِيَ المَنِيَّةُ صَحِيفَتَهُ، جَاءُوهُ يَلْتَمِسُونَ مِنْهُ أَنْ يَنْصِبَ لَهُمْ سَيِّدًا يَخْلُفُهُ، لِيَأْمَنُوا عَثَرَاتِ الزَّمَانِ. فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ نَظْرَةَ الخَبِيرِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ السِّيَادَةَ لَا تُورَثُ بِالأَمَانِي، وَنَطَقَ بِوَصِيَّتِهِ البَلِيغَةِ قَائِلًا:
وَصِيَّةُ عَامِرِ بْنِ الظَّرِبِ العَدْوَانِيِّ لِقَوْمِهِ:
يَا مَعْشَرَ عَدْوَانَ: كَلَّفْتُمُونِي بَغْيًا، إِنْ كُنْتُمْ شَرَّفْتُمُونِي فَإِنِّي أَرَيْتُكُمْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِي؛ فَأَنَّى لَكُمْ مِثْلِي؟ افْهَمُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ، إِنَّهُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ لَمْ يَجْتَمِعَا لَهُ، وَكَانَ البَاطِلُ أَوْلَى بِهِ، وَإِنَّ الحَقَّ لَمْ يَزَلْ يَنْفِرُ مِنَ البَاطِلِ، وَلَمْ يَزَلِ البَاطِلُ يَنْفِرُ مِنَ الحَقِّ. يَا مَعْشَرَ عَدْوَانَ: لَا تَشْمَتُوا بِالذِّلَّةِ، وَلَا تَفْرَحُوا بِالعِزَّةِ، فَبِكُلِّ عَيْشٍ يَعِيشُ الفَقِيرُ مَعَ الغَنِيِّ، وَمَنْ يَرَ يَوْمًا يُرَ بِهِ، وَأَعِدُّوا لِكُلِّ امْرِئٍ جَوَابَهُ، إِنَّ مَعَ السَّفَاهَةِ النَّدَامَةَ، وَالعُقُوبَةُ نَكالٌ وَفِيهَا ذَمَامَةٌ، وَلِلْيَدِ العُلْيَا العَاقِبَةُ، وَالقَوَدُ رَاحَةٌ، لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِذَا شِئْتَ وَجَدْتَ مِثْلَكَ، إِنَّ عَلَيْكَ كَمَا أَنَّ لَكَ، وَلِلْكَثْرَةِ الرُّعْبُ، وَلِلصَّبْرِ الغَلَبَةُ، وَمَنْ طَلَبَ شَيْئًا وَجَدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ قَرِيبًا مِنْهُ.
وَقْفَةٌ بَيَانِيَّةٌ، وَنُكْتَةٌ أَدَبِيَّةٌ:
لِلَّهِ دَرُّهُ هَذَا الحَكِيمِ! تَأَمَّلْ مَعِي النُّكْتَةَ العَجِيبَةَ فِي مُفْتَتَحِ وَصِيَّتِهِ؛ لَقَدْ جَاءَهُ قَوْمُهُ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُمْ بَدِيلًا، فَكَانَ رَدُّهُ صَاعِقًا وَمُبَاغِتًا: «كَلَّفْتُمُونِي بَغْيًا.. فَأَنَّى لَكُمْ مِثْلِي؟». إِنَّهُ لَا يَتَكَبَّرُ، بَلْ يُقَرِّرُ حَقِيقَةً اجْتِمَاعِيَّةً صُلْبَةً؛ وَهِيَ أَنَّ «السِّيَادَةَ» لَا تُوهَبُ بِالمَرَاسِيمِ وَلا تُورَثُ بِالوَصَايَا، بَلْ تُنْتَزَعُ بِالأَفْعَالِ كَمَا انْتَزَعَهَا هُوَ (فَإِنِّي أَرَيْتُكُمْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِي). كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ: اصْنَعُوا قَادَتَكُمْ بِأَيْدِيكُمْ كَمَا صَنَعْتُ نَفْسِي!
أَمَّا الدُّرَّةُ الفَلْسَفِيَّةُ الفَرِيدَةُ فِي كَلَامِهِ، فَهِيَ قَوْلُهُ: «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ لَمْ يَجْتَمِعَا لَهُ، وَكَانَ البَاطِلُ أَوْلَى بِهِ». وَهَذِهِ وَاللَّهِ قَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ لَوْ وُزِنَتْ بِكُتُبِ الفَلْسَفَةِ لَرَجَحَتْهَا؛ فَالْحَقُّ صَافٍ كَالمَاءِ الزُّلالِ، وَالبَاطِلُ كَدِرٌ كَالطِّينِ، وَمَنْ خَلَطَهُمَا مَعًا لَمْ يَحْصُلْ عَلَى مَاءٍ وَطِينٍ، بَلْ حَصَلَ عَلَى «طِينٍ» فَقَطْ! لِذَلِكَ كَانَ البَاطِلُ أَوْلَى بِهِ.
ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ وَزَنَ الحَيَاةَ بِمِيزَانِ العَدْلِ الصَّارِمِ حِينَ قَالَ: «وَمَنْ يَرَ يَوْمًا يُرَ بِهِ»؛ أَيْ مَنْ رَأَى فِعْلًا فِي النَّاسِ، رُئِيَ مِثْلُهُ فِيهِ، فَالدَّيَّانُ لَا يَمُوتُ، وَالكِيَاسَةُ أَنْ تُعِدَّ لِكُلِّ مَوْقِفٍ جَوَابَهُ. خَتَمَ رِسَالَتَهُ بِبَثِّ رُوحِ العَزِيمَةِ فِيهِمْ مُؤَكِّدًا أَنَّ السَّاعِيَ لِلْمَجْدِ وَاصِلٌ لَا مَحَالَةَ: «وَمَنْ طَلَبَ شَيْئًا وَجَدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ قَرِيبًا مِنْهُ». سَلَامٌ عَلَى حَكِيمِ الطَّائِفِ الَّذِي نَطَقَ بِالقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ، وَأَبْصَرَ بِنُورِ الفِطْرَةِ مَا تَعَامَتْ عَنْهُ أَبْصَارُ عَصْرِهِ!
(2) دُوَيْدُ بْنُ زَيْدٍ الْقُضَاعِيُّ
وَنَمْضِي فِي دُرُوبِ التَّارِيخِ الْمُقْفِرَةِ، نَقْتَفِي آثَارَ العَمَالِقَةِ الَّذِينَ طَوَوْا قُرُونًا مِنَ الزَّمَانِ قَبْلَ أَنْ يَطْوِيَهُمُ التُّرَابُ. مَحَطَّتُنَا الْخَامِسَةُ لَيْسَتْ كَمَا سَبَقَ؛ فَهُنَا لَا مَكَانَ لِلتَّسَامُحِ، وَلَا وُجُودَ لِلِينِ الْجَانِبِ، بَلْ نَحْنُ أَمَامَ فَارِسٍ مَرَدَ عَلَى الْحُرُوبِ حَتَّى صَارَتْ قَلْبَهُ، وَشَرِبَ مِنَ الدِّمَاءِ حَتَّى ارْتَوَتْ حِكْمَتُهُ!
البِطَاقَةُ التَّعْرِيفِيَّةُ لِلْمُوصِي (دُوَيْدِ بْنِ زَيْدٍ):
هُوَ دُوَيْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ نَهْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَوْتَكَةَ بْنِ أَسْلَمَ الْقُضَاعِيُّ، (وَلُقِّبَ أَيْضًا بـ "ذُوَيْدٍ"، وَقِيلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إِنَّهُ جَذِيمَةُ بْنُ صُبْحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ نَهْدٍ). شَاعِرٌ جَاهِلِيٌّ فَحْلٌ، وَمُعَمَّرٌ مِنْ أَسَاطِيرِ المُعَمَّرِينَ؛ إِذْ ذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ عُمِّرَ (456) أَرْبَعَمِائَةٍ وَسِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً! وَذَكَرَ صَاحِبُ "الْقَامُوسِ الْمُحِيطِ" أَنَّهُ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ. وَهُوَ ابْنُ أَخِي الشَّاعِرِ الْمَعْرُوفِ خُزَيْمَةَ بْنِ نَهْدٍ. رَجُلٌ عَاصَرَ أَجْيَالًا وَأَجْيَالًا، وَصَارَعَ الدَّهْرَ حَتَّى كَادَ يَهْزِمُهُ، فَلَمَّا عَضَّتْهُ الْمَنِيَّةُ بِنَابِهَا، نَطَقَ بِوَصِيَّةٍ تَقْطُرُ بَأْسًا وَشَرَاسَةً، سَاقَهَا الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فِي أَمَالِيهِ.
تَوْطِئَةُ الوَصِيَّةِ:
وَلَمَّا حَضَرَتِ الْمَوْتُ دُوَيْدًا، بَعْدَ أَنْ شَرِبَ كَأْسَ الْحَيَاةِ حَتَّى الثُّمَالَةِ، جَمَعَ بَنِيهِ مِنْ حَوْلِهِ؛ لَا لِيُوصِيَهُمْ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كَمَا يَفْعَلُ الْحُكَمَاءُ عَادَةً، بَلْ لِيُورِثَهُمْ دُسْتُورَ الْبَقَاءِ فِي صَحْرَاءَ لَا تَرْحَمُ الضُّعَفَاءَ، فَقَالَ:
وَصِيَّةُ دُوَيْدِ بْنِ زَيْدٍ لِبَنِيهِ:
لَمَّا حَضَرَتْ دُوَيْدَ بْنَ زَيْدٍ الْوَفَاةُ قَالَ لِبَنِيهِ: "أُوصِيكُمْ بِالنَّاسِ شَرًّا، لَا تَرْحَمُوا لَهُمْ عَبْرَةً، وَلَا تُقِيلُوهُمْ عَثْرَةً، قَصِّرُوا الْأَعِنَّةَ، وَطَوِّلُوا الْأَسِنَّةَ، وَاطْعَنُوا شَزْرًا، وَاضْرِبُوا هَبْرًا، وَإِذَا أَرَدْتُمُ الْمُحَاجَزَةَ، فَقَبْلَ الْمُنَاجَزَةِ، وَالْمَرْءُ يَعْجِزُ لَا الْمَحَالَةَ، بِالْجِدِّ لَا بِالْكَدِّ، وَالتَّجَلُّدِ وَلَا التَّبَلُّدِ، وَالْمَنِيَّةُ وَلَا الدَّنِيَّةُ، وَلَا تَأْسَوْا عَلَى فَائِتٍ وَإِنْ عَزَّ فَقْدُهُ، وَلَا تَحِنُّوا إِلَى ظَاعِنٍ وَإِنْ أَلِفَ قُرْبَهُ، وَلَا تَطْمَعُوا فَتُطْبَعُوا، وَلَا تَهِنُوا فَتَخْرَعُوا. وَلَا يَكُونَنَّ لَكُمُ الْمَثَلُ السَّوْءُ "إِنَّ الْمُوصِينَ بَنُو سَهْوَانَ" إِذَا مِتُّ فَأَرْحِبُوا خَطَّ مَضْجَعِي، وَلَا تَضِنُّوا عَلَيَّ بِرُحْبِ الْأَرْضِ، وَمَا ذَلِك بِمُؤَدٍّ إِلَيَّ رَوْحًا، وَلَكِنْ حَاجَةُ نَفْسٍ خَامَرَهَا الْإِشْفَاقُ".
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ فِي حَدِيثٍ آخَرَ إِنَّهُ قَالَ:
الْيَوْمَ يُبْنَى لِدُوَيْدٍ بَيْتُهُ *** يَا رُبَّ نَهْبٍ صَالِحٍ حَوَيْتُهُ
وَرُبَّ قِرْنٍ بَطَلٍ أَرْدَيْتُهُ *** وَرُبَّ غَيْلٍ حَسَنٍ لَوَيْتُهُ
وَمِعْصَمٍ مُخَضَّبٍ ثَنَيْتُهُ *** لَوْ كَانَ لِلدَّهْرِ بِلًى أَبْلَيْتُهُ
أَوْ كَانَ قِرْنِي وَاحِدًا كَفَيْتُهُ
وَقْفَةٌ بَيَانِيَّةٌ، وَنُكْتَةٌ أَدَبِيَّةٌ:
أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ وَالْقَارِئُ، خُذْ نَفَسًا عَمِيقًا بَعْدَ هَذِهِ الْعَاصِفَةِ! لَقَدْ كَسَرَ "دُوَيْدٌ" كُلَّ قَوَاعِدِ الْوَصَايَا الْمَعْهُودَةِ. إِذَا كَانَ ذُو الْإِصْبَعِ قَدْ نَصَحَ بِالتَّوَاضُعِ وَالسَّخَاءِ، فَإِنَّ دُوَيْدًا نَصَحَ بِالشَّرِّ الْمَحْضِ: «أُوصِيكُمْ بِالنَّاسِ شَرًّا، لَا تَرْحَمُوا لَهُمْ عَبْرَةً»!
وَالنُّكْتَةُ السَّاخِرَةُ هُنَا؛ أَنَّ رَجُلًا عَاشَ أَرْبَعَمِائَةٍ وَسِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً، يُخَالِطُ الْبَشَرَ وَيُعَاشِرُهُمْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، كَانَتْ خُلَاصَتُهُ وَنَتِيجَةُ تَجَارِبِهِ فِي النِّهَايَةِ أَنْ قَالَ لِأَوْلَادِهِ: افْتَرِسُوهُمْ فَلَا خَيْرَ فِيهِمْ! كَأَنَّ طُولَ عُمُرِهِ لَمْ يَزِدْهُ بِالنَّاسِ إِلَّا خُبْرًا بِمَكَائِدِهِمْ، فَقَرَّرَ أَنْ يُسَلِّمَ بَنِيهِ دُسْتُورَ "الذِّئَابِ" فِي غَابَةِ الْجَاهِلِيَّةِ: (قَصِّرُوا الْأَعِنَّةَ، وَطَوِّلُوا الْأَسِنَّةَ).
أَمَّا الْمُفَارَقَةُ الَّتِي تُذِيبُ الْقَلْبَ وَتَسْتَدْعِي الدَّهْشَةَ، فَهِيَ أَنَّ هَذَا الْجَبَّارَ الْعَنِيدَ، الَّذِي لَا يَرْحَمُ دَمْعَةً، عَادَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ طِفْلًا خَائِفًا يَسْتَجْدِي أَبْنَاءَهُ أَنْ يُوَسِّعُوا قَبْرَهُ! «فَأَرْحِبُوا خَطَّ مَضْجَعِي.. وَلَكِنْ حَاجَةُ نَفْسٍ خَامَرَهَا الْإِشْفَاقُ». سُبْحَانَ قَاهِرِ الْجَبَابِرَةِ! رَجُلٌ قَتَلَ الْأَبْطَالَ، وَلَوَى الْمَعَاصِمَ، وَنَاطَحَ الدَّهْرَ، يَرْتَجِفُ خَوْفًا مِنْ ضِيقِ اللَّحْدِ، وَيُعَلِّلُ ذَلِكَ بِمَرَارَةٍ قَائِلًا: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ وُسْعَ الْقَبْرِ لَنْ يَنْفَعَنِي، وَلَكِنَّهَا نَفْسِي الَّتِي ذُعِرَتْ مِنَ الظُّلْمَةِ وَالضِّيقِ!
ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ خَتَمَ أَبْيَاتَهُ بِكِبْرِيَاءِ فَارِسٍ لَمْ يُهْزَمْ فِي مَيْدَانٍ قَطُّ، مُعْلِنًا أَنَّ قَاتِلَهُ الْوَحِيدَ هُوَ "الزَّمَنُ" مُجْتَمِعًا: «لَوْ كَانَ لِلدَّهْرِ بِلًى أَبْلَيْتُهُ.. أَوْ كَانَ قِرْنِي وَاحِدًا كَفَيْتُهُ».. أَيْ لَوْ كَانَ الْمَوْتُ رَجُلًا يُبَارِزُنِي لَقَتَلْتُهُ، وَلَكِنِّي أُقَاتِلُ الدَّهْرَ، وَمَنْ ذَا الَّذِي يَصْرَعُ الدَّهْرَ؟! إِنَّهَا صَرْخَةُ كِبْرِيَاءٍ تَتَمَزَّقُ عَلَى أَعْتَابِ النِّهَايَةِ الْمَحْتُومَةِ.
(3) زُهَيْرُ بْنُ جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ
وَنُوَاصِلُ إِبْحَارَنَا فِي خِضَمِّ هَذَا الْيَمِّ الزَّاخِرِ بِدُرَرِ الْعَرَبِ وَحِكْمَتِهِمْ، لِنَرْسُوَ عِنْدَ عَلَمٍ سَاطِعٍ مِنْ أَعْلَامِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ رَجُلٍ جَمَعَ بَيْنَ دَهَاءِ السِّيَاسَةِ، وَضَرَاوَةِ الْفُرُوسِيَّةِ، وَبَيَانِ الْخَطَابَةِ، حَتَّى صَارَ أُسْطُورَةً تَتَنَاقَلُهَا الرُّكْبَانُ.
الْبِطَاقَةُ التَّعْرِيفِيَّةُ لِلْمُوصِي (زُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ):
هُوَ زُهَيْرُ بْنُ جَنَابِ بْنِ هُبَلَ الْكَلْبِيُّ، مِنْ بَنِي كِنَانَةَ بْنِ بَكْرٍ. زَعِيمٌ يَمَانِيٌّ مُهَابٌ، وَخَطِيبُ قُضَاعَةَ الْمُفَوَّهُ، وَسَيِّدُهَا، وَشَاعِرُهَا، وَبَطَلُهَا الْمِغْوَارُ، وَوَافِدُهَا الَّذِي تَرْتَجِفُ لَهُ أَرْوِقَةُ الْمُلُوكِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. عُرِفَ بِثَاقِبِ بَصِيرَتِهِ وَسَدَادِ رَأْيِهِ حَتَّى لُقِّبَ بـ «الْكَاهِنِ»، وَقَدْ مُدَّ لَهُ فِي الْعُمُرِ مَدًّا عَجِيبًا؛ فَقِيلَ عَاشَ مِائَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، بَلْ بَالَغَ بَعْضُهُمْ فَأَوْصَلَهَا إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً! خَاضَ مِنَ الْوَقَائِعِ وَالْحُرُوبِ مَا يُنَاهِزُ الْمِائَتَيْنِ، أَشْهَرُهَا حُرُوبُهُ الطَّاحِنَةُ مَعَ قَبِيلَتَيْ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ؛ حِينَ وَلَّاهُ «أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ» عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا أَصَابَهُمُ الْقَحْطُ وَامْتَنَعُوا عَنْ أَدَاءِ الْخَرَاجِ، قَاتَلَهُمْ زُهَيْرٌ. وَفِي تِلْكَ الْحَرْبِ جَرَحَهُ فَارِسٌ مِنْهُمْ وَظَنَّ أَنَّهُ أَرْدَاهُ قَتِيلًا، فَمَا كَانَ مِنْ زُهَيْرٍ —بِدَهَائِهِ— إِلَّا أَنْ تَمَاوَتَ، ثُمَّ تَسَلَّلَ سِرًّا إِلَى قَوْمِهِ فِي الْيَمَنِ، فَجَهَّزَ جَيْشًا عَرَمْرَمًا وَعَادَ لِيَفْعَلَ بِبَكْرٍ وَتَغْلِبَ الْأَفَاعِيلَ، ثَأْرًا وَتَأْدِيبًا.
تَوْطِئَةُ الْوَصِيَّةِ:
وَلَمَّا طَوَى هَذَا الشَّيْخُ الْمُحَنَّكُ سِنِيَّ عُمُرِهِ الطَّوِيلَةَ، وَتَشَرَّبَ مِنْ كَأْسِ الدُّنْيَا حُلْوَهَا وَمُرَّهَا، جَمَعَ بَنِيهِ لِيُسَلِّمَهُمْ مَفَاتِيحَ النَّجَاةِ فِي عَالَمٍ لَا يَرْحَمُ، مُحَذِّرًا إِيَّاهُمْ مِنَ الرُّكُونِ إِلَى دَعَةِ الْأَيَّامِ، فَقَالَ:
وَصِيَّةُ زُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ:
وَأَوْصَى زُهَيْرُ بْنُ جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ بَنِيهِ فَقَالَ: "يَا بَنِيَّ: قَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَبَلَغْتُ حَرَسًا مِنْ دَهْرِي، فَأَحْكَمَتْنِي التَّجَارِبُ، وَالْأُمُورُ تَجْرِبَةٌ وَاخْتِبَارٌ، فَاحْفَظُوا عَنِّي مَا أَقُولُ وَعُوهُ، إِيَّاكُمْ وَالْخَوَرَ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، وَالتَّوَاكُلَ عِنْدَ النَّوَائِبِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ رَاعِيَةٌ لِلْفَهْمِ، وَشَمَاتَةٌ لِلْعَدُوِّ، وَسُوءُ ظَنٍّ بِالرَّبِّ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَكُونُوا بِالْأَحْدَاثِ مُغْتَرِّينَ، وَلَهَا آمِنِينَ، وَمِنْهَا سَاخِرِينَ؛ فَإِنَّهُ مَا سَخِرَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا ابْتُلُوا، وَلَكِنْ تَوَقَّعُوهَا؛ فَإِنَّمَا الْإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا غَرَضٌ تَعَاوَرُهُ الرُّمَاةُ، فَمُقَصِّرٌ دُونَهُ، وَمُجَاوِزٌ لِمَوْضِعِهِ، وَوَاقِعٌ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ أَنَّهُ مُصِيبُهُ".
وَقْفَةٌ بَيَانِيَّةٌ، وَنُكْتَةٌ أَدَبِيَّةٌ:
تَأَمَّلْ بِرَبِّكَ هَذِهِ التَّحْفَةَ الْأَدَبِيَّةَ الَّتِي صَاغَهَا رَجُلٌ قَضَى جُلَّ عُمُرِهِ بَيْنَ صَلِيلِ السُّيُوفِ وَصَهِيلِ الْخَيْلِ! لَقَدْ حَذَّرَ أَبْنَاءَهُ مِنْ آَفَتَيْنِ تَقْصِمَانِ ظَهْرَ الرِّجَالِ: "الْخَوَرِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ" (وَهُوَ الضَّعْفُ وَالِانْكِسَارُ)، وَ"التَّوَاكُلِ عِنْدَ النَّوَائِبِ" (وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ وَتَرْكُ الْحِيلَةِ). فَالْمَرْءُ إِنِ انْكَسَرَ، شَمِتَ بِهِ عَدُوُّهُ، وَإِنِ اسْتَسْلَمَ دُونَ عَمَلٍ، فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِفَرَجِ رَبِّهِ.
أَمَّا النُّكْتَةُ الْبَلِيغَةُ الَّتِي تُذْهِلُ الْعُقُولَ، فَهِيَ تِلْك الصُّورَةُ الْمَجَازِيَّةُ الْمُرْعِبَةُ الَّتِي خَتَمَ بِهَا كَلَامَهُ؛ حَيْثُ شَبَّهَ الْإِنْسَانَ بِـ «الْغَرَضِ» (أَيِ الْهَدَفِ الَّذِي يُرْمَى بِالسِّهَامِ)، وَشَبَّهَ مَصَائِبَ الدَّهْرِ وَحَوَادِثَهُ بِـ «الرُّمَاةِ». فَتَخَيَّلْ رَجُلًا مَوْقُوفًا، وَسِهَامُ الدَّهْرِ تَتَخَطَّفُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ سَهْمٌ يَقَعُ قَبْلَهُ، وَسَهْمٌ يُجَاوِزُهُ لِيَضْرِبَ مَنْ خَلْفَهُ، وَسَهْمٌ عَنْ يَمِينِهِ، وَآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ (وَهِيَ إِشَارَةٌ بَلِيغَةٌ لِمَوْتِ الْأَقَارِبِ وَالْأَصْدِقَاءِ مِنْ حَوْلِهِ)، حَتَّى يَأْتِيَ السَّهْمُ الْمَحْتُومُ الَّذِي «لَا بُدَّ أَنَّهُ مُصِيبُهُ»!
وَالْمُفَارَقَةُ الْعَجِيبَةُ هُنَا؛ أَنَّ زُهَيْرًا نَفْسَهُ قَدْ أَفْلَتَ مِنْ سَهْمِ الْمَوْتِ مِرَارًا؛ حَتَّى أَنَّهُ "تَمَاوَتَ" يَوْمًا لِيَخْدَعَ قَاتِلَهُ.. لَكِنَّهُ فِي خَرِيفِ الْعُمُرِ، وَبَعْدَ مِائَتَيْ حَرْبٍ، يُدْرِكُ يَقِينًا أَنَّ سَهْمَ الدَّهْرِ إِذَا انْطَلَقَ مِنْ قَوْسِ الْمَنِيَّةِ لِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلَا دَهَاءَ يَرُدُّهُ، وَلَا تَمَاوُتَ يَنْفَعُ مَعَهُ!
المصادر:
كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي الْمَجْمُوعَةِ الْأُولَى، فَإِنَّ الْمَصْدَرَ الْعَامَّ وَالْوَسِيطَ الَّذِي اقْتَبَسْتَ مِنْهُ هَذِهِ النُّصُوصَ هُوَ كِتَابُ: «جَمْهَرَةِ خُطَبِ الْعَرَبِ فِي عُصُورِ الْعَرَبِيَّةِ الزَّاهِرَةِ» لِلْأُسْتَاذِ أَحْمَدَ زَكِي صَفْوَت.
وَقَدْ أَرْجَعَ الْمُؤَلِّفُ هَذِهِ الْوَصَايَا إِلَى مَصَادِرِهَا الْأَصْلِيَّةِ فِي أُمَّهَاتِ الْكُتُبِ، وَهِيَ مُرَتَّبَةٌ كَالتَّالِي بِنَاءً عَلَى مَا أَرْفَقْتَهُ مِنَ النُّصُوصِ وَالْحَوَاشِي:
1. مَصَادِرُ الْوَصِيَّةِ الرَّابِعَةِ (عَامِرِ بْنِ الظَّرِبِ الْعَدْوَانِيِّ):
- كِتَابُ «مَجْمَعِ الْأَمْثَالِ» لِلْعَلَّامَةِ الْمَيْدَانِيِّ (الْجُزْءُ 2، الصَّفْحَةُ 183).
2. مَصَادِرُ الْوَصِيَّةِ الْخَامِسَةِ (دُوَيْدِ بْنِ زَيْدٍ):
- كِتَابُ «أَمَالِي السَّيِّدِ الْمُرْتَضَى» (الْجُزْءُ 1، الصَّفْحَةُ 171).
- (وَقَدْ وَرَدَتْ إِشَارَاتٌ أُخْرَى فِي الْحَوَاشِي لِتَوْضِيحِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ وَالْأَمْثَالِ مِنْ كِتَابِ «مَجْمَعِ الْأَمْثَالِ» لِلْمَيْدَانِيِّ (الْجُزْءُ 1، الصَّفْحَةُ 6) وَكَذَلِك لِـ «الْقَامُوسِ الْمُحِيطِ» لِلْفَيْرُوزآبَادِيِّ).
3. مَصَادِرُ الْوَصِيَّةِ السَّادِسَةِ (زُهَيْرِ بْنِ جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ):
- كِتَابُ «أَمَالِي السَّيِّدِ الْمُرْتَضَى» (الْجُزْءُ 1، الصَّفْحَةُ 173).